حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مهرجان أبوطبي السينمائي ـ 2010

أبوظبي للثقافة والتراث

نصف ساعة في أبو ظبي مع جيرار دوبارديو حافي القدمين!

لو جلستُ أمام المرآة ونظرتُ الى نفسي لأُصبتُ بالإحباط والحزن

أبو ظبي - من هوفيك حبشيان

حافي القدمين، استقبلني جيرار دوبارديو في جناحه الملكي في فندق "قصر الامارات" الذي كلف بناؤه ثلاثة مليارات دولار، والشبيه بكزانادو الأزمنة الحديثة، كيتش وتائه بين ناطحات السحاب المجاورة. سخرية القدر أوقعت مكيف غرفته في عطل تقني، وهذا ما جعل الممثل الكبير، يتصبب عرقاً تحت الحرارة العالية في الإمارات ورطوبتها التي لا تُحتمل، وخصوصاً لرجل ذي بشرة بيضاء ناصعة. عندما دخلت الى "مملكته الموقتة" وقعت على مشهد سوريالي ذكّرني بـ"أستيريكس": دوبارديو، جالساً على كرسي فخم، في وسط المكان المزدحم بمعاونيه وخدمه وحشمه، يحمل في يده عصا كبيرة، والى يمينه امرأة تحرّك له الهواء بقطعة ورقية كبيرة، كما كان يفعل السلاطين والأمراء في الأزمنة الغابرة.

كانت ذاكرتي السينيفيلية مهيأة لملاقاة الفنان العبقري الذي اضطلع بدور الفلاح والمتمرد والصعلوك والمواطن والفنان والفاسد والعاشق والأب والسياسي، وكل هذه الطائفة من الشخصيات المتماسكة التي صنعته، في عشرات التحف الفنية الخالدة، في ادارة جهابذة الاخراج السينمائي (رينه، تروفو، سوتيه، برتوللوتشي، فيريري، بيالا، فايدا، شيرو، غودار، بيري، الخ)، لكنه هو، كان مستعداً لملاقاتي بهيئة رجل متهالك ولاهث يحمل كرشاً خزّن فيه كل كاراكتيراته، وعلى رغم التعب البادي على سحنته لا يزال يتربع على عرش "أكبر ممثل حي" في السينما المعاصرة. بصوته الذي يجمع بين الانوثة والرقة والغنائية، طلب مني أن انطلق بالأسئلة، بعدما استفاد من انشغال مدير أعماله (الملكي أكثر من الملك) لثوان قليلة، ليتذكر مارون بغدادي الذي كان سيحقق واياه فيلماً سينمائياً "لو لم يغدر به القدر".

لم يكن خافياً طوال حوارنا معه الذي لم تتعدّ مدته النصف ساعة، شيء من خيبة يعاني منها الممثل. فالأعوام الأخيرة لم تكن الأفضل في سيرته، بدءاً من وفاة ابنه غيوم الذي كان بدأ نجمه في اللمعان، وصولاً الى القرف من السياسة الذي جعله ينقلب على انتماءاته الاولى، وينتقل من اليسار الى اليمين، فاقداً بعضاً من شعبيته (علماً انه الممثل صاحب القدر الأكبر من الايرادات في تاريخ فرنسا)، مروراً بالفشل الجماهيري التي تعرضت له بعض رهاناته غير الصائبة. هذا كله أوقع صاحب دور "سيرانو" الذي لقّبه المخرج فرنسيس فيبير بـ"العبقري الشوارعي"، في نوع من احباط، لا ينتشله منه الا دور على طريقة مارلون براندو في "العرّاب" كي يسجل عودة ملحمية.

دوبارديو الذي كان استجاب دعوة مهرجان أبو ظبي السينمائي في دورته الرابعة، كان هنا لتقديم جديد المخرج فرنسوا أوزون "بوتيش" (عُرض في مسابقة البندقية) حيث اضطلع بدور صناعي فرنسي من بورجوازيي القرى. تشاركه في التمثيل كاترين دونوف في دور الزوجة الخاضعة التي ستثبت جدارتها في أول فرصة ستتيح لها ذلك. في وجود مثل هذه الممثلة الى جانبه في الفيلم، كان من الطبيعي أن نبدأ منها، هي التي تحتل مكاناً مميزاً في قلب دوبارديو.

·         كيف تصف اللقاء مع كاترين دونوف بعد مرور 22 عاماً على فيلمكما الأخير معاً؟

