كتبوا في السينما

 

 
 
 
 
 

ملفات خاصة

 
 
 

رحلة ربيعة للمخرج السوري ميّار الرومي:

عندما تنسجُ الأفعال الصغيرة حدثا كبيرا

باريس ـ صلاح سرميني

صلاح سرميني يكتب عن الأفلام العربية القصيرة

   
 
 
 
 

في فيلمه القصير (رحلة ربيعة)، يتخيّر مخرجه السوريّ ـ المُقيم في باريس ـ ميّار الرومي قرية سورية قريبة من نهر الفرات، تُسمي (تلّ البنات)، ويبدأ بمونتاج متواز يُظهر للمتفرج فتاة شابة تحضّر نفسها للخروج، وفي بيت آخر ليس بعيداً عن المدرسة، معلمٌ شاب يرتدي ملابسه أيضاً، ويصعد إلي سطح البيت الطينيّ ليُجري مكالمةً هاتفيةً مع أمه، يخبرها بأنه سوف يأتي لزيارة عائلته بصحبة خطيبته.

منذ الركوب في السيارة المُستأجرة، تنسجُ الأفعال الصغيرة، والخلافات البسيطة، والحوارات المُقتضبة، والرغبات الدفينة،.. حدثاً كبيراً يتجسّد في 22 دقيقة. ومنذ البداية، يعتمد ميّار الرومي ـ وهو المُصور أيضاً ـ لقطات ثابتة، متأنية، تتوافق مع الأجواء الصباحية الهادئة، والمُسترخية في القرية. وتتناوب أحجام لقطاته ما بين (العامّة) لكلّ ما يحدث خارج السيارة، و(المُتوسطة) لكلّ ما يجري في داخلها.

تتهادي السيارة علي الطريق، المعلم الشاب مستعجلٌ للوصول، والسائق يتمهل أكثر فأكثر للاستمتاع بحلاوة خطيبته، والمتفرج يتابع بفضول تلقائيةً مدهشةً لأداء ممثلين غير محترفين.

في السيارة، ينفتح سيناريو الفيلم علي تفاصيل بسيطة، يُجازف (ميار) بتسليط الأضواء عليها، وتكبيرها، وهو يعرف جيداً أنّ المتفرج الكسول قد تعوّد منذ زمن علي أحداث مشوّقة تجعله مشدوداً نحو الشاشة، مُستلباً إن صحّ التعبير، متقمصاً إحدي الشخصيات، متعاطفاً، أو نافراً من هذه، أو تلك، ليخرج أخيراً من صالة العرض متطهراً.

ولكن، ما هو (مفاجئٌ) في هذا الفيلم، خلوّه من (المفاجآت) النمطية، واقترابه من واقع الناس العادييّن، ورصده لأفعالهم المُتداولة، وسلوكهم الإنساني الطبيعي، وإعادة صياغة تراجيديا حياتهم اليومية:

ـ يستمع السائق إلي أغنية ما، والمعلم الشاب يطلب منه بأن يخفض الصوت.

ـ الريح تلامس خدود الشابة الجميلة.

ـ يحكي السائق طرفةً، لا يضحك منها لا المعلم، ولا خطيبته.

ـ لا يخفي السائق إعجابه بالفتاة، ويختلس النظر إليها من وقت إلي آخر.

ـ يرغب السائق في توصيل شخص ما في الطريق، فيرفض الشاب.

ـ تداعب الفتاة خصلات شعرها بأنوثة.

يتوقف السائق لحظات في محطة بنزين، وفي غياب الشاب قليلا،ً ينتهز الفرصة ليقدم نفسه للفتاة، اسمه (منذر)، وهي (ربيعة).

خلال الرحلة، يتخلي (ميّار) عن أيّ موسيقي، ما عدا تلك التي يسمعها السائق من المذياع، وتشترك معها نشرة الأخبار بقطع الصمت المُسيطر داخل السيارة التي تصل مدينة (حلب)، و(ربيعة) مبتهجةً، لأنها تستمتع (ربما) برحلتها الأولي بعيداً عن دارها في (تلّ البنات).

يفضل (ميّار) هنا بأن يستعرض بانورامياً أحد شوارع وسط المدينة (باب الفرج)، ومن ثمّ قلعتها الشهيرة، بدلاً من اللاذقية الأقرب إلي (كسب)، نهاية الرحلة. يمكن اعتبار أكثر التفاصيل أهميةً في الفيلم، تلك التي كان بإمكانها تحويل مساره إلي دراما غير متوقعة، أو كوميديا فاقعة، وهي تحرك عجلات السيارة بعد أن تركها السائق بدون شدّ الفرامل، وذهب ليتبوّل بعيداً عن الأنظار.

