حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي الثالث

MEIFF

2009

 

خاص

بـ"سينماتك"

كتبوا في السينما

أخبار ومحطات

سينماتك

ملتيميديا

إبحث

في سينماتك

إحصائيات

استخدام الموقع

أفلام عربية في المسابقة الرسمية لـ«مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي» في أبو ظبي

ماهر وعبد الله يجددان السينما المصرية

نديم جرجوره

على الرغم من غيابها الواضح عن لائحة الأفلام الفائزة بجوائز الدورة الثالثة لـ«مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي، أبو ظبي»، التي أُعلنت مساء السبت الفائت في السابع عشر من تشرين الأول الجاري، كشف فيلمان مصريان حديثا الإنتاج نمطاً جديداً في مقاربة المسائل الإنسانية الراهنة. وعلى الرغم من تفوّق النجوم السوريين على زملائهم المصريين في الدورة هذه، خصوصاً في حفلة الافتتاح في الثامن من الشهر نفسه، وفي أروقة الأيام العشرة كلّها تقريباً؛ بدت مشاركة سينمائيين مصريين في لجان التحكيم الخاصّة بالمسابقات الرسمية الثلاث تأكيداً على أولوية النوعية، وانسجام إدارة المهرجان، المعقودة على المدير الفني الأميركي بيتر سكارليت، مع أهمية السينما وإعلاء شأنها، في مهرجان أقيم سابقاً على ثنائية النجومية والاستعراض الإعلامي. ذلك أن اختيار المخرج يُسري نصر الله رئيساً للجنة التحكيم الخاصّة بمسابقة الأفلام الروائية القصيرة، التي ضمّت إليه الممثلة الشابّة منّة شلبي؛ ومشاركة المخرج محمد خان في عضوية لجنة التحكيم الخاصّة بمسابقة الأفلام الروائية الطويلة (التي ترأّسها الإيراني عباس كياروستامي)؛ شكّلا حظوة للمصريين في واحدة من فرق العمل الخاصّة بمهرجان يُفترض به أن يقترب، أكثر فأكثر، من العمل السينمائي السليم، حيث يُمكن للنقاش الجدّي أن يعثر على مكان أوسع وأرحب. يُمكن إضافة اسم الممثلة هند صبري، المنضمّة إلى لجنة التحكيم الخاصّة بمسابقة الأفلام الوثائقية، مع أنها تونسية الأصل والهوية، ومصرية العمل التمثيلي.

شعوران متناقضان

لكن، لماذا التعليق النقدي على المشاركة المصرية؟ هناك سببان متكاملان، يتعلّق الأول بالجودة الفنية والدرامية للفيلمين المصريين المهمّين اللذين شاركا في المسابقة الروائية الطويلة، في مقابل الأهمية الإنسانية الشفّافة لفيلمين آخرين شاركا في المسابقة الوثائقية؛ ويرتبط الثاني بواقع التعاطي مع الأفلام المصرية والنجوم المصريين، الذين «احتلّوا» خشبة مسرح «قصر الإمارات» في حفلة الختام لتوزيع بعض أبرز الجوائز، بعيداً عن الحسابات الجغرافية، إذ بدا التعامل مع الأفلام المصرية والنجوم المصريين كالتعامل مع الأفلام والنجوم الآخرين، المقبلين إلى الإمارة والمهرجان من مطارح جغرافية وثقافية متفرّقة. ولأن المصريين يجتاحون، عادة، المهرجانات السينمائية العربية، بوفود تضمّ أعداداً كبيرة من الأسماء والأقارب والصحافيين الفنيين (لا علاقة لغالبيتهم الساحقة بالهمّ السينمائي، ثقافياً وفنياً)، وأعداداً أقلّ من نقّاد وصحافيين وسينمائيين جدّيين؛ وبأفلام يسعى أصحابها غالباً إلى انتزاع جوائز بـ«القوّة» (مصر أم الدنيا، السينما المصرية هي السينما العربية، وغيرهما من التعابير العنصرية). ولأن إدارات الغالبية الساحقة من هذه المهرجانات خضعت لمشيئة المصريين؛ بدت الدورة الثالثة لـ«مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي» في أبو ظبي (إشراف «هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث») متحرّرة من وطأة الاجتياح المصري لحساب الفن السابع، وإن وجدت إدارته نفسها ملزمة، في بعض الحالات، بتخصيص مكان ما بنجوم مصريين، تمّت دعوتهم بسبب مشاركتهم في أفلام مختارة للمسابقات الرسمية أو للبرامج الموازية. وغياب الأفلام المصرية عن الجوائز الممنوحة في ختام هذه الدورة أفضى إلى شعورين متناقضين، أولّهما إيجابي مفاده أن الحسابات الأساسية تركّزت، غالباً، على الجودة الفنية والدرامية والجمالية، وليس على التوازنات الجغرافية؛ وثانيهما سلبي مرتكز على إحساس بالغبن اللاحق بالفيلمين المشاركين في مسابقة الأفلام الطويلة، اللذين لم يفوزا بشيء، على الرغم من امتلاكهما شروطاً إبداعية مهمّة. فقد أكّد هذا الأمر، مجدّداً، حرصاً واضحاً لدى لجنة التحكيم (وإدارة المهرجان أيضاً) على تحديد الأولوية بالمعايير الجمالية والفنية والدرامية، التي تمتّعت بها أفلامٌ أخرى منافسة، وإن تفاوت النقاش حولها بين أمزجة أعضاء لجنة التحكيم ونقّاد ومهتمّين بالفن السابع.

