حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

مهرجان كان السينمائي الدولي الثاني والستون

كان 2009

 

خاص

بـ"سينماتك"

كتبوا في السينما

أخبار ومحطات

سينماتك

ملتيميديا

إبحث

في سينماتك

إحصائيات

استخدام الموقع

افتتاح «كان» بفيلم تحريك ثلاثي الأبعاد: المنازل الطائرة

نديم جرجورة/ «كان»

لم يكن افتتاح الدورة الثانية والستين لمهرجان «كان» السينمائي الدولي، مساء أمس الأربعاء، حكراً على العرض الأول لفيلم التحريك الأميركي «فوق» (أو «إلى فوق»، بحسب ترجمة عربية أخرى) للثنائي بيت دوكتر وبوب بيترسون، لأن آلاف النقّاد والصحافيين والإعلاميين شاهدوه في حفلة خاصة بهم صباح الأربعاء، في إعلان غير رسمي عن إطلاقها. ذلك أن الأضواء اللامعة والاستعراض المتكامل للنجوم المدعوين من كل حدب وصوب، شكّلت مساءً اللحظة السنوية المنتظَرة لهواة هذا النوع من الاحتفالات، بالإضافة إلى محبّي السينما ونجومها وطقوسها الطالعة من أعماق الصالات المعتمة إلى رحابة المشهد البصري الجميل، الذي تصنعه السجّادة الحمراء الممتدة على سلالم «قصر المهرجانات والمؤتمرات». ولأن المعنيين مباشرة بصناعة الأفلام وتفاصيلها الإنسانية والدرامية والجمالية شاهدوا «فوق» صباحاً، فإن مئات المقبلين إلى المدينة الفرنسية الجنوبية هذه اصطفوا طويلاً في الطريق الممتدة إلى القصر، بانتظار وصول مواكب السيارات التي أقلّت نجوماً ارتدوا أجمل ما اعتبروه لائقاً بهذه المناسبة، ووقفوا للحظات أمام مئات عدسات آلات التصوير الفوتوغرافية وكاميرات الشاشات الصغيرة وميكروفونات شتّى، «تستجدي» تصريحاً معيّناً من هنا أو كلمة ما من هناك، من دون أن تحصل على مبتغاها، غالباً.

بين العاشرة صباحاً (موعد العرض الصحافي لفيلم الافتتاح) والثامنة مساء (لحظة افتتاح الدورة الجديدة)، مرّت ساعات مليئة بصخب سينمائي بدأ يُعلن عن حضوره في أروقة القصر والمدينة، بمقاهيها ومطاعمها المتراصفة على جانبي الطريق الرئيسة في مقابل القصر تحديداً، والصالات. صحافيون ونقّاد ملأوا القاعات المخصّصة بهم بعد نهاية العرض، باحثين في خزائنهم عن المنشورات والدعايات والدعوات وغيرها، أو متأبطين أجهزة الكمبيوتر الخاصّة بهم، أو المسترسلين في دردشات سريعة مع زملاء لهم أو معارف أو أصدقاء أو مسؤولين في إدارة المهرجان، تمضية للوقت المتبقّي لهم قبل «هرولتهم» إلى الصالة التي تعرض أول الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية، وهو «ليالي السُكر الربيعي» للمخرج الصيني لو يي، الذي غاص في متاهات الانفعال الجسدي والروحي بين الناس، وفي مآزق العيش في ازدواجية العلاقات، وفي المعاني الجميلة للعشق والجنس؛ في حين أن صالة «دوبوسي»، التي شهدت العرض الصحافي الأول لـ«فوق»، غصّت بالقادمين إلى المهرجان لمشاهدة آخر ما ابتكرته المخيّلة البشرية من إبداع، في حين أن أعداداً كبيرة سعت إلى الاطّلاع على آخر الأخبار والمشاريع والحكايات.

