كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

رتلٌ كاملٌ من الأشجار لطلال ديركي:

سيناريو باهت وصياغة سينمائية مدرسية

باريس ـ صلاح سرميني

صلاح سرميني يكتب عن الأفلام العربية القصيرة

   
 
 
 
 

مع شاشة سوداء لبعض الثواني، يُرافقها مؤثرٌ صوتيّ لم يكن من السهل تحديد طبيعته، ولا حتي مع تلك اللقطة الكبيرة لوجه شابّ (محمد الأحمد) يقود سيارته، وينظر إلي الكاميرا، حالما تكشف ما يليها عن شابة (ندين سلامة) تنتحب، وتطلب (بأن تنزل من السيارة، وإلاّ سوف ترمي نفسها منها).

تمثيلاً، يخلو وجهها من أيّ ملامح نحيب، أو بكاء يمكن أن يكون ذريعةً يسيطر علي شريط الصوت، ويفتتح المخرج به فيلمه.

تلك الافتتاحية الهشّة (تقنياً) سوف تطبع مجمل أحداث الفيلم القصير (رتلٌ كاملٌ من الأشجار) لمخرجه السوريّ (طلال ديركي)، وتتشبث بصياغته الدرامية، والسينمائية.

لقد أوحت تلك المقدمة عن أزمة عاطفية بين الثنائيّ، سوف تنكشف بعض تفاصيلها في مشاهد لاحقة تتأرجح زمنياً بين الحاضر المُتأزم، والماضي الحالم (انطلاقة العلاقة بين العاشقيّن).

بدايةً، يتخيّر المخرج عملية الكشف من خلال لقطة عامة تثير الكثير من التساؤلات، وفيها تستقر السيارة في مقدمة الصورة، وتتوجه الفتاة نحو شجرة عارية الأوراق، منعزلة في ساحة يتقاذف فيها بعض الشباب كرة القدم، وتبدو مساكن جاثمة في المستوي الخلفي، يجري الشاب، وينادي: نور.

وبالإصغاء جيداً إلي المُؤثرات الصوتية (خطوات الجري)، يتبين بأنها لم تُسجل أثناء تصوير المشهد نفسه، وإنما تمت دبلجتها في مختبر الصوت، ولهذا تبدو غير متزامنة مع حركة الأقدام، وعلي الرغم من ابتعاد (نور) عن مقدمة الصورة، ما نزال نسمعها تنتحب بوضوح، يُشاركها الحوار المُتبادل بينهما، وكأنّ الكاميرا، وميكرفون تسجيل الصوت علي بعد أمتار فقط من العاشقين.

وليسَ من قبيل الصدفة، أو الرغبة في تعبئة الشاشة بالحركة، بأن نشاهد مجموعة من الشباب يتقاذفون كرة، والكثير من المتفرجين علي مقربة من الشجرة التي يتوجه نحوها الشاب، والفتاة، ومع ذلك، يتخلي المخرج عن بعض مكوّنات شريط الصوت، ويحتفظ بأخري بدون تبريرات شكلية، أو مضمونية مقنعة.

إذاً، يعيش الثنائيّ لحظات عصيبة من علاقتهما العاطفية، فراقٌ مؤقتٌ، أو انفصالٌ دائم (وفي ملخص الفيلم فقط، سوف نفهم بأنهما متزوجان).

من الناحية البصرية، تُجبرنا اللقطة العامة، وابتعاد الكاميرا عن الشخصيتيّن علي بناء جدار ذهنيّ، والانفصال عنهما، وأزمتهما، بدل الاقتراب منهما والتعاطف معهما.

وهكذا، كانت معظم اللقطات ذات الأهمية القصوي (عامّة)، وتظهر لنا خيالات الثنائيّ فقط، وهنا، أتساءل: لماذا تمّ اختيار الممثلين (محمد الأحمد)، و(ندين سلامة) بالتحديد لهذين الدورين، وليسَ غيرهما، وأعتقد بأن المخرج سوف يحصل علي نفس النتائج التمثيلية مع آخرين.

والأكثر خطورةً في تلك اللقطة، أنها صُورت بكاميرا سينمائية بدون حامل يحافظ علي ثباتها، واهتزازاتها بدون ضرورة، وأضفي علي الجانب الدرامي مناخاً يتضادّ مع ما يطمح المخرج الي توصيله.