والفيلمان المصريان المذكوران هما «المسافر» لأحمد ماهر (عُرض في افتتاح الدورة الثالثة هذه) و«هليوبوليس» لأحمد العبد الله؛ بالإضافة إلى الفيلمين الوثائقيين «كاريوكا» لنبيهة لطفي و«جيران» لتهاني راشد. علماً بأن فيلماً روائياً طويلاً ثالثاً كان يُفترض به أن يُعرض في المسابقة الرسمية أيضاً، وهو «بالألوان الطبيعية» لأسامة فوزي، غير أن النسخة الأولى الخارجة توّاً من معامل الطبع كانت سيئة، إلى درجة أن فوزي قرّر سحب فيلمه هذا من المسابقة الرسمية نهائياً، بموافقة إدارة المهرجان. وإذا بدا الروائيان الطويلان أكثر تماسكاً درامياً، وأقوى جماليات فنية، وأفعل تأثيراً سينمائياً وإنسانياً؛ فإن الفيلمين الوثائقيين انطلقا من حالة جغرافية (غاردن سيتي)، بعوالمها الاجتماعية والثقافية والمناطقية والحياتية، وجدت نفسها في مرحلة متناقضة تماماً وذاكرتها الموغلة في الوجدان والحساسية والتاريخ البعيد (جيران)؛ أو من شخصية فاعلة ومؤثّرة في المشهد الفني المصري والعربي، ومن فنانة (تحية كاريوكا) تحوّلت سيرتها في الفيلم (كاريوكا) إلى معاينة شفّافة لتاريخ مصري جماعي منفتح على أسئلة الانتماء والإبداع والتحوّلات. أرادت تهاني راشد استعادة الزمن الجميل للحيّ الشهير في القاهرة، على ضوء المستجدات الأمنية المفروضة عليه بسبب وجود الحراسة الأمنية المشدّدة على السفارة الاميركية، وما أحدثه التشدّد (بالإضافة إلى عوامل أخرى، كاكتساح الفقراء شوارع المدينة والحي مثلاً) من تبدلّ فظيع في أحوال المكان وناسه. وسعت نبيهة لطفي إلى إعادة رسم الصورة الأنقى عن الفنانة الأجمل، معتمدة البناء الكلاسيكي في ترجمة الصُوَر الوثائقية واللقاءات التي أجرتها مع عدد من المثقفين والفنانين المصريين. لم يخرج «جيران» و«كاريوكا» من القالب التقليدي البحت في صناعة الفيلم الوثائقي، ولم يندرجا في السياق الإبداعي المتجدّد في دمج الوثائقي بالمتخيّل، ولم يذهبا إلى أبعد من كونهما «شهادة» جميلة وعادية عن زمن مضى.

