موعد على العشاء

إنتاج عام 1981

 
 
 

نشر هذا المقال في جريدة الأيام في 9 يوليو 1989

 
 
 
 

بطاقة الفيلم

سعاد حسني  +  حسين فهمي  +  أحمد زكي +  زوزو ماضي

إنتاج: أفلام الجوهرة، تصوير: محسن نصر، قصة: محمد خان، سيناريو وحوار: بشير الديك، مناظر: ماهر عبدالنور، موسيقى: كمال بكير، مونتاج: نادية شكري

 
 
 

شاهد ألبوم صور كامل للفيلم

 
       

موعد على العشاء

مهرجان الصور
       
 
 
 
 
 
 
 
 

 
 
 
 
 
 

في فيلم (موعد على العشاء)، يتضح أكثر أسلوب محمد خان السينمائي. كما يؤكد مرة أخرى على تطور موهبته الفنية، ومواصلة بحثه الدائم عن شكل جديد يصل به إلى المتفرج. فهو في هذا الفيلم يترك مساحة وحيزاً كبيراً لشخصياته للتعبير عما بداخلها، ويجعلنا نعشقها ونعيش عالمها الخاص والمليء بالتفاصيل الصغيرة والكبيرة، كما يقدم لنا فيلماً شفافاً وشاعرياً.

نحن هنا أمام نموذج خاص ونادر للمرأة العربية، امرأة رقيقة شفافة وجميلة، ملامحها الهادئة تكشف عن مدى النعومة والبراءة التي في أعماقها. وهي تعيش في مجتمع متخلف، يفرض على المرأة الكثير من القيود والتقاليد، ويكبلها بأغلال لا تنتهي أبداً .. مجتمع لا يعترف بحرية المرأة الشخصية، ولا يعطي أي اهتمام لمشاعرها وبراءتها.
نوال (سعاد حسني) امرأة متزوجة من رجل أعمال كبير يدعى عزت (حسين فهمي)، وتعيش حالة فقدان الحرية الشخصية، وذلك عندما تجبرها الظروف على هذا الزواج. لذلك ينتابها شعور دائم بأن والدتها قد باعتها لهذا الرجل وقبضت الثمن فلوسه. فهو رجل غني ومتسلط، يفضل أن يعيش عالمه الخاص ويسعى إلى النجاح في أعماله. نراه يهمل زوجته ويتركها تذبل وحدها في المنزل، وكأنها قطعة من ديكوره. ونراها كارهة له ولطريقته الشاذة للاستحواذ عليها، والتي تركت في نفسها جرحاً لا ينسى. فقد أكرهها على مشاركته الفراش وهي عذراء لإجبارها على الزواج منه، وهذا ما يبرر استمرار كراهيتها له وللمجتمع المحيط به. وهو مجتمع بورجوازي مزيف، همه الوحيد حضور المزادات واقتناء التحف وإقامة الحفلات الفاخرة .. مجتمع لا يتناسب مع شفافيتها ورقتها وبراءتها. لذلك تطلب الطلاق، اعتقادا منها بأنه كفيل بتحريرها من سجنها الذهبي المزيف. فبالرغم من أن طلاقها يأتي بعد معاناة نفسية قاسية، نتيجة تعرضها للاغتصاب الجسدي والنفسي، إلا أن فرحتها بحصولها على حريتها لا يوازيها أي شيء آخر. فهي تحاول أن تنسى كل ما مضى، إلا أن المجتمع المتخلف لا يتركها وشأنها. فشخصية زوجها عزت تمثل هذا المجتمع المتخلف، شخصية نموذجية لرجل الأعمال المتسلط والقاسي، والذي لا يفرق بتاتاً بين تعامله مع السوق التجاري وبين تعامله مع المشاعر الإنسانية. شخصية مريضة ومعقدة ومصابة بعقدة حب التملك، لدرجة أنه يعتبر زوجته من ضمن ممتلكاته، ومن المستحيل أن تكون لغيره، حتى بعد أن يطلقها، يعتقد أن هذا ما هو إلا حدث عرضي سيزول سريعاً وسيسترجعها ثانية. لكنه يفاجأ بتمسك نوال بحريتها وإصرارها بالبقاء بعيداً عنه. فيعود لمضايقتها من جديد لإجبارها على الرجوع إليه، خصوصاً عندما يعلم عن علاقتها الجديدة مع شكري (أحمد زكي)، ومن ثم زواجها منه. هنا يجن جنونه ويزيد إصراره على استرجاعها، حتى ولو أدى الأمر إلى ارتكاب القتل. حيث يكون زوجها شكري هو ضحيته، معتقداً بذلك أنه استطاع إزالة العقبة التي تعيق استرجاعه لنوال مرة ثانية.
تبقى شخصية شكري، والتي تأتي لتوضح جوانب أخرى هامة في شخصيتي نوال وعزت، وإن كانت تحمل ملامحها الخاصة. إننا هنا أمام فنان شاب يهوى الرسم، متخرج من كلية الفنون الجميلة.. فنان عاشق لفنه ويؤمن تماماًً بأن الإبداع لا بد أن يكون بمعزل عن أي تدخل خارجي. لذلك يفشل في اتخاذ الفن كحرفة ويصبح فيما بعد الحلاق الخاص لنوال. وفي إحدى زيارات نوال لصالون الحلاقة، يراها والدموع تغطي وجهها، في واحدة من أزماتها النفسية مع زوجها عزت. يرق قلبه ويحاول الاقتراب أكثر منها، يزورها مرة لتقديم العزاء في والدتها، والتي تموت تحت يده في صالون الحلاقة، وتدفعه رغبته في التقرب منها بزيارتها مرة أخرى، وتتكرر لقاءاتهما لتتطور العلاقة بينهما إلى حب جارف، وتكون تجسيداً للتجانس بين الشفافية والنقاء وبين الروح الفنانة، إلا أن زواجهما يأتي سريعاً ولضرورة أخلاقية واجتماعية أكثر منه لضرورة عاطفية طبيعية، اعتقادا منهما بأن ذلك سيوقف مضايقات عزت لهما.