- بقينا على اتصال خلال هذه الأعوام كلها. لا تنسَ ان هناك مأساة مرّ بها كلٌّ منا على حدة، كاترين عندما فقدت زوجها مارتشيللو وأنا حين غاب ابني غيوم. صار لها أولاد وأحفاد. عشنا حياة كاملة معاً، حتى لو لم نفعلها تحت سقف واحد. ليس لكاترين مشكلة ممثلة. هي انسانة سعيدة وتحب الحياة. يرى أحدنا الآخر باستمرار. طوال الأعوام الثلاثين الماضية لم تتغير البتة. (بعد تفكير) ربما صارت أكثر حرية الآن لأنها تخلصت من الهمّ الموجود عند غالبية الفتيات الشابات: المحافظة على الجاذبية والرشاقة والاهتمام بهما ليلاً نهاراً. هذه مسألة لا ينبغي التقليل من شأنها، فهي متعبة جداً بالنسبة الينا. (بصوت عال) اليوم، بات لكاترين "سيكس أبيل" وجاذبية، لأنها امرأة حرّة ومستقلة. استطراداً، يجب القول إن الممثلات الشابات في زمننا الحالي يعانين الكبت جراء "ميزوجينية" الجمهور وميله الى توجيه اللوم الى النجمات ومعاتبتهن. الجمهور، ويا للغرابة، لا يحب أن يرى الممثلات يشخن. لكن كاترين تخطت هذه المعضلة. شأنها شأن صوفيا [لورين].

هذا الشيء لا يمكن تعلمه. هو موجود في طبيعة الإنسان. هذه الصعوبة في مواجة الجمهور لا تقتصر فقط على النساء، بل تشمل الرجال أيضاً. عندما تنظر الى جسد مثل جسدي (يضرب على بطنه ويضحك عالياً)، مع هذا الكرش الذي يزن 30 كيلوغراماً على الأقل، لا يمكنني القول، وبصراحة، إنني أحب نفسي على هذا النحو. لذا، أتفهم النساء، حين يتذمرن من خلل ما في مظهرهن الخارجي. لكن يجب تجاوز هذا الأمر واعطاء المشاهد بسخاء. لا يجوز أن ينحصر همّنا في مظهرنا الخارجي. لو جلستُ أمام المرآة ونظرتُ الى نفسي، حتماً لكنت سأصاب بالإحباط والحزن. لكن، أقولها بصراحة: لا شيء من هذا يهمّني. وأعتقد أن نساء مثل كاترين دونوف وفاني أردان وايزابيل أدجاني وصوفيا لورين، أي كل هؤلاء الجميلات اللواتي تخطين الستين، اذا استطعن الوصول الى حالة من السعادة، فهذا هو الشيء الذي سيمنحهن الجمال. الجمال بالنسبة اليَّ، هو كيف تنظر الى الآخر. الجمال هو أن تنسى نفسك عندما تنظر الى الآخر.

·     تدور حوادث الفيلم في السبعينات. هل كان صعباً بالنسبة اليك أن تعود الى حقبة شهدت انطلاقتك الحقيقية في مجال السينما؟

- على الاطلاق. كل التفاصيل جاءت مطابقة مع الزمن الفعلي للحوادث. سبق أن قلت ذلك كثيراً، وأكرر. لو كانت القصة تدور في زمننا الحاضر، لما كان تغير شيء باستثناء الملابس وورق الجدران. أما العقلية التي كانت سائدة، فهي ذاتها السائدة اليوم. اذا شاهدت نشرة الأخبار في التلفزيون الفرنسي، اليوم أو قبل ثلاثة عقود، فسترى أن الوقائع ذاتها تتكرر.

·         معروف عن فرنسوا أوزون كونه "مخرجاً نسائياً". هل شعرت بهذا الشيء عندما وقفت أمام كاميراه؟

- (ضحك). شعرت بأنني امرأة، على رغم أن الشخصية التي ألعبها هي شخصية رجل شيوعي ذي جسد ضخم. حبه لزوجته سوزان بوجول يحوّله طفلاً. أوزون شاب ذكي وكان مدركاً هذا الجانب النسائي الموجود فيَّ ويعرف كيف يستخرجه. الآن هو يعيد الى السينما الفرنسية الهوية الثقافية التي جاءت مع وصول أمثال كلود شابرول وفرنسوا تروفو وموريس بيالا. الفيلم مقتبس من مسرحية أبصرت النور في السبعينات ولاقت استحساناً، وقد خطر في بال أوزون أن يؤفلمها اليوم، في زمننا الراهن. نرى، يا للعجب، أن الأحوال الموصوفة في الفيلم لا تزال هي أحوالنا الآن. لا شيء تغير (ضحك صاخب). لا أفهم ماذا يحصل! الفرنسيون يريدون بناء أوروبا حديثة لكنني أشبّههم بصبيان على قدر عال من الشقاء. ومصيرنا أن نتعايش مع هذا.

سيدة بوجول أكثر كاريزماتية من مارتين أوبري [توضيح من المحرر: سياسية فرنسية، مُصلحة نظام العمل الفرنسي المعروف بـ"الـ35 ساعة"] التي تترأس الأمانة العامة للحزب الاشتراكي. مثيلات سيغولين روايال فقدن كل سحرهن النسائي، خلافاً للسيدة بوجول التي بقيت أنوثتها على ما هي عليه، على رغم انخراطها في الحياة السياسية الفرنسية. هذا الشيء صعب حتى على الرجل. من جانبي، تلقيت تربية جعلتني اعتبر نفسي جزءاً من هذا الكون. أنا خليط من الانتماءات، لذا ارى نفسي مواطناً عالمياً، بحسب التعبير الشهير. أحب العالم وأعشق الناس وتستهويني الثقافات المتعددة. لكن عندما أرى كل هذه الحماقات التي تجري في فرنسا اليوم، وأتابعها على التلفزيون، اشعر بالحيرة من أمري، فنحن نعيش عصر انتهاء القيم وسقوطها، والبعض صار يفكر في التقاعد وهو لا يزال في الخامسة عشرة من العمر. انه لشيء مخزٍ.

