حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مهرجان أبوظبي السينمائي ـ 2011

مقالات من داخل المهرجان

أرتورو ريبستاين: إنجاز فيلم فعل حبّ

لا يعرف عدد أفلامه ولا يعتبر نفسه مؤلِّفاً بل حِرفي

هوفيك حبشيان

حلّ المخرج المكسيكي أرتورو ريبستاين ضيفاً على "مهرجان أبوظبي السينمائي" ليُقدّم للجمهور الإماراتي وللمشاركين في دورته الخامسة فيلمه الجديد "أسباب القلب"، من دون أن يعرف أي رقم يحمله هذا الفيلم في سجل سينمائي بدأه قبل نصف قرن. المخرج البالغ من العمر 68 عاماً، يتحدّث، ببعض المرارة وبكثير من الحكمة، عن فنّ يسكنه منذ دخوله الصالة المظلمة ولداً، وامتهانه حين أصبح راشداً، مُكرِّساً له حياته من دون مقابل.

بين الماضي العابق برائحة الذكريات، والحاضر الذي لا يتماهى وتحوّلاته، جرى هذا الحوار مع أرتورو ريبستاين.   

·         أخرجت فيلمك الأول "زمن للموت"، عندما كنت في الواحدة والعشرين من العمر. ماذا تشعر اليوم حين تشاهده؟

أشعر ببعض الحنان تجاه ذلك الشاب الذي أنجز الفيلم، لكنّي لا أستطيع التعرّف عليه. "زمن للموت" ليس من أفلامي المفضلة. فعلت آنذاك ما كان بإمكاني فعله. لم يُسمَح لي إنجازه بالنحو الذي كنت أراه. بعض الندم ينتابني فيما يتعلّق به. لكن، هذا كله بات خلفي، وطواه الزمن. أنظر إلى هذه المرحلة من حياتي بنوستالجيا.

·         أنت عصامي، تعلّمت السينما من دون أن تتابع دراسات أكاديمية.

نعم. آنذاك في المكسيك، لم تكن هناك معاهد سينمائية. كان والدي منتجاً، اعتدت اصطحابه إلى مواقع التصوير. في كلّ مرة، كان يجدني سعيداً. ومن خلال زياراتي المتكرّرة إلى استوديوات التصوير، اكتشفتُ أن السينما ستكون مهنتي إلى الأبد. باشرت قراءة الكتب وارتياد الصالات المظلمة. هكذا تعلّمت. كان الزمن مختلفاً. كنا في حقبة تتيح لنا مشاهدة كل شيء. لم تكن الحال كما هي عليه الآن في المكسيك، حيث لم يعد ممكناً مُشاهدة الأفلام المميّزة إلاّ في "نوادي السينما". كانت صالات السينما تتيح لنا خيارات كثيرة، خلافاً لواقعنا الراهن، الذي يحاصرنا بالسينما الأميركية التجارية. كانت الصالات موزّعة بين آخر فيلم لأنطونيوني وفيلّني، وجديد جون فورد. كانت الإيرادات عالية للنوعين. أتكلّم عن مرحلة لم يكن الأميركيون أفسدوا فيها كل شيء بعد.

·         يُقال أن "نازارين" (1958) للويس بونويل كان أحد أفلامك المفضّلة، ثم التقيته وعملت معه. يا لها من صدفة.

عملي مع بونويل أسطورة. المواقع الإلكترونية تنقل هذا الخبر، لكنها معلومة غير صحيحة. هذا يُعيد إلى ذهني ما قاله جون فورد: إذا كانت الأسطورة أفضل من الحقيقة، فاطبع الأسطورة. آنذاك، كنت أطلب من المخرجين السماح لي بزيارة مواقع تصوير أفلامهم. هذه كانت الطريقة الوحيدة لتعلّم الإخراج. بونويل كان صديقاً لوالدي، تشاركا لسنوات حبّ الأسلحة وإطلاق الرصاص. إذاً، طلبت إلى بونويل كما طلبت إلى غيره أن أشاهده وهو يعمل. طبعاً، كنت شديد الإعجاب به، فسمح لي بمراقبته، من حين إلى آخر، وأنا جالس في زاوية من الاستوديو. كان شيئاً عظيماً أن تشاهده يُصوّر "الملاك المدمر" (1962). المشكلة أنهم يقارنوني ببونويل بسبب هذه الكذبة. هذه المقارنة تحمّلني أعباء كثيرة.