أما «فوق»، المشغول بتقنية «ثلاثية الأبعاد» (تطلّبت مشاهدته الحصول على نظّارات خاصّة)، فروى قصّة عجوز يُدعى كارل أمضى حياته كلّها بائعاً للبالونات، وواعداً زوجته إيلّي بتشييد منزل لهما عند «شلالات الجنّة»، في أميركا الجنوبية. بعد سنين طويلة، توفيّت زوجته خلالها، خاض كارل المغامرة برفقة راسل، الصبيّ المتحمّس والنشيط والطيّب، في أدغال غابات وتفاصيل جانبية متفرّقة، قبل أن يكتشف أن لا معنى للمنزل الذي سافر به بعد أن ربطه بمئات البالونات، لأن الحياة مختلفة، والتجارب تبدّل أحوال المرء وتجعله أقرب إلى الواقع من أي شيء آخر. واجه التصاق راسل به، وعاند تحدّيات الطقس والطبيعة والبيئة، وعاش قسوة المغامرة، قبل أن تكشف له الدنيا صدمات عدّة، تدفعه إلى تبديل مسار حياته.

يُمكن القول إن «فوق» محمّلٌّ بدلالات سياسية مرتبطة بالوطن والعائلة والعلمانية والتحرّر من سطوة الرأسمالية. لكن، على الرغم من إمكانية إدراج قراءة نقدية كهذه، لم يرتفع الفيلم إلى أعلى من العاديّ، على مستوى المضمون الدرامي؛ في حين أن الاشتغال التقني بنموذج «ثلاثيّ الأبعاد» بدا كأنه إعلان عن بداية مرحلة سينمائية جديدة. ربما لهذا السبب، اختارت إدارة مهرجان «كان» هذا الفيلم لافتتاح الدورة الحالية، مساهمة منها في الإعلان المذكور، كأنها ترغب في أن تكون حاضرة في لحظة التحوّلات السينمائية الأساسية في تاريخ الفن السابع، كعادتها غالباً منذ اثنين وستين عاماً.

السفير اللبنانية في 14 مايو 2009

 

«فوق» فيلم تحريك ثلاثي في افتتاح مهرجان «كان»

إيليا سليمان العربي الوحيد في المسابقة الرسمية والسينما الفليبينية حاضرة بـ 4 أفلام

نديم جرجورة/ «كان»

 

بدأ المهرجان السينمائي الأهمّ في المشهد الإبداعي الدولي. بدأ المهرجان الأعرق في ضخّ كَمّ هائل من الصوَر السينمائية المتفرّقة، التي يتابعها المعنيون بالهمّ السينمائي لاثني عشر يوماً متتالية، تعيشه المدينة الفرنسية المترامية على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، والطالعة إلى صخب الإبداع ونجومه. بدأ الشغف يعلن حضوره: شغف بالسينما وصناعتها وطقوسها؛ شغف بالاستماع إلى سينمائيين ألهموا المخيلة الفردية بألف عنوان وإحساس؛ شغف بمشاهدة نجوم سطعت أسماؤهم في الوجدان الذاتي، وها هم الآن في حضرة الفن السابع، يأتونه حاملين كنوزهم وجمالهم وبراعتهم في اقتناص لحظات حقيقية من الفرح والمتع.

ذلك أن الدورة الثانية والستين لمهرجان «كان» السينمائي الدولي بدأت، مساء أمس، بعرض فيلم التحريك الثلاثي الأبعاد «فوق» للثنائي بيت دوكتر وبوب بيترسون، الذي أنتجته شركة «بيكسار»، إحدى أبرز شركات الإنتاج المعنية بأفلام التحريك حالياً. وهي تستمر لغاية الرابع والعشرين من الشهر نفسه، في محاولة جادة لاكتشاف الجديد والمذهل، أو لمعاينة العاديّ وإن اتسم بخصوصية صانعه، علماً أن الآراء النقدية الأولى المتعلّقة بالبرنامج الرسمي الخاصّ بالمسابقة الرسمية تحديداً عكست التزام المهرجان «سينما المؤلّف» أكثر من أي دورة سابقة. فالأسماء كثيرة، والعناوين ضاغطة، والرغبة في الاستفادة القصوى من الزيارة الأولى لهذا المهرجان تجعل المرء مقيماً في عمق إبداع كَسَر الحدود الواهية بين الواقع والخيال، وحطّم الجدران المرتفعة بين الوهم والحقيقة، بلغة سينمائية فاتنة.

