حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي الثالث

MEIFF

2009

 

خاص

بـ"سينماتك"

كتبوا في السينما

أخبار ومحطات

سينماتك

ملتيميديا

إبحث

في سينماتك

إحصائيات

استخدام الموقع

الحنين المصري إلى ما قبل الثورة  

«هليوبوليس».. خيبات يوم كأنه دهر 

زياد عبدالله – أبوظبي

تعيش السينما المصرية حنيناً إلى فترة ما قبل ثورة يوليو، وعلى شيء يستدعي التوقف مطولاً أمام واقع يملي هذه العودة، والتركيز على الراهن بوصفه حمل ما حمل من تشويه وتخريب، وعليه يأتي الماضي بمثابة فسحة أمل تتسع لصرخة تقول: مصر لم تكن كذلك، لقد تغير كل شيء الآن ونحو الأسوأ الذي يزداد تفاقماً، ولتكون هكذا مقولة على شيء من الناظم بين الأفلام المصرية التي عرضت حتى الآن في الدورة الثالثة من مهرجان «الشرق الأوسط السينمائي».

أالماضي وردي في «المسافر» فيلم أحمد ماهر الذي افتتح فيه المهرجان عروضه، مليء بالموسيقى والرقص والرومانسية، بينما يمسي الحاضر مليئاً بالتزمت الديني والعنف والرداءة مع تآكل كل شيء، بينما قدمت تهاني راشد في فيلمها الوثائقي «جيران» واقع مصر الحالي من خلال حي «جاردن سيتي» والذي تبني عليه بوصفه بؤرة حقيقية للعودة بالزمن والمضي خلف الراهن في آن معاً، واضعة أمامنا آراء ووجهات نظر مختلفة، لكن بما يجعل من قصور الباشاوات والارستقراطية المصرية التي نال منها الزمن معلماً زمنياً للتغيرات التي عصفت في مصر وصولاً إلى الواقع الحالي.

فيلم أحمد العبدالله «هليوبوليس» في أولى تجاربه الإخراجية ليس ببعيد عما تقدم، وبما يشكل رصداً للواقع المصري وفي مسعى للتركيز على قيمة التعددية، عبر سرد يستدعي الثناء والاحتفاء، وشخصيات كثيرة معطلة لا تنجح بالقيام بأي شيء، يتبدد اليوم الذي يشكل زمن الفيلم ولا شيء يحصل مع أي منها، لا بل إن مصائرها لا تتشابك إلا قليلاً، وكل غارق في وحدته ومآزقه النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ولتحضر «هليوبوليس» (مصر الجديدة) بوصفها حاملاً للحنين أمام فداحة الحاضر، ومعلماً مسكوناً بجماليات مفتقدة سرعان ما تمنع العودة إليها، طالما أن الضابط يقف حائلاً بين تصوير مبانيها القديمة، كما ولو أن الحنين ممنوع أيضاً وبالقوة.

يرمي فيلم أحمد العبدالله بخيوط درامية كثيرة، ما من دراما فيها إلا عجز تلك الشخصيات وعدم تمكنها من إنجاز ما تسعى إليه، كما ليقول لنا الفيلم، كل شيء يقف ضدهم. نقع أولاً على شاب (خالد أبوالنجا) يشرب الشاي مع ناطور عمارة، وسرعان ما نراه يقوم بمقابلة امرأة عجوز نكتشف أنها يهودية، ولتكون ربما آخر يهود مصر، وليمضي هذا الشاب حديثه معها وهو متلعثم ومرتبك، إضافة لعدم نجاحه في تصويرها، وليكون الحوار الوحيد الناجح بينهما هو استعادة تلك السيدة لأمكنة في «هليوبوليس» أو غيرها من أحياء مصر كما عاصرتها، وتوقفت عن ذلك كونها لا تستطيع الخروج من البيت لمرضها وعليه يقرر الشاب أن يصور لها تلك الأمكنة وما صارت إليه، وهذا ما يفعله إلا أن ضابط الشرطة سرعان ما يمنعه.

وبالتوازي والتناوب هناك المجند في الأمن المركزي الذي لا ينطق حرفاً واحداً من أول الفيلم إلى آخره، وهو جالس في كشك الحراسة في شارع لا يمر به أحد، يسمع الراديو الذي لا يتوقف عن بث أغاني عبدالوهاب، إلى أن يعثر على كلب يصير شغله الشاغل ومؤنس وحدته القاتلة، وإلى جانبه هناك طبيب نراه يتقدم بطلب للهجرة إلى كندا، لكن أوراقه غير كاملة، وعندما يحاول استخلاص صور شخصية له جديدة غير التي معه فإنها تظهر طبق الأصل عن السابقة، بينما يتصل به شاب وامرأة يبحثان عن بيت كونه يكون قد وضع إعلان لبيع بيته، الشاب والمرأة في طريقهما إلى الزواج، وثمة مهمتان عليهما القيام بهما، الأولى شراء ثلاجة والثانية الوصول إلى بيت الطبيب ومعاينته، وليفشلا في تحقيقيهما، المهمة الأولى لأسباب متعلقة بأشياء تفصيلية تافهة، بينما يكون فشلهما في الوصول إلى بيت الطبيب بسبب مرور موكب الرئيس وإغلاق الطرقات أمامهما.

