كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

خاص بـ«سينماتك»

 

هند رستم:

الرمز، النظرة، والصورة التي ملكت نفسها

بقلم: د. مالك خوري/ خاص بـ«سينماتك»

 
 
 
 

·      أستاذ الدراسات السينمائية ومؤسس برنامج السينما (2012) بالجامعة الأمريكية بالقاهرة.

·      يرأس حاليا مهرجان "القاهرة للفيلم المصري القصير: "رؤى"، وهو أكبر مهرجان من نوعه في مصر.

·      عمل في جامعة كالجاري في كندا حيث اشرف على تأسيس وإدارة برنامج الدراسات السينمائية (2004 – 2008)، وتبوأ رئاسة قسم الإتصالات في كلية  الثقافة والإتصالات (2006-2008).

·      باحث واختصاصي في الدراسات السينمائية الكندية وفي السينما العربية ويكتب باللغة الانكليزية ومؤخرا بالعربية.

·      ساهم فى دعم نشاطات عدد من المهرجانات السينمائية (ومنها مهرجانات كالجارى – مونتريال – تورنتو – الإسماعيلية – الأقصر للسينما الافريقية– ومهرجان الإسكندرية للفيلم القصير) لمدة تزيد عن خمسة وعشرون عاما. كانت إسهاماته فى هذه المهرجانات من خلال تبوؤه العديد من الأدوار التطوعية، منها كعضو مؤسس، كعضو في لجان المشاهدة، كمدير للبرمجة، كعضو مجلس امناء، كعضو لجان تحكيم، كراعى، كمحاضر, وكمنسق للجان محاضرات وورش سينمائية.

·      يحمل درجة الدكتوراه فى الفلسفة في تخصص الإتصالات من جامعة ماكجيل في مونتريال، كندا (2000). كما يحمل درجة الماجيستير فى الدراسات الكندية من جامعة كارلتون في اوتاوا، كندا (1996)، ودرجتي ليسانس (واحدة في الدراسات السينمائية من جامعة كارلتون في اوتاوا1994, والثانية فى الإنتاج السينمائي من جامعة يورك في تورونتو عام 1982). 

 

د. مالك خوري

 

 

هند رستم:

الرمز، النظرة، والصورة التي ملكت نفسها

بقلم: د. مالك خوري/ خاص بـ«سينماتك»

هند رستم هي أقوى من حوّل الأداء النسوي في السينما العربية، الى تحد للنظرة الذكورية الدونية عبر خلق "مشهدية " (spectacle) للاغراء الذي يعصى على التطويع والسيطرة. ان تنوع قدراتها التمثيلة وغنى وعمق الأبعاد التي تعطيها لشخصياتها هي من القوة بحيث تضع المشاهد الذكوري أمام العجز عن ابقاء سطوته "المتلصصة" (voyeuristic) عليها. بل ان سطوة ادائها وحضورها على الشاشة يرتد على المشاهد الذكوري تطويعا لغريزته، وتفرض عليه تراجعا مؤقتا عن القدرة على لعب دور المهيمن على المشهد كما تمرس من خلال سنين من الاعتياد على تركيبة النظرة نحو المرأة والتي تطبع السينما التقليدية. فنظرة هذه المراة نفسها، و"تكلفها"، وتعاليها المقرون بالتلاعب المصطنع على عواطف وغرائز نظيرها المذكر في الفيلم، وتملكها لضحكتها الشهيرة، وبغض النظر عن الشخصية التي تجسدها، تصبح كلها المكون الأكثر هيمنة على الشاشة التي تلعب هند رستم في حقلها وكل ما هو حولها بما في ذلك قاعة العرض.

وعلى الرغم من أن الاكثرية الساحقة للأفلام التي شاركت فيها هند رستم(90 فيلم من1947 الى 1979) كانت تعيد تدوير نهاية تراجيدية للشخصيات التي تقدمها؛ وعلى الرغم من ان هذه الخواتم السردية بدت في اكثريتها الساحقة وكأنها تحاول تأكيد الأمثولات "الاخلاقية" و"الدينية" والتي تجعل من عناوينها القصاص من اي امرأة تتجرأ على تحدي الصورة والممارسة "المقبولة" اجتماعيا لها، فان قوة هيمنة ووجود هند رستم على الشاشة كانا دائما يفرضان ثيمة مختلفة، او بالاقل قيمة ثيمية اضافية لتلك التي يقدمها الفيلم نفسه.

