تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

من المسلسلات التركية الى الديمقراطية الإيرانية:

كله عند العرب صابون

د. عماد عبد الرازق

استضاف برنامج 'البيت بيتك' مأمون فندي، الذي يشغل وظيفة ما في مركز ابحاث أمريكي وله مقال أسبوعي في صحيفة سعودية دولية. كان المضيف خيري رمضان، المذيع 'الفريكيكيو' الجديد، الناطق اللوذعي الفصيح باسم النظام، وبوق من الأبواق الصاعدة على حجر النظام الوراثي الذي يتم تخميره بهمة متزايدة في مطبخ الاعلام الحكومي، والذي فاحت روائحه وأسال لعاب جيوش من الطفيليين والانتهازيين للقفز على عربته المتهالكة.

كان الموضوع عن الدور المصري الرائد المتعاظم باعتراف العالم شرقا وغربا، والذي هزم الدور الإيراني وعملاءه في المنطقة بالضربة القاضية في معركة حرب غزة. (يخيل اليك هنا ان مصر هي التي كانت تحارب اسرائيل وليست حماس).

قال فندي ان مصر استحضرت الدول الأوروبية الخمس الكبرى في 24 ساعة، وهذا دليل كبير على الدور المحوري لمصر الذي لا غنى عنه مهما قيل. وهنا يرد رمضان 'وهل مصر كانت في حاجة الى دليل'؟ هذه تنويعة على النغمة السائدة التي لا يمل الاعلام الحكومي من ترديدها ليل نهار. اكثر ما يدهشني حقا في هذه الاسطوانة المشروخة هو إذا كان الدور المصري كبيراً وضخماً وهائلاً ولا يمكن تجاوزه او تجاهله او التقليل منه او انتزاعه او ازاحته او سرقته او اختلاسه او اختصاره او تقليصه، الى آخر ما لا حصر له من مفردات التقليل او الالغاء فلماذا بالله عليكم لا يكف الاعلام الحكومي عن ترديد هذه الاسطوانة ليل نهار؟ هل تحتاج إمرأة جميلة لأن تدلل على جمالها فيما يراه الجميع ساطعا اخاذا، ملحوظا ومرئيا وملموسا لكل من كانت له عينان؟ وهل الذكي في حاجة الى الحديث عن ذكائه ام ان هذا الذكاء يعبر عن نفسه في المواقف والتصرفات والنجاحات والانجازات؟

يرد فندي أن الأمر لا يخلو من بعض المتشككين، وبعض الفضائيات العربية. في حين أن فندي يعلم بحجم وظيفته ان صاحب مبادرة شرم الشيخ تلك والعقل المحرك وراءها والذي اتصل بهؤلاء الزعماء لم يكن النظام المصري ولا جهابذته، بل توني بلير مبعوث اللجنة الرباعية الذي استخدم اتصالاته وعلاقاته الوثيقة بهؤلاء الزعماء طوال عشر سنوات قضاها رئيسا لوزراء بريطانيا.

