يجوز وصف
الدورة الستين لمهرجان كان السينمائي بالحاسمة والضارية في آن معاً إذ انها
تشكل نقطة ثقل تتزامن مع العيد الستين للحدث السينمائي الابرز في العالم
لجهة احتوائها على أسماء سينمائية تتجاوز وصف "مكرسة" الى "مميزة". وذلك
ليس بالأمر العادي إذ غالباً ما يسهل الاتفاق على أن الأسماء المشاركة
مكرّسة ولكنه من الصعب الاجماع على تميزها على الرغم من اختلاف الاذواق
والرؤى. فتلك الأسماء التي مرت بمعظمها من "غربال" المهرجان ستقود معركة
تنافسية على السعفة الذهب تليق باحتفالية المهرجان الستينية ولو أن المعروف
سلفاً أن ادارة المهرجان ستواجه بعض الانتقادات لجهة تحويلها المسابقة منصة
للمحنّكين وإقصائها التجارب الشابة الى فئات أخرى. ربما يكون ذلك صحيحاً
وهو للمناسبة مأخذ شبه دائم على ادارة المهرجان ولكنه هذه السنة بالذات
يبدو مسموحاً ومتماشياً مع أجواء المهرجان الاحتفالية. فستون عاماً من
احتضان السينما والاحتفاء بها ما كان ليكون ممكناً لولا تلك الاسماء التي
تحتشد من جديد كأنما في مباراة للمخضرمين و"المايستروات". ذلك بالضبط هو
الوصف الذي ينطبق على الدورة الستين، دورة المايستروات التي كاد يفتتحها
أحد مايستروات السينما الاميركية وودي آلن بفيلمه الجديد "حلم كساندرا"
Cassandra's Dream الا أن ثمة ما حدا بإدارة المهرجان الى البحث عن بديل منه
يرجح كثيرون ان يكون سببه تلكؤ آلن في ابداء الموافقة. ولعله يسهل فهم ذلك
بالعودة الى تاريخ العلاقة بين المهرجان والمخرج الذي شارك للمرة الاولى في
"كان" العام 2002 بفيلمه
Hollywood
Ending وسط اعتراف ادارة المهرجان بأنه رفض مراراً دعوتها للحضور.
المهم أن خسارة آلن لم تكن محزنة تماماً ذلك انها فتحت الطريق لأحد
السينمائيين الآسيويين المعاصرين الكبار ليكون اول صيني يفتتح مهرجان كان
خلال تاريخه. انه وانغ كار واي الذي عرف شهرة واسعة بعد فيلمه "في مزاج
الحب"
In the Mood
For love عام 2001 على الرغم من انجازه افلاماً بارزة قبله مثل
Days of Being Wild
وChungking
Express.
في "كان" 0002، نال السينمائي عن
In the
Mood
For Love
الجائزة الكبرى للانجاز التقني كما حاز الفيلم جائزة أفضل ممثل (توني شيووا
يليونغ) ولكن المهرجان كان قد اكتشفه قبل ذلك عندما منحه العام 1997 جائزة
أفضل مخرج عن "سعداء معاً"
Happy
Together
. "لياليّ العنبية"
My Blueberry Nights
هو عنوان شريط كار واي الذي افتتح الدورة الستين اول من أمس والذي يسجل
تجربة السينمائي الاولى مع الافلام الناطقة بالانكليزية، يلعب بطولته جود
لو والمغنية نورا جونز في اطلالتها السينمائية الاولى في دور شابة هجرها
حبيبها فشرعت في رحلة بحث عن معاني الحب والصداقة.
يتنافس
شريط وانغ كار واي مع واحد وعشرين فيلماً آخر في فئة المسابقة الرسمية على
السعفة الذهب التي ستمنحها لجنة تحكيم يرأسها المخرج البريطاني ستيفن فريرز
صاحب
The Queen
(الذي تمتع العام الفائت بسمعة طيبة والكثير من الجوائز) وتضم في عضويتها
الممثلات الصينية ماغي تشوينغ والاوسترالية توني كوليت والبرتغالية ماريا
دي ميدريوس والكندية ساره بولي والممثل الفرنسي ميشال بيكولي والروائي
التركي حائز "نوبل الآداب" هذا العام اورهان باموك والسينمائيين الموريتاني
عبد الرحمن سيساكو الذي عرض العام الفائت فيلمه "المحاكمة"
bamako
في المهرجان والايطالي ماركو بيللوكيو الذي قدم في الدورة السابقة فيلمه
The
Wedding
Director
في "نظرة ما".
