حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مهرجان أبوطبي السينمائي ـ 2010

أبوظبي للثقافة والتراث

داود عبد السيد: أين الرسائل القديمة؟

وائل عبد الفتاح

نجاح أي مهرجان يقاس بأفلام تترك علاماتها في دفاتر سرية، تفتح من دون إرادة، وتصحب الحواس إلى رحلات اكتشاف ودهشة خارج الخبرات النائمة في اطمئنانها. «مهرجان أبو ظبي السينمائي» كان مشحوناً بأفلام من هذا النوع. لكنّه ظلّ حائراً بين أن يكون قبلة للشغوفين بالسينما، وأن يكون جذاباً بنجومه وضخامته وفخامته. في دفتر أبو ظبي، بهجة لا تُنسى مع فيلم «أرواح صامتة» لأليكسي فيدورتشنكو الذي تجدد فيه شغف السينما الروسية بالصورة الخالصة، فيما بدا خيال «روداج» لنضال الدبس محشوراً في كتاب أفكار محنطة ومنقولة من دون روح من كتالوغات السينما الروسية التقليدية.

«المومياء» في نسخته الملوّنة بعد الترميم، بدا مدهشاً: لقد كان شادي عبد السلام حاضراً بجنونه الناعم، وخيال بصري تحدى الرتابة والركاكة والولع بإيقاع واحد نشرته هوليوود.

عن الإسكندرية القديمة ومصيرها بعد صعود «البلطجية»

أما داود عبد السيد، فبنى فيلمه «رسائل البحر» (الصورة) على فراغ صغير، لا تراه عادة بوضوح، بين شخصيّتين تعيشان في جسد كل بطل من أبطاله الثلاثة. يحيى الطبيب، ابن البورجوازية الخجول، صياد فقير أيضاً. ونورا الزوجة الجارية في حياة الثري الباحث عن تعدّد متع الحلال، هي فتاة ليل تبيع الهوى وتتجول بحثاً عن المشترين. وقابيل وحش الكباريهات وحارسها المخيف، هو نفسه خائف من قبضته بعدما قتل بها صديقه. كل بطل يتنقل بين عالميه صانعاً ذلك الفراغ الذي يرسم إيقاعاً رومانسياً عن علاقات مشحونة بالعواطف، ومرة يستخدم هذه العواطف في معركة مع قتلة يدمّرون الإسكندرية، أو صورتها الرومانتيكية، كما تبدو في نوستالجيا مؤرقة للفيلم كله. رسالة داود أثقلت الفيلم، وجعلته يبدو عادياً في طرح المعركة بين الإسكندرية القديمة بمعمارها الكوزموبوليتي وشاعرية الصيد بالصنارة القديمة، وبين مصير الإسكندرية بعد صعود «البلطجية» والأغنياء الجدد وصائدي السمك بالديناميت. الصراع تقليدي، والنوستالجيا في الفيلم ثقيلة، بل مملّة.

داود مرتبك في «رسائل البحر»، خذل جمهوره المغرم برسائله المحكمة، وبدا متردداً في الانفلات. يبحث عن خفة محتملة من خلال تعدّد الرواة، بما يحرّره من مركزية الراوي الواحد، ويبحث عن تعبيرات حرة أكثر للحواس، بعيداً عن رمزيتها، أو طقوسيتها، كما في أغلب أفلامه السابقة. رسالة البحر وصلت إلى داود قبل متفرّجيه. والفيلم محاولة أمام الجمهور للفكاك من رسائله القديمة.

الأخبار اللبنانية في

01/11/2010

 

سينما العالم الـــى المنطقة

قيس قاسم

افتتاح الدورة الرابعة لمهرجان أبو ظبي السينمائي، أعاد طرح السؤال الذي ظن البعض ان الدورة السابقة أجابت عنه، وهو: أي توجه سينمائي رسم المهرجان لنفسه وماذا يريد أن يحقق؟ وبدلا من المضي في ترسيخ ما يعزز من قوة الدورة الثالثة، فاجأ فيلم الافتتاح الكثيرين، وأثار تساؤلات حول الأسباب التي تدفع بدورة فيها الكثير من الأفلام الجيدة والقوية، الى اختيار فيلم عادي للافتتاح تدور قصته حول الخيول وعالم المسابقات المشحون بالمغامرة وألاعيب رجال المال؟

قد يدافع منظمو المهرجان عن قرارهم بأن جمهور الافتتاح هم من المختصين دون العامة، ولذلك فإن مستوى فيلم الافتتاح ليس هو الذي يقرر مستوى الدورة. وقد يكون هذا صحيحا اذ ان هناك مهرجانات عالمية مكرسة تقدم أفلاما فيها خصوصية ما، يريد المشرفون عليها عرض جانب ما من دون النظر الى مستواها الكلي، وفيلما «روبن هود» في مهرجان كان و«ماتشيتي» في البندقية يشكلان نموذجاً، لكن النقاش يدور هنا عن مهرجان تنظمه دولة خليجية، لم يتجاوز عمره أربع سنوات، وبالتالي فان ترسيخ مبدأ عرض الجيد في الافتتاح أمر مهم لايقاع الدورة ومستواها.