·         سينما أوزون ذات منحى كلبيّ سينيكي. هل كنت مدركاً هذا الأمر عندما شاركت في الفيلم؟

- أحب عالم أوزون وأحب أيضاً اللؤم والسينيكية. أجد أن اللؤم حقيقة قائمة في ذاتها، تماما كالطوباويات التي هي حقائق الأيام المقبلة. اللؤم يُريك الى أي درجة لم يتغير شيء. هذه المسرحية التي روت في السبعينات قصة رجل يعمل ضد النقابات ويخدع زوجته ويفتقر الى المال، صارت حوادثها اليوم تحصيلاً حاصلاً. لن أذكر أسماء تفادياً لإحداث فضيحة جديدة (ضحك)، لكن أنا شخصياً أعرف الكثير من رجال الأعمال الذين ينتهجون أساليب الشخصية التي ألعبها في الفيلم. ما يُريه أوزون، لئيم لكنه ليس قاسياً. الأهم انه عادل. عادل مثلما كان تروفو. في "امرأة الجوار" لتروفو، يمكننا الحديث عن مصير مأسوي. لكن يمكننا الحديث عن لؤم ايضاً لأن هذه المرأة لا تتمكن من التخلص من الحبّ الذي يربطها بجارها. وهو اللؤم الذي يجعلها ترمي نفسها من الشبّاك. الأفلام الكبيرة كلها تتضمن قدراً من اللؤم. اذا شاهدت "جمال أميركي" لسام مانديس، مع هذا اللوطي الانطوائي، ترى انه لئيم في نظرته الى المجتمع الأميركي، لكن ملتصق الى حد كبير بواقع ما.

·         في السبعينات كنت رمزاً للتمرد على القيم الفرنسية، والآن يمكن القول انك محافظ الى حدّ ما. ماذا تغير في حياتك؟

- لم ألعب المتمردين فقط، هذا غير صحيح. هكذا صُنفتّ، وهذا كله بعد فيلم "ليه فالسوز"[برتران بلييه]. لكن، لا تنس انني لعبت بعد ذلك في أفلام بيالا وجسدت شخصيات تاريخية كدانتون وسيرانو وكريستوف كولومبوس ورودان، ذلك أنني كنت مصاباً بهوس التاريخ مذ كنت في المدرسة. لكن أكثر ما علق في ذهن الناس هو شخصيتي في فيلم بلييه. شخصياً، أرى مثلاً أنني لم اجسد بما فيه الكفاية شخصية الشرطي. لعبت فقط في فيلمين هما "بوليس" لبيالا و"36" لأوليفييه مارشال... وأيضاً، الآن تذكرت، "ديامان 13" لجيل بيا. في المقابل، لعبت كثيراً في افلام كوميدية واضطلعت ايضاً بدور المغرم.

·         أنت ممثل جسماني. كيف تعلمت أن تستعمل جسدك طوال هذه السنوات كلها؟

- استخدمت كثيراً لغة الجسد التي يلجأ اليها الممثلون الأميركيون. جاك نيكلسون ممثل يستعمل هذه التقنية كثيراً، وكذلك جون مالكوفيتش و"بوب" [روبرت دو نيرو]. عندما نكون على المسرح، غالباً ما يكون التمثيل عالي النبرة ومفخماً. شيئاً فشيئاً، كل شي يعود الى طبيعته. استطيع قول الكلام نفسه عن الجسد. الأهم أن ينسى الممثل جسده وأن يساعده جسمه في الوصول الى تلك الحالة. أنا من الممثلين الذين لا يمانعون أن يزداد وزنهم من أجل الاضطلاع بدور. كل شيء يجب أن يكون في خدمة المهنة.

·         مثلت في فيلم شابرول الأخير، "بيلامي"، ألم تندم عند لقائك به كونك لم تعمل معه من قبل؟

- في الحقيقة، التقينا قبل سنوات. كان صديقاً حميماً لفرنسوا تروفو. أعتقد أن الأشياء تأتي كما تأتي من دون سابق تصميم. بالنسبة اليَّ، شابرول لم يمت. تروفو أيضاً للمناسبة. روح شابرول كانت قريبة من روحي وروح تروفو. كنا نتشابه. باستثناء واقع انهما كانا "مضبوطين" أكثر مني. أنا أكثر عنفاً منهما. شابرول وتروفو اللذان كانا يرويان أجمل القصص وأعظمها... أعتقد أن السينما المعاصرة في حاجة الى أمثالهما. هذان وغيرهما، كانوا جميعاً أبناء هيتشكوك وجان رونوار. من المخرجين المعاصرين أحب مارتن سكورسيزي لأنه يذكّرنا بالسينمات التي نحبها. اليوم هو في صدد التحضير لفيلم عن جورج ميلييس، أبي تقنية الأبعاد الثلاثة. في هذا المجال، سكورسيزي ظاهرة في ذاتها، وهو يتجاوز ذكاء كوبولا. سكورسيزي هو معلّم السينما الوحيد اليوم.