·         شبّهوك أيضاً بالراحل راوول رويز.

لم أسمع بهذه المقارنة. رويز أنجز أفلاماً مهمة. كان صاحب موهبة وحرفة. مقارنتي به تسعدني كثيراً.

·     أكثر من 40 عاماً بعد "زمن للموت"، المقتبس من رواية غابريال غارسيا ماركيز. اقتبست رواية أخرى له أيضاً: "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" (1999). بين هذين الفيلمين، ألم يكن لديك الفضول بنقل روايات أخرى له إلى الشاشة؟

في الواقع، هناك أسباب عدة، أبرزها أن ماركيز تحوّل في غضون ذلك إلى الروائي الأشهر في العالم. أمطرته بلدان العالم بالجوائز والتكريمات، ونال جائزة نوبل. صار يصعب عليّ الذهاب إليه لأطلب منه حقوق رواية له. عملنا معاً مرّات عدّة، أوّلها عند اقتباسي "زمن للموت". كنت في العشرين، وكان في الرابعة والثلاثين. كان بمثابة جدّ بالنسبة إليّ. كنت أعرفه معرفة جيدة. عندما اقتبست "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه"، الذي ساهمت واحدة من الشركات الكثيرة التي يملكها في إنتاجه، جاء ليحضر الفيلم في عرضه الأول. عندما خرج من الصالة، انتظرتُ أن يعلّق، لكنه لم ينطق كلمة واحدة. حتى هذه اللحظة، لا أعرف ما رأيه في الفيلم.

·         نصف أعمالك اقتباسات، تقريباً. بالمناسبة، أنجزت 47 فيلماً طويلاً، أليس كذلك؟

أعتقد أني أنجزت أقل من ذلك. إذا اخذت في الاعتبار الأفلام القصيرة والوثائقية، يصبح العدد أكثر من ذلك بكثير. بصراحة، لا أعرف ما هو عدد الأفلام التي أنجزتها في حياتي. تستلهم من حيث تستطيع أن تستلهم. يُمكنك أن تستلهم من حديث مع سائق تاكسي، أو من أشياء تسمعها هنا وهناك. تقرأ خبراً في جريدة، فتجد نفسك مُبحراً في عالم الخيال. أحبّ أن أقرأ كثيراً. طبعاً، لا أستطيع القول إني قارىء نهم، على غرار الروائيين. لكني قرأت عدداً لا بأس به من الكتب. منحتني المطالعة الثقافة. الإلهام موجود دائماً في مكان ما من هذا العالم. كل ما عليك فعله، هو معرفة أين مكانه.

·     هناك نوعان من السينمائيين، أؤلئك الذين يستوحون أفكارهم من الحياة وحكاياتها الواقعية، وأؤلئك الذين تشكّل السينما بالنسبة إليهم منبعاً للأفكار. أين تموضع نفسك؟

من دون أي تردّد، أقول لك إني تعلّمت كل شيء من السينما. بورخيس قال: "الحياة والموت غائبان عن حياتي". أعتقد أن ما سأقوله الآن ينسحب أيضاً على أبناء الجيل الذي أنتمي اليه: علّمتنا السينما كيف نعيش. خلافاً للرعيل الذي سبقنا، لم نعش الحياة العظيمة. مخرج كأميليو فيرنانديس تورّط في الثورة المكسيكية. مثله جون فورد. لم يتأثّر هؤلاء بالأفلام، لأن عددها لم يكن كثيراً في تلك المرحلة.

·         لا تتناقض عملية الاقتباس عندك مع كونك مؤلف، أليس كذلك؟

لا أعتبر نفسي مؤلِّفاً. أنا حِرفي، أحاول تقديم أفضل منتوج ممكن، مستعيناً بأصابعي. ما أقدّمه منتوج وحسب. أحبّ كلمة "سينمائي مؤلّف". لكن، للآسف لستُ واحداً منهم. لا تستطيع أن تجلس على الأريكة وتقرّر فجأة أن تصنع تحفة سينمائية خالدة. هذا لم يحصل معي في أي حال. ربما حصل مع آخرين. النجاح ينتمي دائماً إلى الآخرين.

