مبدعون في سينماتك

 

 
 
 
 
 

أمين صالح

 
جديد أمينكتب في السينماجريدة الأيامجريدة الوطنالقديم.. الجديدملفات خاصة
 
 
 

ملفات خاصة

 
 

 تالي

>>

07

06

05

04

03

02

01

<<

الملف

 
 

ملف الوقت البحرينية

 
ملف جريدة الوقت البحرينية
 

ملف خاص عن أمين صالح

في الوقت البحرينية

أعده حسام أبوإصبع

تصوير الفنان علي محمد

13 أبريل 2006
 

وجــــــوه وظـــــلال أمـــين صـــالـح

 

تجربة لم تحظ بالمكانة التي تستحقها  

 

المشاكس عدو النمطية 

 

أسمع تروس المعدات السينمائية

 

لا تثق، وأسأل الشك.. وامش على شوكه

 

الإرتباط الروحي لا الأدبي 

 

الاهتمام بجميع التفاصيل ميزتة 

 

 

أمين صالح في لقاء مع '' اليوم الثامن''

وجــــــوه وظـــــلال أمـــين صـــالـح

 

حاوره: حسام أبو إصبع

 

لماذا الوجوه، ولماذا ظلالها؟ وقبل هذين السؤالين، لماذا أمين صالح؟ أما الوجوه، فهي وجوه أمين المتعددة، وجوهه في ''الرحيل في اللايقين والغموض والتشتت'' داخل أروقة الكتابة، وارتحاله المستمر من نوع كتابة إلى نوع كتابه أخرى.. من القصة فالرواية فالمسرح فالنص فالسيناريو فالمقال. أما الظلال فهي ظلاله الوارفة على العديد من الأسماء، سواء كانوا أدباء أو كتاب أو فنانين. ولماذا أمين، فهذا أبسط سؤال، نظراً إلى التشكيلة الباهرة من المؤلفات والمسلسلات والبرامج التلفزيونية والإذاعية والمقالات والترجمات التي قدمها لقارئ العربية، وإلى التجربة العريضة الممتدة في الزمن، وفي التميز الإبداعي.  أردنا أن يكون الاحتفاء بالتجربة متميزاً، لكن المساحة لا تسعف، فلجأنا إلى تقديم جزء صغير من المرآة التي تعكس قليلاً من الوجوه، وقليلاً كذلك من الظلال. وكان ذلك بتسجيل شهادة مجموعة من الأدباء والفنانين تحدثوا عن أمين صالح الأديب والفنان، وأثره فيهم معرفيا وإنسانياً.. وكما لذنا بالأرشيف تنقيباً في صدى التجربة في الماضي القريب والبعيد، طرحنا الأسئلة عليه ليعرض بنفسه بعضاً من هذه الوجوه. ولما رأينا تقصيراً في المتابعة، أعدنا تقديم واحد من أهم كتبه.. آملين أن تكون هذه التحية المتواضعة من '' اليوم الثامن '' تلقي الضوء ولو بجزء ''طفيف'' من عطاء الأديب البحريني أمين صالح.

في الكتـابة كل شيء عرضـــــــة للخيـانة وإعادة البناء  طوال أكثر من ثلاثة عقود لايزال أمين صالح في حرب مع اللغة، ينحت فيها.. يعجنها.. يحاول أن يوضب الكلمة إلى جوار الكلمة، ويهندس الصورة مع الصورة ليخرج نصوصاً مختلفة.. وفي أنواع أدبية منوعة. فإذا كان السرد هو الصنعة الأثيرة، فإن الطاقة الشعرية التي ضمنها نصوصه وقصصه، أربكت المشهد الشعري كما السردي، فهل ما يكتبه يعد شعراً أو شيئاً شبيهاً بالشعر. هذان وجهان فحسب من وجوه أمين صالح الكثيرة.. أما بقية الوجوه فهي موزعة بين السينما والمسرح والدراما التلفزيونية والترجمة، وكل ذلك أحياناً يتداخل ويتقاطع مع بعضه بعضاً في كتاب واحد.. ويضاف إلى ذلك تجربة طويلة في الكتابة للصحافة.. فإذا كان الاقتراب من أمين صالح الإنسان من أبسط ما يمكن، فإن الاقتراب منه بالأسئلة، بهدف الظفر بالمثير واللافت مهمة تبلغ صعوبتها درجة الاستحالة أحياناً.  هذه إذاً محاولة من ''اليوم الثامن'' لإعادة تقليب تجربة أمين الطويلة، بتعرجاها الممتدة، وبأفقها اللامحدود. وفيما يأتي نص اللقاء.

