أمين صالح

 
جديدكتب في السينماالأيامالوطنسوليوودالقديم.. الجديدملفات خاصة
 

القديم.. الجديد

برجمان يتحدث عن “صرخات وهمسات

ترجمة أمين صالح

 
 

يقول برجمان في مقدمته لسيناريو الفيلم:

أصدقائي الأعزاء.. نحن الآن جميعاً بصدد إنجاز فيلم، بقدر ما يكون مختلفاً عن أعمالنا السابقة، سيكون هذا السيناريو أيضاً مختلفاً. سنحاول اللجوء إلى الاعتدال نوعاً ما في التعقيد. لهذا عليّ أن أشرح ما أريده أكثر مما كنت أفعل في السابق، ومن ثم نستطيع أن نناقش كل المشاكل التي تصادفنا.

كمشروع يتبلور في ذهني، أعرف أنه لن يبرز أبداً كعمل متكامل، لن يتّخذ مظهر كلّ واضح الحدود. إنه يشبه التيار القاتم المتدفق: وجوه، حركات، أصوات، إيماءات، صرخات، أضواء وظلال، حالات، أحلام. لا شئ ثابتا ومتبلورا، لا شئ محدّدا وملموسا حقاً إلا للحظةٍ، وأيضا فيما يظهر للعيان فحسب. حلم ما، توق أو ربما ترقّب، خوف ما، في حين أن ما يسبّب الخوف لا يمكن التعبير عنه بالكلمات. بوسعي أن استمر على نحو غامض في وصف النغمة المميزة واللون، لكن لا ينبغي أن نزعم الحكمة.

* في البداية لم يكن بداخلي سوى صورة لثلاث نساء يتجولن في حجرة حمراء بملابسهن البيضاء. لم أجد سبباً لوجود هذه الصورة، ولم أفهم لماذا عاشت هؤلاء النسوة بداخلي. هذه الصورة الأولى ظلت تراودني مراراً. هكذا يبدو الأمر دائماً: الصور، بعناد وإلحاح، تصعد إلى السطح، من دون أن أعرف ما تريده مني ثم تختفي، لتعود ثانيةً، كما كانت دون أي تغيير.

أربع نساء بملابس بيضاء في حجرة حمراء واسعة. يدخلن ويغادرن، هامسات إلى بعضهن البعض. واضح أنهن كتومات، متحفظات تماماً. في ذلك الحين، كان ذهني مشغولاً بأمور أخرى، لكن لأن الصور استمرت في العودة المرّة تلو الأخرى، وبإلحاح شديد، فقد فهمت أنها تريد شيئاً مني

المشهد، الذي وصفته للتوّ، لازمني لمدة عام. في البداية، بالطبع، لم أكن أعرف أسماء النسوة، ولا سبب ارتيادهن تلك الحجرة الحمراء في ضوء الفجر الرمادي.  وفي كل مرّة، كنت أقصي هذه الصورة، وأرفض أن أبني عليها فيلماً، غير أنها تثابر في فرض نفسها بعزم وعناد. حاولت أن أكتشف ما الذي تتبادله هؤلاء النسوة من همس. ثم فجأة خطرت لي فكرة أنهن ثلاث نساء مشغولات بامرأة أخرى ترقد محتضرة في الحجرة المجاورة. وهنّ يتناوبن في الجلوس معها، ومحاولة التخفيف من معاناتها.

 حينئذ بدأ السيناريو. ولقد استغرق هذا عاماً كاملاً.. وهنا وجه الغرابة: فأنت تشعر أن بداخلك صورة، والنص يبدأ دائماً بصورة، ومع ضرب من التوتر بداخلها، تبرز هذه الصورة ببطء.

* إنها القصة ذاتها في كل مرّة، المناظر ذاتها، المشكلات ذاتها، والممثلون يتكررون.. الفارق الوحيد أننا صرنا أكبر سناً.