غياب الزمن الجميل

هذه العودة البصرية إلى زمن مضى ماثلةٌ أيضاً في المناخ العام للفيلمين الروائيين الطويلين، اللذين امتلكا قواسم مشتركة عدّة: فهما «الفيلم الروائي الطويل الأول» لصاحبيهما، وهما من إنجاز مخرجين شابين، بحثا في التحوّلات المدينية والثقافية والإنسانية والتاريخية لبيئة ومجتمع وناس، ورسما معالم الاغتراب الفردي، من خلال شخصيات محطّمة وخائبة ومنزلقة إلى عزلاتها القاتلة. في المقابل، هناك اختلاف واضح في أسلوب المعالجة وإدارة الممثلين والأمكنة الجغرافية، بامتداداتها المجتمعية والحياتية والتاريخية المتعلّقة بالذاكرة، كما في اختيار الممثلين أيضاً، إذ تعاون أحمد ماهر مع «نجوم»، أمثال خالد النبوي وعمر الشريف، بالإضافة إلى سيرين عبد النور؛ بينما تعامل أحمد العبد الله مع ممثلين شباب، انتقى من بينهم خالد أبو النجا لتأدية دور أساسي قد يكون امتداداً شخصياً له، من حيث العين اللاقطة ملامح التغيير والتبدّل في المستويات كلّها، ومن حيث التلصّص على مآزق الناس المهمَّشين، والتحدّيات التي يواجهونها يومياً. بينما ظلّ أحمد ماهر بعيداً عن مفهوم التلصّص والمعاينة المباشرة للحدث والتحوّل والواقع، على الرغم من أن «المسافر» برمّته شكّل مرآة سينمائية له جعلته يلتقط النبض الإنساني في لحظات تاريخية مصيرية، محرّراً خطابه الثقافي من الحشو السياسي والتحليل المجتمعي والثقافي الفجّ، ومحافظاً على حيوية السينما في مقاربتها الأحاسيس المتفجّرة إزاء مواقف وحالات ولحظات. والتلصّص، كأداة سينمائية بامتياز، غاص في متاهة الفرد داخل الجماعة، جاعلاً آلة الكاميرا نافذة على العالم الذاوي في عزلاته القاتلة، بل على ذاكرة لم تعد قادرة على الصمود طويلاً أمام الوحش المتغلغل في ثنايا المجتمع والعمران والفضاء الإنساني، في قاهرة المعزّ، في العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين.

اختار أحمد ماهر ثلاث محطّات أساسية لمقاربة المسار التاريخي للتحوّلات الحاصلة في القاهرة، مرتكزاً على تحديد واضح وصريح للحالة المرتجاة في فيلمه. فهو بدأ سيرة بطله (خالد النبوي/ عمر الشريف) في خريف عام 1948، وتوقّف ثانية معه في خريف عام 1973، قبل أن يصلا معاً إلى خريف عام 2001. لكن الإشارات لا تتسلّط على النصّ السينمائي، ولا تفرض حضوراً سياسياً/ تاريخياً قسرياً على المعالجة الدرامية، وإن وزّعت إشارات متواضعة لها في طيّات الحبكة، كدلالات على المضمون الأساسي للحكاية المتعلّقة ببطل يعاني خريفاً دائماً في حياته، منذ اللحظة التي وجد نفسه فيها منتحلاً شخصية ليست له. وإذا بدا مشهد الاغتصاب الملتبس في «خريف 48» إشارة ما إلى نكبة فلسطين على أيدي اليهود المهاجرين إليها بالقوّة؛ فإن الفصل الأول هذا كلّه نجا من ورطة السياسي والنضالي، لأنه ذهب إلى شجون البطل وانفعالاته وبحثه المستمرّ عمّا يؤكّد وجوده داخل الارتباكات الحاصلة. وإذا أفضى الفصل الثاني إلى نهاية متلائمة و«رعشة» الانتصار المصري/ السوري في حرب تشرين (خريف 73)، غلّفها ماهر بصورة انتقادية قاسية (انتصار الغبي على الآخرين، وانتزاع هذا الغبي للمرأة الجميلة الوحيدة بين الجماعة من الرجال كلّهم)؛ فإن الأحداث السابقة للنهاية أمعنت في تغريب البطل عن محيطه، وفي دفعه إلى مزيد من العزلة والوحدة والابتعاد قدر المستطاع عن كل ما يمكن أن يكشف حقيقته. وإذا انطلق الفصل الثالث من سقوط دشمتين كادتا تقتلان البطل، فإن «خريف 2001» انعكاسٌ حاد للمأزق الفردي في مقاربة التحوّل القاتل داخل القاهرة، وارتباك العيش اليومي فيها.