·     من مجموعتك القصصية ''هنا الوردة'' العام ٣٧٩١ حتى رواية ''رهائن الغيب'' ٤٠٠٢ مساحة زمنية كبيرة، وبين هذين العملين تجارب كثيرة منوعة.. ما البوصلة التي قادتك إلى الانتقال في الكتابة من جنس أدبي إلى آخر، ومن شكل كتابة إلى أخرى. علماً أن المتابع لأعمالك يلحظ أن الانتقالات كانت حاسمة ومن دون رجعة، باستثناء عودتك إلى كتابة الرواية بعد أكثر من ٠٢ سنة من كتابتك ''أغنية ألف صاد الأولى''؟

- لو قدّر للكاتب أن يرى أو يستشف البوصلة التي تدله إلى الجهة التي يريدها، لما وجد نفسه، في كل خطوة، عالقاً في شرك متاهة تزداد تشابكاً وتعقيداً، ويحتدم فيها الالتباس أكثر فأكثر، كلما أمعن في المجازفة والدخول في مجهول الكتابة. ما أعنيه هو أن الانتقال من جنس إلى آخر، ومن شكل إلى آخر، لا يحكمه مزاج أو نزوة عابرة أو رغبة في كسر الرتابة أو تجريب مقصود أو ما شابه ذلك. فالأمر غير محكوم دائماً بمنطق وبتوجه عقلاني. إنه اختراق، أو لنقل، عبور - غير مأمون العواقب وغير معروف النتائج - من ضفة إلى أخرى لعلك تجد ما تبحث عنه. ولكنك لن تجد لأنك ببساطة لا تعرف عم تبحث، وماذا تريد، وما الذي تصبو أو تتوق إليه.. شيء واحد فقط تعرفه: أنك، بالكتابة، تتنفس، تحيا. إنك تحاول أن تعطي معنى لما تراه، لما تلمسه، لما تشعر به.. تحاول أن تعطي معنى للحياة، للعالم، لوجودك هنا على الأرض. لكن المعنى دائماً يكون مراوغاً، متملصاً، أشبه بماء تحاول الإمساك به من دون جدوى. الكتابة - مثل الحياة - رغبة وليست معنى. إن مجالات الكتابة، كما أراها، هي فضاءات - غالباً ما تكون مجهولة - لكنها مفتوحة، بل متاحة لكل من يرغب في المجازفة، شريطة أن يكون مسلحاً بالموهبة والمعرفة والشغف. إذاً، ربما الرغبة هي البوصلة.. الرغبة في التنفس، في المجازفة، في التعبير عن أشياء غامضة.. ويا لها من بوصلة لا تشير إلا إلى المتاهة. الكتابة ثمرة لحظة متفردة

·     المتابع لأعمالك بإمكانه تصنيفها، بحسب فترة الصدور، وكأن كل مرحلة حاملة لثيمتها وأدواتها الخاصة، وبالتالي فإن ترحلك المستمر، قد يجعلنا نتساءل.. هل أنت على قناعة أنك استنفدت الكتابة في هذا الجنس الأدبي أو ذاك (قصة، نص، مسرح، سيناريو، رواية، نص مشترك) وبالتالي حدث إشباع، لابد على إثره من إيجاد منطقة أخرى لإيصال الرسالة المطلوبة؟