ولا أعرف الأسباب التي جعلت الصورة شاحبة، فاقدةً ألوانها، هل هي النسخة الرديئة التي أشاهد منها الفيلم، أم بالأحري الصيغة اللونية التي تخيّرها المخرج، ومدير التصوير.

وفي الوقت الذي نشاهد العاشقين يجريان نحو الشجرة، تطلع من قلب المونتاج لقطةً غريبةً توضح انتهاء اللعبة بين الفريقين، وهما في طريقهما للخروج من يمين إطار الصورة حيث يجلس الثنائيّ تحت الشجرة، وقد افتقد المخرج معلومةً تشكيليةً بديهية، بأن مرور عدد من الأشخاص بهذا الشكل، سوف يُبعد الانتباه عن الشخصيتين الرئيسيتين، ويُعيق فهم الأزمة الجوهرية بينهما.

تجثم المباني السكنية في المُستوي الخلفي للصورة، ويجلس الثنائيّ بالقرب من شجرة تمّ اختيارها عمداً كجزء من الديكور الخارجي، والتشكيل البصري، ويبدو أنها تتضمّن تأثيرات درامية متميزة تتطلب البحث عنها بعناية، وتركيز في اللقطات التالية، والحقيقة، لم تُسعفني قدراتي التحليلية علي اكتشاف الأبعاد الرمزية لتلك الشجرة الوحيدة، ولا حتي الشجرات الأربع التي سوف تظهر لاحقاً في نهاية الفيلم، واستوحي المخرج منها عنواناً عسكرياً (رتلٌ كاملٌ من الأشجار).

وما يُشير إلي قصور في فهم المفردات السينمائية، وحتي استخدامها بالتناقض مع ما يريد السيناريو التعبير عنه، ذاك القطع المُفاجئ لنفس اللقطة إلي حجم أصغر من سابقتها، بدون تغيير في المحور، أو الزاوية، وربما تكون المبررات تفادي الاحتفاظ باللقطة الأولي لفترة أطول كي لا تثير الملل.

يبقي الشاب بجانب الشجرة، وتبتعد الفتاة متوجهةً نحو المباني السكنية، ومن ثم المشهد التالي لفريقي كرة القدم، ووقوع لاعب، ومشاحنة، ولقطة لرأسي شابين يتدافعان، ونتوقع صراعاً ضمنياً ما سوف ينكشف لنا فيما بعد، وسوف ينتهي الفيلم، ولن نعرف ضرورات تلك اللقطات، وأهمية شخصية ثالثة، شابّ من الفريق الآخر سوف نقرأ اسمه في عناوين الفيلم (رامي فرح) ـ وهو مخرج أفلام تجريبية بالمناسبة ـ.

ما هي طبيعة دوره في الفيلم؟ لقد اعتقدت بداية أنه سوف يكون منافساً للشاب علي قلب (نور)، وظهر أن لقطاته دخيلة، ولا معني لها، ويمكن الاستغناء عنها مونتاجياً، بدون أن يرتبك السرد القصصي للفيلم.

من بين المُتابعين للمباراة، (نور) المُعجبة باللاعب الشاب، الذي حالما يصيب هدفاً في مرمي الفريق الآخر، ينظر إليها، ويرسل إشارة إعجاب، تعيدها ابتسامة موافقة.

وهل تستدعي المباراة ذاك الحيّز الزمنيّ من مدة الفيلم، يتخللها ثلاث لقطات دخيلة لأشخاص من المُفترض أنهم يتفرجون، ومن ثمّ العودة إلي الثنائيّ غير التعبير القاصر عن الامتداد الزمني للمباراة حتي نهايتها؟

في لقطة عامة، يلتقي الشاب مع الفتاة تحت شجرة وارفة خضراء (عودة إلي الماضي)، وبإمكان المتفرج الآن الربط ذهنياً مع تلك التي شاهدناها في لحظات الفراق (الحاضر)، وكانت عاريةً من الأوراق، وتتشكل في مخيلتنا رموز أدبية، شعرية عقيمة عن ربيع علاقة الحب في اللقاءات الأولي، وخريفها فيما بعد.

اسمه (عامر)، وهي (نور)، صبيةٌ حلوةٌ معجبةٌ بطريقة لعبه، وتقطن في المساكن المجاورة للساحة، وهو في حارة مماثلة في الطرف الآخر للشارع.

