أمين صالح

 
جديدكتب في السينماالأيامالوطنالقديم.. الجديدملفات خاصة
 

القديم.. الجديد

أمين صالح

ابن اللغة في أصفى حالاتها

فاروق يوسف*

 
 

نتاج صالح الأدبي امتزج بشغفه بالسينما فانعكست شعرية الصورة على قصصه ورواياته واحتفى نتاجه السينمائي بروح الشعر.

أكثر من عشرين كتابا تأليفا، أكثر من ثمانية كتب ترجمة وأكثر من 15 مسلسلا تلفزيونيا، خمس مسرحيات وسبعة أفلام سينمائية. ليس ذلك إلا واجهة علنية لأمين صالح، ساحر النثر الذي يعلم عصافير اللغة الغناء، كما يمكن أن يُقال مجازا.

قاص وروائي وشاعر وسيناريست ومؤلف مسرحي. كلها صفات خارجية للكائن الذي يصنع للآخرين أسبابا للعيش تقع خارج ما هو متداول. فمن أجل أن يكون المرء شاعرا عليه أن يتحمل مشقات كثيرة، كأن يمحو المسافات التي تفصل بين الفنون فيكون كادحا يضع نفسه في خدمة جمال، هو الآخر لا يظهر جليا حين يلذ له أن يمارس لعبة خفائه.

الوفاء للغة

• كاتب يدس في لغته أسرار الكائن

يقول أمين صالح “كل الأشكال الفنية تحمل طاقة شعرية، كالسرد النثري والصورة والتشكيل، ولكل مجال شاعريته الخاصة لكن شاعرية الصورة تختلف عن الشاعرية الأدبية وكل فيلم سينمائي يحمل الشعر حتى بدون مشيئة المخرج أو الكاتب لأن جوهر الفن هو الشعر”.

تعلم صالح من الشعر أن يكون وفيا للغة. تلك جملة غامضة إذا ما تعلق الأمر بمفهوم اللغة بالنسبة إليه وهو المولع بتجلياتها في الكتابة والصورة وهما يتوزعان بين فنون تأملية وبصرية وذهنية تتداخل وتتقاطع وينفي بعضها البعض الآخر ويحتويه.

أمين صالح هو ابن الكتابة. ما هذا؟ ليس ذلك التعريف صحيحا. يجازف المرء حين يقول إن صالحا ينتمي إلى الفنون البصرية أكثر من انتمائه إلى الفنون الكتابية. غير أنه يظل حتى في الفنون البصرية كاتبا.

هكذا هو في مرآة ما يفعله. الكاتب الذي يدس في لغته أسرار الكائن الذي يسكنه. ذلك كائن يستنير بحواسه كلها. لقد كتب نثرا يتشبه بالشعر وترجم كتبا وهو يرتقي سلم الشعر وحين امتزج بالسينما كان الشعر قوته وهو يخترع مشاهد حياة متخيلة.

الكتابة والفنون البصرية

يقول “أستطيع القول إن انتمائي إلى السينما كان بفعل علاقتي بطروحات لعناصر مثل المخيلة والأحلام والإبداع. وهو ما جذبني إلى التعرف على الفن السابع دون الاكتفاء بالفرجة أو التلقي السهل عبر الشاشات فحسب، وإنما إلى السير باتجاهات ورؤى صانعيها من أصحاب المدارس والتيارات العريضة التي تكشفت عن تنوع إبداعي ثري”.

ولد أمين صالح في حي الفاضل بالمنامة عام 1950. درس الأدب الإنجليزي. عام 1973 أصدر كتابه الأول وهو عبارة عن مجموعة قصصية بعنوان “هنا الوردة”. إلى جوار كتابة الشعر والقصة انهمك صالح في الترجمة وفي المقابل ترجمت أعماله الأدبية إلى لغات عديدة.

إلى جانب ذلك كتب صالح السيناريو لمسلسلات تلفزيونية وأفلام سينمائية. كان فيلم “الحاجز” الذي هو من تأليفه أول فيلم روائي طويل في البحرين. كما كتب سيناريوهات لأفلام درامية قصيرة مثل “غشاء” عام 2008 و”القفص” عام 2009 و”مجرد لعبة” و”كناري” عام 2010 و”حادث” عام 2013.

كتب صالح عددا من المسرحيات، منها “العطش” و”العربة” و”يونس والآخرون” و”روميو الفريج” و”مجنون ليلى”.

