أمين صالح

 
جديد أمينكتب في السينماجريدة الأيامجريدة الوطنالقديم.. الجديدملفات خاصة
 

جريدة الوطن البحرينية

فلليني والحياة الحلوة..

إعداد وترجمة: أمين صالح

في العام 1960 قدّم فدريكو فلليني عمله العظيم وتحفتة الفنية "الحياة الحلوة" La Dolce Vita.

عندما أبدى النقاد، الذين تربوا على الواقعية الجديدة وانحازوا لمبادئها، استياءهم وتذمرهم من لجوء فلليني إلى بناء مواقع فيلمه "الحياة الحلوة" في الأستوديو بدلاً من تصويره في المواقع الطبيعية والأماكن الواقعية، رد فلليني – على نحو منطقي ومقنع – بأن الأحداث نتاج مخيلته وأنها تدور على مسرح خياله، المسرح الكائن في موقع أو مساحة سماها "روما"، بينما هي في الواقع مدينة متخيلة تماماً، تصادف أن استعارت بضعة معالم من المدينة التي يعرفها جيداً. أي إنها مجرد انعكاس لذاتيته الباطنية، وهي ليست متصلة بالواقع إلا على نحو بعيد.

في نهاية الخمسينيات، كانت روما على وشك أن تتحول إلى مكان مختلف: عاصمة دولية لبلاد تباشر في مغامرة اقتصادية كبيرة. لكن فلليني لم ينجذب أبداً إلى الحشود التي تجتمع يومياً في مواقع الحياة الليلية في الساحات والميادين الضاجة.. "بالنسبة لعينيّ المذعورتين، هي حتى لم تكن روما التي أعرفها. لقد كانت من نسج الحكايات الخرافية، كانت أشبه بمونت كارلو أو بغداد". (Fellini on Fellini, 1976).

في العام 1963 أعلن فلليني أن الفيلم "مخترع تماماً. روما التي أتحدث عنها هي مدينة الذات الباطنية. طوبوغرافيتها (الرسم الدقيق للأماكن) هي روحية تماماً". لكن في السبعينيات، صرّح قائلاً: "كنت بانتظام أضلل الأصدقاء والصحفيين بالقول أن روما التي صورتها في (الحياة الحلوة) هي مدينة باطنية".

على أية حال، في العام 1958، راح فلليني يقضي أمسياته في ساحة فيا فينيتو، وغالباً في صحبة مصوري الأخبار، الذين يلاحقون المشاهير في استفزاز من أجل التقاط صور فضائحية يبيعونها إلى الصحافة الصفراء. من هذه القصص الحقيقية والمختلقة، في تلك الأمسيات، بدأ فيلم "الحياة الحلوة" يتشكّل. لقد شعر فلليني بأن السنوات العشر القادمة سوف تغيّر مظاهر وأوجه عديدة من الحياة الإيطالية.

هكذا اجتمع مع أصدقائه من كتّاب السيناريو (فلايانو، بنيللي، برونيلو روندي) لتوكيد انطباعاته عن المادة، ويقول فلليني: "معاً ذهبنا قُدُماً في اتجاه غامض مع فيلم سوف يتعامل مع الحياة في تلك السنوات. هكذا، خلال أمسيات صيف 1958، في ساحة فيا فينيتو، ولد فيلمي الحياة الحلوة".

الفيلم عبارة عن جدارية عملاقة تتألف من أجزاء معينة تعبّر عن المجتمع الإيطالي والأوروبي في الستينيات. سلسلة من الأجزاء، تستغرق مدتها حوالي ثلاث ساعات، يوحّدها الصحفي مارشيلو (مارشيلو ماستروياني)، وصديقه المصور بابارازو (الذي من اسمه اشتقت صفة "البابارازي" التي تُطلق على المصورين الباحثين عن الفضائح). إنها تقريباً نظرة بانورامية "تلصصية" على الحياة الشخصية للأثرياء والمشاهير.