والنقاش ما زال في حدود مقاييس السينما، أما ان يقع اختيار فيلم الافتتاح وفق اعتبارات بعيدة عن هذه الحدود، فإن هذا يعيد طرح الاسئلة الأولى عن توجه المهرجان مرة أخرى. والمفارقة ان البرنامج العام ومسابقاته فيهما الكثير من الجودة لكن بدايته لا تتوافق معها بل إنها غطت على جزء كبير منها.

وعلى مستوى آخر، طور المهرجان من نشاطه خارج العروض، فقدم مساعدات مالية للسينمائيين، غطت جزءا من انتاج أفلامهم وأدخل أفلام أبو ظبي ضمن نشاط دائرة عمله، كما ركز على الندوات والمقابلات المفتوحة بين الضيوف، من ممثلين ومخرجين، وبين الاعلاميين والنقاد، فيما بقي الجزء العربي منه مرهونا بشح الانتاج ومستواه المتباين، وهذا ما لاحظناه في فيلم السوري نضال الدبس «روداج» الذي بدا متراجعا عن  فيلمه الروائي الأول «تحت السقف». في هذا الفيلم أراد الدبس الدخول الى منطقة مهمة وحساسة من الوضع العربي وهي قضية الخوف الذي يتضخم، أو تضخمه الأنظمة العربية في نفوس مواطنيها، لكن الفكرة المثيرة والسياسية في المقام الأول لم تعالج بصريا بشكل جيد.

لقد دخل الدبس في عوالم نفسية وتركيبة اجتماعية سورية ملتبسة ومعقدة، ولم يخرج منها بشيء مهم، فظل مشهده باهتا وممسرحا، وممثلوه لم يقدموا شيئا مهما فهبط مستوى العمل كله. وكالعادة أثار العرض «الحنق» لدى النقاد والمعنيين بالهم السينمائي العربي من ضيوف المهرجان، لأنه أكد مرة أخرى القاعدة المألوفة في عمل معظم السينمائيين العرب، وهي أن يقدم أحدهم عملا جيدا ليتبعه بأعمال ضعيفة، فما إن ينجز أحدهم عملا أولا  جيدا، حتى يليه فيلم ثان مرتبك ومتراجع عن الذي سبقه، حتى ليبدو الأمر كله وكأنه لعبة نرد، الحظ فيها هو من يقرر الرابح وهو من يبقي الموهبة والحرفية أو يسقطها. وفي الغالب يحدث الأمر الأخير فتخسر السينما وجمهورها أملا في موهبة هما في أمسّ الحاجة اليها. السينما العربية فيها اليوم الكثير من السيئ والقليل القليل من الجيد، وبالتالي لا أحد يلوم المهرجانات العربية في خياراتها المحلية.

وما هو معروض في الأسواق شحيح، ما يدفع المهرجانات الى التسابق للحصول عليه، وغالبا ما تضطرها الحاجة الى القبول بالحد الأدنى، والتنازل عن سقف شروطها العالي. وطبعا هناك استثناءات، كما في تجربة العراقي عدي رشيد الثانية «كرنتينا».

في عروض الأيام الأولى من الدورة الرابعة لاحظنا، وجودا مكثفا ونوعيا للأفلام الوثائقية وبالدرجة نفسها للأفلام الأوروبية خصوصاً تلك التي تمس موضوعاتها قضايانا العربية، مثل: «حرائق» للكندي دني فيلنوف و«دموع غزة» للنرويجية فيكه لوكبيري و«أطفال غزة- أطفال الحجارة» لروبيرت كريغ و«القسم» للورا بويتراس، والأخير مثير للجدل ومصنوع بطريقة مذهلة، يقدم شخصية «أبو جندل» الذي كان حارسا لبن لادن، اعتقله الأميركيون ثم أطلقوا سراحه فعاد الى اليمن ليعمل كسائق تاكسي. في صنعاء تلاحق لورا أبو جندل وهو في لحظة «سكونه» الحياتي بعدما عاش تجربة طويلة مع القاعدة، وصار من المقربين الى قائدها. فقد عمل كحارس شخصي له وتولى مركز ضيافته، فنتعرف على معظم منفذي أحداث 11 ايلول (سبتمبر) والقادة الميدانيين في مناطق متفرقة؛ كالعراق وأفغانستان والشيشان.

لقد وقعت لورا على كنز استثمرته بشكل ناجح فأغنت فيلمها التسجيلي الذي عالجت فيه أكثر من موضوع حساس، كأفكار القاعدة وطريقة غسلها أدمغة المنتسبين الى تنظيماتها، وقوة الاقناع التي تتوافر عند بعضهم كما في حالة أبي جندل. ولورا لم تقدمه بصورة الارهابي النمطية، بل تركته يقدم نفسه كرجل يتمتع بذكاء ودهاء وهو في النهاية، ورغم ما يدعيه من تناقض وتعارض مع بعض أساليب القاعدة، ومنها استخدامها العنف ضد الأبرياء، لم يتراجع يوما عن الدعوة للتنظيم والعمل بلا كلل لكسب آخرين له من دون الاعلان الصريح عن ذلك، وبهذا شكل رغم وجوده خارج تنظيماتها، استمرارا للحركة وأفكارها العنيفة!

