حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مهرجان أبوظبي السينمائي ـ 2011

مقالات من داخل المهرجان

تفخيم التاريخ

"تضحية" للصيني تشن كايجه

زياد الخزاعي

منذ فيلمه الأثير "وداعاً خليلتي" ("السعفة الذهبية) من مهرجان "كانّ" 1993، ضَمَن المخرج تشن كايجه مكاناً مرموقاً، باعتباره قامة سينمائية عالمية، تتهافت المهرجانات على نصوصه. وباعتباره أيضاً أحد أهم مخرجي ما يُعرف بالجيل الخامس في السينما الصينية المعاصرة، إلى جانب أقرانه، أمثال زهانغ ييمو وتيان زوانغ زوانغ وزانغ جوان زهاو، الذين "ثوّروا" الصناعة المتضخّمة، وأبعدوها عن مراميها الإيديولوجية المتزمتة. كان كايجه من أوائل الذين نقلوا السينما المحلية إلى عالمية محسوبة الخطوات، بدأها في رائعته "الأرض الصفراء" (1984)، الذي يُعتَبر بمثابة "مانيفستو" الجيل المذكور.

جعل هذا المخرج الفطن اهتمامه منصبّاً، في الدرجة الأولى، على إعادة كتابة تاريخ بلده، محتفياً به ضمن مشهديات سينمائية باذخة وملحميّة، ومشبعة برموز الثراء الثقافي والاجتماعي في البلد ـ القارة. من دون أن يمنعه ذلك من إبقاء مسافة ذكية، تُحصّنه من الوقوع في الفيلم الدعائي والمتحزّب. وهذا ما بدا جليا في نصّه "وداعا ..."، الذي عاد إلى حكايته مرّة جديدة في فيلمه اللاحق "آسر القلب الخالد" (2008)، من حيث تحامله على تجربة الثورة الثقافية التي أطلقها الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، واستغلّتها النخبة الحزبية للنيل من الانفتاحيين وأعداء الإرغام الشيوعي، قبل أن تمنع السلطات فيلمه "القمر المغويّ" في العام 1996، الذي استعاد فيه حقبة سلالة كوينغ وحرب الأفيون.

في جديده "تضحية" (السينما العالمية)، المقتبس عن مسرحية "يتيم زاو" للكاتب يوان داينيستي، عاد كايجه إلى الثيمة الأثيرة لديه: تاريخ الفتن والانتقام وتصفية العهود. تُعدّ هذه الملحمة (124 دقيقة) اختباراً للفيلم التاريخي الذي يبرع في صوغه. وبقدر تطلّب السردية التاريخية حسّاً عالياً ونظرة ثاقبة للتفاصيل، فإن مخرج "ملك الأطفال" (1987) و"معاً" (2002) كفيلٌ بإتمام المهمّة المعقّدة، لرواية أحداث زاخرة بالانعطافات الدرامية، كقصّة الطبيب تشينغ يانغ (جي يو)، الذي تقع على كاهله مهمة "الحفاظ على نطفة السلالة العريقة"، المتمثّلة بوليد المستشار النافذ زهاو دن، الذي يقتله غريمه الجنرال تاو أنغو غيلة. وفي محاولة يائسة قبل تصفيتها، تُحلّف شقيقة المغدور طبيب العائلة إخفاء الوليد وتهريبه بهدف إنقاذه. ثم يتحوّل الفيلم إلى حكائية مريرة عن مراوغات الطبيب يانغ في عبور المنافذ التي أُغلقت، وإبقاء الصغير حيّاً بأي ثمن، إثر قرار الجنرال الدموي قتل جميع المواليد في البلدة.

ما يحدث بعد ذلك، يقع ضمن صيغ المفارقات الدرامية وتشويقها، ناهيك عن معرفيّتها التاريخية بالأشخاص والمواقع والحقب التي تتعقّد وتتشابك. على مُشاهد "تضحية" التسلّح بالصبر لمتابعة جهاد الطبيب يانغ في حفظ العهد. فحياة هذه الشخصية تتحوّل إلى مبدأ أخلاقي، يتطلّب جَلَداً وحصافة ضد المؤامرات التي تتكشّف عبر الخطأ الداهم، الذي ارتكبته زوجته، عندما "تَهِب" الوليد إلى جندي من أتباع تاو، لتختلط اللعبة بين وجهي براءتين: الأصلي زهاو وو وبديله ابن البطل الطبيب، الذي يقتله الجنرال ظنّاً منه أنه الأصلي الذي يفلح في الوصول إلى المكان الآمن، ويُعدّ مرور الأيام حتى مراهقته، للعودة إلى البلدة المنكوبة ليثأر لأهله وسلالته.

لا غروّ في أن "تضحية" يتمتّع بمواصفات الحكاية المشوّقة، لكنه محتاج إلى نباهة في متابعة المستويات السردية المتعدّدة، التي تشبه نظيراتها في الأعمال السابقة لكايجه، خصوصا في فيلميه المفخّمين "الإمبراطور والقاتل" (1999) و"الوعد" (2005)، اللذين يُفلسفان العنف في الأول والغدر في الثاني. "تضحية" ذهب من دون مواربة إلى مناقشة سُعار الدموية التي تصيب البشر، والبحث عن شرف الكائن الذي يلتزم، إلى النهاية، وعداً مُسرّباً بالدم. يقول كايجه في حديث مع الإذاعة الأوسترالية "أي. بي. سي." إن "البطل يانغ كإنسان وكفرد وقف صامتاً، ليشهد على أن العنف لن توقفه التضحية بحياته، ليس في إنقاذ الوليد، بل لإعلان أن أولئك القتلة خطأة".

من داخل المهرجان في

15/10/2011

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2011)