- المسألة لا تتصل بالاستنفاد أو الإشباع، بقدر ما تتصل بالرغبة التي أشرت إليها. وهذه الرغبة لا تنفد ويتعذر إشباعها. كثيرون يعتقدون أن الكتابة هي نتاج تخطيط مسبق وأهداف معلنة أو مضمرة. بينما هي ثمرة ما يمليه الوعي واللاوعي، المخيلة والذاكرة، في لحظة معينة لا تشبه على الإطلاق - من حيث المعطيات والغايات والأشكال - اللحظات الأخرى التي تتولد فيها كتابة أخرى مغايرة. ربما يحدث هذا لأنني لا أحمل رسالة ما أريد توصيلها إلى جهة ما، وفي زمن محدد. ولو كنت أحمل هذه الرسالة لأنجزت المهمة وانتقلت إلى مهمة أخرى. لكن الأمر ليس كذلك.. لدي أحلام يقظة وأحلام ليلية، لدي ذكريات وتخيلات، لدي هواجس وكوابيس.. أنثرها وأمشي. فالأنواع الأدبية والفنية (قصة، نص، مسرح، سيناريو، رواية) هي مجالات أو فضاءات للكتابة، يمكن للكاتب أن يرتادها بحرية، ومن دون أن يشعر بأنه أجنبي أو دخيل. إنها أمكنة يقدر أن يتآلف معها بيسر واطمئنان. وشخصياً لا أشعر بأن ثمة تخوماً من أجل عبورها احتاج إلى إذن أو تأشيرة. التخوم اختلقها النقاد وبعض الكتـاب الخاملين، الذين لا يرغبون في ارتياد مناطق أخرى يعتقدون أنها محفوفة بالمخاطر. نتاجاتنا تعرضت لنقد قاس

·      الكُتاب عموماً يحاولون إخفاء مصادرهم.. وسؤالي إلى من يدين أمين صالح في كتاباته، وما أهم الروافد التي نهلتم منها، خصوصاً أن دينك يكاد يكون غربياً في معظمه؟ وهل تعتقد أن الإلمام باللغة الأجنبية جعل تجربتك مفارقة ومغايرة عن سواها، سواء من معاصريك أو من الأجيال التالية؟

- لا يوجد لدي سبب يجعلني أخفي مصادر التأثر أو الأسماء التي أنا مدين لها.. المشكلة أن الأسماء كثيرة ويصعب حصرها هنا. في الواقع، التأثرات لا تحصى.. من الكتابات القصصية والشعرية العربية في الستينات والسبعينات، والتي كانت تتسم بالجدة والتجريب آنذاك، إلى أعمال كافكا، ودوستويفسكي، والسورياليين، وكتاب مسرح العبث، مرورا بالأفلام السينمائية. فالكاتب عرضة لشتى التأثرات التي ربما لا يعيها في حينها، وهي تنسل في اللاوعي لتستقر هناك وتتجلى في ما بعد - بشكل أو بآخر - في مظاهر متعددة من التجربة الكتابية. والتأثر لا ينحصر في الأشكال الأدبية والفنية فحسب، بل يتعدى ذلك ليشمل الفكر، الفلسفة، السيكولوجيا، الدين، والميثولوجيا. لقد نشأت أدبياً وفنياً، في مناخ كان يعتمد الحوار والجدل والصرامة في التقييم، سواء من خلال حلقات الأصدقاء، أو ندوات أسرة الأدباء والكتاب التي أدين لها بالكثير. كانت نتاجاتنا تتعرض لنقد صارم وقاس من الأصدقاء والزملاء، وهذا أدى إلى تعميق تجربتنا الثقافية وإلى جعلها أكثر مرونة إزاء النقد وأقل استعجالاً في مسألة النشر. ومن ناحية ثانية، لا أعتقد أن اهتمامي باللغة الإنجليزية جعل تجربتي مغايرة، هذه اللغة أفادتني في الشأن السينمائي أكثر من الشأن الأدبي. الحدس والغريزة لا المنطق