* حين أحقّق فيلماً، لا يعني هذا إنني أنوي التحدث عن الوضع البشري. عندما تخلق – لا، الخلق كلمة مبتذلة، لنقل – عندما تبني فيلماً كتبته وصورته فإنك، على نحو ثابت، تتحدث عن شيء ما يتعلق بالماضي وليس الحاضر.. لأن التحدث عن الحاضر يعتبر نقلاً فوتوغرافياً، أو مجرد تقرير. شيء ما يحدث، يُختبر، حدث يتم إنتاجه. لكنك لا تستطيع أن تفهم حقيقة الشيء الذي يحدث فهماً تاماً لكي تعيد إنتاجه بعد فترة. الحقيقة الداخلية يجب أن تموت حتى تُستخدم في البناء الفني. أعتقد إنه في (صرخات وهمسات) يوجد شيء ما يتعلق بالماضي، والذي يعكس تماماً وجهة نظري في الحياة.

* لا أريد أن أصنع فيلماً تشاؤمياً. إذا وجدته تشاؤمياً فذلك يعني إنني ارتكبت خطأ ما في الفيلم. ربما يكون فيلماً قاسياً، مخيفاً، فاحشاً، لكنه لا يحمل نظرة تشاؤمية. هناك أنّا.. أنّا هي الأمل. وهناك أجنس التي، في الصورة الأخيرة من الفيلم، تشعر بأنها ثرية لأنها عرفت الحب في حياتها، وأنها كانت قريبة بشكل حميمي من شخص آخر”. 

 
 

* الشخصيات الرئيسية في الفيلم:

أجنس: مالكة القصر. ظلت في القصر منذ وفاة والديها ولم تغادر المكان. سكنت هناك منذ ولادتها وسمحت لحياتها بأن تفيض بهدوء. كانت تحيا حياة هادئة بلا معنى، منتمية إلى القصر فقط. وكانت تملك طموحاً فنياً غامضاً: ترسم نادراً، تعزف على البيانو أحياناً. ليس في حياتها أي رجل. وبالنسبة لها، الحب شيء خاص لا يجوز التصريح به. وعندما بلغت السابعة والثلاثين أصيبت بمرض السرطان في الرحم، وهي تهيئ نفسها كي تتلاشى من هذا العالم بهدوء وخضوع مثلما كانت تعيش. إنها تقضي معظم ساعات يومها على السرير في حجرة نوم والديها الفخمة. أحياناً تنهض بين فترة وأخرى، حتى تطرحها الآلام على الأرض. لم تكن تشكو كثيراً، ولم تكن تعتقد أن الله قاس، وفي صلواتها تتوجّه إلى المسيح في ترقّب ذليل. هزالها بدأ يتخذ شكلاً خطيراً، وبطنها ينتفخ كما لو أنها حبلى.. في مرحلة متقدمة من الحبَل.

كارين: شقيقتها الكبرى. تبلغ 42 عاماً. تزوجت من رجل ثري وانتقلت معه إلى منطقة أخرى، ثم اكتشفت أن زواجها مجرد غلطة. زوجها يكبرها بعشرين سنة، ويثير اشمئزازها نفسياً وجسدياً. هي أم لخمسة أولاد، رغم ذلك تبدو كالمنبوذة بسبب ضجرها من الحياة الزوجية والعائلية التي تعيشها. مظهرها يوحي أنها واثقة من نفسها ومتغطرسة، لكن في أعماق هذا المظهر يتوارى حقدها على زوجها والحياة. إن قلقها ويأسها لا يتصاعدان إلا في أحلامها ويعذبانها. رغم غضبها المكبوت واضطرابها، إلا أنها تحمل في داخلها رغبات مغلقة.

