حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مهرجان كان السينمائي الدولي الثالث والستون

حكايات مهرّبة عن حبيبتي آسيا

عن «العم بونمي» وأخوته: عنف ولوعة وشعر وأسطورة

زياد عبد الله

ذهب «مهرجان كان» وبقيت الدهشة. الأفلام الآسيوية تقف على الموقع النقيض من الإنتاج الغربي الغارق في استعراضيته ومشاغله التقنيّة. وقفة عند تجارب مثل «العم بونمي...»، تتأرجح بين الواقع والمجاز، وتغوص في أعماق النفس البشريّة واللاوعي الجماعي. هل تتسع لها شاشاتنا التي يحتكرها الأكشن الهوليوودي؟

أشباح الماضي تتجول في تايلاند، وأب عائد بعد غياب طويل إلى تشونغ كوينغ، والقتل المجاني وبالجملة في اليابان، حيث نتعقب امرأتين كوريتين، الأولى خادمة سيكون انتحارها فعل انتقام، والثانية تتوق لأن تصبح شاعرة في خريف العمر... تلك لمحات عابرة لما حمله إلينا «التنين» الآسيوي. فاليوم، بعدما هدأ الصخب وأطفئت البروجكتورات، بات بوسعنا أن نؤكّد: الدورة الـ63 من «مهرجان كان السينمائي»، كانت دورة آسيوية بامتياز. ليس فقط لأنّ السعفة الذهبية كانت من نصيب التايلاندي أبيشاتبونغ ويراسيتاكول عن «العم بونمي الذي يستطيع استحضار حيواته السابقة». السعفة كانت نتيجة منطقيّة لحضور مميّز طغى على المهرجان ككلّ، فالأعمال الآسيوية كانت حاضرة بقوة في المسابقة الرسمية (أربعة أفلام من 20).

من فيلم تاكيشي كيتانو Outrageلم يتكبد رئيس لجنة التحكيم تيم بورتون وأعضاء اللجنة عناء في تتويج «العم بونمي..» لأسباب كثيرة، أولها أنّ الدورة لم تحوِ أفلاماً ترسخ في الذاكرة. بل إن أفلاماً كثيرة اكتسبت مشروعيتها من أسماء أصحابها قبل أي اعتبار آخر. الفيلم التايلندي قدّم على الأقل مقترحاً جمالياً مغايراً، جانحاً نحو استحضار أساليب سرد خاصة، تمزج الأسطوري بالتاريخي والشخصي، بما يمنحنا فرصةً لدخول عوالم متشابكة عبر شخصية العم العجوز، المريض، الذي يعيش أيامه الأخيرة.

من خلال مرضه، يستعيد بونمي الحاضر والماضي جنباً إلى جنب: البشر الذين ماتوا ورحلوا، والذين ما زالوا على قيد الحياة. ابنه المتوفى تحوّل كائناً أسطورياً على شكل قرد، وزوجته المتوفاة مع أخته التي ما زالت على قيد الحياة. يشحن المخرج تلك الاستحضارات برموز ودلالات مفتوحة على التأويل. لكنّنا سنكون مشغولين عنها بكيفية بناء عوالمها. هذا المونولوج المدهش الذي يردده العم بونمي حين يمضي برفقة البشر الأموات والأحياء إلى مغارة قائلاً: «أنا نائم، لكن عيني مفتوحتين...». ثم تحضر فصائل مسلحة، وتطلّ الكائنات الخرافية التي تلبّست ابنه مجدداً، لتحيط به من كل جانب.

هذه الكائنات ستظهر أيضاً وهي تتوسط الجنود في صورهم الفوتوغرافية. سيقول بونمي الذي يعاني فشلاً كلوياً: «لقد أصبت بهذا المرض قصاصاً على العدد الكبير من الشيوعيين الذين قتلتهم، أو البعوض الذي أقتل منه العشرات يومياً»... إنّها واحدة من الإحالات الكثيرة إلى تاريخ تايلندا. الشريط يسير ضمن إيقاع بطيء، ولقطات متوسطة الطول، وعناية فائقة في التقاط نبض الطبيعة والأدغال.