من جهته، فضّل أحمد العبد الله التزام لحظة واحدة محدّدة، تجعله أقدر على الغوص في تداعيات الأزمنة المتلاحقة، التي أفضت إلى العزلات والاغتراب الاجتماعي والثقافي في قاهرة اليوم. فهو، باختياره «مصر الجديدة» (أو بالأحرى منطقة محدّدة فيها)، أراد معاينة الأشياء والهوامش والتفاصيل الصغيرة، التي بدت جداراً فاصلاً ليس بين ذاكرة عتيقة وراهن موحش، بل بين أناس متشابهين لا يعثرون على خلاص لهم من جحيم الأرض. وهو، باستعادته الاسم القديم لتلك المنطقة عنواناً لفيلمه (هليوبوليس)، بدا كأنه يحيل المُشاهد، منذ اللحظة الأولى، إلى مراقب ومشارك في آن واحد: مراقب يُسرف في التلصّص على المدينة وناسها، وعلى الذاكرة وبقاياها، وعلى الراهن وتشعبّاته القاتلة؛ ومشارك يعيد كتابة الآنيّ مع المخرج الشاب نفسه، بدلاً من أن يبقى محايداً في مشاهدته.

أما الشخصيات المرسومة بدقّة درامية جميلة، فقد عكست جوانب متفرّقة من الحياة الآنيّة في القاهرة اليوم: شخصيات مضطربة وقلقة، وشخصيات هامشية معزولة ومهانة، وشخصيات محاصرة بتاريخها الفردي ومحصّنة بتغييب قاس لحقيقتها، وشخصيات مسحوقة أمام قوة التغيير الحاصل، ومستسلمة لمشيئة التحوّل القاتل. لكن خللاً ما أصاب الفيلم، عندما أدخل في سياقه الروائي مفردات العمل الوثائقي، من دون أن يدمجهما معاً في سياق سينمائي واحد. فعندما قرّر الباحث في شؤون الأقليات الباقية في قلب القاهرة، تصوير نتائج التحوّلات التي أصابت العمارة والشوارع والناس، كي تستطيع السيدة اليهودية (أوهمت جيرانها جميعهم بأنها مسيحية) المقيمة في منزلها منذ سنين طويلة معاينة ما يجري خارج جدران بيتها وعزلتها، اهتزّ البناء الدرامي، لأن العلاقة بين النوعين لم تُترجم كما يجب. وهذا لم يؤثّر كثيراً على البنية الدرامية كلّها، لأن إيجابيات عدّة منحت «هليوبوليس» حضوراً متميّزاً في المشهد السينمائي المصري، الخاصّ بجيل سينمائي شاب جديد، لعلّه يؤشّر إلى إمكانية ولادة نمط سينمائي متجدّد ومنقلب على المساوئ الدرامية والفكرية والجمالية للغالبية الساحقة من الإنتاج السينمائي الحالي.

