سواق الأتوبيس

إنتاج عام 1982

 
 
 

نشر هذا المقال في مجلة هنا البحرين في 28 أكتوبر 1992

 
 
 
 

بطاقة الفيلم

 

نور الشريف + ميرفت أمين+ عماد حمدي + صفاء السبع + نبيلة السيد + وحيد سيف

سيناريو وحوار: بشير الديك ـ قصة: محمد خان ـ تصوير: سعيد شيمي ـ مونتاج: نادية شكري ـ موسيقى: كمال بكير

 
 
 

شاهد ألبوم صور كامل للفيلم

 

سواق الأتوبيس

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 
 
 
 
 
 

يتناول فيلم (سواق الأتوبيس - 1982) ذلك التفكك الأسري والتفسخ الأخلاقي إزاء التغير المفاجئ في العلاقات الاجتماعية في عصر الانفتاح. والفيلم لا يعتبر من أهم أفلام الانفتاح فحسب، وإنما يعد علامة بارزة في تاريخ السينما المصرية. ويكفي أنه اختير من بين أهم عشرة أفلام قدمتها السينما المصرية على مدى تاريخها الطويل. هذا إضافة إلى حصوله على عدة جوائز، أهمها جائزة التمثيل الذهبية لنور الشريف في مهرجان نيودلهي السينمائي الدولي.

يبدأ الفيلم بمشهد استهلالي، يظهر فيه سواق الأتوبيس حسن (نور الشريف)، وهو يتنبه لحادثة سرقة في الأتوبيس، فيهم بمطاردة اللص ، ولكنه يتوقف لحظة ويتابع السير بلا مبالاة، تماماً مثل الآخرين. ونهاية الفيلم ـ أيضاً ـ تكون بمشهد مشابه لحادثة مشابهة، إنما موقف حسن يتغير هنا، ويصبح أكثر جرأة وضراوة، إذ يقفز من مقعده ليطارد اللص حتى يقبض عليه. وبكل الألم والمرارة والغيظ الذي يعتمل في داخله، ينهال على اللص باللكمات وهو يلعنه ويلعن الآخرين، في صيحة غضب مدوية. ترى ماذا حدث لحسن من تغيرات ما بين الحادثتين؟ ففعل السرقة واحد.. هذا ما ستجيب عليه أحداث الفيلم ما بين الحادثتين.

في فيلم (سواق الأتوبيس) نحن أمام شخصية ندر تناولها في السينما المصرية من قبل. فحسن شاب أنضجته أربع حروب خاضها بالتوالي، حرب اليمن وحرب 67 ثم حرب الاستنزاف وحرب 73. وبالتالي فهو شاب عاش أجمل سنوات عمره بين البارود والنار يواجه الخطر في كل لحظة. وبعد عودته إلى أهله، كان عليه أن يخوض حباً أخرى حياتية. 

إنه الآن متزوج من الفتاة التي أحبها وأحبته (ميرفت أمين)، بالرغم من معارضة والدتها. وكانا قد تعاونا لتوفير حياة سعيدة مع ابنهما. لكن.. هل انتهت المعارك بالنسبة لحسن؟ لا.. فهناك أشرس معركة قدر لحسن أن يخوضها.. إنها معركة أسرية تدور بينه وبين أخواته البنات وأزواجهن. فورشة الأخشاب الخاصة بوالده الحاج سلطان (عماد حمدي) على وشك البيع في المزاد العلني، فالكل يريد الاصطياد في الماء العكر، حتى زوجة حسن. صحيح بأنه ينجح في تدبير المبلغ المطلوب لمنع البيع، بعد كفاح مرير مع الجميع وبمساعدة رفاقه في الحرب، إلا أن ذلك لا يتم إلا بعد فوات الأوان.. أي بعد وفاة الوالد. 

هذا ما حدث بين حادثتي السرقة، صراع شخصي للمحافظة على القيم الأخلاقية والتقاليد الاجتماعية الأصيلة، ومحاربة ما أفرزته مرحلة الانفتاح من قيم استهلاكية. وهذا ما جعل حسن يتحول الى إنسان إيجابي عندما يرى حادثة السرقة في نهاية الفيلم، حيث يطارد اللص هذه المرة، ويصرخ في المتفرج ليقول بأن التفسخ والفساد الاجتماعي الذي يعيشه المجتمع هو نتاج سلبيتنا جميعاً. 

إن المعركة الاجتماعية التي خاضها حسن قد حققت انتصارا رئيسياً، حيث اكتشف حسن فرسان المعسكر الآخر.. معسكر الشرفاء، أخته المتعلمة وزوجها المثقف، زميل العمل الكمساري المهذب والإنسان، وبقية رفاق الحرب القدامى، والذين تشتتوا كل منهم في مكان يبحث عن رزقه. إنما حين التقوا جمعتهم الذكريات في مشهد بالغ الرقة والشفافية مشهد يتجمع فيه رفاق السلاح في نزهة خلوية عند سفح الهرم في ليلة قمرية وصدى أغنية قديمة لعبد الحليم حافظ تتردد من مذياع السيارة حتى تتلاشى تدريجياً، وليبدأ توزيع جديد لنشيد بلادي في إيقاع حزين.. فهم جيل من الشباب أعطى وضحى وعاش لحظات البطولة والانكسار، وجمعهم المعدن الأصيل، الرجولة والشهامة. كما اكتشف حسن في معسكر الشرفاء فارساً قديماً ومقاتلاً عنيداً آخراً، لم تتح له ظروف الحياة ومتطلباتها منذ زمن أن يختبر معدنه وصلابته.. إنه حسن نفسه، حيث يتحول من بطل سلبي لا مبال في بداية الفيلم الى بطل إيجابي يحارب السلبية المتفشية في المجتمع في نهاية الفيلم.

إن سر نجاح فيلم (سواق الأتوبيس) هو أنه يحدثنا عن الأشياء العادية التي يتصور البعض بأنها ليست موضوعاً للسينما. ثم أن الفيلم قد تحدث عنها بمرارة وبوعي وصدق وحرارة، دون الوقوع في المباشرة. لذلك فإننا نظل مشدودين في متابعة الأحداث حتى النهاية. وقد لا يختلف اثنان على أننا أمام فيلم ينتقد بقوة ذلك الخراب الذي حل بالإنسان المصري العادي في عصر الانفتاح، لكن أليس بغريب من أن كلمة الانفتاح لم ترد في حوار الفيلم ولو لمرة واحدة. وهذا ـ بالطبع ـ دليل واضح على أن الفيلم قد تحاشى جاهداً تقديم مواعظ وخطب رنانة ومباشرة عن الشرف والأمانة والوطنية. وعلى العكس من غالبية الأفلام التي تناولت مرحلة الانفتاح، ففيلم (سواق الأتوبيس) لم يبذل المجهود المعتاد في ابتكار أحداث كبيرة أو أشخاص ذوي شأن، بل صب كل الاهتمام في تأمل التطورات والتغيرات الدقيقة في الأخلاقيات والمشاعر، وكذلك الروابط العائلية والآثار النفسية المترتبة منها. وكم هو صعب حقاً الإبداع في هذه المنطقة الوعرة.

وفي ختام حديثنا عن (سواق الأتوبيس) لابد من الإشارة الى أنه ـ إضافة الى السيناريو المتميز والطليعي ـ قد توفرت للفيلم كافة الإمكانيات الفنية والتقنية حتى يظهر بهذا المستوى الفني المتميز.

 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004