جديد الصيني وانغ زياوشواي «تشونغ كوينغ بلوز» يحيلنا مباشرة على المدينة، في تناغم تام مع أفلام أخرى له مثل «دراجات بكين» و«أحلام شنغهاي». ويجد في النهر الذي يخترق تشونغ كوينغ معبراً للقصة التي قدمها، ويحكي فيها عن عودة قبطان إلى مدينته بعد غياب مديد، إثر سماعه بوفاة ابنه برصاص الشرطة. هذا الهوس المديني لدى وانغ زياوشواي، سيقابله هوس بالدم لدى الياباني تاكيشي كيتانو. لكنّ تاريخ هذا المخرج الكبير لم يشفع له، ولم يمنع بعض النقاد من وصف فيلمه الجديد «إهانة» بالرديء. الشريط الذي كان مرتقباً بقوة في «مهرجان كان»، امتلك فضيلة واحدة تتمثل في تقديمه اقتراحات مبتكرة في القتل والصراخ، كنّا خلالها وسط حفلة مجانية من القتل والقتل المضاد، بما ضمّخ الفيلم من أوله إلى آخره بسيل متدفق من الدماء التي تبادل إهراقها رجال «الياكوزا» (المافيا اليابانيّة) في ما بينهما.

«شعر» و«الخادمة» مؤشران على صناعة سينمائيّة تعيش نهضتها الجديدة

أما الكوري إيم سانغ سو فبدا مصرّاً، في فيلمه «الخادمة»، على مقاربة المدرسة الـ«هيتشكوكية». فإذا بالتشويق المستوحى من المعلّم البريطاني، لا يتعدى تعقّب مصير خادمة تكون طيبة وشبقة، تستسلم لغواية سيدها، في قالب ميلودرامي يمضي بها إلى الانتحار على مرأى من أفراد العائلة. إذ تشنق وتحرق نفسها وهي تتأرجح مشتعلة في الصالون على مرأى من السيد وأفراد عائلته الذين اجتمعوا لإجهاضها بوحشية.

الفيلم الفائز بجائزة أفضل سيناريو Poetry (شعر) للكوري لي شانغ دونغ، يتمحور حول شخصية ميجا بأداء مميز ليون جانغ ــــ هي. وقد كانت هذه الصفة لصيقة بممثلين كثر في أفلام الدورة الـ36 من «كان». إذ إن معظم الأفلام تمحورت حول شخصية رئيسية، مثل ميجا المرأة الستينية التي تعيش حياتها بشغف، وبأناقة كلاسيكية مفرطة. هي الفقيرة التي تعيش من خدمة رجل مقعد، يستوقفها معهد لتعليم الشِّعر. ونراها تمضي طوال الفيلم وهي تلاحق الشعر الذي يحيطها من كل جانب، وتحاول كتابة قصيدة حقيقية، فيما مرض الألزهايمر يتهددها ويتهدّد أيضاً مصير حفيدها المتهوّر الذي نراها مستعدة لفعل كل شيء كي لا يودع السجن.

«مهرجان كان» توجّه أكثر هذه السنة صوب العملاق الآسيوي الذي يشهد نمواً مطرداً في الإنتاج السينمائي، مع ثيمات ركزت على صورة الشباب المتهوّر... فيما حضرت المرأة بوصفها ضحية المجتمع الذكوري، كما يبدو جليّاً في «شعر» و«الخادمة». عملان مميزان ليسا سوى الجزء الظاهر من صناعة سينمائيّة تعيش نهضتها الجديدة.

الأخبار اللبنانية في

07/06/2010

 

أفلام «غير شرعية» وصولاً إلى إيطاليا

«حياتنا».. حصار المهـاجرين وموتهم

زياد عبدالله – دبي 

كم من الهجرات غير الشرعية يحدث يومياً! كم من المصائر تبقى معلقة بتسربها عبر الحدود براً وبحراً وجوا! لكن يبقى البحر أشدها بلاغة على مبدأ غدره ربما، وهو يحمل جثثاً طافية دفع أصحابها أثماناً باهظة لقاء رغبة في حياة أفضل، أو حلم سرعان ما تحول كابوساً مروعاً.

هذا السؤال الكمي، يصلح عن الأفلام التي تناولت هذه الظاهرة التي تقف دائماً على أعتاب المأساة، والتي ستكون غير صالحة للعد على الأصابع، ونحن نشاهد جديد ميغل انخل اناريتو في «جميل» وكيف لتلك الجثث أن تطفو على سطح البحر، وكيف يختنق المهاجرون الصينيون وهم نيام بسبب مدفأة تعمل بالغاز، بينما يحضر على الفور فيلم المخرج اليوناني -الفرنسي كوستا غافراس (غرب عدن)، حيث الرصد للهجرة يتم عبر مجاز له أن يضعنا أمام ملهاة المهاجر، عبثية الهجرة، سراب أوروبا، كما لو أننا أمام أوديسة العصر البعيدة عن أية أساطير.

ومن الضفة الأخرى، يطفو على الفور فيلم الجزائري مرزاق علواش «حراقة» إذ يمكن لعنوان الفيلم نفسه أن يختزل ما أمسى مصطلحاً عالمياً للمهاجرين الشرعيين الذين يحرقون أوراقهم الثبوتية وصولاً إلى شواطئ البلد المقصود التسلل إليه، وهو يقدم العام الماضي فيلماً متمحوراً حول الهجرة ومصائر المهاجرين غير الشرعيين.

