جديد الموقع

 
 
 
ملف خاص عن 6 أكتوبر .. السينما والحرب، في «سينماتوغراف»
 
 
   

جايلان صلاح

 

أفلام حرب أكتوبر: 

زخم تجاري وقصص نمطية استهلاكية

"سينماتوغراف" ـ جايلان صلاح

   
 
 
 
 
 

"عشان مصر تعيش لازم أغلى ناس يموتوا"

بهذه الكلمة تختتم الفنانة ماجدة فيلمها "العمر لحظة" والذي عرض عام 1978 ويتنافس مع فيلم "الرصاصة لا تزال في جيبي" 1974 في كونهما من أفضل الأفلام التي تناولت حرب أكتوبر بصرياً وتصويرياً على الأقل. 

فيلم "الرصاصة لا تزال في جيبي" بالذات يعد من أفضل الأفلام تمثيلاً لحرب أكتوبر على الشاشة، وإن كان لا يمثل سوى القليل من الأهوال التي تعرض لها الجنود المصريون البواسل، أو البطولات والمواقف المشحونة بالعواطف والإجلال والتي رآها رأي العين المصور سعيد شيمي، أحد أهم مصوري السينما المصرية والذي حمل كاميرته بدعوة من القوات المسلحة لتوثيق واحدة من أعظم الحروب في تاريخ مصر. 

يعزو سعيد شيمي تفوق "الرصاصة لا تزال في جيبي" بصرياً إلى كونه صور في معسكرات الجيش بالإسماعيلية، ويؤكد الفنان محمود ياسين في حوار صحفي أن تصوير "الرصاصة" تم تحت إشراف عسكري لم يسمح بحدوث خطأ في الشكليات والبنية الأساسية للفيلم.

ماذا عن المضمون؟

أفلامنا الستة عن حرب أكتوبر، والتي يحفظها أي شاب قضى فترة طفولته البائسة في التسعينيات، حيث لم يكن الانترنت متوفراً ولا الأقمار الصناعية، وكان يقضى يوم 6 أكتوبر في مواجهة التليفزيون متنقلاً ما بين القناتين الأولى والثانية، واللتين تعيدان الأفلام الستة في بسالة تحسدان عليها. قد ينضم إلى الأفلام الستة واحد من الأفلام التي لا تعد رسمياً من أفلام "حرب أكتوبر" مثل الطريق إلى إيلات، والصعود إلى الهاوية، وبئر الخيانة، ويوم الكرامة - مؤخراً، ويالها من إضافة مزرية- وإعدام ميت، لكن تبقى هذه الأفلام الستة محفورة في أذهان وقلوب المصريين كأفلام "نصر أكتوبر المجيد". 

من المضحك أن هذه الأفلام كلها تقريباً لم تعد صالحة للمشاهدة الآن، فهي تتحدث عن الحرب بطريقة نمطية كلاسيكية وكأنما نسخت من كتاب المحفوظات. بعض هذه الأفلام ضعيف فنياً لدرجة كبيرة مثل فيلم "بدور" 1974 لمحمود ياسين ونجلاء فتحي، وبعضها تجاري بحت مثل "الرصاصة لا تزال في جيبي" بأسماء ممثليه اللامعة من حسين فهمي، ومحمود ياسين، ونجوى إبراهيم، وسعيد صالح، وكونه من أكثر الأفلام تصويراً للمعارك الحربية بقدر الإمكانات المتاحة وقتها في السينما المصرية.

معظم ما يتذكره المشاهدون عن أفلام حرب أكتوبر بعض الجمل الحوارية والتي ربما علقت في الذاكرة من فرط سذاجتها أو كوميديتها في خضم أفلام من المفترض أنها وجبة دسمة تناقش فكرة ثقيلة على النفس مثل الحرب، وتتأرجح ما بين الموت والحياة وفكرة الوقوف على خط النار ومواجهة الانسان للموت، وكيفية انعكاس هذا عليه سواء عاد سالماً أو مصاباً إصابة بليغة أو رأى موت أحد أفراد كتيبته أمام عينيه، ومدى تأثير الموت المتعاقب على نفسية الجندي سواء تأثيراً غائراً ملحوظاً، أو تأثيراً تراكمياً يظهر أثره فيما بعد.