·     الحلم، والفنتازيا، والمراهنة على تصوير الحالات بصور مبتكرة، والاقتضاب في التصوير والوصف، ونحت الصور اللغوية، شكلت مرتكزات أساسية في صياغة القول.. وتالياً لم تعد متمسكاً بهذه الحزمة من العناصر لإيصال ما تريده.. هل العمل نفسه يفرض ذلك، أم حب البحث، أم الموضوع؟

- لا أعرف إن كانت هذه المرتكزات تسمى أسلوباً أم شيئاً آخر.. أحب أن أتحدث عن الرؤية الفنية التي ترتكز أو تعتمد على هذه العناصر. وهذه الرؤية تظل مع الكاتب ولا يستغني عنها وقتما يشاء. إنها متجذرة فيه، في تجربته. قد تتنوع أو تتطور. قد يفرض العمل طرائق مختلفة أو مرتكزات أخرى. وعندما تقرأ كتابي الأخير ''والمنازل التي أبحرت أيضاً'' *، أظن أنك ستجد تلك العناصر وغيرها حاضرة. لا أستطيع أن أفسر لك الأمر.. الكتابة وأي شكل فني آخر مسألة في غاية التعقيد والالتباس.. ربما لأنها تعتمد على الحدس والغريزة أكثر من اعتمادها على المنطق. لهذا السبب، الناقد قادر أكثر على ملامسة وتحديد العناصر والسمات التي تميز كتابة عن أخرى، وتجربة عن أخرى.

·     اختبرت في المسرح حس الدعابة ؟ كتبت في المسرح، وكتبت عن المسرح.. في مسرحية ''حيدر'' وقفنا على نص لافت، كما أنك كتبت مسرحيات أخرى لم تر الطريق إلى النشر بعد.. أما كتابتك عن المسرح فكانت حافلة، في واقع الأمر، بالمصارحة، ما أغضب كثيرين.. سؤالي أين يجد أمين صالح نفسه في هذا الفضاء الجميل. وهل تمثل مجهوداته في هذا المجال - إبداعاً ومقاربة - تنويعاً على مشروعه الأساس، أم هي محطة أساس؟ ولماذا؟

                - المسرح محض مجال آخر، فضاء مفتوح، أختبر فيه حس الدعابة، واستشرف فيه الأفكار والرؤى المرحب بها في هكذا فضاء: محدود المساحة، تجريدي التكوين، إيحائي الجوهر.. لكن لا نهائي المدى في ما يتصل بالصراع أو التعارض بين الأفكار والحالات النفسية والمواقف الاجتماعية والسياسية.. الخ. مع ذلك، ينبغي الاعتراف بأن هذا المجال، كحيز كتابي، لم يعد مغرياً بالنسبة إليّ.. ربما بسبب المناخ المسرحي السائد عندنا، الذي هو غير مرض وغير سار، ويثير الخيبة والإحباط. لا تنازل عن الشروط الفنية

·     على صعيد الكتابة للتلفزيون.. ما الذي راهنتم عليه؟ وهل نسيت الدرس الذي كررته دائماً في كتاباتك وتصريحاتك (إذا لم تستطع تغيير الواقع..)، خصوصاً أن تحقيق الكتابة للتلفزيون لا تنتهي عند الفراغ من كتابة السيناريو، بل إنها تبدأ من هذه النقطة، وتصبح في أياد أخرى كثيرة، غير يد المؤلف، حتى تصبح على الشاشة الفضية. وأخيراً هل كنت تريد من وراء الكتابة للمسلسلات السعي للجماهير إزاء الخروج من عنق القراء المحدودين.