·         هل عبّرت له عن رغبتك في العمل معه؟

- أعرفه جيداً لكن لم تسنح لنا الفرصة للتعاون معاً. انه عبقري لا يتوقف عن التفكير. هناك مخرج شاب آخر يمشي على خطاه هو بول توماس أندرسون الذي أنجز أخيراً "ستكون هناك دماء"، الذي اعتبره تحفة خالصة. كم من الأفلام العظيمة صنعتها السينما على مدار سنوات وجودها؟ كما كان يقول رونوار، يمكن تعداد هذه الأفلام على أصابع اليد الواحدة! أما البقية فمجرد معلّبات.

·         مواقفك السياسة الأخيرة لم تنل اعجاب فرنسيين كثر، وقيل فيك إنك لا تثبت على موقف واحد...

- لا أتعاطى السياسة في حياتي اليومية. لديَّ أصدقاء خاضوا معارك سياسية، واحد منهم معروف. أحياناً يقولون عنه انه ديكتاتور كفيديل كاسترو. لا، فيديل لم يكن ديكتاتوراً بل هو قائد وثائر عظيم. عرفت ميتران والبابا يوحنا بولس الثاني وآخرين. لكني لم اقترب من السياسة ولا أنتخب؛ معروف عني هذا الشيء في فرنسا، وهذا الرفض متأتٍّ من تربيتي، ذلك أن والدي كان رجلاً أمياً لا يعرف القراءة. كان فلاحاً لا يفكر الا في إطعام أولاده. في سنّ الثامنة كنت أنام تحت ضوء القمر، وتركت المدرسة في عمر الثانية عشرة. لم أتلقَّ تربية كلاسيكية، لكني ثقفت نفسي من خلال المطالعة. الأدب أنقذني. وكذلك كتب الأديان، كالتوراة والانجيل والقرآن. كانت الأديان تهمّني كثيراً. ثم اكتشفت دوستويفسكي وبلزاك وهوغو... هكذا أصبحتُ مَن أنا عليه.

·         كيف تتحضر لأدوارك عموماً ولدور كهذا خصوصاً؟ هل تجري ابحاثاً؟

- البتة. لا أجري شيئاً على الاطلاق. أفشل، اذا حضرّت. اذا حضرّت، يخفّ إمكان ان آتي بشيء الى الشخصية. الأشياء تصل الى أهدافها عندما أعيشها. أحدهم كان يقول "تحصل معي مغامرتي عندما أرويها". لا أعرف شيئاً عني مسبقاً. هناك ممثلون يحضّرون. أما أنا فلا. هذا جزء من تكوينهم. تسنّت لي الفرصة كي أحضّر لأنني عشت منذ سن مبكرة. كنت أراقب كثيراً كثيراً.

·         هل السيناريوهات التي تقرأها تتطابق مع النتيجة النهائية بعد نقلها من الورق الى الشاشة؟

- لا أحتاج الى النتيجة، أرى ما سيؤول اليه النص منذ مرحلة الورق. ثم هناك مرحلة التقمص (يعود الى موضوع السؤال السابق). تعرف شيئاً؟ لا أحب العمل! لديَّ الكثير من أصدقائي الممثلين يحبون العمل، أما أن فلا أحبه. لديهم تقنية خاصة في التمثيل، ولا يمكنهم التخلص منها. سرّي أنا، هو أن آكل جيداً قبل التمثيل، وأن لا أفكر في أي شيء. على كل حال، اذا وصلت الى البلاتو وبدأت بالتفكير في ما ستفعله، فهذا هو الفشل في عينه. عملية التقاط المشاهد كعدّاد التاكسي، لذا لا نستطيع أن نغامر.

·         بعد اربعين عاماً من العمل، ما الذي يحفزك اليوم؟

- كل شيء. ليست السينما الفرنسية وحدها التي تدفعني الى مواصلة مهنة التمثيل. السينما الفرنسية مثل غيرها من السينمات، تعاني الأزمة العالمية التي ولّدها وصول التكنولوجيات الحديثة من هواتف نقالة وشاشات صغيرة تستطيع من خلالها أن تشاهد الفيلم أينما كنت. صورت أخيراً فيلماً اسمه "ماموث" بقياس 16 ملم، الفورما التي ستنقرض بعد قليل. يجب أن نقاوم والاّ ننصاع الى منطق السوق والعرض والطلب. في محاضرة جامعية في كاليفورنيا أخيراً، قلت للحضور: تمنحون الطلبة أدوات فيما هم لا يعرفون استخدامها. الأمر أشبه بأن تهدي اليهم سيارة فيراري تمشي بسرعة 300 كلم في الساعة في حين انهم لا يعرفون ماذا يعني أن يقود المرء سيارة بسرعة 100 كلم في الساعة.

