تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

«عراقيون في منفى متعدد الطبقات» للمخرج فجر يعقوب...

محنة الأسماء المستعارة وفجيعة العراق

دمشق - إبراهيم حاج عبدي

شكلت التراجيديا العراقية في العقود الأخيرة مادة خصبة للفنون بصورة عامة من التشكيل إلى المسرح إلى الغناء إلى السينما... فالنظام العراقي السابق، الذي مارس «القمع العادل» بحق شعبه، ترك بعد سقوطه قصصاً وحكايات إنسانية مروعة؛ مؤلمة ما زالت تكتمل فصولها، إنْ في المنافي أو داخل العراق الذي لم يخرج، بعد، من أزمة مزمنة. وإزاء هذا الكم الهائل من القصص التي تتسرب إلى الفنون بمعالجات شتى، فإن قصصاً قليلة نجحت في ملامسة المأساة من دون شعارات ومن دون خطابة، ولعل المخرج السينمائي فجر يعقوب في فيلمه التسجيلي «عراقيون في منفى متعدد الطبقات» (2008) استطاع أن يضع يده على الجرح العراقي النازف، ولكن من زاوية بالغة الخصوصية.

يعود يعقوب في فيلمه، الذي أنتجته شركة صورة، إلى البدايات عندما خرج الكثير من المثقفين العراقيين من بلادهم باتجاه المنافي البعيدة والقريبة، وحين استقر بهم المقام بعد طول انتظار على أبواب السفارات، وأرصفة الموانئ والمطارات، تنبهوا، فجأة، إلى معضلة لم تكن في الحسبان، تمثلت في «الاسم الصريح» المحبب لدى المرء، عادة، الذي تعب الأهل حتى عثروا عليه، كما يقول مطلع أغنية فيروزية يستهل به المخرج الفيلم «اسامينا شو تعبوا أهالينا... تَلاقوها».

فالمثقف الذي يريد أن ينشر قصيدة، أو يقيم معرضاً فنياً، أو يعرض عملاً مسرحياً... اكتشف أن استخدامه لاسمه الصريح قد يعود بكارثة غير متوقعة لا على وضعه كمنفي، بل على أهله وأقاربه الذين يعيشون في العراق، ذلك أن النظام العراقي السابق كان يمارس التعذيب المباشر، والتعذيب بالإنابة. وكان يذهب ضحية هذا النوع الأخير، الجديد والمبتكر في قاموس الطغاة، أفراد أبرياء لمجرد وجود صلة، قد تكون بعيدة، بينهم وبين المنفي الذي أُجبر على الفرار خوفاً من «ذنوب» كثيرة اقترفها، لعل أقصاها: الإقدام على فعل يثير الشكوك حول موالاته للنظام!

المقهى عنوان وحيد

هكذا وجد الكثير من المثقفين المنفيين في الاسم المستعار حلاً لهذه المعضلة، ولعل أحد أبرز الوجوه التي استخدمت اسماً مستعاراً هو العراقي (لبيد) الذي تستر وراء اسم «أبو حالوب» المستعار منذ نهاية سبعينات القرن الماضي، آخذاً من مقهى الروضة الدمشقي ملاذاً وحيداً لا يبارحه من الساعة التاسعة صباحاً وحتى العاشرة ليلاً. اختفى اسم لبيد تحت طبقات المنفى السمكية، وحاز اسم أبو حالوب شرعية طغى على الأصل. وغدا صاحب هذا الاسم سفير الألم العراقي في مقهى هو عنوانه الوحيد في هذا العالم. إنه، وحتى اللحظة، صلة وصل وحيدة بين العراقيين الموزعين في المنافي، فهو يعرف أخبارهم من الأميركيتين مروراً بأوروبا والبلاد العربية وصولاً إلى شرق آسيا وأستراليا، وحين ينتظر عراقيٌ خبراً عن عراقيٍّ آخر، فإن أبو حالوب هو الدليل الأوحد الذي لا  تكمن حكايته في الاسم المستعار فحسب، بل تتمثل، أساساً، في هذا الدوام اليومي في المقهى، بلا ملل، قارئاً الصحف، ومراقباً الوجوه في حيرة وقلق وصبر استثنائي غير معهود، ستفشل أكثر النظريات النفسية صحة في تفسيره!
الشاعر العراقي (ناهض حسن)، بدوره، اتخذ من اسم فائز العراقي قناعاً كي يحمي الأهل في العراق، وهو استقر في مدينة حلب، وتفرغ لمشروعه الشعري، إذ أصدر عدة دواوين شعرية، بيد أن مرارات المنفى ظلت حاضرة في حياته، وحروفه. وكذلك الحال بالنسبة إلى الشاعر العراقي الراحل (سعدون حاتم الدراجي) الذي استعار اسم آدم حاتم، وراح يرتاد الحانات والمقاهي الدمشقية مدوناً قصائد كثيرة لم يشأ طبعها في ديوان: «قصائدي خيول برية لا أريد وضعها في إسطبل»، ويرى الناقد والشاعر العراقي محمد مظلوم، المنفي باسمه الصريح، أن حاتم لم يكن يقل حساسية، وبلاغة عن بدر شاكر السياب. «كان ابن حياة أكثر مما هو ابن مؤلفات»، لكن حياة الفوضى والتسكع التي عاشها قادت خطاه سريعاً إلى الرحيل: «ما أكثر ما رأيت في الحياة/ لذا وضعت بوصلة الضياع، ورحلت/ وإن كان عليَّ أن أحيا مجبراً /ستجدني ذات يوم قتيلاً في الوديان البعيدة».