وفي هذا المشهد (الفلاش باك)، من المهم التركيز قليلاً علي الحوار المتبادل بينهما للكشف عن جوانبه.... الميتافيزيقية:

نور: بتجي هون؟

عامر: إي، ولأ.

نور: ليش إي ولأ؟

عامر: يعني بحب، وما بحب.

نور: بتحب هنيك؟

عامر: روحي معلقة هنيك.

وبعد هذا الحوار المُعمّق عن (الهون، والهنيك، والإي، واللأ، والروح المُعلقة،....) تتفجّر العواطف، والأحزان، والمآسي، ويصل السرد إلي أقصي (تراجيديته) في لقطة عامة (أيضاً)، حيث تظهر فيها أربع شجرات خضراء تمتدّ علي طول طريق هادئة، خاوية، وساكنة، وعلي اليمين تستريح سيارة (عمار) البيضاء، ودعونا نتمزق مرةً أخري بحوار مأساويّ.

نور: عامر، ليش جينا لهون؟

عامر: لنبقي لوحدنا، نحنا وها الشجرات.

نور: لإيش جبتني، شو بدك؟

عامر: بدي ياكي ترجعي معي ع البيت.

نور: شو، رفضولك الفيزا؟

عامر: نور، أنا بحبك.

نور: يا ريت أصدقك، عن جدّ يا ريت!

هي تذكره بالسفر، ولا تستطيع تصديقه، ماذا حدث بينهما كي لا تصدقه؟

هو تعبانٌ، تعبان، ويبكي ملتاعاً مثل مراهق، ويخرج من السيارة، وهي تخفف عنه، واللقطة (والله العظيم) ما زالت بعيدة.

آه، في هذه اللحظات فقط، نفهم تلك التراجيديا الإنسانية اليومية، قلب الأزمة بينهما، إنها حاملٌ إذاً، كنت أعتقد أنهما قد مارسا الفحشاء خارج إطار علاقة الزواج، وهي مصيبة حقيقية في مجتمعاتنا العربية، ويمكن أن تكون مادةً خصبة لفيلم يناقش تلك الحالات، مع، أو ضدّ، ولكن، بعد قراءة ملخص الفيلم عرفت أنهما متزوجان، فازداد عجبي عجباً، إذاً، تتلخص القضية الكبري في هذا الفيلم، بأنّ (عامر) قد قرر السفر فجأةً، ويتساءل لماذا أخفت (نور) عنه حملها.

كانت لحظات الانهيار تلك هي الأهمّ دراميةً في الفيلم، فكيف للمتفرج الإحساس بأداء الممثلين فيها، والكاميرا بعيدةً عنهما، تخشي الاقتراب منهما، وفي اللحظة التي شعرت بضرورة التقاط معاناتهما، اقتربت بحذر، واختفت واحدةً من الشجرات الأربع من الكادر، ولم نعد نري في الصورة غير ثلاث،.. وتوقعت اختفاء الأخريات الواحدة بعد الأخري كي أمنح اللقطة معنيً شعرياً، ولكن، كانت المفاجأة.

قطع.

لقد انتهي الفيلم.

لقد أثبت تاريخ السينما أن المخرج الواعي قادرٌ علي الاستفادة من الطاقات الكامنة للممثلين، وهو السبب الذي يجعلنا نستاء من ممثل في فيلم لمخرج متواضع الموهبة، ونرضي عنه في فيلم يتحكم فيه مخرج علي قدر كبير من الموهبة، فالاستخدام العشوائي (الغير واعي) لمفردات اللغة السينمائية يمنح عكس ما يبتغيه صُناع الفيلم.

وهل أصبح افتقاد موهبة صياغة سيناريو جيد، وبناء شخصيات، وعلاقات محكمة، هو السبب في اختيار نهايات مفتوحة/غامضة؟.

إذا تخيّر مخرجٌ ما أن يحكي حكايته، فمن الأجدي أن يذهب بعيداً حتي النهاية، بدون الاعتماد علي ذكاء المتفرجين، وتركهم هائمين في نهايات قاصرة، وعاجزة.

لقد أصبحت الشخصيات هنا كرتونية، والأحداث مفتعلة، حتي وإن كانت قريبة من الواقع، أو مستوحاةً منه.

فالمشهد الأخير محاولةٌ خرقاء لإرضاء الذات كي يظـــــهر الفـــيلم علي درجة عالية من التحرر الديني، والأخلاقي، والاجتماعي:

نور ـ كل شي بيتصلح، لا تاكل همّ، كان بدي ياك تبقي مشاني، مو مشان شي تاني.