شخصياً لا أحب الصورة التي تتشكل بتقنية "الجودة العالية" (HD). قد تكون مثيرة للاهتمام اذا استخدمت في صناعة الأبعاد الثلاثة، لكن الأبعاد الثلاثة الحقيقية. الى الآن، شخص واحد انجزها، شخص واحد لا غير، هو جيمس كاميرون في "آفاتار". سكورسيزي يعمل حالياً على فيلم سيُري فيه ما هي الأبعاد الثلاثة. جورج ميلييس كان رائداً في هذه التقنية. في رأيي، انه ينبغي المحافظة على الـ16 ملم، وهذا ما يؤكده فيلم مثل "ماموث".

·         بمعزل عن الرسالة الفنية التي يحملها الفيلم ومضمونه الايديولوجي، ما الذي جعلك تحتضن المشروع منذ البدء؟

- انه الفيلم السياسي الوحيد الذي أنجزته في حياتي. تخيّل رجلاً يصل الى سنّ التقاعد، ويخسر حضوره الفاعل في المجتمع، ثم في يوم انتهاء الخدمة يهدون اليه لعبة بازل (...)، قبل أن يدرك انهم سرقوا منه نصف حياته، من خلال عدم التصريح عنه في الضمان الاجتماعي. عندما يسأل عن سبب هذا التقصير من جانب رب العمل، كل ما يسمعه هو: لأنك أحمق. عندما تسمع كلاماً كهذا من رب عمل عملت في خدمته طوال عشرين عاماً، ولا يجد لك جواباً مقنعاً، فهذا فيلم سياسي بامتياز.

 (hauvick.habechian@annahar.com.lb) 

خارج الكادر

غرور

يضرب الغرور معظم الجسم الثقافي العربي. ولأن السينما جزء من هذا الجسم، فهو يضرب تالياً هذا الفنّ ايضاً، ممثلين وسينمائيين ونقاداً، سواء أكانوا أصيلين أو زائفين. تراهم يتنقلون على غيم من البخار، غير مدركين أن الزمن لن يبقى زمنهم الى الأبد. هؤلاء تناسوا المثل الذي يقول وحدها السنبلة الفارغة يبقى رأسها مرفوعاً على الدوام.

هذه التصرفات الناجمة عن عنجهية فارغة، يشهد عليها، على نحو شبه يومي، المشارك الدائم في المهرجانات السينمائية الغربية أو العربية. نراها ونتداولها بين بعضنا البعض ثم نضحك في سرّنا، كشياطين خرس. ما العمل، ما دام لا أحد طلب منا تغيير العالم والمساواة بين البشر، خصوصاً ان ثمة آخر دائماً قد يرانا مثلما نراه، بعين ناقدة ومسائلة وخائفة.

بيد أن ثمة حالات شاذة لا يستطيع ضمير المرء السكوت عليها وتطبيق منطق التساهل الذي سيترك بلا شك المزيد من المظالم والتمييز، وخصوصاً اذا جاءت الإهانة من أشخاص نحبهم ونقدّر ما ينجزونه. يُحزِن فعلاً أن يكون صاحب هذا السلوك المخزي سينمائياً كبيراً، يشي عمله بذكاء حاد. كان ذلك اذاً في مهرجان ابو ظبي، ولسبب مجهول، رفض هذا الفنان الطليعي أن يمدّ "يده الالهية" الى ناقد أراد إلقاء التحية عليه، فطلب تدخل الحرس حين أراد زميلنا الاقتراب منه والاستفسار عن حركته الغبية. بدا الفنان أشبه بسياسي مهدد، يخاف على امنه الشخصي.

لمخرجنا الكبير طباع خاصة، وهو لا يخفي نفوره من أشياء كثيرة وأناس كثيرين. تدعو أفلامه الى مقارعة الظلم، لكنه لا يتوانى أحياناً عن اللجوء الى أساليب فوقية في تعاطيه مع من يقدّره، متعاملاً مع الناس باستخفاف وتعالٍ لا يلتقيان مع الرسالة الانسانية السامية التي تُكتب في سينماه بصور بديعة.

اعتدنا على القول ان السلوك الشخصي لا يُنقص من قيمة عمل الفنان، وخصوصاً اذا كان من النوع الذي يبحث عن تقمص كاراكتير. ماذا لو كان هذا النوع من السلوك يُنقص، في بعض الحالات القصوى، من أهمية العمل؟ ذلك لأنه لا يمكن عزل القلب عن العقل خلال مشاهدة فيلم. حتى ما نأكله قبل الدخول الى الصالة، يلعب دوراً في تقويمنا للفيلم، كما قال مرة أمبرتو أيكو.

لا نريد إعطاء درس في السلوك الآدمي لمهرجنا الحزين وأمثاله من العباقرة، فهم أحرار في فعل ما يريدون وتقليد أسوأ النماذج في الغرب (غاس فان سانت وبولانسكي؟)، فهذا عمل المرشد الاجتماعي. لكننا، من هذا المقال، نثير هذه المعضلة الأخلاقية لنفكر معاً في الهوة الموجودة بين خطاب المخرج، كل مخرج، وأفعاله. الواحد لا ينسجم مع الآخر. يقولون شيئاً ويفعلون شيئاً آخر. القاموس واضح في تعريفه لهذا السلوك: نفاق. فهل وصلنا الى مرحلة بات الخطاب فيها مجرد سلعة، وحبراً على ورق، قلة يأبهون لضرورة تطبيقها في الحياة العامة، لمزيد من الصدقية والنزاهة؟!

