جديد حداد

 
 
 
 

جاذبية الصورة السينمائية

دراسة في جماليات السينما

 
 
 

جريدة الوطن

 
 
 
 
 
 

إلى أي مدى يستطيع المتفرج فهم الصورة السينمائية وتذوقها.. هذا ما يناقشه كتاب هام باسم (جاذبية الصورة السينمائية)، للدكتور عقيل مهدي يوسف. فجاذبية الصورة السينمائية تنجر عبر مرحلتين: الأولى، هي التي يصب فيها "المخرج" كل طاقاته الإبداعية من أفكار وأساليب تقنية لكي تكون الصورة "الفيلمية" بمستواها الفني المرموق ونصوعها ودقة ألوانها وإشراقها. أم المرحلة الثانية، فهي أن يكون الجمهور حاضرا في ذهن المخرج، بمعنى آخر إن المونتاج حين يصوغ تصوراته بين حجم الفيلم وطوله وعمقه ومحتواه وإيقاعه، فانه يفرض تصورا مركزيا للصورة السينمائية واتجاهاتها في مخاطبة الآخر.

جاذبية الصورة الفيلمية تشبه اللوحة الزيتية يحققها تصميم على سطح ثنائي البعد هو سطح اللوحة أو الشاشة نفسها مع فارق يجدر بنا ملاحظته، إن الشاشة تبدو لنا ثنائية البعد وثلاثية الأبعاد في آن معا أي أنها تعرض على سطح ثنائي مستو ولكنها بواسطة الحركة تعطينا ذلك العمق المحسوس والانتقال والتجوال في الزمان والمكان الأمر الذي تفتقده اللوحة الزيتية أو اللوحة التشكيلية.

ففي مقدمته لكتابه، يحدثنا الكاتب عن مفهوم الصورة في السينما، ومفهوم المتلقي في تقبل هذه الصورة السحرية.. فيقول: "قد يود الإنسان وهو ينظر إلى (صورة) تعجبه أن يلمسها، أو يتذوقها، أو يشمها أحياناً! فحواسنا تثار أمام تمثال من الكرستال مثلاً، وحين نلمس زجاجة الصقيل نرتاح لنعومته، وقد يذكرنا بـ (الثلج) فيمد أحدنا لسانه ليتأكد من درجة حرارته وأحياناً نشم (صور) الزهور في المجلات!!

في مثل هذه المواقف تحفزنا (الصور) حسياً، كما يحدث لنا يومياً في حياتنا الطبيعية، حين نلمس أكف البشر (الناعمة والخشنة)، وحين نتذوق طعم الفواكه، ونشم أريج الزهور. في السينما، يحاول المخرج أن ينقل إلى (المتفرج) هذا الإحساس، ولكن كيف يمكن أن يفعل ذلك؟ بالطبع، ليس أمامه سوى البحث عن كيفية صناعة (الصورة) السينمائية الجذابة.

إن صورة المركب في (بحر) والزورق في (نهر) الذي ننظر إيه يومياً، أو صورة الناس في الأسواق أو شروق الشمس وغروبها، أمور يومية، ولكن حين تجرب أن تصورها بـ (كاميرا) فوتوغرافية مثلاً، يتعين أن تقوم بإجراءات عديدة لإنجاح اللقطة الجيدة، وهذه هي المرحلة الأولى: في التمييز بين حواسنا الطبيعية وحواسنا الفنية التي تنقل لنا بواسطة (الصورة) مظاهر العالم حولنا. فكيف يمكن للمخرج السينمائي أن يقنع بفيلمه المئات والألوف المحتشدة من الناس، في موطنه وفي بلدان أجنبية؟!

كما نعرف أن (عين) المخرج، هي غير (عين) المصور، وهنا تقوم مرحلة ثانية: بين ما يريد المخرج تصويره، وبين فهم المصور لتلك (الصورة) المطلوبة، وبالتأكيد إن (الصورة) السمعية، لا تقل أهمية عن الصورة (البصرية) المرئية على الكاميرا، وهنا تكون مرحلة ثالثة: تنتقل فيها (صورة) هذا الفيلم الذي أنجزناه صورة وصوتاً، إلى مرحلة طبع الصورة في معمل التحميض، وكذلك تسجيل الصوت على (الشريط).

والسؤال: ماذا نقصد بجاذبية (الصورة) السينمائية؟ وكيف يحقق (المخرج) صورته السينمائية؟ وكيف نزيد عن طريق الصورة فعالية (المتفرج) على التلقي؟"

وفي توصيفه للصورة الفنية، يشير الكاتب بأن الصورة الفنية ليست نفعية جامدة، إنما تدلنا على جوهرها الروحي. ويسعى كل مخرج إلى تقديم صورة فنية تثير استجابات جمالية لدى المتفرج الفرد والجمهور العريض.