بين مخرجي
المسابقة وأفلامها الـ22، ستة أميركيين وشريط تحريك واحد وفيلم أول واحد
وأربعة سينمائيين حازوا شرف الفوز بالسعفة من قبل في مقدمهم امير كوستوريكا
الذي فاز بالسعفة مرتين عن "تحت الأرض"
Underground
عام 1995 وقبله "عندما ذهب والدي في رحلة عمل" عام 1985. وقد صرح بعيد قبول
فيلمه الحالي "عدني بذلك"
Promise Me This
بأنه آتٍ من أجل السعفة الثالثة. يروي الشريط رحلة شاب في سبيل تحقيق
أمنيات جده الثلاث وهو على فراش الموت: بيع بقرة وأيقونة والزواج من فتاة
حسناء. الأميركي غاس فان سانت الذي فاز بالسعفة عام 2003 عن
Elephant،
يشارك هذا العام بفيلم
Paranoid Park
الذي تدور أحداثه في مجتمع الشباب الذي يهوى التزحلق على اللوح. ولكن عندما
يتسبب أحد الشبان بقتل حارس المنتزه ستنقلب الأحداث. كذلك يعود الاخوان
ايثان وجويل كوين الى المسابقة بعد غياب ست سنوات (منذ
The Man Who
Wasn't There)
بجديدهما "لا وطن للعجائز"
No Country
For Old Men
المقتبس عن رواية الاميركي كورماك ماكارثي حول محارب سابق في فييتنام يكتشف
أثناء ممارسته صيد الظباء جثثاً ومالاً ومخدرات ستقلب حياته رأساً على عقب.
حاز الاخوان كوين السعفة الذهب عام 1991 عن
Barton Fink
فيما حازا جائزة الاخراج ثلاث مرات عن
Fink
وFargo
وThe
Man
Who Wasn't There.
المخرج الرابع في لائحة الفائزين بالسعفة هو كوينتن تارانتينو صاحب
Pulp Fiction (حائز السعفة عام 1994) الذي سيعرض
Death Proof
عن سفاح يطارد الفتيات ويقتلهم الى أن يتورط بفرقة منهم تقرر الانتقام.
الجدير ذكره أن الفيلم هو جزء من مشروع
Grind House
الذي يضم فيلماً آخر لروبرت رودريغز في عنوان "كوكب الرعب" وقد أنجزهما
المخرجان متمثلين بنوعية "أفلام بي" التي شاع انتاجها في هوليوود في
خمسينات القرن الماضي ودرج عرضها متصلة تحت شعار "فيلمان ببطاقة واحدة".
الا أن ادارة مهرجان "كان" أسقطت شريط رودريغز من العرض.
الفوز
بالسعفة الذهب ليس المعيار الأوحد لجودة الاسماء السينمائية في مسابقة
الدورة الستين. فثمة من شاركوا بأفلامهم في المسابقة ولكن لم يحالفهم الحظ
بالفوز كما هي حال المخرج الروسي ألكسندر سوكوروف، ضيف المهرجان منذ
Mother and Son
عام 9991 ووصولاً الى ثلاثيته الشهيرة عن رجال السلطة التي عُرضت جميعها في
المسابقة:Moloch
عن هتلر و
Taurusعن
لينين وThe
Sun
الذي عُرض في مسابقة العام الفائت عن هيروهيتو. فيلم هذه الدورة هو "ألكسندرا"
الذي يخرج من دائرة السلطة والقوة ليروي رحلة جدة الى الشيشان لتفقد حفيدها
المقاتل هناك فينتهي بها الأمر في ثكنة عسكرية مع أمهات وأرامل شيشانيات.
يمتد
موضوع الجريمة والقتل والمال كخيط متصل من فيلم الى آخر. فمن سفاح
تارانتينو الى قاتل فان سانت مروراً بجثث الاخوين كوين، تحط المسابقة عند
شريط المجري المتميز بيلا تار حائز الجوائز السينمائية المرموقة في العالم
The man From
London
المقتبس عن رواية الفرنسي جورج سيمنون عن عامل في محطة قطار يشهد على جريمة
قتل ويعثر على ثروة مالية تغير مجرى حياته. الاميركي دايفيد فينشر الذي
يملك تاريخاً في افلام العنف والقتل من خلال تجربتيه البارزتين
Fight Club
وSeven
يدخل المسابقة بـZodiac
الذي يروي حياة واقعية لسفاح أثار الرعب في شمال كاليفورنيا وحيّر مكتب
التحقيقات الفيدرالي. أما شريط التركي فاتح آكين الذي فاز بالدب الذهب في
برلين عن
In the Wall فيعرض في فيلمه "على الجانب الآخر" لموت مهاجرين أتراك في
ألمانيا. ويعود صاحب "العودة" الفيلم الذي حاز جائزة البندقية العام
2003بجديده "النفي" الذي يدور حول زوجين وطفلهما يهاجران الى قرية منعزلة.