هاجس العرب

لكن، في مقابل هذه الحيوية كلّها، التي يُفترض بالمهرجان منحها لزوّاره، لا يتعب بعض العرب من ربط الفيلم بهوية بلد مخرجه، بدلاً من الانتباه إلى أن الفيلم المذكور يمثّل، أولاً وأساساً بل دائماً، صانعه، بهواجسه وتطلّعاته وأساليبه وثقافته ووعيه وانفعالاته وتفاصيل عيشه، وإن استلّ المخرج مواضيع أعماله من البلد المنتمي إليه، أو المقيم فيه. فـ«جنسية» الفيلم مرتبطة بالإنتاج بالدرجة الأولى، وإن لم تكن متطابقة وجنسية المخرج. والصنيع الإبداعي نابعٌ من أعماق السينمائي الفنان، وإن غلّفه بقصص أو حالات طالعة من أعماق البيئة الجغرافية أو الاجتماعية أو الثقافية الخاصّة ببلده الأصلي. هذا البعض لا يكلّ من تكرار مملّ لسؤالين مترابطين: غياب الأفلام العربية عن المحافل السينمائية الدولية (كأن هذه المحافل معنية، أساساً، بجغرافيا صناعة الأفلام فقط)، وتمثيل الفيلم بلد المخرج لا المخرج نفسه.

يُعتبر إيليا سليمان أحد هؤلاء السينمائيين العرب الذين يواجهون معضلة التمثيل. فهو الفلسطيني المقيم في الغرب، المتوغّل، فيلماً إثر آخر، في بنية المجتمع الفلسطيني المقيم في ما يُسمّى بـ«مناطق الـ48»، ما يحرّض بعض المفتونين بالجغرافيا والأفكار السياسية والنضال الأبدي على اعتباره وأفلامه «ممثلاً» شرعياً لفلسطين في العواصم الفنية والثقافية الغربية. لكن المعنيين الجدّيين بالإبداع السينمائي مدركون أن الأولوية القصوى في هذا المجال كامنةٌ في صناعة الفيلم بحدّ ذاته، وفي معاينة تفاصيله الدرامية والجمالية والفنية والتقنية، وفي مقاربة ارتباطه بالسينمائي الذي صنعه، أسلوباً ووعياً معرفياً واهتماماً جمالياً باللغة والشكل والمضمون. ولأن إدارة مهرجان «كان» اختارت «الزمن المتبقي»، الفيلم الأخير لسليمان، للمشاركة في المسابقة الرسمية للدورة الثانية والستين هذه، إلى جانب أفلام صنعها كبار، كبدرو ألمودوفار وكن لوتش وكوانتين تارانتينو وآنغ لي وآلن رينيه وجاين كامبيون وميكايل هانيكي وآخرين (قد يمثّلون بلدانهم، لكنهم بالتأكيد يعكسون أنفسهم وأساليبهم وأنماط تفكيرهم وهواجسهم وانفعالاتهم في أفلامهم، أولاً وأساساً)، انتعشت أقلامٌ صحافية عربية، راحت تدبّج مقالات متسائلة عن الغياب السينمائي العربي عن «كان»، في مقابل تمثيل فلسطين والعرب في المسابقة الرسمية في المهرجان نفسه بفيلم إيليا سليمان. لكن، يُمكن القول باختصار شديد إن «الزمن المتبقّي» يمثّل، قبل أي شيء آخر (أقلّه بالنسبة إليّ)، مخرجه إيليا سليمان، الذي وضع فيه (كما في أفلامه السابقة)، كبقية المخرجين الفاعلين والمبدعين، نفسه وأفكاره وحكاياته وحياته.

