حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مهرجان أبوظبي السينمائي ـ 2011

مقالات من داخل المهرجان

شهادة سينمائية عن العصيان ومعانيه

"على الحافة" للمغربية ليلى كيلاني

نديم جرجوره

في فيلمها الروائي الطويل الأول "على الحافة" (مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، حائز على منحة "سند")، بدت المخرجة المغربية ليلى كيلاني كأنها حريصة على نقل المشهد الواقعي إلى الصورة المتخيّلة. بدت كأنها مشدودة إلى إعادة تدوير الزوايا المفتوحة على الخيبة والعنف المعنوي الساحق أحلاماً، والمدمِّر رغبات. بدت كأنها مُصرّة على جعل الواقع ركناً جوهرياً في السعي لفهم سلوك مجتمع وناس، ولفهم مسار بيئة وتاريخ وأزمنة، ولتبيان مغازي الحالات ووقائعها المدوّية في الحياة اليومية. ذلك أن "على الحافة"، المستلّة حكاياته المتداخلة والمتصادمة والمتكاملة مع بعضها البعض في آن واحد من عمق البيئة الاجتماعية المغربية، صورةٌ حسّية عن واقع مضروب بكلّيته، بل شهادة إنسانية مشغولة بحرفية سينمائية واضحة، كتابة وتمثيلاً (خصوصاً أن الصبايا المختارات للمُشاركة التمثيلية في الفيلم غير محترفات) وتوليفاً. شهادة عن معنى الكفاح الفردي ضد جماعة، وعن شقاء العزلة وسط وحوش آدمية فتّاكة وقاهرة.

قصص متنوّعة عن ثلاث فتيات تائهات في ذواتهنّ وانفعالاتهنّ، من دون أن يكنّ نموذجاً وحيداً للحياة المغربية في الزمن هذا، وإن تشابهت حكاياتهنّ مع حكايات فتيات مغربيات (وعربيات ربما أيضاً) كثيرات. ثلاث فتيات تحوّل نهارهنّ إلى ظلمة قاتلة، جرّاء البؤس والضغط والإذلال الممارَسة كلّها عليهنّ في مصنع للقريدس في طنجة، وبات ليلهنّ ضوءاً نافراً وسط السقوط المكرَّر في الخيبة والوجع. وعلى الرغم من ولادتها في الدار البيضاء، ذهبت كيلاني إلى طنجة، لالتقاط النبض المعتمل فيها، عبر الفتيات الثلاث هؤلاء، اللواتي سئمن العيش في المجهول، والإقامة في الالتباس، والوقوف على حافة الخراب الأخير. في طنجة، بدت الكاميرا عين ساهرة ولاقطة، وبدت الفتيات متّشحات بألف لعنة وغربة. كأنهنّ منبثقات من رحم الفراغ، وذاهبات إلى أمل الانقلاب على الواقع. فهنّ، بقبولهنّ (أكاد أقول "بعجزهنّ عن الرفض") أن يكون نهارهنّ ليلاً وليلهنّ نهاراً، أردن الثبات على أرض مرتبكة ومهتزّة، ريثما يعثرن على ثقب واحد، على الأقلّ، في الجدار المشيّد حولهنّ. وهنّ، باشتغالهنّ على تفتيت جزء من الجدار هذا، واجهنّ أسوأ الممكن، لأنهنّ رفضنّ التراجع عما جعلهنّ أقلّ وجعاً، وأكثر أملاً. أي أنهنّ، باختصار، شعرنَ أن هناك ما يحرّض على العيش، ويحثّ على المثابرة على إعلان عصيانهنّ الصامت، أو المتمثّل، بالأحرى، بإمعانهنّ في البحث عن خلاص حقيقي.

العصيان صامت؟ كلا. إنه صارخ بحدّة، لأنه متمثّل بالغرق في جحيم الأرض والليل، بعد تمضية الفتيات الثلاث نهاراً مشحوناً بالقرف والوجع والانكسار، وليلاً متواطئاً غالباً على إذلالهنّ وسحقهنّ، وإن أبدين قوّة ما في إيهام الذات بحُسن المواجهة. بهذا المعنى، يُمكن القول إن الحدّ الفاصل بين الليل والنهار مُلغى، لأنهنّ أدركنّ أن إقامة حدّ كهذا يؤكّد إقامة الجدار بينهنّ وبين أحلامهنّ. فتكسيرهنّ الحدود جزءٌ من لعبتهنّ الآيلة إلى تكسير الجدران أيضاً. هذا كلّه مختصرٌ بتعبير واحد: الالتباس. فهنّ عاجزات عن فعل أي شيء، وراغبات في فعل كل شيء يُنقذهنّ من ورطة الحياة وقرفها. لكنهنّ بدون كأنهنّ تائهات ومشرّدات في توهانهنّ.

ليس تكسيراً للجدران فقط. هناك، في أعماق الذات، ما يدفعهنّ إلى التنفيس عن الاحتقان النهاريّ، بالتفلّت في أحضان الليل، وفي ما يُقدّمه الليل من إغراءات منقوصة ومخادعة. ليس إلغاء للحدود فقط. هناك، في أراوحهنّ، ما يثيرهنّ على ممارسة أشيائهنّ، المحتَمل أن تكون (الممارسة) خطوة خفرة باتّجاه امتلاك راحة ما. أو وهم امتلاك حرية ما لبلوغ راحة ما. الالتباسات كثيرة. الغموض أيضاً. غير أن ليلى كيلاني بدت، في "على الحافة"، أقرب إلى سرد سينمائي (لقطات عدّة مشغولة بحرفية جميلة، وآسرة بقدرتها على التأثير المباشر في الانفعال الفردي للمُشاهد) لقصص واقعية، منها إلى أرشفة مسطّحة لوقائع العيش في أوهام الحياة والمنافي، الروحية والفكرية والإنسانية، والجغرافية أيضاً.

سواء كان الواقع خاصّاً بهؤلاء الفتيات أم لا، وسواء كانت المصائر أقدارهنّ أم لا، وسواء كانت الفتيات ممثلات أم ناقلات هواجس مخرجة أم مجتمع، فإن "على الحافة" دعوة سينمائية إلى إعادة طرح الأسئلة كلّها، المعلّقة في فضاء الغموض والارتباك والتوهان في دوائر مغلقة. شهادة سينمائية عن معنى الحافة، التي لا تكتفي بإسقاط الناس فيها، بل بإيهامهم، أحياناً، أنها المنبسط المفتوح على الجديد والمختلف كي تلتهمهم، بينما الجديد والمختلف لا يخرجان عن المعتاد والمكرَّر.

"على الحافة"، دعوة سينمائية جميلة إلى المشاركة في رحلة حارقة بنارها ثوابت التقليد والحصار والبؤس.

من داخل المهرجان في

16/10/2011

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2011)