في موضوعة
العلاقات، يقدم المكسيكي كارلوس ريغاداس صاحب
A Battle in
Heaven
فيلمه الجديد "الضياء السري" الذي يدور حول قبيلة "مينونيت" التي تمارس
طقوساً متشددة فتعزل نفسها وتتقشف في حياتها بما يجعل من حكاية رجل متزوج
يتورط في علاقة مع إمرأة أخرى فعلاً شيطانياً في نظر القبيلة. كذلك يعرض
النمسوي اولريتش سيدل في
Import
Export
لعلاقة محتملة بين ممرضة اوكرانية في فيينا تبحث عن الحب والرفاهية وبول
النمسوي الذي يعاني من فراغ حياته وانهيار قيمها. عُرف اولريتش قبل أعوام
قليلة بفيلمه الاشكالي العنيف
Dog Days.
في شريط الكوري الجنوبي كيم كي دوك "نَفَس"
Breath
علاقة حب من نوع خاص تنشأ بين شاب محكوم بالاعدام وزوجة سجين آخر يتعارفان
خلال الزيارات العائلية. وفي إطار مشابه تروي اليابانية ناعومي كاواسي في
فيلمها "الغابة الناحبة"The
Mourning Forest
علاقة ملتبسة بين موظفة خدمات اجتماعية وعجوز ذي ماض أسود. الحب المحرم هو
عنوان شريط الكوري الجنوبي لي تشانغ دونغ "سعادة سرية"
Secret
Sunshine
عن علاقة بين أرملة شابة وميكانيكي في قرية متزمتة. أما الفرنسية كاترين
بريا فتخرج من هواجس الهوية الجنسية التي قاربتها في فيلمها الأخير
Anatomy of Hell
لتتناول في جديدها "عشيقة سابقة" قصة حب في العام 1860 بين شاب من النبلاء
وعشيقة.
المخرج
الاميركي جايمس غراي يعود بعد غياب سبع سنوات بفيلم
We Own the
night
بحكاية حول شقيقين يحاول أحدهما إنقاذ الآخر من براثن المافيا. العلاقة بين
الشقيقين هي ايضاً محور الفيلم الاسرائيلي
Tehilim
لرافائيل نجاري بعد أن يفقدا والدهما. بينما يأخذ الفيلم الروماني 4
months, 3
weeks and 2 days تيمة العلاقة ويطبقها على صديقتين في بوخارست على أثر
سقوط حكم نيكولاي تشاوشيسكو.، بينما تتقاطع مصائر ثلاث شخصيات في الفيلم
الفرنسي "أغاني الحب"
Les Chansons
L'Amour
لكريستوف أونوري. ويكتمل عقد المخرجين الاميركيين الستة في المسابقة
بجوليان شنابل وفيلمه
The Diving Bell and the Butterfly
الذي يسجل عودته السينمائية بعد سبع سنوات عن حياة جان دومينيك بوبي الذي
كان رئيس تحرير مجلة "إل" الى أن أصيب بشلل دماغي لم يمنعه من كتابة
مذكراته بواسطة آلة تعمل من خلال رمش العين!
يزين هذه
الباقة من الافلام والاسماء الكبيرة تجربة مختلفة لأسباب عدة .
PERSEPOLIS
هو عنوان الفيلم بتوقيع ماريان ساترابي وفينسنت بارونو عن مذكرات الاولى
كطفلة في ايران بعيد الثورة الاسلامية. اللافت أن الكتاب يستلهم المجلات
المصورة والرسوم بالابيض والاسود بينما يأخذ الفيلم المنحى التحريكي في
مقاربة الموضوع.
خارج
المسابقة واحتفالات الستين
تقدم
الدورة الستون لمهرجان كان أربعة أفلام خارج المسابقة هي: فيلم الاختتام
L'Age
Des Tenebres
للفرنسي دوني أركان الذي شارك وفاز بفيلمه "غزو البرابرة" في المهرجان قبل
سنوات؛ فيلم الأميركي مايكل مور
Sicko
الذي يعرض فيه لنظام الاستشفاء في اميركا من خلال تجارب أفراد؛ الجزء
الثالث
Ocean's
Thirteen
في سلسلة ستيفن سودربيرغ وعصبة نجومه جورج كلوني وبراد بيت ومات دايمن
وآندي غارسيا؛A Mighty Heart
للبريطاني مايكل وينتربوتوم الذي قدم العام الفائت في برلين فيلمه
The Road to
Guantanamo.