                - كتبت للتلفزيون تعويضاً عن غياب السينما، المجال الأكثر ثراء وفتنة، كمساحة بديلة.. لكن هذا لا يعني انتقاصاً من شأن وقيمة وجدية هذا الوسط الذي لا يكف عن إغوائي. إني أنظر إلى التلفزيون كشكل تعبيري، بصري وسمعي، يستدعي لغة مختلفة تماماً عن اللغة المكتوبة في الأدب والمسرح. كما أن العناصر البصرية والسمعية تقتضي تعاملاً مغايراً، من حيث الأسلوب والرؤية وتوظيف المخيلة. إضافة إلى أن الصورة الدرامية تخضع لقراءة وتأويل مختلفين عن قراءة وتأويل الصورة الأدبية. والتوجه إلى الدراما التلفزيونية يعني بالضرورة التوجه إلى جمهور أوسع، لكن مختلف نوعياً عن جمهور الأدب. ومن المهم أن يسعى الكاتب إلى إقامة وتحقيق اتصال مع جمهور أكبر ومتعدد.. لكن من دون أن يتنازل عن شروطه الفنية من أجل إرضاء هذا الجمهور، ومن دون اللجوء إلى تملقه، واستجداء قبوله واستحسانه. بالطبع، من السهل تقرير أو الإدعاء بذلك نظرياً، لكن على الصعيد العملي يتعرض كاتب السيناريو إلى ضغوط كثيرة ترغمه على تقديم تنازلات، وإجراء تعديلات عدة. ففي هذا الوسط لا يكون الكاتب مسيطراً وحراً كما في لحظة الكتابة.. عناصر كثيرة تتدخل وتطالب بإجراء تعديلات معينة، بدءاً بالمنتج، والمخرج وانتهاء بالمونتير ومرورا بالممثلين والمصورين.. هذه هي طبيعة العمل الدرامي في السينما والتلفزيون والمسرح أيضاً. وعلينا أن نقبل ونقر بذلك، إذا آمنا بجماعية وتعاونية العمل. كما يجب أن نعي الاختلافات في جوهر وطبيعة وآلية ولغة وعناصر هذه الأوساط أو المجالات الفنية. ونتعامل مع كل مجال بوصفه مغايراً ومستقلاً، وبالتالي يكون تقييمنا أيضاً مختلفاً. بعضهم يتساءل بدهشة وحيرة: كيف يمكن لهذا الكاتب أن يبدع في مجال النص الأدبي، ولا يكون كذلك في مجال درامي آخر؟ هذا السائل يرى الحال الإبداعية واحدة، أشبه بحقيبة سفر تنتقل معك من محطة إلى أخرى، متجاهلاً الطبيعة والمناخ واللغة المتباينة في كل وسط، وأيضا الشروط التي يعمل الكاتب وفقاً لها. صفحة أشبه بشاشة

·      يأخذ عليك بعض الناس، وخصوصاً في عملك (رهائن الغيب والذين هبطوا في صحن الدار بلا أجنحة) أن العمل في تكنيك كتابته، وطريقة تصويره أقرب في بنيته العامة والتفصيلية إلى سيناريو المسلسل؟ ما رأيك؟