·         أريدك أن تعترف أن سينماك ليست سهلة بالنسبة إلى الجمهور العريض، الباحث دائماً عن تسلية واستهلاك.

طبعاً. لكن هذا لا يغير شيئاً. يمكنك إنجاز ما يرفضه الجمهور. هذا لن يجعل منك سينمائياً أفضل، بل يجعلك أكثر غرابة. تريد لي أن اعترف؟ اعترفت (ضحك).

·         لي الانطباع بأنك تصنع الأفلام أولاً لك، وثانياً لآخر محتمل.

نعم. لكن، أكرّر مرّة أخرى: هذا لا يجعلها أفضل من أفلام أخرى صُنعت للجمهور العريض. هذه طريقتي في العمل، ولا أعرف غيرها. لم أحظ يوماً بالنجاح. لكن، في المقابل، نالت أعمالي التقدير.

·         ألم يُطلب منك إنجاز فيلم تجاري؟

بلى. مرّة أو مرّتين. كان عليّ كسب المال، فوافقت. لديّ عائلة ينبغي إطعامها. لكن، لم تكن هذه الأفلام ناجحة تجارياً، على الرغم من أنها استقطبت مشاهدين أكثر مما استقطبت أفلامي الأخرى. كلّ شيء نسبي. ربما عليّ الإقرار أني أكثر نجاحاً من مخرجين يعملون في الهامش، وينجزون أفلاماً مكسيكية غامضة.

·         لكن، عندما ترى اليوم الاستحسان الذي يناله مخرج مكسيكي مثل اليخاندرو غونزاليث ايناريتو، كيف تبرّر ذلك؟

لا يُنجز ايناريتو الأفلام المكسيكية. فيلمه الأول مكسيكي الجنسية. لا يُمكن صنع فيلم مكسيكي من بطولة براد بيت. أنا أصنع أفلاماً مكسيكية، أما هو فلا. في النهاية، هذا لا يهمّ. إذا كان جيداً في ما يُنجزه، فهنيئاً له النجاحات. ما أقوله هو أنه من الأسهل أن تنال النجاح وأنت تصوّر فيلماً مع براد بيت.

·         لعبة الأقدار وصعوبة الإفلات من المصير تطاردان أفلامك باستمرار. ما قصّتك معهما؟

تعلّمت كل شيء من السينما. موضوع المصير أخذته من فريتس لانغ والإغريق. بالنسبة إليّ، لا حياة خارج الفنّ. والفنّ من الأشياء التي تصمد أمام الزمن. حتى اليوم، يُمكنك قراءة كتابات سوفوكل، كأنها كُتبت بالأمس. لا أعرف ما الذي سيبقى من السينما، لأنها فنّ حديث. مضى أكثر من قرن على اختراعها، وعدد الأفلام المرشَّحة للبقاء يُعدّ على أصابع اليد. إذا كان هناك سبب واحد للمحافظة على هذه الأفلام، فلدوافع أنتروبولوجية. شيء عظيم أن يُتاح لأحفادنا مشاهدة كيف كانت تبدو باريس في العام 1949، أو بودابسيت في الثمانينيات، بغض النظر عن مستوى الفيلم. الفنّ شيء مخيف. الموهبة شيء مخيف. في أيامنا هذه، هناك اعتقاد سائد بأن الشهرة هي الموهبة. هذا خلط فظيع وسهل بين شيئين مختلفين. مخرج ينال شهرة دولية يقنع الناس بموهبته حتى لو لم يكن موهوباً.

·         برأيك، هل يحتاج الإخراج إلى ثقافة؟ بعض المخرجين حين تحادثهم، يُكلّمونك عن الغريزة بدلاً من المعرفة.

بعض المخرجين يعتقد أن السينما بدأت مع تارانتينو. تسأل سينمائياً شاباً عن بابست أو مورنو أو دراير، فتدرك أنه لم يسمع عن أي منهم. تخيّل، بعضهم لا يعرف من هو غودار!

من داخل المهرجان في

20/10/2011

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2011)