كالعادة،
نقدم فئة "نظرة ما" أسماء جديدة بمعظمها ثمانية منها من أصل اثنين وعشرين
تقدم أفلامها الأولى. تتجاور الأخيرة مع أسماء كبيرة من طراز التايواني هيو
سياو سيين الذي قدم العام الفائت في المسابقة "ثلاثة أزمنة". فيلمه الجديد
يحمل اسم "البحث عن البالون الأحمر" ويفتتح عروض "نظرة ما". بمحاذاته يقدم
السويدي روي أندرسن صاحب "أغنيات من الطابق الثاني" (حائز جائزة لجنة
التحكيم عام 1996) فيلمه الجديد "أنتم الأحياء".
من أجل
الاحتفال بمرور ستين سنة على انطلاق مهرجان كان، أطلقت ادارته بشخص جيل
جاكوب مشروعاً سينمائياً في عنوان "لكل سينماه"
To each his Own Cinema
وأشركت فيه خمسة وثلاثين مخرجاً من العالم، أنجز كل منهم فيلماً قصيراً من
ثلاث دقائق حول السينما. أبرز الاسماء المشاركة: اليوناني ثيو انجيلوبولوس،
الفرنسي اوليفييه اساياس، الاوسترالية جاين كامبيون، الكندي دايفيد
كروننبورغ، البلجيكيان جان بيار ولوك داردن، البرتغالي مانويل دي اوليفييرا،
الاسرائيلي عاموس غيتاي، المصري يوسف شاهين، الفنلندي آكي كاوريزماكي،
الفلسطيني ايليا سليمان، الايطالي ناني موريني، الايراني عباس كياروستامي،
البرازيلي والتر سالز، المكسيكي اليخاندرو غونزاليس ايناريتو وآخرون. وهم
جميعهم شاركوا في المهرجان في خلال دوراته الماضية.
يحفل
مهرجان كان في دورته الستين بكل ذلك وأكثر. فالعظمة هي سمة الدورة الحالية
والسينما هي فحواها كما يتجلى ذلك في تكليف مارتن سكورسيزي اعطاء درس
السينما والاعلان عن مؤسسته لترميم الافلام وتخصيص فئة كلاسيكيات كان
للافلام الوثائقية التي تتناول شخصيات سينمائية. في هذا الاطار، سيتم تقديم
أربعة أفلام وثائقية عن موريس بيالا ومارلون براندو وليندسي اندرسن وبيار
ريسيان. كذلك، يوجه المهرجان تحية الى أربعة مخرجين هم: جاين بيلركن وكلود
لولوش وارمانو اولمي وفولكر شلوندورف.
المشاركة اللبنانية
على هامش
عروض مهرجان كان، يشارك الفيلمان اللبنانيان "الرجل المفقود" و"سكر بنات"
في تظاهرة "نصف شهر المخرجين". الاول من اخراج دانييل عربيد التي تخوض من
خلاله تجربتها الروائية الثانية بعد "معارك حب". اما "سكر نبات"
Caramel
فهو باكورة أعمال نادين لبكي التي اشتهرت على الصعيد العربي من خلال
توقيعها عدداً من الاشرطة الموسيقية المصورة اخراجاً. مثلها، يقدم باسم
بريش شريطه القصير الاول في تظاهرة "الاسبوع الدولي للنقاد" في عنوان
Both
مع الممثل ايان هارت. الى ذلك، تشارك أربعة أفلام لبنانية طويلة وأربعة
قصيرة في تظاهرة "كل سينمات العالم" التي اطلقها المهرجان قبل عامين وتعتمد
في كل دورة على دعوة سبعة بلدان الى تقديم نتاجها السينمائي. الافلام
اللبنانية الطويلة التي ستُعرض يوم 21 أيار/مايو هي: "أطلال" لغسان سلهب، "فلافل"
لميشال كمون، "يوم آخر" لخليل جريج وجوانا حاجي توما و"لما حكيت مريم" لأسد
فولادكار. ويحضر المخرجان جريج وحاجي توما في "اتولييه كان" الذي يهدف الى
تطوير مشاريع سينمائية بمشروعهما قيد الكتابة "لا أستطيع الذهاب الى
المنزل".
المستقبل اللبنانية
في 18 مايو 2007
|