ماريا: الشقيقة الصغرى. متزوجة أيضاً من رجل ثري، وسيم وناجح. لديها ابنة في الخامسة من عمرها. وهي نفسها تبدو كطفلة مدلّلة. وديعة ومرحة. لديها حب استطلاع دائم وشغف بالملذات. تعتمد كثيراً على جمالها وجسدها في الحصول على المتعة. إنها تفتقر إلى إدراك هذا العالم الذي تعيشه، وهي مكتفية بذلك، ولم يحدث أن عذّبت نفسها بسبب تجاوزها القيم الأخلاقية.

أنّا: الخادمة. تبلغ الثلاثين. عندما كانت شابة أنجبت طفلة فاعتنت بها أجنس وكانت النتيجة أن ارتبطت الاثنتان – أنّا وأجنس – في صمت. حتى بعد أن توفت طفلتها ظلت العلاقة بين هاتين المرأتين الوحيدتين قوية وحميمة. أنـّا هادئة، منطوية على نفسها، لكنها دائمة الحضور. ترى وتبحث وتسمع. كل شيء فيها ينطق: جسدها، وجهها، فمها، نظراتها.. لكنها لا تنبس بحرف.

الفكرة الأساسية للفيلم:

مرض أجنس يشتد فجأة، وبناءً على كشف الطبيب، يقرر أنها لن تعيش طويلاً، فتأتي الشقيقات لتعتني بها”.

في كتابه “صور”، تحدّث برجمان عن الفيلم، وقال:

*في ذلك الوقت، كنت اشتغل على فكرة جديدة ومغوية: الكاميرا الساكنة، الثابتة في مكانها. لقد قررت أن أضع الكاميرا في وضع معيّن داخل الحجرة، وسوف يُسمح لها أن تتحرك خطوة إلى الأمام أو خطوة إلى الوراء فقط. إنها الشخصيات التي يتعيّن عليها أن تتحرّك وفق علاقتها بالعدسات. كل ما ستفعله الكاميرا هو أن تصوّر من دون أن تكون مستثارة أو مشاركة. تقف وراء هذه الفكرة قناعتي بأنه كلما كان الحدث عنيفاً، تعيّن على الكاميرا أن تشارك بدرجة أقل. ينبغي على الكاميرا أن تظل موضوعية في فتور، حتى عندما يكون الحدث متحركاً نحو شواهق عاطفية.

أنا ومصوري سفين نيكفست فكرنا مليّاً وبإمعان، بشأن كيف ينبغي لهذه الكاميرا أن تتصرّف، وقد توصّلنا إلى حلول مختلفة، لكن الشيء بأسره أصبح معقّداً أكثر مما ينبغي، وفي النهاية تخلينا عن الفكرة.

* العنوان، في الواقع، مستعار من وصف الناقد الموسيقي السويدي فلايشت لكونشرتو البيانو 21 لموزارت، فقال عنها إنها تشبه “صرخات وهمسات”.

* كل أفلامي يمكن رؤيتها وتأملها بالأسود والأبيض، باستثناء “صرخات وهمسات”. في السيناريو، قلت أنني فكرت في اللون الأحمر للتعبير عن باطن الروح، الذي هو أشبه بغشاء نديّ ذي لون أحمر بدرجاته المختلفة. في طفولتي، رأيت الروح في شكل تنّين مظلّل، أزرق مثل دخان، يحوم كمخلوق مجنّح هائل، نصفه طائر ونصفه سمكة، لكن داخل التنين، كل شيء أحمر اللون

* عندما تجتمع معاً أربع ممثلات رائعات، من المحتمل أن تنشأ بسهولة ضروب من التصادم والتعارض العاطفي المهلك، لكن الممثلات في فيلمي كن ممتازات، مخلصات، ومصدر عونٍ بالغ. فضلاً عن ذلك، وهو الأهم، أنهن جميعاً موهوبات على نحو خارق. وليس لديّ على الإطلاق أي سبب يدعوني إلى التذمر.

سينماتك في ـ  31 ديسمبر 2023

*نشرت المادة في موقع (عين على السينما)

*كما نشرت المادة في موقع (أوان AWAN)

 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004