وحين انتقل الحديث عن إيران سأل رمضان مندهشا مستنكرا: مش شايف إن عندها أى ملامح ديمقراطية؟ فجاء الرد مفعما 'بالحكمة' المتعمقة حد المسخرة. قال فندي إنها ديمقراطية مغلقة. لأن الإمام خامنئي عنده ثلاثة أو أربعة يعيد تدويرهم من احمدي نجاد الى خاتمي الى رافسنجاني، وهو وحده صاحب الكلمة العليا والفصل في تحديد وتوزيع الأدوار. (اذا كان هذا الكلام يصدر عن خبير في مركز دراسات استراتيجية، فماذا نتوقع من رجل الشارع؟). فلنقارن إذن ديمقراطية إيران المغلقة بتلك المصرية 'المفتوحة' أو 'المفشوخة' لنرى كم رئيساً توالى على السلطة في إيران، طوال ربع قرن من حكم رئيس واحد في مصر. لم يكن ممكنا بالطبع مناقشة ديمقراطية مصر لأن الرجل كان يتحدث في تليفزيون الحكومة ولا يجرؤ على انتقاد النظام وإلا لما استضافوه اصلا. أو فليقل لنا أين موقع النظام السعودي من 'دليل الأغبياء الى انواع الديمقراطية' من تأليفه وتلحينه؟ ولماذا لا يجرؤ فندي على انتقاد النظام السعودي في مقاله الأسبوعي حين يوزع انتقاداته وسخريته في كل الاتجاهات ضد حفنة منتقاة من الأنظمة العربية المارقة أو 'غير المعتدلة' ولماذا لا يفوت فندي فرصة دون الاشادة بحكمة النظام السعودي وبعد نظره وسياساته الرشيدة، وقد رأينا مثلا على ذلك في البرنامج المذكور حين سأله رمضان أن يلخص للمشاهد 'المسكين' الوضع الحالي في المنطقة، فكان أول ما نطق به الاشارة والاشادة بمبادرة خادم الحرمين الشريفين للمصالحة بين الإخوة الأعداء.

فقاقيع صابون

مرة ثانية، يثبت المصريون أنهم لا يطيقون النقد ولا المنافسة، إذ تميد الأرض تحت أقدامهم إذا ما برز منافس لهم على الساحة السياسية أو الثقافية أو الفنية. في برنامج 'حالة خوار' للمذيع منتفخ الأوداج عمرو عبد السميع، قضى المؤلف التليفزيوني اسامة أنور عكاشة شطرا لا بأس به من الوقت في مهاجمة المسلسلات التركية. نفس المنطق الذي يهاجم به كتاب السياسة من كتبة النظام، الدور القطري او الإيراني أو حماس أو حزب الله. كل من يثبت مقدرة في أي مجال يحمل إمكانية تهديد ما لحالة 'البارانويا الجمعية' التي تغذيها وسائل الاعلام الحكومية ليل نهار (تعويضا عن الواقع المزري الذي يرزح تحت كاهله الغالبية العظمى من المصريين)، يصاب الجميع بهلع أقرب الى الهستيريا الجماعية، يسارع على إثرها كل كتاب الأعمدة وأصحاب برامج 'طق الحنك' إلى إطلاق حملات الردح والتشويه والتسفيه لكل من تجرأ او سولت له نفسه أن ينافس 'الريادة' المصرية، او 'دور الشقيقة الكبرى' أو 'أم الدنيا' أو 'اصل الدراما العربية'. وقد شاهدنا مثالا على هذه الحملات شنها بعض الفاشلين على مشاركة الفنانين العرب في المسلسلات المصرية.