كيف يمكن لنا تصديق (عامر) بأنه لا يستطيع العيش بدون (نور)، وقد تخلي عن سفره بعد معرفته بحملها؟

لماذا كان عديم المسؤولية عندما أحبها، واستعذب فضّ بكارتها (قبل أن أكتشف من الملخص أنهما متزوجان)، وهو يعرف بأنه سوف يسافر، أم هبطت فكرة السفر من السماء؟

لا يمتلك السيناريو أيّ حيّز للتعاطف مع عاشقين (زوجين) يبدو أنهما لم يجتازا بعد مرحلة المراهقة، وحتي المراهقون الأكثر تحرراً منهما في الغرب يعرفون حدود مسؤولياتهم في علاقاتهم العاطفية، والجسدية.

وهنا، من المفيد الإشارة إلي دور (المُؤسّسة العامة للسينما بدمشق) في إنتاج مشاريع غير ناضجة، وكنت أتمني أن يتعب (طلال ديركي) قليلاً كمساعد مع أكثر من مخرج، ويتدرّب علي أدواته السينمائية، ولا يتسرّع في إنجاز سيناريو باهت بصياغة سينمائية مدرسية.

هامش: كي لا أكون متحاملاً كثيراً علي الفيلم، فإنني أضع بعض النقاط علي الحروف، وأشير بأنه ليس من عادتي قراءة أيّ كلمة عن فيلم أكتب/أو سوف أكتب عنه، ولكنني، بعد أن أفرغت ما في ذهني عن (رتل كامل من الأشجار)، حاولت البحث عن صورة للفيلم، والمخرج، ولم أجد، واعتقاداً بأنني قد انتهيت من الكتابة، فقد تجاوزت عادتي، وفي موقع مهرجان دمشق السينمائي الدولي الرابع عشر قرأت ملخص الفيلم الذي أضاء لي بعض التفاصيل المهمة التي لم أكتشفها قبل ذلك، وهي تدينه أكثر مما تمنحه بعض الأعذار، فقد تأكدت لي فكرة كانت تراودني بقوة أثناء الكتابة، تتلخص بأن المخرج لم يصوّر السيناريو بكامله كما هو مكتوب علي الورق، أو تمّ تصوير الكثير من مشاهده، وحُذفت في المونتاج لأسباب أجهلها، وعلي الرغم من مشاهدتي الفيلم لأكثر من مرة، والتوقف عند بعض لقطاته، لم يتبين لي بأن العاشقين قد تزوجا، ولو افترضت بأن تلك المعلومة قد ظهرت في الفيلم بوضوح لا لبسَ فيه، فإنها تساهم بإضعاف السيناريو أكثر من منحه بعض المصداقية، ففي الوقت الذي تدفعنا حالات الحبّ إلي مزيد من النشاط، والعمل، والمُثابرة، نجد (عامر)، ووُفق الملخص، لا الفيلم (يقرر السفر خارج بلده تاركاً زوجته بسبب حالة قوية من الإحباط، والتعب)، هل من المعقول أن يترك زوج زوجته بعد شهر، أو شهرين من الزواج إلاّ إذا كانت الحياة معها جحيماً؟ ومن الطبيعي أن (تغضب، وتستهجن فكرة قدرته علي تركها وحيدة)، ولكن من المُستغرب أنها (تُخبئ عنه خبر حملها، لأنها تريده أن يبقي من أجلها هي، لا من أجل أيّ شيء آخر)، وهل من الممكن أن تُخبئ زوجة عن زوجها حالة الحمل بعد شهور من الزواج؟

الرسالة الأكثر خطورةً (في الفيلم، والملخص معاً) أنّ (عامر) يريد ترك وطنه، وأهله، وزوجته،.. والسفر إلي بلاد الله الواسعة، بسبب الإحباط، والتعب....... فقط.

ـ رتلٌ كاملٌ من الأشجار : سيناريو، وإخراج (طلال ديركي)، استشارة درامية (نضال حسن)، 10.30 دقيقة، ملون، إنتاج المؤسسة العامة للسينما بدمشق.

تمثيل: محمد الأحمد، ندين سلامة، رامي فرح.

القدس العربي اللندنية في

19.02.2007

 
 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2016)