بعضهم يؤمنون ايماناً أعمى بأنهم اذا مشوا على البساط الأحمر في كانّ، فقد أصبح في امكانهم أن يستفزوا الناس ويتعاملوا معهم بمنطق التحجيم. هؤلاء أنفسهم يعتبرون انهم اذا تلقّوا دعماً صغيراً من الصحافة الأجنبية وصارت اسماؤهم متداولة في المهرجانات الكبرى، لم يعودوا في حاجة الى أحد في بلدانهم وجوارها. هذا اذا لم يأت الواحد منهم وفي يديه عدد من مجلة فرنسية ليقول لك: انظر ماذا كُتب عن فيملي، أنت لا تفهم بالسينما!

الحرب بين النقاد والمخرجين لن تقع. لكن هناك من ينبغي تذكيره ببديهيات مخجلة في زمن مثل الزمن الذي نعيش فيه: العبقرية لا تلغي احترام الآخرين وآراءهم، والغرور بداية سلوك طريق اللاعودة.

هـ. ح.

النهار اللبنانية في

28/10/2010

 

«الحفرة» لوانغ بينغ في مهرجان أبو ظبي السينمائي

كـاميـرا الجحيـم

نديم جرجورة/ أبو ظبي 

إنها أقسى أنواع الواقعية، مجسَّدة على شاشة كبيرة. فيلم «الحفرة» للصيني وانغ بينغ، المُشارك في المسابقة الرسمية الخاصّة بالأفلام الروائية في الدورة الرابعة (14 ـ 23 تشرين الأول 2010) لـ«مهرجان أبو ظبي السينمائي»، تأكيدٌ على قوّة الكاميرا في الانمحاء شبه المطلق، لصالح الواقع. على قدرتها على إدخال المُشاهد في اللعبة السينمائية، المستلّة من الواقع نفسه. كأن الحدود السينمائية أُلغيت، وبات على المُشاهد أن يكون إحدى شخصيات الفيلم. قسوة الواقع وجدت في قوّة الكاميرا طريقاً إلى قلب المُشاهد وروحه وانفعاله. بدت القسوة والقوة معاً ثنائياً متكاملاً في قراءة لحظة تاريخية، ومسألة إنسانية، وسؤال أخلاقي.

شاهدٌ

القصّة واقعية. أحداثها عالقة في أذهان كثيرين. بعض هؤلاء مُصنّف في خانة «الناجين». أي إنه شاهدٌ على ما جرى. وندوب ما جرى عالقة في جسده وروحه وعقله وانفعاله. هذا ما اختاره وانغ بينغ. لكن المخرج الصيني (مواليد إقليم شانكسي، 1967) لم يفعل شيئاً كثيراً، عندما قرّر نقل التجربة المرّة إلى الشاشة الكبيرة. لم يفعل شيئاً كثيراً؟ يكفي أنه التقط بكاميراه وقائع العيش اليومي داخل بؤرة الموت، بعد استعادته تلك القصّة المريرة التي وسمت تاريخ بلد ومجتمع بإحدى موبقات العصر الديكتاتوري الفظيع. في العام 1960، اعتقلت السلطة الصينية آلاف المواطنين، بتهمة كونهم «يمينيين منشقّين»، لأسباب متعلّقة بأنشطة قاموا بها سابقاً، منها «انتقادهم الحزب الشيوعي الحاكم»، أو لـ«تحدّرهم من الطبقة الوسطى». هذا يحدث في أنظمة ديكتاتورية مختلفة، هنا وهناك. في الأزمنة كلّها. لكن التجربة الصينية في هذا الإطار، كما أعاد رسمها «الحفرة»، بدت عصيّة على الوصف الكتابي، ومتلائمة والوصف السينمائي. لم تبقَ التجربة في التاريخ، ولم تُطوَ صفحتها في أذهان العارفين أو الناجين منها، لأنها وجدت في كاميرا لو شنغ مدى أوسع لاستعادتها وتوثيقها وجعلها صورة حسّية قاسية، كادت تلامس حقيقة التجربة نفسها إلى درجة الذهول. لم يفعل وانغ بينغ شيئاً كثيراً؟ يكفي أنه أعاد رسم الملامح الجغرافية والتاريخية والإنسانية لتلك الأشهر الثلاثة التي عاناها «منشقّون يمينيون» في حُفَر مخيم «مينغشوي» لـ«إعادة التأهيل والتثقيف» في وسط صحراء «جوبي». أعاد رسمها كما لو أنها هي نفسها. الدليل على ذلك؟ تأثيرها المباشر في نفوس مُشاهدين وعقولهم وانفعالاتهم. في الصالة السينمائية في مجمّع «مارينا مول» في أبو ظبي، صُدم مشاهدون إزاء فظاعة الحدث ووحشية الواقع وبراعة السينما في حماية التجربة من الاندثار. ولعلّ هذا، وحده، كاف للقول إن «الحفرة» (إنتاج صيني بلجيكي فرنسي مشترك، 2010) مرآة شفّافة عكست فداحة البشاعة الأخلاقية للطبقة الحاكمة، التي جرّدت بشراً من إنسانيتهم بقذارة لا تُحتمل.