وتقع مسؤولية الالتزام بـ (رؤية) فنية خاصة على عاتق المخرج وهو يقود كادر: التمثيل، والطاقم الفني: التصوير، السيناريو، الموسيقى والمؤثرات، المونتاج. ورؤيته تتحدد باختيار موضوع فيلمه، ووجهة نظره، وأسلوب معالجته الفكرية والجمالية للصورة.

وهو الذي يرى.. وينظر مثل الآخرين ولكنه يجمع منجزات الفنون كلها ـ عبر التاريخ ـ ويقرن جمالياتها بالفكر، وبأصالته الشخصية، وبقدرته على القيادة، وتحويل الأحلام إلى حقيقة. عيونه، تقطع الوقائع اليومية، وتبنيها مجدداً، وتنزع عن الأمر المألوف، مألوفيته، وتنقله إلى موقع الدهشة.

وهو يفعل الأمر نفسه مع (تخيلاته) ومع (ذاكرته)، يرتب (الحوادث) وهو مثار الحواس، بحيث يسمعها ويتلمسها ويتحرك في معمعاتها.

هذا المخرج مهما كانت شخصيته، وطبيعته السيكولوجية، سواء أكان عادياً أو غريب الأطوار، إلا أنه في الأحوال كلها يكون مخلصاً لأحلامه الفنية، ورؤياه الجمالية.

إن إرادته الحقيقية تظهر في حبه الكبير لـ (رؤيته) الفنية حيث ينشد الوصول إلى تجسيم هذه الأطياف الملونة التي تدفعه إلى خوض معترك التحضير للفيلم، والدخول في محنة الممارسة والتطبيق مع البشر والمادة الفنية والآلات، لينقل أحاسيسه ورؤاه وعواطفه وأفكاره إلى أشكال خاصة، تنطبع على مادة الشريط الجلاتينية في معامل خاصة، لها اشتراطاتها وممكناتها واختراعاتها، من أجل غرض واحد هام هو متعة المتفرج أولاً، وتحريك قدراته الإنسانية ثانياً باتجاه خاص مستهدف من قبل المخرج ذاته، تبعاً لفلسفته في فهم المواطن المتفرج وإغراءه، أما بالانخراط في المجتمع أو بتقريض عزلته ومواساته في حياة مضطربة مختلة الموازين.

ولكل مخرج سينمائي ـ أيضاً ـ نهجه الفني والجمالي، وبمثل هذه التعددية يكثر شغف الجمهور السينمائي بالمدارس الفنية والنظرية والاتجاهات والمذاهب والأساليب. وعلينا نحن ألا نسارع فنرفض هذا النهج أو ذاك، بل علينا أن نعتدي بمشاعرنا الصادقة، وثقافتنا الطموحة، وتجربتنا المتنامية في حقل السينما لاختيار الأفلام التي تنعش وجداننا الجمالي، وتمنح عيوننا آفاقاً جديدة للإبصار الفني، والمرهف، وتستفز فينا القدرات الإبداعية للنزوع الجمالي، والسلوك الأمثل في فن صناعة الصورة الجمالية الجذابة في أفلام السينما.

أما عن تقنيات الحداثة عند المخرج السينمائي، فتكمن في أنها لات تؤمن بـ (الفكرة الرئيسية)، ولا نمط قصصي يتطور، ولا بالمنطق والسببية، ولا بالتطور تجاه الحضارة، ولا بالقيم والفضائل الخارجية. بل ازداد الاهتمام بالعالم الداخلي، وإجراءات التفكير، وبتجربتنا في الذاكرة، وبمرور الوقت، وبأفكارنا الفردية عن الخير والشر. إن المخرج الحديث يتخذ موقفاً من مادته، أي موقفاً عنيفاً غير مألوف من أدواته التقليدية.

والمتابع للسينما الحديثة، يلاحظ اختفاء استخدام المزج والاختفاء والظهور التدريجي كحيل للتعبير عن مرور الزمن وتغير المكان، حيث دلالاتها التقليدية، وأصبح التعبير عن مرور الزمن لا يتم عن طريق المزج بل عن طريق القطع المباشر. وأصبح (المزج) طريقة محسوسة مثلاً للربط بين الصور الناعمة، أو طريقة ذهنية للتعبير عن ارتباط ما.

وهذه كلها أسئلة وأفكار ورؤى ومداخلات، يتناولها صاحب الكتاب (الدكتور عقيل مهدي يوسف) ويبحث فيها ويجيب عليها بأسلوب شيق وجميل، في كتاب يعد من أهم الكتب العربية التي تناولت جوانب الصورة السينمائية.

 

الوطن البحرينية في

05.07.2006

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2018)