المنفى الذي يهدف يعقوب إلى صوغه بصرياً، وإبراز أبعاده وتداعياته، لا ينحصر في المعنى الجغرافي، بل يتجاوز هذا المعنى المحدد ليكون منفى «متعدد الطبقات»، كما يقول عنوان الفيلم، وكما يشرحه مظلوم الذي يرى بأن «المنفيّ لا يبتعد عن وطنه فحسب، بل يصبح منفياً عن اسمه، وعن عالمه القديم، وعن ذكرياته وبيئته... إنه باختصار منفى مكاني، وذهني، وسيكولوجي، وأيديولوجي أيضاً»، وبوصول المثقف إلى محطة المنفى تتغير رؤيته، وتتبدل قناعاته، وما الاسم المستعار إلا تفصيل ينطوي على مفردات الحرمان، والخذلان، وغياب الطمأنينة، والخوف من المجهول. فحقيبة المنفي مملوءة، أبداً، مذ خرج من بلاده قسراً، برغبات الذات المنبتّة عن جذورها، وبانفعالات وأزمات نفسية، وبأمنيات مؤجلة، وبأسماء مستعارة راح مخرج الفيلم يمعن فيها ملياً، في محاولة لاختزال شقاء المنفيين عبر لغة سينمائية مؤثرة، محملة بفيض من الدلالات، والمعاني، إذ نجح المونتير فراس جواد في ضبطها بعناية ضمن 45 دقيقة، مدة الفيلم.     

«عراقيون في منفى متعدد الطبقات» يمثل قراءة مختلفة لأحد أوجه المأساة العراقية، والواقع أن فرادة الفيلم تكمن ههنا، ففي حين ذهب الكثير من المخرجين والتشكيليين والكتاب ... إلى نبش المقابر الجماعية، والى ساحات المعارك والجبهات، والى عتمة الزنازين...، فإن يعقوب، الذي كتب السيناريو كذلك، يذهب إلى منطقة تكاد تكون منسية، لكنها مؤلمة. ولأن اختيار المخرج لموضوعه كان صائباً، ودقيقاً، فقد تخلص بسهولة من تلك الشعارات ومن لغة التحريض التي تثقل أجواء أفلام مماثلة. هنا نحن نصغي إلى المأساة العراقية، ونشعر بوطأة التراجيديا دونما حاجة لإظهار ساحات الوغى أو أقبية التعذيب، فالمخرج الذي يستعين بالوثيقة البصرية التلفزيونية، ويوظف أغانيَ عراقية حزينة، يتجول بكاميرته، بهدوء وحذر، بين الشوارع، والبيوت، ووجوه أصحاب الأسماء المستعارة، محاولاً العثور على لقطات ومشاهد تروي الألم بنبرة خافتة، ومن دون ضجيج مفتعل: قطعة سكر تذوب في فنجان شاي، قهوة تفور على موقد، نبتة عطشى تروى على شرفة، وجوه شاردة؛ ضائعة في الزحام... ويصر المخرج على إبراز مقارنة بصرية بين دمية بلباس مموه تضغط على الزناد، ودمية أخرى ضاحكة تلهو بفقاعات الصابون الملونة.

إنها مفارقة، بل سخرية سوداء نجح يعقوب في التركيز عليها محرضاً المشاهد على سؤال غير مباشر: لماذا تتحول الحياة إلى فجيعة، بينما تستطيع، بقليل من الحكمة، أن تعيشها بلا خسائر أو خيبات؟! أما عن فرص العودة بـ «اسم صريح» إلى وطن مزقته الحروب، فثمة أوهام كثيرة تحيط بهذه العودة المستحيلة، ليبقى، وسط هذه المعادلة الظالمة، شيء وحيد، ومؤكد: المرء لا يعود أبداً، المرء يرحل فقط!

الحياة اللندنية في

13/03/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)