من الجمل التي يتذكرها المشاهدون جملة "حاضر يا سي صابر" والتي لا تكف بدور - الشخصية التي تلعبها نجلاء فتحي- عن ترديدها في فيلم "بدور". ومن الجمل التي تثير ضحك المشاهدين أيضاً، نطق محيي إسماعيل للعبرية في فيلم "الرصاصة لا تزال في جيبي". أما عن جملة "هقولك على مفاجأة.. أنا مسافر ألمانيا" والتي يتحف بها عمر ناجي حبيبته المفترضة نجوى إبراهيم في فيلم "حتى آخر العمر" 1975 فهي تثير ضحك المشاهدين لكونها لحظة درامية غير مبررة وكوميدية في لا معقوليتها، خاصة وأن رد فعل الحبيبة الهادئ المنكسر يكون مخالفاً لما يمكن أن يكون عليه في الواقع، حتى لو كان واقعاً موازياً. 

من الطرائف أيضاً احتواء بعض أفلام حرب أكتوبر على أغاني، بخلاف الأغاني الحماسية التي تتردد وقت عبور القناة وتدمير خط بارليف وغيرها من الأنشطة الحربية الكثيرة التي يكررها صناع الأفلام كطقس من طقوس فيلم نصر أكتوبر الحربي. ففي فيلم "الوفاء العظيم" 1974، تغني نجلاء فتحي بطريقة ال lip sync (تحريك الشفايف) وهي الطريقة التي برعت نجلاء في أدائها طوال مشوارها الفني الشاب في مرحلة ما قبل نضجها التمثيلي، عندما كانت تتخذ من فاتن حمامة قدوة مع إضفاء مسحة سبعيناتي على الشخصيات الكلاسيكية الرومانسية. 

فيلم "العمر لحظة" قد يخلو من اللحظات الكوميدية اللامنطقية، وإن كان يجنح للتعامل مع الحرب بنفس طريقة الأفلام السابق ذكرها. إنه الخلطة الحربية العظيمة: فتاة رومانسية عادة ما تكون رمزاً لمصر بصورة شديدة المباشرة - شخصية فاطمة في فيلم الرصاصة لا تزال في جيبي خير دليل- حبيب شجاع، جسور يقسم وقته ما بين الحب والحرب أو منكسر وحزين بسبب الهزيمة وربما يسيء معاملتها، قصة حب كلاسيكية، حرب ودماء، تسليط الضوء على معاناة الجنود النفسية بصورة نمطية شبه مكررة، حتى أن شخصيات الجنود والضباط الفرعية في الأفلام -أحمد زكي في "العمر لحظة" وسعيد صالح في "الرصاصة لا تزال في جيبي" مثلا- يمكن استبدالهما بالتباديل والتوافيق من فيلم لآخر، دون أن يضر هذا بالبناء الدرامي لأي من الفيلمين، أو يغير قيد أنملة في الحبكة أو الصراع. 

ربما من الأفلام الواعدة القليلة التي صنعت عن حرب أكتوبر في نفس الفترة الزمنية التي ضمت "بدور" و"الرصاصة..." وغيرها، هو فيلم "أبناء الصمت" 1974.

فيلم أبناء الصمت يتناول حرب الاستنزاف كخلفية للصراع الدائر في أعماق أبطاله، ويقارن ما بين الصراع الداخلي للجنود، المتباينة شخصياتهم ودوافعهم، والصراع الدائر على خط النار في السويس، كما يأخذنا بعيداً إلى قلب القاهرة حيث لا يدور الصراع سوى في نفس الصحفية نبيلة والتي تؤدي دورها ميرفت أمين، وهو يذكرنا بفيلم ثرثرة فوق النيل من إخراج حسين كمال، والذي أظهر الفارق واضحاً بين حياة الجنود على الجبهة وحياة القاهرة الصاخبة بالحفلات والمجون، البعيدة كل البعد عن معاناة الجنود في مواقعهم. الطريف أن ميرفت أمين في "ثرثرة فوق النيل" كانت تؤدي الدور المضاد لشخصيتها في "أبناء الصمت" فبينما في الأول هي جزء من فسيفساء مجتمع التغييب المنحدر بسرعة إلى القاع، هي في الثاني جزء من عناصر التنوير، الباحثة عن الحقيقة التي تحاول الربط بين عالمين مغيب كل منهما عن الآخر. في "أبناء الصمت" يلعب محمود مرسي في براعة دور رئيس التحرير ذي الماضي الغامض، والذي يبدو باستهتاره وتثبيطه أمل المصريين في أي انتصار أو استعادة للكرامة، إنما يحاول عكس ما يعتمل في نفسه من ذبح لكرامته التي أهدرت في أقبية التعذيب، ويطمس أحلامه القديمة كيساري سابق، في إسقاط واضح لتحول مناضلي اليسار عند خروجهم من السجون إلى أعمدة تنادي بكل ما كانوا يكرهون، بل ويشاركون في صنع العالم القمعي المغيب الذي حلموا يوماً بهدمه.