من الكتب التي ترجمها “السينما التدميرية” و”البحث في الزمن” و”السوريالية في عيون المرايا” و”حوار مع فدريكو فيللني” و”عباس كياروسستمي: سينما مطرزة بالبراءة”.

امتزج نتاج صالح الأدبي بشغفه بالسينما. فكان أن انعكست شعرية الصورة على قصصه ورواياته وفي المقابل فإن نتاجه السينمائي قد احتفى بروح الشعر التي شكلت العمود الفقري لنظرته إلى الحياة والفن في الوقت نفسه.

كل ما فعله كان يصدر عن شعرية الموقف الوجودي الذي اتخذه وهو يزاوج بين فنون الكتابة والفنون البصرية. ساحرا ومسحورا وقف في مواجهة مشهد لم يكتمل وهو ينشد له الكمال ليبقي على جمال أسره في لحظة يقظة لا تملك الرغبة في تبديد أحلامها. صالح هو ابن الكتابة الآسرة التي سلمته إلى الصورة التي تمزج بين الخيال والواقع.

سيكون من اليسير بالنسبة إلى كاتب عميق الموهبة وواسع الخيال مثل أمين صالح أن يعثر على الثغرات التي يتسلل من خلالها إلى الصورة من اللغة ومن الصورة إلى اللغة فتتشكل نتيجة لتلك المسارات المتقاطعة لغة بصرية على درجة عالية من الحساسية الجمالية. غير أن ذلك لا ينفي أن هناك ثراء حكائيا هو مصدر كل ذلك النتاج الأدبي والتلفزيوني والسينمائي. علاقة صالح باللغة شاعرا لم تفسد علاقته بالواقع روائيا.

يقول قاسم حداد وهو صديق الروح بالنسبة إلى أمين صالح “الحاسة السينمائية لم تطرأ على ثقافة الكاتب في أمين صالح، إنما هي عنصر مؤسس في بنيته الثقافية، وهو الأمر الذي أغنى تجربته بجماليات تخترق رتابة الثقافة العربية، حيث الحاسة البصرية من الحواس المكبوتة عندنا منذ التراث. لذلك عمل أمين صالح على الاستعانة بالحساسية الفنية في تفجير أكثر الجماليات كمونا في فنون الكتابة”.

ملاحظة حداد أساسية في تعريف الكدح الجمالي الذي مضى به أمين صالح إلى أقصى حدوده وهو يسعى إلى أن يضع حلولا خيالية لمشكلات واقعية من خلال لغة سيضمن لها البقاء لأنها تقول الحقيقة، حقيقة ما يقع على الورق وهو نوع من التداعي وحقيقة ما يُرى وهو يستدرج الخيال لكي يكون في خدمة الواقع. لقد أنجز أمين صالح اختراقا عظيما في بنية الثقافة العربية حين وهب السينما رؤية شعرية من غير أن يتخلى عن صفته روائيا.

أمين صالح كتب نثرا يتشبه بالشعر وترجم كتبا وهو يرتقي سلم الشعر وحين امتزج بالسينما كان الشعر قوته

 مخيلة صنعت حياة

أمين صالح هو ابن الكتابة. ولكن مفهوم الكتابة تغير بسبب تأثير ولعه بالسينما. فهو سينمائي مثلما هو شاعر وروائي. وهو لا يرى الواقع إلا من خلال عين سينمائية بل إنه لا يتعامل مع اللغة إلا من خلال دلالاتها الصورية.

هذا كاتب تعمل مخيلته على المزج بين ما هو ذهني وما هو بصري. فهو يفكر في ما يراه وهو يرى ما يفكر فيه. موهبة مركبة تمكنت من احتواء خيال متعدد الطبقات. وهو خيال سيقود إلى ما هو استثنائي في طريقة التفكير في الفن.

وإذا ما تعلق الأمر بالحياة فإن أمين صالح امتلك الكثير من الحلول لكي تكون الحياة أكثر سعادة من خلال الفن. ذلك ما تعلمه من كفاح، كان قد استعان من خلاله بحساسية جمالية من أجل أن يحتويه بتجربة تزاوج بين الكتابة والفن باعتبارهما الشيء نفسه.

من السرد الحكائي إلى الصورة النقية مسافة حياة، اخترقها أمين صالح لكي يخلق معنى لحياته. وهو المعنى الذي تجسد بعمق من خلال أعمال روائية وسينمائية ومسرحية وتلفزيونية هي جزء من ذاكرة شعب يحب الحياة.

كاتب عراقي

سينماتك في ـ  10 أبريل 2023

*نشرت المادة في العرب اللندنية

 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004