- مأخذ؟ لا بأس. لابد من وجود الذهنية التقليدية المحافظة، في مكان ما هنا أو هناك. الذهنية التي تستنكر أي خروج على القوانين الموضوعة منذ أزمان سحيقة. لكن، هل يعلم صاحب هذه الذهنية أن السورياليين الفرنسيين، في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، كتبوا نصوصاً أدبية/ سينمائية، حتى أن فيليب سوبو سمى عدداً من نصوصه ''قصائد سينمائية''. وماذا عن الأعداد الوفيرة من الروايات الحديثة التي تقترب كثيراً من السيناريو السينمائي؟ وفي لحظة قراءة أية رواية، ألا تتمثل المشاهد والشخصيات والمواقع بصرياً.. أي سينمائياً، بمعنى إخراجك الخاص للمشهد على شاشة الذهن، مستعينا بمخيلتك وموظفاً العناصر التي تقرأها؟  كيف يمكن لكاتب أو شاعر معاصر أن يتفادى تأثير السينما، هذا الشكل الفني الباهر والمؤثر بفعالية لا يمكن أن يضاهيه فيها أي شكل آخر؟  خذ نصوصي منذ سنوات، وستجد تأثير السينما حاضراً في غالبيتها.. لكن هذا لا يعني المحاكاة المباشرة، والتأثير السلبي الذي يجعل من النص الأدبي نسخة مشوهة من النص السينمائي. أكرر، يجب أن يعي الكاتب الفروقات الجوهرية في جوهر ولغة كل شكل فني. فـ ''رهائن الغيب'' تعتمد البناء السينمائي، بحيث تبدو الصفحة أشبه بالشاشة، لكنها تتغاير وتبتعد في السرد والوصف واللغة والحوار والسمات الأخرى الخاصة بعالم النص الأدبي. وبالطبع ليس في التقنية.. فثمة بون شاسع بين التقنيات طالما أنني أتعامل، في ''رهائن الغيب''، مع اللغة المكتوبة لا البصرية.. كما في السينما. لست شغوفاً بالترجمة

·      كنت من السباقين في نقل بعض آثار ميشيل فوكو إلى اللغة العربية، لكنك لم تتعمق في هذا الاتجاه، ترى ما السبب الذي جعلك تنأى بنفسك عن المضي في نقل الآثار الفكرية والفلسفية، والانحياز إلى السينما بشكل يكاد يكون مطلقاً، ولماذا السينما تحديداً؟

- الترجمة، بكل أنواعها، لم تمثل لي شغفاً أو استحواذاً. الضرورة هي التي فرضت مثل هذا التوجه. منذ البداية كنت مسكوناً بعشق السينما. في طفولتي كانت السينما وسيلة ترفيه وتسلية، وأيضا كانت ملاذاً سحرياً كلما رغبت في الهروب من الواقع والعيش في عالم يشبه عالم الحلم. وعندما كبرت اكتشفت أن السينما هي هذا وأكثر.. إنها مجال فكري وثقافي غني وعميق وبالغ الحيوية. والمثقفون العرب، في غالبيتهم، لم يكترثوا كثيراً بالسينما كحقل ثقافي استثنائي، بل نظروا إليها كمجال ترفيهي بحت لا يستحق الاهتمام، ويمكن تجاهله أو حتى ازدرائه.. بل إن بعضهم صار يتباهى بعدم مشاهدته الأفلام، وتبديد وقته الثمين في التعرف على ما ينتجه هذا الوسط. وبالتالي لم تدخل السينما ضمن النسيج الثقافي في الأوساط العربية، كما كان الحال مع الأوساط الثقافية في شتى أنحاء العالم. ومع اهتمامي بالسينما، في الجانب المعرفي، وجدت نفسي في حقل شاسع من النظريات والأفكار والرؤى، وضمن عوالم من الاتجاهات والتيارات والأساليب. ومثل هذه الذخيرة الهائلة من المعرفة كانت، للأسف، مجهولة عندنا، ومن أجل تعميمها كان لابد من ترجمتها، ولأن الاهتمام بهذا الجانب كان نادراً أو محدوداً، فقد سعيت إلى ترجمة ما قرأت وأثار اهتمامي، معتقداً أنه سيثير اهتمام الآخرين أو على الأقل سيلفت نظرهم إلى وجود حقل يجهلونه تماماً (ويتباهون بجهلهم له). أما عن الآثار الفكرية والفلسفية فأعتقد أن هناك من يهتم بهذا الجانب على نحو أفضل وأعمق مني. وكما أشرت، لست شغوفا بالترجمة إلى هذا الحد. للسرد خاصياته الشعرية

·     ''مدائح'' و''موت طفيف'' عُدّا من قبل بعض النقاد شعراً، بل إن بعضاً آخر يرى أن أمين صالح هو شاعر في معظم ما كتب.. وهذه الصفة لا ننفيها بدورنا في بعض ما كتبت، وسؤالي بحسب تقييمك الشخصي، هل توجد بظنك حدود واضحة بين ما تكتب وبين الشعر؟  