بعد سبعة أعوام على مشاركته في المسابقة الرسمية الخاصّة بمهرجان «كان» السينمائي الدولي بفيلمه الروائي الطويل الثاني «يد إلهية»، الذي حصل بفضله على جائزة «لجنة التحكيم الكبرى»؛ وبعد ثلاثة أعوام على اختياره عضواً في لجنة تحكيم الدورة التاسعة والخمسين للمهرجان نفسه (2006)؛ يعود إيليا سليمان إلى الـ«كروازيت» الفرنسية بفيلم جديد له بعنوان «الزمن المتبقّي» (المسابقة الرسمية)، راسماً فيه ملامح متفرّقة من التاريخ الحديث لفلسطين المحتلّة. لا توجد معلومات كافية عن الفيلم الجديد هذا، الذي أنجزه بعد ثلاثة عشر عاماً على تحقيقه فيلمه الروائي الطويل الأول «سجل اختفاء» (1996)، الذي صنعه، تماماً كـ«يد إلهية» (2002)، بشكل متتاليات بصرية تكاد تكون منفصلة عن بعضها البعض (أو هكذا يتراءى للمُشَاهد، لوهلة أولى)، قبل أن يظهر الترابط العضوي بينها، في شكل درامي جميل ومتماسك وحاد في رسمه معالم العيش اليومي في داخل فلسطين، معايناً قسوة الحياة الناتجة من الاحتلال الإسرائيلي، لكن أيضاً من طبيعة المجتمع الفلسطيني وتفاصيله وتقاليده وأنماط سلوكه.

سيرة سينمائية

لا تُشكّل الأفلام الروائية الطويلة الثلاثة هذه وحدها السيرة السينمائية لإيليا سليمان (مواليد الناصرة، 28 تموز 1960). ذلك أن براعة الاشتغال السينمائي واضحة في أفلام قصيرة عدّة حقّقها في مراحل متفرّقة من حياته المهنية، كـ«مقدمة لنهاية دليل» (1991) و«تكريم بالقتل» (1992) و«سايبر فلسطين» (1999) وغيرها، لأنها (أي الأفلام القصيرة) امتلكت حيوية اللغة السينمائية في التوغّل في أعماق الحياة الفلسطينية، وعكست تفاصيل العيش، التي باتت أساسية في الخيارات الدرامية لسليمان، انطلاقاً من قناعة ذاتية (أو هذا ما كشفته أفلامه، على الأقلّ) بأن التفاصيل لا تقلّ أهمية درامية وفنية وإنسانية عن المتن، وبأن الجوانب كلّها، إذا رُسمت بدقّة في فيلم سينمائي متمكّن من شروطه الإبداعية، قادرة على تقديم صورة عميقة لواقع أو لحالة أو لأناس يقيمون في الواجهة الأساسية للمواجهة اليومية مع الحياة والاحتلال وتقلّبات الدهر وأصناف العيش اليومي، بعيداً عن أي فذلكة خطابية أو بكائيات أو تصنّع، لأن سليمان حرفي جدّي في اشتغاله السينمائي، يولي الصورة أولوية قصوى في نسج الحبكة أو سرد الحكاية.

في «سجل اختفاء» و«يد إلهية»، استعان إيليا سليمان بشكل واحد: قصص متفرّقة استلّها من واقع العيش الفلسطيني اليومي والعادي، تروي فصولاً من الحياة الفلسطينية المقيمة في تراكمات قاسية لتقاليد وعادات وسلوك خاصّ بالعلاقات الإنسانية بين الفلسطينيين، من دون أن يتغاضى عن مأزق البلد الواقع في ظلّ احتلال إسرائيلي. غير أن آلية القمع الإسرائيلي تظلّل الخلفية الدرامية للفيلمين، وتجعل من غيابها المباشر حضوراً أقوى في التعبير عن فداحة النتائج العنفية والآثار الخانقة، التي يُضاف إليها ركون المجتمع الفلسطيني إلى سطوة عاداته القاتلة. إنه، بهذا، ينتمي إلى مجموعة من السينمائيين الفلسطينيين الذين آثروا الاهتمام بالفرد الفلسطيني وعالمه الصغير والمحيط به بشكل مباشر، كي يلجوا من خلاله عالم الجماعة ومناخاتها المتنوّعة. وهو يعود إلى «كان»، حاملاً معه «الزمن المتبقي» (المسابقة الرسمية)، الذي أفادت معلومات أولى أنه يسرد، سينمائياً، مقتطفات أساسية من سيرته الذاتية مختلطة بالتاريخ الحديث لفلسطين، وتحديداً منذ احتلالها في العام 1948، من خلال تاريخ الأفراد وحكاياتهم المتفرّقة.