لماذا لا يحاول المبدعون المصريون مثلا فهم سبب رواج المسلسلات التركية بدلا من صب اللعنات عليها والسخرية من جمهورها؟ كأن يقول عكاشة ان رواج المسلسلات التركية في الخليج بالذات يعود الى ان سكان الخليج مترفون وليس لديهم ما يشغلهم وبالتالي يحلمون- يقصد نساءهم وبناتهم- بفارس الاحلام على غرار مهند، وأن هذه المسلسلات ليس بها سوى مناظر جميلة لقصور وفيلات فاخرة. وهنا يتطوع عبد السميع ليدعم كلام عكاشة (تماما على طريقة البرامج الحوارية المصرية حيث يتقمص المذيع دور 'الطبال' الذي يصاحب بقرعه الراقصة، والجمهور قطيع من 'المصفقين')، ليجعر بصوته قائلا 'هذا ما يطلقون عليه الإعلام الهروبي'. هل رأيتم جهلا أكثر من هذا؟ إذا كان سكان الخليج يرفلون في النعيم فلماذا يحتاجون إذن الى 'الهروب'؟ من بديهيات هذه الميكانيزم الهروبي سواء تجسد في أعمال فنية خيالية، او في إدمان على المخدرات أو حتى التطرف الديني، أن ضحاياه يهربون في المقام الأول والأخير من واقع مزر وفقر مدقع وانعدام الأمل في مستقبل بسبب انسداد الأفاق أمامهم. أن يصدر هذا الكلام عن كاتب درامي له في المهنة نصف قرن على حد قوله، ومشهود له بتقديم العديد من الأعمال الناجحة لأمر يثير الحزن والشفقة في آن واحد. وهو نفسه الذي قال في البرنامج ذاته ردا على سؤال من متفرجة (اتهمته بالتكبر وأنه لا يرى سواه كاتبا في الساحة)، أنه لا يدهش حينما يرى ما يكتبه أحمد رجب الكاتب الساخر في عاموده اليومي أو كاريكاتير مصطفى حسين، اللذين يسخران فيهما من كتاب المسلسلات ويتهمانهم بالجهل وضرورة العودة الى المدرسة لتعلم أبجديات الكتابة. ففي الوقت الذي يقر فيه عكاشة بتدني مستويات الكثير من المسلسلات المصرية التي تعاني من الهزال الدرامي، وفقر الأفكار أو تكرارها، والشخصيات المسطحة او النمطية منبتة الصلة بالواقع، رغم إقراره بذلك إلا أنه لا يكلف نفسه عناء التساؤل ما إذا كانت هذه الحالة المزرية للمسلسلات المصرية مسؤولة عن رواج المسلسلات التركية. ولم يتوقف الاسفاف في البرنامج عند هذا الحد، فقد أفتى عكاشة في نفس السياق- بتقديم تعريف لا أدري من أين جاء به 'لأوبرا الصابون 'Soap Opera، من انها سميت هكذا لأنها ليست سوى 'رغي' او 'طق حنك' مثل رغوة الصابون؟!

شوقي الماجري: 'الجمهور مش عاوز كده'

لأول مرة اشاهد لقاء مع فنان تتاح له الفرصة يرد فيها على منتقديه، على العكس تماما من الممارسة السائدة التي ترتكز على إغداق المديح على أبطال العمل ومخرجيه دون كلمة نقد واحدة، وهو دأب التليفزيون المصري الذي لا يعترف بالنقد، ويرى فيه مسبة أو انتقاصا من تفوق الدراما المصرية 'اصل الدراما العربية'. مع ذلك، لم يخل اللقاء الذي أجرته بروين حبيب مع المخرج التونسي شوقي الماجري من بعض الأسئلة البليدة، وأخرى من ما يمكن تسميتها 'اسئلة تملقية' تبدو في ظاهرها اسئلة وهي في الحقيقة ليست سوى تعلة لإغداق المديح على الضيف أو تملقه بشكل موارب او حتى فج. برنامج بروين حبيب أيضا يحمل اسمها، عملا بالموضة الآخذة في الانتشار لتسمية البرامج باسماء مقدميها ومقدماتها. فهل نضب خيالهم لهذه الدرجة أو نضب معين اللغة العربية بحيث تعذر عليهم ابتكار أسماء أكثر موضوعية تصف البرنامج او تشير الى نوعية مضمونه؟ أم أنها النرجسية التي باتت متفشية بين أبناء التلفزيون؟

من أكثر ما استوقفني في كلام المخرج الموهوب رده على سؤال حول الدور الذي يلعبه رد فعل الجمهور على العمل الفني. قال الماجري إنه يتواصل مع الجمهور لكنه لا يفكر فيه ولا يشغله، بمعنى انه لا يفصل العمل الفني على مقياس الجمهور حتى يلقى قبوله ويرضي ذوقه. مضيفا أن احترامه للجمهور ينطلق من احترامه لنفسه وموهبته وتحركه في المقام الأول رغبته في أن يقدم له قيما جمالية وفكرية وفلسفية من خلال العمل وعلى مستويات متعددة بحيث تلقى قبولا لدى شرائح ومستويات متباينة من المشاهدين.