على مستوى آخر يتعلق بممارسات اسرائيل المنهجية لتدمير الشعب الفلسطيني يعود روبيرت كريغ الى بيت لحم، والى مجموعة من أطفال الحجارة كان قد صورهم فوتوغرافيا، عندما كان يعمل على فيلمه الوثائقي الأول عنهم قبل عشرين عاما، حينها كانوا مشاركين فاعلين في الانتفاضة التي سموها «انتفاضة الحجارة» ليجدهم ثانية وقد كبروا وصار عندهم أطفال يعيشون حالة جديدة من العزل، ولهذا أطلقوا على أطفال هذه المرحلة اسم «أطفال الجدار» نسبة الى الجدار العازل الذي بني ليعزل الفلسطينيين في مدنهم، ويبقيهم من دون بنية تحتية ولا اقتصاد يساعدهم على العمل والعيش. بين هذين الزمنين يتحرك فيلم كرينغ ليقدم لوحة صادقة عن الحياة في تلك المدن وكيف تحول هؤلاء الصبية من أطفال حجارة الى أطفال جدار! في حين تحولوا في شريط النرويجية لوكبيري الى عينات ممزقة، ومحروقة في غزة المحاصرة، أثناء الهجوم الاسرائيلي الأخير. ومشاهد «دموع غزة» لا تدفع المشاهدين الى البكاء وذرف الدموع فحسب، بل الى الذهاب بعيدا في غضبهم والتساؤل عن مصدر ثقة الدولة الاسرائيلية بنفسها واستهتارها بكل القوانين، فهي تضرب عرض الحائط بالرأي العام واحتجاجاته، وتبقى من دون خوف تمارس سلوكها الدموي والوحشي. فيلم لوكبيري، كما قالت في تورنتو، شهادة حية صورها الضحايا أنفسهم من داخل مدينة حاول الجيش محاصرتها تماما والتكتم على كل مجازره في داخلها، لكن كاميرات الناس الضحايا صورت ممارسات الغزاة وأخذناها منهم وصنعنا فيلمنا، وقد كشفت ما ارتكبوه فجاء الشريط بمثابة شهادة على تلك المذابح التي راح ضحيتها الأطفال والنساء.

النرويجي «دموع غزة» مؤثر الى درجة تعيد الى الأذهان حقيقة وجود أناس من الطرف الآخر يتضامنون مع المقهور ويعرون القاتل بشجاعة نادرة وواعية، وكلام المخرجة النرويجية في تورنتو يوضح المقصود: لقد ظننت ان فيلمي لن يشتريه أي موزع عالمي خصوصاً وان ضغوطا كبيرة مارستها الحكومة الاسرائيلية لمنعه من المشاركة في المهرجانات العالمية، لكنني فوجئت بعرض شركة أميركية كبيرة شراءه، وأكثر من مهرجان طلب مني المشاركة به. لقد تيقنت من أن اسرائيل والاعلام الموجه لن يحجبا الحقيقة مهما حاولا ذلك. أما دني فيلنوف فاقتبس مسرحية اللبناني الكندي وجدي معوض «حرائق» لينقلها الى الشاشة وينقل معها تعقيدات الحالة اللبنانية التي أفرزت حربا أهلية دامت أكثر من خمسة عشر عاما، وتعقيدات أخرى على مستوى الأفراد الذين عايشوها ومن بينهم «نوال» الأم التي تركت وصية غريبة وطالبت ولديها بايجاد أخيهم الثالث، الذي لم يعرفوا عنه شيئا ولا حتى عن وجوده من قبل. الوصية سوف تدفع ابنتها جاين الى لبنان أولا لتقصي أخبار أخيها والعثور عليه كي يتسنى لروح والدتها السلام في قبرها. وما يميز الشريط اداؤه الفني والسيناريو المكتوب بطريقة فيها من الغموض ما يخلق الاضطراب، كي يفرض على المشاهد التفكير والمشاركة في صياغة أحداثه، ومن بعد تلمس آثار الحرب من خلال الالتباسات ذاتها وتجلياتها.

عمل مهم، ينشد البحث في المصائر الفردية والحرب التي مزقت لبنان ودمرت حياة الكثير من الناس الذين عايشوها. كل هذا الى جانب أفلام دخلت في خانات خارج المسابقات كفيلم «لعبة عادلة» للأميركي دوغ ليمان الذي يعالج دور وسائل الاعلام في التحضير للحرب على العراق من خلال قصة حقيقية تعرض أصحابها الى العزل والتشهير بسبب كشفهم التخطيط المسبق للادارة الأميركية في شن الحرب بحجة امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل. الفيلم من انتاج اماراتي ويجسد الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات الثقافية والمهرجانات العربية في صناعة السينما وتطويرها، عالميا ومحليا!

الأسبوعية العراقية في

31/10/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)