إن اختيار الفيلم ناتجٌ من قناعة مفادها أن للمخرج موهبة وحرفية لافتتين للانتباه، تحتاج إليهما صناعة السينما، وناجمٌ من الصيت الإبداعي المهم للسينمائي نفسه، ومن قدرة أفلامه على أن تكون عناوين سينمائية مهمّة، شكلاً ومضموناً.

السينما الفيليبينية

من ناحية أخرى، يشهد مهرجان «كان» حركة سينمائية فيليبينية مهمّة، بدليل أن صنّاع السينما الفيليبينية يعيشون حالة من السعادة، بسبب مشاركتهم بثلاثة أفلام مستقلّة، وهي المرّة الأولى في تاريخ صناعة هذه السينما المتعثرة أصلاً، أُدرجت في قائمة «الاختيار الرسمي» في «المسابقة الرسمية» و«نظرة خاصة». في مقدمة الأفلام الفيليبينية هذه، هناك «كيناتاي» لبراينت مندوزا (المسابقة الرسمية)، الذي تدور أحداثه حول عصابة من القتلة يقومون بتقطيع جثث ضحاياهم. وقال ميندوزا، تعليقاً على المشاركة الفعّالة للسينما الفيليبينية: «إنه عام مثير بالنسبة إلى الفيليبين»، مضيفاً أن مشاركة أربعة أفلام فيليبينية في «كان» تُعتبر خيراً بالنسبة إلى صناعة السينما في بلده، الذي يُعاني القرصنة ومفاعيل الضرائب الباهظة والمنافسة الأجنبية الشديدة. يُذكر أن مندوزا شارك في «كان» سابقاً، إذ جاء إلى المهرجان في العام 2007 بفيلمه «طفل بالتبنّي»، الذي اختير يومها لبرنامج «نصف شهر المخرجين». أما الفيلمان الآخران، فهما: «استقلال» لرايا مارتين (نظرة خاصة) و«مانيلا» لرايا مارتين وأدولفو ألكس جونيور (عروض خاصّة). بالنسبة إلى مارتين، فهذه هي المرّة الثانية التي يُشارك فيها، إذ اختير فيلمه السابق «ناو شوينغ» في العام الماضي في برنامج «نصف شهر المخرجين». وتروي الدراما التاريخية «استقلال» فصولاً من فترة الاحتلال الأميركي للفيليبين. ونقلت وكالات أنباء دولية عنه قوله للصحيفة الفيليبينية «دايلي إنكويرر» إن لديه أملاً «في أن يبرهن ذلك على أن اهتمام العالم حالياً بالأفلام الفيليبينية ليس مجرّد نزوة. إننا قادرون على المنافسة على المستوى العالمي». أما ألكس جونيور، الذي شارك في إخراج «مانيلا» الحاصل على إشادة بمخرِجَيه وممثِّلَيه لينو بروكا وإسماعيل برنال، فقال إنه يأمل في أن يساعد مهرجان «كان» على دعم الاهتمام المحلي بالأفلام الفيليبينية المستقلّة: «إنها فترة طيّبة وجديدة بالنسبة إلى الأفلام الفيليبينية. في الأعوام الخمسة الفائتة، كان الاتجاه إلى الخارج، دائماً. أمنيتي الوحيدة أن يبدأ الجمهور الفيليبيني مشاهدة الأفلام المحلية المستقلّة، وتقديرها أيضا».