عن رواية ليانغ شيانهوي وشهادات ومقابلات أُجريت مع ناجين من الحُفَر الصينية هذه، بنى المخرج الوثائقي وانغ بينغ فيلمه الروائي الطويل الأول هذا. الركيزة الدرامية متينة: إنها قصّة إنسانية حقيقية، مكتوبة في سيناريو سينمائي حادّ ومترابط. المدماك الجمالي متماسك: الدخول إلى عوالم أولئك المعتقلين، والعيش اليومي معهم، من دون زيادة أو نقصان. أي إخفاء الكاميرا في البلاتوه، وتحويل البلاتوه إلى حُفَر أقام فيها آلاف المنشقّين اليمينيين بانتظار حتفهم. كأن الممثلين لا يمثّلون. كأن وانغ بينغ لا يصنع فيلماً، بل يُعيد النبض إلى حياة انقرضت في الصحراء، فبثّ فيها روحاً متمرّدة لإنقاذ التجربة من النسيان. شخصيات «الحفرة» عادت من الموت لإحياء الجثث، ودفعها إلى سرد حكاياتها. والسرد، هنا، لم يتّخذ جانباً وثائقياً (المجال الذي برع فيه وانغ بينغ، خصوصاً في فيلمه «غرب السكك الحديدية»، الذي أنجزه في العام 2003، عن حيّ صناعي أريد هدمه في إطار إصلاح قامت به البلدية)، ولم يتحوّل إلى نصّ وحوار سينمائيين، بل ظلّ على هامش الحدث المتصاعد شيئاً فشيئاً باتجاه ذروة الانكسار الإنساني. أي إن حكايات المعتقلين الذاهبين إلى موتهم سُردت بشكل موارب، عبر الصُوَر السينمائية. بعض الشخصيات قال أسباب زجّه في نفق النهاية هذا. فالأهمّ، بالنسبة إلى وانغ بينغ، كامنٌ في مكان آخر: تصوير الحكايات المُعاشة، بدلاً من سردها المباشر. أي إعادة الحياة إلى المخيّم نفسه، وتقديم صورته وفضائه وتفاصيله وناسه ومساره كما هي. غير أن تصويراً واقعياً كهذا يفتح مجالاً واسعاً جداً أمام إعمال المخيّلة: سرد الحكاية من دون كلمات، مثلاً.

قسوة

أبدى عددٌ من النقّاد والصحافيين السينمائيين استغرابه من تغييب «الحفرة» لوانغ بينغ عن جائزة «الأسد الذهبي» في الدورة السابعة والستين (1 ـ 11 أيلول 2010) لـ«مهرجان البندقية السينمائي». انزعج هؤلاء من منح «في مكان ما» لصوفيا كوبولا تلك الجائزة الأولى على حسابه، في واحد من أبرز المهرجانات السينمائية الدولية الثلاث وأهمها. في أبو ظبي، لم يُعلّق كثيرون على تغييبه ثانيةً. فالفيلم الفائز بالجائزة الأولى («اللؤلؤة الذهبية» في فئة أفضل فيلم، وقيمتها المالية مئة ألف دولار أميركي)، أي «أرواح صامتة» للروسي أليكسي فيدورتشنكو، يستحقّ فوزاً وجائزة. لم تعد المقارنة سهلة. في البندقية، لم يلق «الحفرة» إعجاب لجنة تحكيم برئاسة سينمائي أميركي مشاغب يُدعى كوانتين تارانتينو. في أبو ظبي، اختارت لجنة تحكيم برئاسة الأرجنتيني لويس بيونزو الفيلم الروسي «أرواح صامتة». مع هذا، حافظ «الحفرة» على جمالياته كلّها. لم يؤثّر عدم فوزه عليه بأي شيء. تماماً كما لم يؤثّر فوز «أرواح صامتة» بالجائزة بشيء يُذكر على تحفة مخرجه. الفيلمان جميلان ومهمّان. متماسكان في سرد حكاية الحبّ والمواجهة والخراب. لكن «الحفرة» مائلٌ إلى واقعية فجّة في مقاربتها اختباراً أخلاقياً سقطت فيه الحكومة الصينية، وفي معاينتها واقعاً إنسانياً انتصرت فيه السينما لصالح فصل من فصول الموت البشري القاسي.