- علينا أن نوضح أولاً مفهومنا للشعر كي نقدر أن نتبيّن الحدود: هل هو، بمعناه الضيق، كشكل أو نوع أدبي محدد بقوانين أو قواعد معينة، كالوزن والقافية وما شابه. أم هو، بمعناه الأوسع والأشمل، كموقف ورؤية وإدراك للحياة وللعالم من منظور حسي وجمالي. ومن خلال لغة ترفع العادي والواقعي إلى مستويات تتداخل فيها مع الحلمي والخيالي، لتنتج حالات لا يمكن تأويلها وفق معطيات عقلانية، بل تحمل منطقها الخاص الذي لا يخضع لشروط ثابتة ومقررة سلفاً. وتقنياً، ندرك أن للسرد خاصياته الشعرية، وللغة النثرية مكوناتها الشعرية، وللصورة الأدبية جماليتها التي تقربها من الصورة الشعرية. وعندما يتعلق الأمر بكتاباتي فإني أتوقع منك، كناقد أو قارئ، أن تبين هذه الحدود - بين ما أكتب والشعر - من دون الاعتماد على ما أقرره من منطلق ذاتي. النقد الذاتي إحساس بالمسؤولية

·     من المعروف عنك أنك شديد النقد لأعمالك وبدرجة تتجاوز أحياناً ما يكتبه الآخرون عنك.. وسؤالي: على ماذا تتكئ وأنت تمارس نقداً ذاتياً.. وما النتائج التي أسفر عنها هذا النقد؟ وهل هذه العملية مستمرة؟ وكيف تقرأ الآن في ٦٠٠٢ بيان ''موت الكورس'' على سبيل المثال.. والسجال الصحافي الذي كنت أحد أطرافه، والذي كان يدور حول واقعية الأدب؟

- في النقد الذاتي عادة أعتمد، مثلما يعتمد غيري.. حسب ظني، على التجربة والمعرفة والحدس (مدعوما، بالطبع، بنقد خارجي). كل كاتب يسعى إلى الكمال الذي لا يمكن تحققه، وإذا تعامل مع نصه - في لحظة الكتابة - بحزم وصرامة، وبجدية مطلقة، فسوف يشعر بأنه ينجز شيئاً له معنى وقيمة، حتى لو لم يستطع التخلص من بعض الشوائب أو النواقص. أما إذا تعامل بخفة واستسهال، وبثقة مبالغ فيها، فلن ينتج غير نص سهل لا يتسم بالعمق.  عملية النقد الذاتي، واعادات النظر، هي مستمرة ودائمة، وينبغي أن تكون كذلك. إنها تكشف عن مدى جديتك في التعامل مع الكتابة وإحساسك بالمسؤولية تجاه قارئك. عندما تقدم نتاجك إلى الآخر طالباً منه أن يستجيب ويتفاعل مع ما تكتب فينبغي على الأقل أن تحترمه، وتقدم له عصارة جهدك وليس بقايا أو إفرازات وقت بددته في الكتابة. بيان موت الكورس؟ لا أعرف إلى أي مدى أنا مخلص لمفهومات ونظريات ووجهات نظر كنت مؤمناً بها في وقت من الأوقات.. أذكر أننا قلنا في نهاية البيان: ينبغي إعادة النظر في ما نقول ونفعل. في الكتابة لا أظن أن لدي ثوابت.. كل شيء عرضة للخيانة أو إعادة بناء. أما عن السجال بشأن الواقعية، فهو سجال طبيعي بين أفراد يريد كل واحد منهم أن يفرض رأيه وتصوره بشأن مفهومات مراوغة لا يمكن الاتفاق حولها. لكنها كانت نقاشات ضرورية وملحة آنذاك. وإذا كانت تتسم بشيء من الحدة والانفعال، فمبعث ذلك الحماس والتعصب. الجدل والخلاف بشأن المفهومات والمصطلحات سيظل قائماً إلى ما لا نهاية، ومن دون حسم. قراءات متباينة حد التناقض