العديد من الباحثين والمنظرين في موضوع الصورة السينمائية للمرأة في السينما كتبوا عن تعامل المخرج ألفريد هيتشكوك مع النساء في أفلامه، وخاصة لجهة الطريقة التي يتعامل بها مع المرأة "القوية". وركز هؤلاء على أن هيتشكوك في نهايات معظم افلامه (كما في معظم أفلام السينما المهيمنة في الماضي وفي الحاضر) جعل قدرا على هذه المرأة، بطريقة او باخرى، ان تعود لترضخ لارادة المجتمع الذكوري وقيمه ومعاييره. فيعاد تأطير دورها لتتحول اما الى ربة بيت مطيعة أو أم تقليدية، او الى حبيبة ترى في "رجلها" شفيعا لما تبقى لها من حياة. وفي حال لم ينجح هذا التحول لأي سبب، يصبح التخلص منها ضروريا وذلك اما عبر تحويلها الى نكرة اجتماعية، او الى قتلها.

مع هند رستم، كان من الطبيعي لمخرجي الصف الاول في مصر ان يتعاملوا في معظمهم مع قدر الشخصيات التي قدمتها هذه الفنانة بطريقة مماثلة. ففيما عدا نهايات أفلام قليلة "باب الحديد" و"بين السماء والأرض" وغيرها، تميزت مصائر الشخصيات التي لعبتها هند رستم بالقدرية التراجيدية التي تأتي كنتيجة لحكم الهي محتم. وهو بالواقع حكم يتناسب مع ما ينسجم مع ارادة الرجل وما يعتبره منسجما مع طبيعة النظرة البطريركية التقليدية للمرأة ودورها في المجتمع، في اطار ما هو "مخصص" لها وما لا يمكن لها تجاوزه. لهذا فان معظم شخصيات هند رستم السينمائية على الشاشة كانت تخضع بالنهاية لارادة القصة الميلودرامية المحكومة اما بالزواج التقليدي، او بالرهبنة، او بالاستسلام للحبيب والزواج. وكان طبعا يضاف الى هذا، مصائر الموت، والتشوه، وخسارة الابناء، والحرقة الابدية، وكلها كبدائل لعدم الانصياع لما كان من المفترض ان يكون قدرا لها كمرأة.

بيد أنه مع هند رستم، كان القسم الاول من أفلامها، ودائما، يحتوي على ما يكفي لان يختبر المشاهد ما يتجاوز المصير العقابي الذي ينتظر كل من يخالف الارادة البطريركية للمجتمع وحماتها من أولئك الذين حترفوا ادعاء تمثيل الارادة الالهية على الأرض. فشخصياتها ضمن الاطار العام لهذا القسم تلعب في حقل انوثتها واغرائها واستقلالها الحرفي والعاطفي حتى الثمالة، بما يرسخ للمشاهد الامكانيات المغايرة لحالة التسليم لما يراد له أن يكون مصيرا لا بديل له للمرأة. فشخصيات هند رستم في الأجزاء الأولى لهذه الأفلام تبدو وكأنها تروي شبق تذوق الحياة. وفي نفس السياق، ترسم هذه الشخصيات السينمائية معالم من حرفية الاستفادة من القوة الأنثوية، داخل مجتمع يهمش المرأة ولا يفسح في المجال لها أن تؤمن حياتها وحقوقها كانسان مستقل. وهي تلعب أحيانا في حيز الهجوم لتقوم بتركيع أقانيم تمثل الهيمنة الرجعية الذكورية فتجبرهم على الامتثال لارادتها.

لهذا فان معظم الشخصيات التي قدمتها هند رستم لم تربط نفسها كليا بتقديم أمثلة عن محاسن خضوع المرأة لما هو "مقدر" لها اجتماعيا وشخصيا، بل رسمت أيضا مساحات واسعة بديلة ومحتملة تفتح المجال، ولو جزئيا، لتخيل ومقاربة حالة: "وماذا لو" لم تكن المرأة تخضع لهذا المصير الذي يقدم لها على أنه "مقدر" (الامومة والخضوع والتبعية للرجل). ونلمس هذا تكرارا في معظم افلام هند رستم، عبر شعور المشاهد بنوع من الحسرة، لكن ليس بسبب وقوع الشخصية الرئيسية "بخطا افعالها"، بل بسبب اضطرارها للقبول بالقواعد التقليدية المرسومة لها اجتماعيا.