في تقرير لجيرلي ليناو وزّعته «وكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ.)» قبل أيام قليلة على إطلاق الدورة الحالية للمهرجان الفرنسي الدولي هذا، جاء أن الأفلام المستقلّة في الفيليبين لا تزال تتعرّض لتجاهل كبير من روّاد السينما هناك، «الذين يفضّلون غالباً أفلاماً هوليوودية، والأفلام التي تموّلها الاستديوهات الشهيرة في الدولة». في الإطار نفسه، أعرب مندوزا عن حزنه، «لأن روّاد السينما الفيليبينيين معتادون، بشكل كبير، على مشاهدة الأفلام ذات الإنتاج الضخم، التي تضمّ نجومهم المفضّلين»، إلى درجة أن الأفلام المستقلّة تجد صعوبة في الحصول على مشاهدين: «أقول بصدق إن الأفلام المستقلّة لا قيمة تجارية لها، لأنها لا تجذب اهتمام النجوم المشهورين، ولا تستقطب أموالاً لدعم صناعتها». وعلى الرغم من قلّة الاهتمام والتأييد المحلي، أصبح لصنّاع هذه الأفلام دورٌ رائدٌ في إنعاش صناعة السينما الفيليبينية، إذ تحوّل المخرجون الناشئون إلى هذا النمط من الأفلام، لأن إنتاجها يحتاج إلى أموال أقل. وأشار خبراء صناعة السينما إلى أن صنّاع الأفلام المستقلّة ينتجون، بالفعل، أفلاما أكثر الآن، خصوصاً أن الاستوديوهات الكبيرة تعمل جاهدة على مواجهة ارتفاع تكاليف الإنتاج والضرائب الحكومية العالية والخسائر في المبيعات، الناتجة من القرصنة الشائعة، ومن شعبية الأفلام الهوليوودية. ونقل التقرير نفسه أرقاماً تحدّد الواقع الإنتاجي، إذ أشار إلى أن الازدهار الذي شهدته صناعة السينما في الفيليبين في ثمانينيات القرن الماضي، عندما بلغ عدد الأفلام المنتجة سنوياً إلى مئتي فيلم، تراجع بشكل مخيف، إذ أُنتج 56 فيلماً فقط في العام 2006، و47 فيلماً في العام 2007، وانخفض الرقم إلى ثلاثين فيلماً في العام الفائت. ونقلت معلومات متفرّقة عن «قادة صناعة السينما في الفيليبين» قولاً شبه موحّد، مفاده أن المهنة في بلادهم «تتحمّل أكبر نسبة ضرائب في العالم»، فاضطرّوا إلى رفع أسعار التذاكر في دور العرض، ما دفع بروّاد السينما إلى الاستعانة بالأشرطة المقرصنة لمشاهدة الأفلام. واتخذ المشرّعون خطوات عدّة لتقليل تكلفة إنتاج الأفلام، مقترحين قانوناً لتخفيض الضرائب المفروضة على الأفلام، وطرحه للتشاور في مجلس البرلمان. وذُكِر في هذا المجال أن القانون المقترح يدعو إلى خفض الضرائب الترفيهية المفروضة على الأفلام من 30 بالمئة إلى ما لا يزيد على عشرة بالمئة من العائدات. وقال أورلي إلاساد، رئيس جمعية المنتجين السينمائيين في الفيليبين، إنهم، بفضل هذا القانون المقترح، «واثقون من زيادة عدد الأفلام المنتجة محلياً في كل عام»، من دون تناسي الاهتمام بجودتها أيضاً.