ورد الماجري على من انتقدوه لعدم استخدامه صوت أسمهان الحقيقي في المشاهد الغنائية من المسلسل الذي روى قصة حياتها، فقال إن ذلك لم يكن ممكنا ولا صحيحا. لأن صوت اسمهان في المسلسل ليس صوتا غنائيا فحسب بل فيه دراما أيضا. لأنها قد تغني في مشهد وهي مرهقة او متعبة، او بعد شجار مع زوجها، أو قلقة لأنها لم ترض الملحن، أو قلقة على ابنتها، أو كانت سهرانة. وهذا لا يمكن ان يكون موجودا في التسجيلات القديمة. كما أن هذا أتاح استخدام أغنيات لم تغنها أسمهان اصلا، كما قال الماجري، ولكن كونها عاشت في مكان معين وفي فترة معينة، جعل ذلك ممكنا ومقبولا أن اسمهان يمكن ان تغني هذا الأغنية، أي أنه يخضع لمنطق التعامل مع الأحداث التاريخية بمنطق الضرورة والاحتمال وليس بالنقل الحرفي لتلك الوقائع، لأن ذلك ينزع عن الفن خصوصيته الفنية ويحوله الى مجرد سرد تاريخي.

أعترف انني لم استطع فهم ما الذي يعنيه الماجري بأنه لا يوجد هناك شيء اسمه الدراما السورية او المصرية او اللبنانية او التونسية، في إشارة الى تصريحات سابقة له استشهدت بها المذيعة قال الماجري أن المقصود بمقولة الدراما سورية او المصرية هى جهة الانتاج في المقام الأول، وهذ ا في حد ذاته صحيح، لكنه لا يلغي خصوصية كل دراما وهو ما يرفضه الماجري، إلا أنه بدا متناقضا في كلامه، حين قال إن كل دراما تطور تقنياتها وخصوصيتها، مثل تفضيل الدراما السورية التصوير الخارجي، وهو ما يبدو مستحيلا في مصر لأسباب بيروقراطية وديموغرافية وتقنية. وبنفس المنطق يمكن القول إن لكل دراما موضوعاتها المفضلة (والمكررة أيضا)، وأسلوبها في البناء الدرامي سواء من حيث تعدد مستويات السرد او تعدد الخيوط الدرامية، وفي رسم الشخصيات والى حد تحركها الأحداث أن أنها هي التي تدفع بالأحداث للتطور. ويكفي مثلا هنا ان نقارن بين مسلسل 'ناصر' ومسلسل 'أسمهان' وكلاهما انتاج مشترك، وكلاهما من نوع السيرة التاريخية، لكن كلا منهما تعامل بشكل مختلف مع إعادة تصوير الأحداث التاريخية وتصوير الشخصية المحورية المروية سيرتها، هذا عدا القيم الانتاجية التي تتحدد بميزانية العمل وكيفية توزيعها (كأن تستحوذ أجور النجوم المبالغ فيها على الشطر الأعظم من الميزانية، على حساب مواقع التصوير بين خارجية وداخلية، وجماليات الديكورات ومصداقيتها). ما لفت نظري أيضا أن المخرج التونسي قال ردا على سؤال إنه لا يشاهد المسلسلات العربية، لأنه يحرص على مشاهدة أعمال 'عالمية' بعينها يعود إليها باستمرار، وبالمثل أعمال أدبية يعيد قراءتها من حين لاخر، مثل أعمال شكسبير. وهذا مفهوم تمام ولا اعتراض عليه. لكن كيف تسنى له إذن والأمر كذلك ان يستصدر أحكاما عامة على الدراما العربية او نفي خصوصيات الدرامات السورية او المصرية او التونسية، إلا إذا كان يعني أن 'كله عند العرب صابون' حينما يتعلق الأمر بالدراما، وحكم كهذا قد ينسحب بدوره على أعماله هو ايضا. وهو ما يعود بنا إلى 'أوبرا رغاوي الصابون'، تعريف عكاشة الفذ للمسلسلات الأجنبية.

' ناقد سينمائي من مصر

القدس العربي في

09/03/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)