الاثنان يظهران للمرة الأولى وهما يهبطان من طائرة هليكوبتر كانت تحمل تمثالاً ضخماً للمسيح، وتحلق فوق أسطح بيوت روما. في الأجزاء- المحطات التالية نرى: مارشيلو يلتقي بمادالينا، وهي ابنة رأسمالي ترغب في ممارسة الحب معه على سرير عاهرة. ثم يكتشف أن صديقته، غير المستقرة نفسياً والتي تستبد بها الهواجس، حاولت الانتحار، فيأخذها إلى المستشفى. بعد ذلك يذهب لتغطية زيارة ممثلة هوليوودية، تعتبر رمزاً للجاذبية الجنسية، وتنتهي بخوضهما معاً في مياه النافورة. يلتقي بصديقه شتاينر، وهو كاتب ينشد السكينة بالعزف على آلة الأرغن في الكنيسة. ثم يقوم برحلة قصيرة إلى الشاطئ حيث يتبادل الحديث مع باولا، النادلة الشابة، التي يذكّره وجهها بالملاك الصغير. يعود ليغطي مهمة صحفية أخرى: هستيريا دينية تلي الظهور الزائف لمريم العذراء، حسب ادعاء طفلين مدلّلين. يذهب إلى صالون شتاينر الأدبي. بعدها ينتقل إلى شقته حيث يزوره أبوه على نحو غير متوقع. تنتهي الأمسية على نحو تراجيدي تقريباً عندما يذهب أبوه مع راقصة في ملهى ليلي إلى شقتها لكن يشعر فجأة بالمرض فيغادر على عجل ليعود إلى بلدته الهادئة حيث "يشيخ الناس قبل الأوان بسبب الضجر".. على حد تعبيره. مارشيلو يجد نفسه في قصر خارج المدينة، ويلتقي ثانيةً بمادالينا وسط انحطاط أرستقراطي، وعندما يقتنع بأنها راغبة في الزواج منه، هي تختفي مع رجل آخر. في الصباح التالي، يسمع خبر انتحار شتاينر، بعد أن قتل أطفاله، فيهرع إلى شقة شتاينر، التي كانت في السابق ملاذاً له من رعب العالم الخارجي. اللقطات الختامية تُظهر عربدة في فيللا فخمة قرب شاطئ البحر. في الصباح يسير مارشيللو نحو البحر حيث يلتقي بصيادين أخرجوا للتو سمكة ضخمة بشعة. النادلة باولا تظهر في الجانب الآخر من الشاطئ، صائحة وملوّحة لكنه لا يستطيع أن يفهم ما تقول. واحدة من النسوة اللواتي حضرن حفلة البارحة تمسكه من يده وتعيده إلى المجموعة، وهو يستسلم عارفاً بأن لا خلاص له، لا أمل له، في هذا العالم القاحل عاطفياً، الذي ينعدم فيه الحب.   

مع أن مارشيلو يشارك في القصة، إلا أنه، جزئياً، يكون موضوع قصته، أو ما يتذكره. في الوقت الذي يتفرج على الأحداث، على حيوات الآخرين، فإنه أيضاً يتفرج على نفسه، كأنه يحدّق إلى نفسه في مرآة الماضي.

كما في أفلام فلليني الأخرى، نجد هنا التفاعل بين الحلم والفنتازيا والذاكرة والنوستالجيا والبراءة والفساد.

الفيلم لا يعتمد على خط سردي طولي (خيطي). إنه عبارة عن أجزاء، أحداث عرَضية. هي أجزاء أو شذرات مما يراه، أو يتخيله أو يحلم به، مارشيلو، من العالم. بالتالي من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، حل الفروقات والاختلافات في الفيلم بين ما هو موضوعي – والذي قد يسمى حقيقي أو مادي – وما هو ذاتي.. والذي يسلطه مارشيلو. بالتالي فإن التخوم بين الواقع والوهم، الواقع والوعي، لا تعود تصمد.

في حوار مع المخرج الفرنسي ألان رينيه (في 1971) قال فلليني: "بإمكانك أن تقرأ في كل جدارية قصةً كاملة. أنا أحب اللوحات التي تعرض مناظر متعددة في الوقت ذاته.. مثل لوحات هيرونيموس بوش وبروغل. عندما كنت أصوّر الفيلم (الحياة الحلوة) وددت لو أقدر أن أحتوي الفيلم بأسره داخل لقطة واحدة. لا أميل أن أجد نفسي تحت وطأة سرد قصة بكل تناميها على نحو متعاقب. لا أرغب في أن أروي قصة. أريد أن أعرض. الفيلم هو نتاج الرسم لا الأدب".

فلليني صوّر فيلمه، للمرة الأولى، بتقنية السينما سكوب. وقد حقق الفيلم نجاحاً كبيراً على المستويين النقدي والجماهيري. لكن الصحافة الرسمية شنت على الفور هجوماً ضارياً ضد الفيلم، متهمة إياه بالتجديفية ومعاداة الدين والأخلاق. وقد مارست السلطات ضغوطاً على فلليني كي يحذف لقطات من الفيلم، لكنه رفض وقاوم، يدعمه في ذلك نجاح الفيلم في إيطاليا وفي أنحاء مختلفة من العالم.

*  *  *

في حديث فلليني عن الفيلم، رداً على سؤالين وجههما له جيوفاني جرازيني (من كتاب: حوار مع فلليني)، نقرأ:

·   فيلمك "الحياة الحلوة" يظل أحد مفاتيح ثقافة وخيال القرن العشرين.. بعد أكثر من عشرين عاما، كيف تنظر إليه اليوم؟ إلى أي مدى كنت مدركا آنذاك لعناصره السوسيولوجية؟

-  بانتظام كنت أضلل الأصدقاء والصحفيين بالقول أن روما التي صورتها في "الحياة الحلوة" هي مدينة باطنية، وأن عنوان الفيلم ليس له أي غاية أخلاقية أو هجائية. العنوان يعني ببساطة أنه بالرغم من كل شيء فإن للحياة عذوبتها وحلاوتها العميقة التي لا يمكن إنكارها.