أفلام عربية

إلى جانب الأفلام المصرية الأربعة هذه، هناك «دواحة» للتونسية رجاء عماري و«الليل الطويل» للسوري حاتم علي. لكن «الزمن الباقي» للفلسطيني إيليا سليمان («السفير»، 6 آب 2009) أفضلها على الإطلاق، إلى درجة أن لجنة التحكيم منحته جائزة «اللؤلؤة السوداء» كأفضل فيلم شرق أوسطي (مئة ألف دولار أميركي)، علماً بأن الفيلم الروسي «عشّاق الصرعات» لفاليري تودوروفسكي، الفائز بجائزة «اللؤلؤة السوداء» كأفضل فيلم (مئة ألف دولار أميركي أيضاً) لم يبلغ تلك المرتبة الجمالية البديعة والآسرة، التي بلغها الفيلم الروائي الطويل الثالث لسليمان، صاحب «سجل اختفاء» (1996) و«يد إلهية» (2002). لم يستطع فيلما أحمد ماهر وأحمد العبد الله، اللذين ارتكزا على أسس جمالية رفيعة المستوى (بالنسبة إلى إنجاز الفيلم الأول، على الأقلّ) الفوز بأي جائزة، لأن جماليات الفيلم الأوسترالي «الجولة الأخيرة» لغليندن آيفن، الفائز بجائزة «اللؤلؤة السوداء» كأفضل مخرج أنجز فيلمه الأول، والفيلم التركي «10 حتى 11» لبيلن إسمر، الفائز بجائزة «اللؤلؤة السوداء» كأفضل مخرجة شرق أوسطية أنجزت فيلمها الأول (القيمة المالية لكل جائزة منهما تساوي خمسين ألف دولار أميركي)، تبقى (الجماليات) أقوى وأبرع من تلك المنضوية في السياق الدرامي والفضاء الفني للفيلمين المصريين، المتمتّعين بأشكال مختلفة من البراعة الإبداعية. غير أن المأزق الفعلي قائمٌ في الفيلمين التونسي والسوري، بدرجات متفاوتة. فـ«دواحة» أقلّ «بؤساً» سينمائياً من «الليل الطويل»، والأسلوب الإخراجي لرجاء عماري منتم، بوضوح، إلى العمل السينمائي، على نقيض الأدوات غير السينمائية التي استخدمها حاتم علي في تحقيق فيلميه السينمائيين(!) «سيلينا» (المأخوذ عن المسرحية الرحبانية «هالة والملك») و«الليل الطويل». لن أقول إن علي مشتغلٌ في إنجاز الفيلمين بأدوات تلفزيونية. لأني لم أشاهد أي عمل تلفزيوني له، على الرغم من الضجّة الإيجابية التي أثارتها أعماله الخاصّة بالشاشة الصغيرة. لكن تجربتيه «السينمائيتين» هاتين كشفتا ابتعاده المطلق عن مفردات العمل السينمائي، شكلاً ومعالجة وتمثيلاً (أدّى أحد الأدوار شبه الرئيسة في ليله الطويل هذا) وإدارة فنية. وهذا كلّه مختلفٌ تماماً عن أدوات التعبير السينمائي لدى رجاء عماري، وإن سقط «دواحه»، فيلمها الروائي الطويل الثاني بعد «الساتان الأحمر» (2002)، في مطبّ التصنّع الخطابي والتمثيلي أحياناً، وفي مأزق البناء الدرامي المستند إلى مقولات القمع والسجن والانقطاع عن العالم الخارجي والكذب والقتل. والسجن، الذي بدا واضحاً حضوره الفاعل والمؤثّر في البنية الدرامية لـ«دواحه»، إلى درجة يُمكن القول معها إنه بات شخصية أساسية، شكّل الحيّز المكاني والنفسي والروحي للنصّ السينمائي الذي كتبه هيثم حقي قبل سنين طويلة، والذي فشل حاتم علي في تحويله إلى عمل متكامل في «الليل الطويل».

يُمكن الاستناد إلى مراجع معروفة في قراءة «دواحه»، لعلّ أبرزها «جزيرة الماعز» لإيغو بيتي، التي أوحت، في مطلع التسعينيات الفائتة، بفيلمين مصريين هما «رغبة متوحشة» لخيري بشارة و«الراعي والنساء» لعلي بدرخان. هناك أولاً النسوة الثلاث المقيمات في قبو قصر مهجور، هرباً من خطأ، أو تنصّلاً من خطيئة، وإن لم يعثرن على رجل يُفكّك عقدهنّ وحصارهنّ، ويجعلهن منفتحات على الشبق والنشوة المنقوصة. هناك ثانياً الإسقاط السياسي/ الاجتماعي، المتمثّل بالقمع والأسر والانغلاق. هناك ثالثاً دخول العنصر الخارجي الذي ساهم في تدمير الجدران المرتفعة بين النسوة الثلاث، وصولاً إلى القتل المفضي بالإبنة الصغرى إلى حريتها. لكن هذا كلّه مشغولٌ برؤية درامية مرتبكة؛ وبتمثيل سقط، مراراً، في فخّ التصنّع؛ وبمعالجة عادية. أما «الليل الطويل»، المنطلق من عناوين القمع والاعتقال السياسي ومفهوم النضال الإيديولوجي ضد الطغاة، فتفتّتت بناه الدرامية ومناخاته الفنية والإنسانية سريعاً، لأن حيوية المادة وقصّتها بدت أقوى من أن يستوعبها المخرج، فضاعت المسارات والتفاصيل، على الرغم من أن الحكاية قابلة لأن تكون ركيزة درامية لصنيع سينمائي جميل. فالمعتقلون الثلاثة الذين أطلق سراحهم فجأة، بدوا مضعضعين في السياق الدرامي، لأن أحدهم طغى على الآخرين، ولأن المعاجلة الإخراجية تاهت وسط انفلاش الحكايات والمصائر والهوامش المهمّة.

السفير اللبنانية في

23/10/2009

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)