ولعل التمسك الواضح لرستم بعدم القبول السهل بما كان يعرض عليها من أدوار، كان وراء نجاحها بالحفاظ على صورة نجومية محددة كانت تعتبرها جزءا أساسيا في عملها الفني: صورة المرأة وهي في صراع مع واقع وجودها في كنف المجتمع الذكوري. وربما هذا هو السبب الذي جعل هند رستم تعتبر عملها مع المخرج حسن الأمام بمثابة النقطة الأعلى في تكوين رصيدها الفني خصوصا بعد مشاركتها في "بنات الليل" (1955) و"الجسد (1955). وعلى الرغم من اعتزازها بأعمالها مع يوسف شاهين وفطين عبد الوهاب ومحمود ذو الفقار وغيرهم، فهي كانت تعتبر فيلم حسن الامام "شفيقة القبطية" (1963) بمثابة العمل الأهم في تاريخها السينمائي لآنه ساعدها على اطلاق جوانب أوسع وأعمق من قدراتها التمثيلية. ونذكر هنا واحد من أقوى اللحظات الفنية وأكثرها جرأة في تاريخ السينما المصرية والعربية، والذي يكمن في المشهد الذي تمتطي فيه شفيقة (هند رستم) ظهر الباشا (حسين رياض) وتأمره بالمأمأة تمثلا بصوت الخرفان وهو يحملها ويتنقل بها على يديه ورجليه في بهو قصره.

 
 

 

 

 

كل هذا جعل هند رستم واحدة من الفنانات العربيات القليلات اللواتي استطعن رسم ملامح وتطويع صورتهن الفنية بحرفية خاصة ومميزة، وأن تكون هذه الصورة بالنسبة لهن بمثابة هوية يفتخرن بها ويدافعن عن اختيارها. فعلى سبيل المثال، أنا لم أجد أي تصريح لهند رستم، سواء قبل أو بعد تقاعدها، عبرت فيه عن ندمها أوعدم رضاها عن "نوع" أو شكل الشخصيات التي طغت على أعمالها في السينما، أو عن أنها كانت تقضل القيام بأدوار مختلفة. بل أن هند رستم، كانت في معظم الأحيان تتقصد الظهور بالشكل الذي تعود عليه جمهورها وأحبها من خلاله. وكانت تردد باستمرار أنها تعمدت دوما أن تلبس "للصورة"؛ تلك الصورة (image) التي كانت تمثل بالنسبة لها مزيجا من كيفية تخيلها لنفسها، ولأزياء الحقبة التي كانت تعيش فيها، وللجاذبية الاجتماعية والأنثوية التي تطمح اليها. كما أن هند رستم كانت محترفة في الامساك بأصول اللعبة في تقديم نقسها أمام الكاميرا وكيفية اللعب أمامها، لهذا فان الصورة التي كانت تقدمها على الشاشة السينمائية، كان تزداد قوة أيضا من خلال الصور الفوتوغرافية التي أصبحت جزءا من "اعادة التدوير" الاعلامي للفنانة. بل أن رستم كانت تعبر دائما، وحتى آخر مقابلاتها الاعلامية حين كانت تناهز الثمانين عاما، عن افتخارها بأعمالها ورصيدها الفني، لدرجة أنها تقاعدت باكرا وهاجسها الأساسي عدم المس بصورتها التي ترسخت من ضمن أعمالها الشهيرة.

وما كانت تشعر هند رستم به حيال الملابس الأخاذة التي كانت ترتديها على سبيل المثال، بقيت منسجمة مع نفسها حياله حتى النهاية، بل أنها جعلت منه وقفة "مبدئية" تجابه من خلاله المتغيرات التي غزت مصر والعالم العربي بداية من سبعينات القرن الماضي. فانسجام رستم وارتياحها مع "الدغدغة" اللاتقليدية التي كانت تميز ملابسها والتي لم تخجل من الاحتفاء بالجسد وجماله؛ وتوأمة ذلك مع رفضها لمحاولات التدجين التي مورست ضدها في الثمانينات مع ازدياد نفوذ التيارات الوهابية في المجتمعات العربية بشكل عام، وعبر الضغط عليها للتبرؤ من تاريخها، جعل من هذه الفنانة الفريدة من نوعها أيقونة دائمة لقدرة الفن والفنانين على مقاومة ضغوط التدجين القمعي للمجتمع. هذا التدجين الذي كان من نتائجه الأقبح، "الشرعنة" العملية لجريمة التحرش والتي أضحت من سمات واقعنا الاجتماعي اليوم.