أتفق تماما مع أولئك الذين يؤكدون بأن المؤلف آخر من يستطيع التحدث عن عمله بدراية تامة. وأنا لا أريد أن أبدو مثل شخص يميل، عبر النزوع الاستعراضي أو التغنّج، إلى التقليل من شأن ما فعله، لكن لم تكن لدي مطلقا أية نيّة محددة لأن أشجب، أو أنقد، أو أجلد، أو أهجو. الاعتراض والاحتجاج والغضب هي حالات لا أطيقها. أنا لا أتهم أحدا.

المشهد الذي يصور الشخصيات البارزة والشهيرة في المجتمع؟ لقد أضفت هذا المشهد أثناء إعادة تصوير اللقطات. استوحيت ذلك من القصص التي رواها لي برونيلو روندي، وهو الضيف الدائم على الحفلات المقامة في بيوت الأرستقراطيين في روما.

طقوس العربدة في المشاهد الختامية؟ لقد ظننت أن بيير باولو بازوليني  خبير في هذه الأمور، لذا دعوته ذات ليلة على العشاء، وعندما سألته، اتضح أنه لا يعرف شيئا عن طقوس العربدة عند الفئات البورجوازية ولم يشارك قط في أية حفلة منها، كما لا يعرف أحدا بإمكانه أن يساعدني.

هكذا شرعت في تصوير المشهد دون أن تتوفر لدي أية فكرة عنها. لقد عوّلت على الممثلين، واضعا إياهم في مواقف غير مقنعة من الفسوق والانغماس في الملذات. وكانت تعمل معي مساعدة هولندية، شابة جميلة، لا تفارقني بنظراتها المليئة بالرجاء اليقظ، منتظرة في استثارة أن تراني أصور عملا شائنا وفاضحا. بعد ساعتين من التصوير سمعتها تهمس في خيبة أمل: "فلليني يرغب أن ينفذ مشهداً إباحياً ولا يعرف كيف يفعل ذلك".

·   لكن فيلم "الحياة الحلوة" هو أكثر من ذلك، إنه يعيّن تخوم مرحلة في الحياة الإيطالية، وقد أصبح رمزها. الفيلم أثار الكثير من المناقشات والمناظرات والجدال.. كما أحدث فضيحة...

- أدرك أن فيلم "الحياة الحلوة" يشكّل ظاهرة تجاوزت الفيلم نفسه، ليس فقط وراء نطاق منظر الأعراف والعادات التي عكسها الفيلم، بل أيضا بسبب جدّته: كان أول فيلم إيطالي تستغرق مدة عرضه ثلاث ساعات وثلاثين دقيقة.. حتى أصدقائي طلبوا مني اختصاره. وكان عليّ أن أدافع عنه بكل ما أملك من قوة. لقد حققته بالطريقة التي بها أحقق كل أفلامي.. جزئيا لكي أتخلص منه، وعلى نحو خاص، بدافع الرغبة الملحة والوقحة في سرد القصص.

يبدو لي أن العامل الملهم للفيلم، وتشكيل صوره، نابع من أسلوب الحياة المعروض في المجلات المصورة آنذاك.. مشاهد حمقاء بلا معنى تمثـّل الحياة الأرستقراطية والفاشية. كانت المجلات نصور تلك المشاهد وتمجّدها على صفحاتها. كانت –المجلات - المرآة المضطربة لمجتمع، على نحو متواصل، يمجّد نفسه، يستعرض نفسه، يطري نفسه في زهو. إنه يمثـّل إيطاليا الرجعية في القرن السابع عشر، وقد استمتعت بالسخرية منه.

لكن كيف بإمكاني أن أشرح لتلك السيدة العجوز الضئيلة، المرتدية ثوبا أسود وقبعة من القش مزيّنة بالأشرطة. بعد شهرين من عرض الفيلم، انفجرت الفضيحة. جريدة أوبزرفاتور رومانو كانت تنشر يوميا مقالات محمومة وعنيفة ضد الفيلم وصانعه، مطالبة بضرورة سحب موافقة الرقابة على عرض الفيلم، وحرق النسخ السلبية، ومصادرة جواز سفري. ماذا كان يمكن أن أقول لتلك السيدة العجوز الضئيلة التي قفزت ذات يوم من سيارتها المرسيدس الفاخرة، رافضة أن يساعدها سائقها، وانطلقت مسرعة عبر الميدان لتندفع نحوي وتجذب ربطة عنقي، صائحة في وجهي بغضب عارم: "كان ينبغي أن تربط صخرة حول عنقك وتغرق نفسك في قاع البحر بدلا من أن تثير فضيحة كهذه".

وبمساعدة السائق استطعت أن أعيدها إلى سيارتها، مقدماً لها اعتذاري، مع أني في الحقيقة شعرت بضيق وانزعاج يماثل ذلك الذي شعرت به بينما كنت أتمشى وحيدا في (بادوا) ظهيرة أحد أيام أغسطس وشاهدت على باب كنيسة ملصقاً هائلا بحاشية سوداء مع كتابة: "لنصلي من أجل تخليص روح فدريكو فلليني.. الخاطئ جهارا".

الوطن البحرينية في

05.03.2011

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004