هذا الحديث الموجز والمكثف عن أفلام تناولت ظاهرة الهجرة غير الشرعية، وكلها أفلام سبق أن كتبنا عنها، ستقودنا إلى فيلم ايطالي بعنوان «حياتنا» وسيحضر بوصفه فيلماً لم نتناوله بعد، وقد عرض ضمن أفلام المسابقة الرسمية للدورة الـ63 من مهرجان كان السينمائي، ونال إليو غيرمانو عن دوره فيها جائزة أفضل ممثل إلى جانب خافيير بارندم عن دوره في فيلم أناريتو «جميل»، وليكون فيلم «حياتنا» ليس فيلماً عن الهجرة غير الشرعية تماماً، بل على شيء يجعل منها، أي هذه الهجرة، ملمحاً رئيساً في الحياة الأوروبية، وحجر أساس في أية مقاربة لحياة أوروبية أو ايطالية كما سنرى في هذا الفيلم الذي أخرجه دانيال لوتشيتي.

فيلم «حياتنا» سيجعل من الدراما التي يقدمها من خلال شخصية كلوديو (إليو غيرمانو) الذي تلتقي فيه كل تناقضات الحياة الإيطالية الحديثة وصراعاتها، معبراً نحو مقاربة هذه الحياة والبناء عليه بما يجعل أخلاقيات كلوديو نموذجاً سينمائياً لما يسود إيطاليا المعاصرة، ما يمنحه وهو يعيش حياته خيارات ما إن يقع عليها حتى تكون متأتية من محيطه وظروفه، ونحن هنا حيال إنسان عادي يعمل في البناء سرعان ما يفقد زوجته أثناء وضعها لابنه الثالث، وليجد في المال والأعمال مساحة لانغماسه بما ينسيه مأساته ويمنحه استمرارية حياتية نحو غاية وهدف يمسي تحقيقهما بديلاً لا بأس به لإبعاده عن يأس يقعده.

لكن يمضي الفيلم نحو إحداث منعطف، أو يتكشف القدر عنه يجعل ذلك الطموح ممكناً، وذلك باستغلال عثوره على جثة رجل ملقى في منور بناية قيد الإنشاء، إنه مهاجر لا يستدعي الأمر التبليغ عنه -سنعرف بعد ذلك أنه روماني - أو تسليم جثته لتلقى مراسم دفن لائقة، وهذا ما يفعله صاحب العمل، يتركه في مكانه ولتصب فوقه الأعمدة الخرسانية، وليستغل كلوديو ذلك بتهديد صاحب العمل بالتبليغ عنه ما لم يعهد له بمشروع يستثمره، وليكون لكلوديو ما أراده.

فيلم «حياتنا» فيلم شخصيات بامتياز، واصطياد دقيق لتناقضاتها التي تفرز في النهاية أخلاقياتها، كلوديو وأحياناً يمسي عنصرياً لكنه يضع ابنه الصغير في عهدة زوجة صديقه الزنجية وهو ممتن لها وحريص عليها كما لو أنها أخته، كلوديو أيضاً يعشق العمالة المهاجرة، لكنه سرعان ما ينفض عنها عندما يقدم له عرض من عمال إيطاليين يضمنون تنفيذ العمل له بسرعة ودقة ولو بأجور مضاعفة، وهو مع العمال وضدهم، وابن ذلك الرجل المتوفى في منور البناية سرعان ما يمسي في عهدته عندما يصادفه يبحث عن والده مع أمه التي يقيم معها علاقة عابرة، وعندما يخبر كلوديو الابن بحقيقة ما حل بوالده، يقول له ما أهمية أن يدفن، فالموت متشابه ولن يكون هناك من فرق، مع أن زوجته المتوفاة راقدة في قبر لائق له أن يتفقده كلما اشتعل في داخله الاشتياق. الفيلم كلوديو، وكلوديو الفيلم، الأرمل والأب، المسرف والمبذر، ومن ثم المدبر والمقتصد، المحاط بالحب من أخوته وأصدقائه وحين يخذلهم لا يستسلم للخذلان، فسرعان ما ينهض بمشروعه ويقوده إلى النجاح معيداً كل الأموال التي اقترضها ممن حوله، لكن يبقى المهاجر هو معبره، وسيلته في ابتزاز رب العمل، المهاجر غير الشرعي الذي سيكون موته دائماً مشكلة تستدعي التخلص منه كما في كل شيء آخر.

الإمارات اليوم في

07/06/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)