السفير اللبنانية في 14 مايو 2009

 

كلاكيت

المدينة الساحرة

نديم جرجورة

كان عليّ أن أزور المدينة الفرنسية الجنوبية «كان» قبل أسبوع واحد من بدء مهرجانها السينمائي الأهمّ في المشهد الدولي، كي أتمكّن من تأسيس علاقة هادئة بمدينة ارتبطت بالفن السابع، كارتباطها بالثراء والسياحة الفخمة والإبداع المنسوج على أشكال الرفاهية القصوى. فالمهرجان السينمائي هذا مليء بالنشاطات والبرامج والنجوم والاستعراضات المتفرّقة، التي تتطلّب جهداً حقيقياً لمتابعة جزء يسير منها، على الرغم من التأثّر شبه الواضح بالأزمة المالية العالمية؛ والدخول في فضاءاته المتنوّعة دونه صعوبة اللقاء الأول والصدمة المتوقعة، لأنه لا يشبه إلاّ نفسه، ولا يتوق إلى شيء آخر سوى أن يكون المهرجان السينمائي الأول في العالم. لذا، بدت الأيام القليلة الفائتة التي أمضيتها متجوّلاً في أزقة المدينة وشاطئها البحري المعروف بالـ«كروازيت»، لحظات تأمّل في حيّز جغرافي يستعدّ لإطلاق احتفاله الجميل بالشاشة الكبيرة وطقوسها وعاداتها ولغاتها المتفرّقة. كأن الهدوء المحبَّب الذي عرفته المدينة دائماً خارج احتفالها هذا منسحبٌ بخفر أمام حيوية الاشتغال العلني، في حين أن فريق العمل في إدارة المهرجان مستَنفَرٌ إلى أقصى ما يُمكن، بالطريقة الاحترافية المعهودة في عمل المؤسّسات.

لكن المدينة بحدّ ذاتها لا تُقدِّم جمالاً حقيقياً لزائر يأتيها للمرّة الأولى، لأنها عادية في أبنيتها الفخمة وطرقاتها المترامية بين الشاطئ والداخل، وأزقّتها الصغيرة التي تنفتح على سهر وملاه وحياة ليلية لا تعرف من الصخب إلاّ جمال نساء ووسامة رجال وبساطة كثيرين يأتونها من أصقاع متفرّقة من العالم، كي يكتشفوا فيها ما يطيب لهم من اكتشافات، قبل أن تتحوّل إلى صرح للفن السابع، حيث يختلط الهوس بالإبداع البصري بجنون الأعمال التجارية والاقتصادية المرافقة لهذه الصناعة السينمائية؛ وحيث تُضاء المعالم بـ«فلاشات» الكاميرات، في وقت واحد مع دوران آلات العرض التي ترسم على الشاشة الكبيرة كَمّاً هائلاً من الصوَر والحكايات والنقاء الإبداعي الأجمل. والبساطة الجغرافية لهذه المدينة الصغيرة حجماً، لا تعني انتفاء الحجّة للزيارة والتمتّع بمساحتها الممتدة من أقصى شمال الكرّة الأرضية إلى أعماق القارات المنقوشة على المفارق التاريخية واللغات الناطقة بألف سؤال وبهاء. بل إن البساطة، المعقودة على ثراء واضح في كل شيء تقريباً، دافعٌ إلى اغتنام فرصة الأيام الستة السابقة لبدء الاحتفال السينمائي المنتظر، كي يغرق المرء في متعة الفرجة الخاصّة بملامح السائحين ووجوه المقيمين، ومعاينة تناقض يؤكّد أن الكمال غائبٌ، وأن الدنيا معجوقة بالتباسات شتّى، تبدأ، كما في «كان» مثلاً، من الغنى الفاحش ولا تنتهي عند شحاذين جالسين على الطريق الرئيسية من دون ازعاج أحد، يطلبون (بتواضع) بعض المال من أجل الخمر أو المخدرات.

إذا بدت «نيس» المجاورة أكثر حيوية شعبية من «كان»؛ وإذا استقلّت «إمارة موناكو» متّخذة لنفسها مكانة خاصّة بها؛ فإن «كان» تفرد قامتها للفن السابع، مقدّمة للعالم أشكالاً عدّة من الحياة والمتع والجمال.

السفير اللبنانية في 14 مايو 2009

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)