في فيلمه هذا، يثبت محمد خان بأنه أحد المخرجين الشباب المجددين وأهمهم، فبالرغم من أنه يعمل في إطار السينما المصرية، إلا أنه حرص دوماً على تجديدها وتحسينها. فهو في (موعد على العشاء) أكثر اكتمالا من الناحية الفنية، حيث يتناول ـ مع بشير الديك ـ الثالوث التقليدي في الدراما، إلا أنه يختلف في طريقة معالجته له عن الآخرين. إنه هنا ـ ويجانب اهتمامه بشخصياته ـ يهتم بالتفاصيل الصغيرة، والتي ساهمت إلى حد كبير في تعميق الجوانب النفسية الداخلية لهذه الشخصيات. فمثلاً، نراه يتوقف طويلاً عند اللوحة التشكيلية التي تثير أشجان نوال، حيث نشاهدها تبكي من الأعماق عندما تخسرها في المزاد، لمجرد إحساسها بأن هذه اللوحة قريبة منها وترى فيها نفسها وطفولتها البريئة التي اغتيلت في مهدها. كما أن مشهد المرأة المعلقة من إحدى الشرفات ومن ثم سقوطها، يترك في نفس نوال أثراً كبيراً، وكأن مصيرها في هذا المجتمع سيؤول حتماً إلى نفس النتيجة. ولا يمكن أن ننسى لقطة تُظهر نوال وهي في المصعد الكهربائي، والتي تُعتبر تجسيداً صارخاً عن اختناقها وسط مجتمع كهذا. كما أن حِرْصْ محمد خان على إظهار نوال في لقطات ومشاهد من وراء قضبان أو أسوار أو زجاج سيارات، إنما يمثل تعبيراً عن فكرة الحرية المفتقدة عند نوال وتجسيداً لحالتها النفسية والاجتماعية. فهي غير قادرة حتى على ممارسة حريتها الشخصية في اختيار شريك حياتها، وهذا ـ بالطبع ـ من أبسط الحريات العامة.

لقد استطاع خان من خلال فيلمه هذا أن يضعنا في جو رومانسي حزين، وعلى درجة كبيرة من الشفافية والشاعرية، وذلك ـ بالإضافة إلى موضوعه ـ باستخدامه الموفق لدرجات اللون والإضاءة والإكثار من عملية المزج الآلي للقطات، إضافة إلى الموسيقى المعبرة والمتجسدة في ضربات البيانو الناعمة والحزينة. وهو باستخدامه لكل هذه العناصر نجح في توصيل ما أراده.
يتحدث محمد خان عن هذا الفيلم، حيث يقول: (موعد على العشاء مأخوذ عن خبر قرأته في الصحف في باب الحوادث وبنيت عيه قصتي. وأتناول في هذا الفيلم موضوع الحرية الشخصية للمرأة، وأصل إلى الخلاصة التالية: إن المرأة عندنا لن تتحرر أبداً للأسف، لأنها لكي تصبح حرة فعليها أن تحطم المجتمع وأن تحطم نفسها. وأنا أعتز بهذا الفيلم وأشعر بأنني تقدمت فيه من ناحية احتكاكي بالممثلين)*10

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004