·      حظيت تجربتك بمتابعة نقدية مقبولة إلى حد ما.. ولو طلبنا الآن من أمين فتح أرشيفه، ليعلق لنا عموماً على كيفية تعاطي الآخرين مع كتاباته، ما أبرز ما تحفظه لنا هذه الملفات.. علماً أن بعضهم يرى أن تجاربك الأخيرة كانت حظوظها في التناول والقراءة أكثر من التجارب التي جاءت بعد البدايات على تميزها وشعريتها.. ما مدى دقة هذه الملاحظة، وما السبب في رأيك؟

- في ما يتصل بالمتابعة النقدية، أدرك جيداً أن التوجهات والمنطلقات، وبالتالي القراءات، تتفاوت وتتباين من ناقد إلى آخر. وهذا الإدراك جعلني لا أتوقع استجابة واحدة ومحددة من النقاد، بل أتوقع تعدد القراءات والتأويلات.. ولا أراهن على تقييم واحد أو أخضع له. بعض الكتاب تدفعهم حساسيتهم المفرطة إلى التأزم عندما يصادفون نقداً سلبياً لأعمالهم من ناقد واحد قرأ النص من زاوية قد لا تكون صائبة. ما أريد أن أقوله: ليس ثمة قراءة واحدة.. وعلى الكاتب أن يدع نصه يمر عبر ''فلترات'' النقد من دون أن يخشى على نصه من الإنجراح أو التقييم السلبي. النص الجيد يصمد ويحتل مكانة بارزة حتى لو قلل النقد الحالي من قيمته. شخصيا، أشعر بأن النقد، على رغم قلة المتابعات النقدية لأعمالي، أنصف إلى حد ما تجربتي، ولا أستطيع هنا أن أقيّم استجابات النقاد لأعمالي، لأن العلاقة تمتد عبر سنوات طويلة خلالها صادفت عدداً من القراءات المتباينة إلى حد التناقض، ولا يمكن اختزال ذلك في تقييم سريع وموجز. من ناحية ثانية، من الطبيعي أن تلقى التجارب الأخيرة لأعمال أي كاتب أو فنان اهتماماً نقدياً أكثر من البدايات أو ما بعدها، إذ تنال تجربته حظاً أوفر من الحضور والتماسك وجذب الاهتمام.. أي تكون عادة أكثر نضجاً وقابلية للتحاور معها. أحياناً النقد، خصوصاً عندما يكون سلبياً وقاسياً، يضر الكاتب في بداياته، إذ يكون آنذاك طرياً وهشاً وغير محصن. لن تجرني للمنطقة الصعبة

·     لو طلبنا من أمين صالح أن يرسم لنا شبه خريطة للحركة الأدبية في البحرين اليوم، ترى ما ملامحها الأساس.. خصوصاً أن أمين متهم بعدم متابعته للنتاجات الأدبية التي يقدمها الشباب في البحرين؟  

- من يتهمني بعدم متابعتي لنتاجات الشباب الأدبية لابد أنه يقيم معي في المنزل بحيث يعرف عن كثب ما أقرأ وما لا أقرأ، وما أتابع وما لا أتابع. على أية حال، لست ناقداً أو محرراً في صفحة ثقافية بحيث أعبر عن رأيي في تجارب الآخرين.. وبحيث يعرف الآخرون ما أقرأ. مرة أخرى، أجد نفسي هنا مطالباً بالقيام بدور الناقد لكي أشرح الملامح الأساس للحركة الأدبية. لا، لن تجرني إلى تلك المنطقة الصعبة. من جهة أخرى، هذا سؤال يستدعي بحثاً لا إجابة مختزلة.  ؟ صدرت المجموعة القصصية بعد إجراء المقابلة.   

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2014)