وأضيف هنا نقطة هامة في الحديث عن هند رستم. فالعديد يحلو لهم المقاربة ما بين هند رستم والأيقونة الأميركية مارلين مونرو. وقد يكون لهذه المقارنة بعضا من المشروعية على مستويات مختلفة، مثل الوقع الذي خلفته كل منهما على الشاشة كنساء جميلات وفي نفس الوقت كنساء مدركات وواعيات لقوة جمالهن. لكن في الوقت الذي عانت مارلين مونرو من واقع التعسف العائلي والذكوري في حياتها الشخصية، وحتى بعد تحقيقها للنجومية، مما قادها بالنهاية الى الانتحار وجعل منها أيقونة مأساوية، فان رستم بقيت وفية للصورة القوية التي كونتها لنفسها على الشاشة. فهي أصرت على التقاعد في الوقت الذي رأته مناسبا لها، وبما يضمن الحفاظ على الصورة التي أرادتها وأحبتها لنفسها خلال عملها. وهي حرصت دائما على أن تعبر عن فخرها بما حققته وأن تتصدى لكل محاولات تطويع هذه الانجازات وتحجيمها الى نوع من الذكرى البعيدة التي آن الأوان لأن "تعتذر" عنها بشكل أو بآخر. في هذا كانت هند رستم فنانة "مقاتلة" ترفض الاستسلام تحت عبأ الضغوط التي تجابهها المرأة في حقول العمل، وفي حقل السينما على وجه الخصوص. مارلين مونرو قاتلت، لكنها بالنهاية استسلمت بشكل مأساوي.

فكانت هند رستم، على سبيل المثال، في طليعة الذين وقفوا وبوضوح، وفي وسط الهيمنة الوهابية على مفاصل أساسية في السينما المصرية منذ ثمانينات القرن الماضي، لتعلن رفضها المبدئي الصارم لما أصبح يعرف "بالسينما النظيفة". وهي من القليلين جدا في الصناعة السينمائية المصرية، سواء على مستوى المنتجين أو الممثلين الذين عبروا بوضوح عن رأيهم في هذا المجال: "السينما النظيفة ليست فنًا بل دعاية لمساحيق الغسيل. الممثلة التي ترفض أداء مشاهد معينة أو دور معين تكون ضعيفة، ويجب أن تبتعد عن التمثيل، لأن النماذج التي ترفض تمثيلها موجودة فعلاً في المجتمع ولا بد من إلقاء الضوء عليها". هذا ما قالته هند رستم في مقابلة مطولة مع فايزة هنداوي في صحيفة "الجريدة" قبل فترة قصيرة من رحيلها في صيف 2011. وهند رستم رفضت تسلم جائزة الدولة على أعمالها عام 2004 مصرحة بأن "الجائزة جاءت متأخرة جدا. وأنا لست موضوعة على الرف لاختياري عندما يحلو لهم".

في ذكرى غياب هند رستم، نتذكر أيقونة بمصاف عالمي لا يجاريها فيه الا مارلينا ديتريش، بيتي ديفيس، غريتا غاربو، باربرا ستانويك، لورين باكال ومثيلاتهن من عملاقات السينما الكلاسيكية في العالم. وهي من اعتبرها البعض أهم ممثلة في تاريخ السينما العربية، بل في العالم ومن هؤلاء المؤرخ السينمائي ماكسيميليان دو لافاييت في كتابه Hind Rostom: The World Greatest Actress. لكنها أيضا الرمز القوي للمرأة التي يصعب تطويعها وسجنها في غياهب التهميش والنكران والفرض القسري لأصول اللعبة الذكورية الرجعية بكل أشكالها. وقد يكون هذا وراء التهميش التاريخي المتعمد في الأبحاث السينمائية العربية الذكورية والمحافظة بمعظمها (وكذلك في المهرجانات السينمائية العربية على أنواعها) لهذه الشخصية السينمائية الفذة والفريدة من نوعها ... والتي آن الأوان لأن نكرمها بما يليق بها وبفنها وبعطائها الضخم للسينما المصرية والعربية والعالمية.

سينماتك في ـ  10 أغسطس 2020

 
 

 

 
   
 
 
 
تابع أيضاً
 
عن رحيل ملكة الإغراء في السينما
هند رستم

(1926 - 2011)

 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004