وفي إحدي الاستراحات المُنتشرة علي طول طرق المدن السورية، كان بإمكان (ميّار) التمهل قليلاً كي تنتعش (ربيعة) بالطبيعة التي لا تعرفها في قريتها الصحراوية. لقد تعمّد بأن لا يصنع أيّ حدث هامّ نتوقف عنده، ونتجادل في تفاصيله، وأيضاً، بأن لا نعرف أيّ شيء عن الشخصيات الثلاثة، غير ما يمكن أن نتوقعه بأنفسنا، فنشارك في نسج أحداث في مخيلتنا. وتنتهي الرحلة بالوصول إلي منزل العائلة، وتلخصّ لقطة عامة اللقاء مع الأب، بينما يستلم السائق (منذر) أجرته، ويرحل مُتحسّراً.

(رحلة ربيعة) فيلم طريق بامتياز، يتشارك في نسج تفاصيله الصغيرة ثلاث شخصيات هامشية، وسيارة أجرة، وطريقاً طويلاً.

ولم تضعف قلّة الإمكانيات الإنتاجية، والتقنية قدرته علي التعبير، كاميرا واحدة موضوعة في الكرسي الخلفي للسيارة، تتناوب في تصوير المعلم الشاب والسائق، لنراهما الأول يميناً، والثاني شمالاً، والطريق في المُنتصف تبتلعه الصورة، ومرةً تصوّر (ربيعة) من الجانب، فيزيد ضوء النهار خدودها نعومةً، ووجهها صفاءً، وما بينهما لقطات بانورامية للطريق، وفي لحظات التوقف، تخرج الكاميرا من داخل السيارة (المكان المُغلق)، لتتنفس قليلاً، وتتابع الشخصيات من بعيد، بدون أن تلاحقهم.

المُتتبع لمسيرة (ميّار الرومي) السينمائية، سوف يلاحظ بحثاً دؤوباً عن أسلوبية خاصة، وشغفاً دائماً بتحقيقها:

ـ إيقاع بطيء، تأمليّ، يصل إلي حدود الشعر.

ـ اهتمام كبير بحركة الكاميرا، وزواياها.

ـ صياغةٌ إبداعيةٌ لشريط الصوت، وتوظيف مرهف لمُستوياته التعبيرية.

ـ رصدٌ معمّق للتفاصيل الصغيرة، وتوظيفها درامياً.

ـ الابتعاد كثيراً عن الصيغ الريبورتاجية، والاختيارات النمطية في تسجيل الواقع.

ـ تأكيد كتابة سينمائية، شخصية، متفرّدة. وعلي الرغم من الصبغة الروائية لـ(رحلة ربيعة)، يسيطر علينا الاعتقاد بأن الفيلم تجسيدٌ إبداعيّ مركز لرحلة حقيقية، أو حدثٌ واقعي رصدته الكاميرا تسجيلياًً.

كما نجزم بأن السينما الفرنسية، ومن ثمّ العربية (السورية) سوف تكسب (ميار الرومي) مخرجاً قادراً علي الترحال من التسجيلي إلي الروائي، وبالعكس، أو مزجهما معاً، وفي أعماله القادمة، سوف يفوح مذاقٌ مضمونيّ، وتشكيليّ خاصّ.

 

رحلة ربيعة:

إخراج، تصوير، وصوت (ميار الرومي)، 22 دقيقة، إنتاج عام 2006 سورية/فرنسا. تمثيل : جافرا يونس، معن جمعة، أسامة حلال.

 

ميار الرومي:

  • ولد في دمشق عام 1973، درس التصوير في كلية الفنون الجميلة، ثم حصل علي شهادة الدراسات السينمائية، والسمعية/البصرية من جامعة باريس 8، ودبلوم من (المدرسة الوطنية العليا لمهن الصورة والصوت Femis) عام 2001 (قسم التصوير).
  • عمل مدير تصوير، ومصوراً لأفلام روائية، وتسجيلية.
  • أفلامه التسجيلية: سينما صامتة، بانتظار النهار، نادي المستقبل.

القدس العربي اللندنية في

24.01.2007

 
 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2016)