هناك أيضاً الفتاة التي تعمل موظفة استقبال في فندق قذر، وهي تحلم بالسفر إلى باريس، لا بل إنها ترسل رسالة لأهلها في طنطا تتكلم فيها عن ما تعيشه من سعادة في باريس، وهي تشاهد طيلة الوقت القناة الخامسة الفرنسية، وترمق بحسد وغيرة عاشقين فرنسيين من نزلاء الفندق يتبادلان القبل.

تتاشبك تلك الشخصيات ولا تفعل، تتجاور من دون أن يعرف بعضهم بعضا، تتشارك أغاني الراديو، والشيء الوحيد الذي يربط مصير شخصية بأخرى، هو الشاب الذي يصور «مصر الجديدة» والفتاة التي تكون في طريقها إلى الزواج وشراء الثلاجة، إذ نكتشف بأنهما كانا على علاقة حب انتهت، كما أن القداس والتراتيل التي تخرج من الكنيسة تجعل جميع الشخصيات وهي تتحرك في محيط «هليوبوليس»، تتشارك سماعها، لا بل إن مجند الأمن المركزي يطفئ الراديو، المجند المواظب على صلواته الخمس.

فيلم «هليوبوليس» ترسيخ لما له أن يكون «سينما مصرية مستقلة» غير خاضعة لمزاج شباك التذاكر، وفي انحياز لقيم جمالية، وبحث عن المغاير والمختلف عن الانتاجات التي لا تتخطى في اسباب وجودها ذلك الشباك. إنه شريط مشغول بأسئلة كثيرة لها أن تمر وتتردد في سياق بصري مشغول بعناية، وإيقاع بطيء على خلاف مع البنية التي اختاره المخرج لسرد أحداثه، والتي سرعان ما يتم تطويعها في خدمة ما يقدمه الفيلم، وهو يقول لنا: لا شيء يتغير، وتلك الخيبات اليومية لها ما يقابلها من خيبة عامة ما من شيء يجابهها إلا الهرب وكل على طريقته.

 

 «كاريوكا»  

يمكن مواصلة الحنين مع فيلم وثائقي حمل عنوان «كاريوكا» الذي يحيلنا إلى الراقصة والممثلة تحية كاريوكا وما تشكله من عودة إلى «الأبيض والأسود» وزمن ثمة اصرار هائل على أن يكون سحرياً طالما أنه مضى وانقضى.

مخرجة الفيلم نبيهة لطفي قدمت ما اعتبرته تحية إلى «تحية» ومضت في تقديم مادة أرشيفية كبيرة برفقة شهادات كثيرة ممن عاصروا تلك الفنانة، أو من وثقوا تجربتها سواء في الكتابة أو التشكيل في مسعى للبحث عن ملامح الأسطورة التي تشكلها، وذلك في خط زمني واحد، امتد من الطفولة إلى الممات، ابتداء من قصة هربها من قريتها إلى القاهرة، مروراً بزواجها من 13 رجلاً وطريقتها بالرقص والأدوار التي قدمتها، وصولاً إلى مبادئها والتزاماتها الأخلاقية والسياسية حتى مماتها.

الفيلم مصنوع في تسلسل رتيب، كما أن توظيف المادة الأرشيفية الكبيرة التي حملها تم بقصدية سابقة جاء الفيلم ليؤكدها، والمصر على أن يقول لنا إن تحية كاريوكا لم تكن راقصة وممثلة فقط بل مناضلة ومعارضة وغير ذلك مما قدم في خدمة هذه المقولة، وعليه كان استعراض ما يؤكد ذلك يتم بواسطة قصاصات الصحف أو الصور أو المشاهد ولتأتي الشهادات كتعليق في اتجاه واحد دائم يصادق على ما عرض أمامنا، وعلى مستوى واحد.

لا شك أن تحية كاريوكا تستحق كثيراً من الثناء والاحتفاء، لكن الإصرار على أسطورتها من دون أي شيء آخر أعاق الفيلم عن تقديمها كفنانة من لحم ودم.

الإمارات اليوم في

15/10/2009

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)