أمين صالح

 
جديد أمينكتب في السينماجريدة الأيامجريدة الوطنالقديم.. الجديدملفات خاصة
 

جريدة الأيام البحرينية

الفيلم والفن التشكيلي

اللون وتفاعلات الضوء والظل

(2)

بقلم: أمين صالح

مخرجون كثيرون تأثروا الى حد بعيد بالفن التشكيلي من حيث توظيف الالوان والاضاءة، ومن حيث التكوين:

السينما التعبيرية الالمانية استفادت من المذهب التعبيري في الرسم حيث التلاعب بالضوء والظل، والتكوينات التشكيلية، وحيث التنافر والتكثيف، الزوايا والمنظورات المحرفة، الاشكال ذات المظاهر والاحجام غير الطبيعية، الظلال الاصطناعية والاضاءة الانتقائية.

في افلام الدنمركي كارل دراير نجد مصاهرة بصرية بين لقطاته وعوالم اللوحات الهولندية والدنمركية الكلاسيكية.

الامريكي روبن ماموليان تأثر باللوحات الاسبانية: موريللو، جويا، ال جريكو، فيلا سكويز.

الامريكي الطليعي ستان براكهيج، وهو فنان تشكيلي ايضا، تأثر بالرسم التعبيري التجريدي، وقال: »اسعى الى سماع اللون«.

الايطالي لوشينو فيسكونتي كان يستفيد من لوحات معينة في مراحل تاريخية معينة، مستلهما منها الازياء بوجه خاص.

ستانلي كوبريك تأثر بالتقاليد الكلاسيكية والرومانيكية، وبالرسام جوبا، تاركوفسكي تأثر بالرسم الايطالي في عصر النهضة، دورشيو، بويتشيلي وآخرين.

ويفيد لينش تأثر بفرانسس بيكون، ادوارد هوبر، هنري روس.

ويقول المخرج تيري جيليام: »فيلمنا ًٌّكُْمققفت قريب جدا من رسومات بوش وبروجيل، هيرونيموس بوش كان مصدر الهام دائم«.

المخرج البريطاني يترنس ديفيز يؤطر كل لقطاته بعناية رسام. قبل ان يصور فيلمه مٌُك ٌّف ٌُّْج موش عرض على مدير التصوير كتابات يضم لوحات فيرمير ورمبرانت وآخرين لدراسة تفاعلات الضوء والظل، وهي لوحات تأسر - كما يقول المخرج - الحالات والاحاسيس التي اراد ان يوصلها.

المخرج البريطاني الآخر بيتر جرينوي عبر عن افتتانه باحساس فيرمير البصري، وهو يستلهم اسلوب فيرمير في التكوين حيث كل لقطة مركبة على نحو صارم ودقيق جدا، وهو في افلامه غالبا ما يوجه تحية تقدير الى فيرمير ورمبرانت وبقية رسامي العصر الذهبي الهولندي. ليس فقط من خلال التكوينات المقتبسة من اعمالهم، ومحاكاة تكوينات هؤلاء من حيث المظهر والكتلة واللون والاضاءة والحركة، لكن ايضا من خلال استخدامه لمصادر الاضاءة. وهو يقول: احب لافلامي ان تتحقق بالطريقة التي فعلتها الرسومات الهولندية في عصرها الذهبي.. على المستوى الواقعي والمجازي.. ان افلامي يمكن تفسيرها على نحو مرض اكثر، ويمكن فهمها بنحو افضل، عند تطبيق جماليات الفن التشكيلي عليها.

المستوى الآخر من تأثر السينما بالفن التشكيلي يمكن في اعادة الانتاج البصري (السينمائي) للوحات عالمية من مختلف العصور والمراحل، اضافة الى الاشارات - او الاحالات - الى لوحات كلاسيكية معروفة. هذا النوع من الوعي التشكيلي يعكس رغبة المخرج في اعادة خلق الصور ذات القوة العاطفية وتعزيز كثافتها.

في فيلمه »فريديانا« جعل المخرج لويس بونويل مشهد العشاء يحاكي تماما لوحة ليوناردو دافنشي »العشاء الاخير«، من حيث شكل المائدة واوضاع الاشخاص وايماءاتهم، وعندما يعيد بونويل خلق هذه الصورة في الفيلم فانه يعرض مصاهرة مماثلة للوحة. لكن ثمة غاية هجائية هنا مع ابراز حالة عبثية: مجموعة من الشحاذين السكارى يحاكون سلوك وايماءات شخصيات دينية وقورة.

عندما يعاد خلق لوحة مشهورة فان مثل هذه اللحظات - ذات البعد السوريالي احيانا - تنزع الى تحطيم توقعات المتفرج بشأن ما ينبغي لهذه الصور ان تضاهي او تشبه. مثل هذه الرؤية تصدم ذاكرة ووعي المتفرج. كذلك تسعى اعادة الخلق - شكليا - الى اضفاء خاصية جمالية. ومن جهة المحتوى فانها تحمل طاقة ايحائية ومجازية.

عندما اراد هيتشكوك ان يجسد على نحو سوريالي حلم البطل في فيلم »المسحور«، فقد استعان بالرسام سلفادور والى تصميم مناظر مشهد الحلم. وجاءت صور دالي لتشبه تلك الصور التي نراها عادة في لوحاته، والحافلة - هذه الصور - بالخطوط المتعرجة والظلال الطويلة والاحساس الحاد بالمنظور.

غير ان المشهد لم ينجح سينمائيا لانه بدا نتاج حلم رسام اكثر من كونه حلم مخرج سينمائي. لقد اعاد دالي خلق سوريالية الكانغاس فقط. لكن بسبب الواقعية المتأصلة والمتجذرة في الوسط السينمائي، فان الفيلم يحتاج بالضرورة الى منهج مختلف للتعبير عن الحساسية السوريالية.

وفي هذا الخصوص يقول هيتشكوم: »السبب الحقيقي الذي جعلني استعين بالفادور دالي هو انني اردت ان انقل الحلم بحدة بصرية عالية. اردت دالي بسبب الحدة المعمارية في اعماله. دي شيريكر لديه الخاصية ذاتها، اعني الظلال المديدة اللامتناهية والبعد وخطوط المنظور التي تلتقي عند نقطة واحدة«.

بعد سنوات، يوظف هيتشكوك اسلوب دي شيريكور في تحفته السينمائية ُهىْمض(دوار) عندما يصور البطل وهو يلاحق البطلة في مواقع مختلفة (معرض تشكسلي، مقبرة، كنيسة، بيت قديم) حيث الظلال المديدة وعمق المنظور وفراغ الامكنة والبطلة تنتقل عبر المناظر كما كما لو في حلم.

الأيام البحرينية في

09.05.2004

 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004