مشاهد عدّة ابتكرها وانغ بينغ في «الحفرة»، مستلّة من حقائق العيش في الموت، أثارت صدمة قاسية إثر ظهورها على الشاشة الكبيرة. أقساها مشهدان اثنان لا يُمكن للكلمات أن تعيد رسمهما بسهولة. ذهبت الكاميرا إلى الأقسى. غاصت في مسام تجريد الفرد من الإنسانيّ فيه، وامتهان كرامته. أولها: مشهد مطاردة سجين لفأر، ساعياً إلى طهوه وأكله، في ظلّ تقليص عدد الوجبات، تماشياً مع مجاعة ضربت الصين في تلك الفترة. ثانيها: سجين يلتقط حبوباً للأكل من تقيوء سجين آخر. مشهدان قاسيان (الثاني أعنف) جعلا «الحفرة» أكثر واقعية من مجرّد سرد حكايات بكائية مسطّحة. لكن الفيلم برمّته متجانس في جعل الحكايات المصوَّرة متتاليات حادّة في التعبير عن مجزرة أخلاقية، ارتكبتها سلطة ديكتاتورية بحقّ مواطنين أفراد قالوا رأياً وأعلنوا موقفاً، بحجّة «إعادة التأهيل».

اغلب الظنّ أن كل كلام نقدي عن «الحفرة» يظلّ أعجز من قوة الصُّوَر في البوح.

 

كلاكيت

موسم العنفوان

نديم جرجورة

أسوأ أنواع التعامل مع الإبداع، كامنٌ في إحالته إلى جنسية صانعه. هذا أمر حاصلٌ في أنحاء شتّى من العالمين العربي والغربي. غير أن شيوعه لا يفرض تعاطياً إيجابياً معه. أمر واقعٌ، لكنه مغال في شوفينية محلية، تجد صداها الأوسع في دول عربية تحديداً، خصوصاً في لبنان. إذا كانت دول غربية تشارك في إنتاج أو تمويل صناعة أفلام مُنجزة فيها، يُمكن، عندها، تبرير الأمر الواقع هذا. لكن المأزق حاصلٌ عندما تتخلّى الدولة عن مهامها كافّة إزاء مواطنيها (وليس إزاء مبدعيها فقط)، ثم تجد من يَسِم النتاج الإبداعي بجنسية محلية ضيّقة، فيتباهى الجميع، عند فوز العمل الإبداعي بجائزة أو تكريم غربيين، بهذه الجنسية التي يلعنونها طوال أيام السنة، لألف سبب وسبب.

هناك أمثلة كثيرة. في مصر، يُدافعون عن الانتماء الجغرافي للنتاج الإبداعي بشدّة أمام الآخرين. يحيلون كل شيء على تلك المقولة الراسخة في الوجدان والعقل: «مصر أم الدنيا». لكنهم لا يتوانون عن مهاجمة أي عمل مصري جدّي، يعتبرونه «إساءة إلى سمعة مصر». الدولة قبل النتاج الإبداعي. لكن النتاج الإبداعي يحتلّ مكانة مرموقة، عندما يعثر لنفسه على موقع ما في المشهد الغربي. في لبنان، المسألة أخطر: هذا الفساد كلّه الذي ينخر جسد الدولة ومؤسّساتها والمجتمع وأبناءه، يختفي فجأة لصالح الهوية اللبنانية والعنفوان اللبناني، عندما يُصيب لبنانيٌ ما انتصاراً ما في بلد ما. ليست الدولة وحدها مسؤولة عن الأمر الواقع هذا. هناك مثقفون وإعلاميون وسياسيون واقتصاديون ورجال دين وغيرهم، يذهبون إلى الهوية اللبنانية عندما يرون أن فلاناً حقّق نجاحاً في الخارج، من دون أن يسألوا عمّا إذا كان فلان نفسه مقتنع بانتمائه الجغرافي هذا. أما في المجال السينمائي، فالطامة أكبر: ما من أحد يبالي بالمحاولات الفردية الدؤوبة لصناعة أفلام لبنانية. ما من أحد يكترث بعرضها التجاري. ما من أحد يُقدّم مساعدة أو دعماً أو استثماراً أو تمويلاً او إنتاجاً، إلاّ بصعوبة بالغة. لكن الجميع ينشدون انتماءً لبنانياً لأنفسهم ولصناعة الفيلم اللبناني، عندما يفوز هذا الأخير بجائزة أجنبية، أو يحظى بتكريم خارجي، أو يحصل على احتفاء غربيّ.

لا أتعاطى مع الصنيع الإبداعي انطلاقاً من هوية ملتبسة، أو جنسية مُعرّضة لنقاش نقدي يومي. الأهمّ كامنٌ في الصنيع نفسه. في مدى استيفائه شرطه الإبداعي ومقوّماته الفنية والتقنية. في حيويته وحراكه وقدرته على إثارة الأسئلة والتحريض على إعادة مناقشة العناوين الحياتية كلّها. أو على إثارة متعة بصرية حقيقية، غير مسطّحة أو ساذجة. لا تعنيني جنسيته. لا أكترث بهويته الجغرافية الضيّقة. الصنيع الإبداعي، خصوصاً السينما، أوسع من الجغرافيا، وأكبر من التاريخ، وأجمل من الانتماءات المحلية. أما الجوائز والتكريم والاحتفاء خارج لبنان وداخله، فلا تضيف شيئاً.

الصنيع هو الأهمّ. فلنحرّره من أكذوبة الانتماءات الجغرافية الملتبسة.

السفير اللبنانية في

28/10/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)