ربما أفضل مشاهد أبناء الصمت هي المشاهد التي تصور الجنود يتحدثون حديثاً عادياً لا تشوبه النزعة التقريرية المعتادة من أحاديث نعي الهزيمة والقتلى والنكسة، عندما يتحدث محمود الذي يلعب شخصيته أحمد زكي، رحمه الله، عن أسفه لقصف مصنع التكرير من قبل العدو الإسرائيلي وزلزلة فكرة الوطن بالنسبة له، فهو كان يرى هذا المصنع من أي مكان في السويس، هو "برج القاهرة" الخاص به، وبفنائه ربما اهتزت صورة الوطن ككل في عينيه، أو كما يقول الشاعر "هذي بلاد لم تعد كبلادي". أيضاً يعد "أبناء الصمت" من أفضل الأفلام بناء لشخصيات الجنود، وتوضيح التباين بين طبقاتهم الاجتماعية وأعمارهم وميولهم وشخصياتهم، كتلة من البشر تتفاعل وتتلاحم على خلفية حدث جلل وهو الحرب، بينما هما يتخاصمون ويتصالحون ويتحادثون ويضحكون ويتداعبون دعابات جنسية (في إطار محافظ طبعا لنوعية الفيلم) لتزجية الوقت. لكن حدود تفاعلهم البشري محدودة بسبب جو الحرب الخانق وبسبب محاولة الفيلم الزج بكل العناصر في مكان واحد. كما أن شخصيات فيلم "أبناء الصمت" هي شخصيات أفلام الحرب المعتادة، آباء مخلصون، أزواج محبون، أبناء بارون بأهاليهم، ربما هو محاولة لإضفاء حالة من القدسية على كل من حارب، بينما في الحقيقة البشر بكل نقائصهم يدافعون عن أوطانهم، وعامة البشر كتلة متشابكة من المتناقضات، بينما شخصيات "أبناء الصمت" هي كالعادة تجنح ما بين الدناءة والخسة المطلقة، والالتزام والنبل الزائدين عن الحد.

لهذا في اعتباري مشهد الذروة في أبناء الصمت هو اكتشاف المشاهد لحقيقة رئيس التحرير الموالي للسلطة والذي يؤدي دوره ببراعة محمود مرسي رغم ضعف الكتابة نسبيا. فبدلاً من فيلينته نسبة إلى villain إلى النهاية، يكتشف المشاهد أنه مجرد واحد آخر من الذين سحقهم الوطن، مثله مثل جندي فقد إيمانه بما يفعل لكنه يظل يحارب - في حالة محمود مرسي يعيش- فقط لأن العرض يجب أن يستمر. 

في النهاية يبقى السؤال، هل كل ما تحتاجه السينما المصرية لإنتاج فيلم يليق بحرب أكتوبر هو جهة انتاجية سخية وطاقم من نجوم الشباك؟ أم أن هناك طبقات أعمق يجب إزاحة التراب من عليها، وربما إعادة قراءة التاريخ بصورة أكثر تفهماً وغوصاً في التفاصيل. لفعل هذا يجب - وإن كان مستحيلاً في رأيي- تجريد الأحداث من التوجهات السياسية ووجهات النظر المفروضة على صناع الأفلام، بحيث يجد المخرج والكاتب الحرية المطلقة في البحث في التاريخ كما يشاءون، وكما يتراءى لنظرتهم الإبداعية.

عندها فقط يمكننا أن نشاهد فيلماً يعيش معنا لفترة أطول، ليس لأنه "مافيش غيره" بل لأننا لن نختار له بديلاً لتخليد تلك الذكرى في أعماقنا..

 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2014)