تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

المخرج الإيراني لا يتحدث في السياسة...

أمير نادري: 18عاماً لأكون مخرجاً نيويوركياً

نانت (فرنسا) - ندى الأزهري

إثر كل لقاء مع الجمهور بعد عرض أحد أعماله، كان ينبه بحزم: «لا حديث في السياسة. سينما فقط». هكذا كان شأنه معي حين شرعت في محاورته.

المكان نانت، والمناسبة الاحتفال بثلاثينية مهرجان القارات الثلاث. أمير نادري، دعي مع ثلاثة مخرجين فازوا بالجائزة الذهبية مرتين. خلال الأمسية التي كرست لتكريم الأربعة، اختار فيلماً حققه قبل أكثر من ثلاثين عاماً ليهديه الى المهرجان. «فيلم صعب، ظل كحلم من الماضي»، يقول عن «انتظار» فيلمه الأول القصير الذي وجد من خلاله طريقه. في العمل ملامح من طفولته، ومن مرحلة قاسية في حياته. أعمال نادري (62 عاماً) هي سيرته الذاتية. البطل هنا في الحادية عشرة من عمره، يعمل في خدمة عجوزين. كل أحلامه تنصبّ على ذراع شابة تمتد عبر باب لتناوله ثلجاً مبرداً لمخدوميه. كل أحلامه، رغباته كانت تتمركز على هذه الذراع البضة. في «الراكض» فيلمه الشهير، كان مخلصاً لأسلوبه. العمل مشروعه الشخصي، وكل ما جرى فيه من أحداث مر به وجربّه في صغره. حينما نال عنه الجائزة الأولى في نانت منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كان قد بدأ بترك إيران. أما «ماء، ريح، تراب» الذي قال عنه رئيس لجنة التحكيم السويسري إنه لم ير مثل هذا العمل «إلا في ما ندر»، فهو فيلم أدهش الكثيرين. وحين مُنع في إيران، قرر نادري «عدم العودة» إليها. وها هو منذ بداية التسعينات هناك على الأرض الأميركية، «إنه آخر عمل حققته في بلدي، ومنذ ذلك الحين لم أره ولم أر بلدي». فترة التصوير كانت «انتحاراً»، وطاقة شخصياته كانت خارقة في هذه الصحراء القاسية حيث لا رحمة وحيث الكلاب تنهش. في جنوب البلاد تهب في الربيع ريح محمّلة بالغبار يحل معها جفاف يهدد كل حياة. تنفق الحيوانات وينزح الأفراد فرادى وجماعات هرباً من المجاعة. وفي اتجاه معاكس لحركة النزوح، يعود صبي الى المنطقة ليبحث عن أسرته هناك. أمير نادري، رغب دوماً بعمل فيلم عن هذه الريح، يحقق له ما أراد بعد انتظار. والريح كانت هنا الموسيقى التصويرية، فللصوت عنده أهمية تماثل الصورة. دام التصوير طوال فترة هبوب الريح، ومرض كل الطاقم، لكنه استمر في العمل. ليس الفيلم للحديث عن مشكلة الماء والبيئة القاسية فحسب، فهو يتجاوز ذلك بمراحل. إنه عن «السعي الدؤوب في الحياة، عن المشقة لنيل المبتغى». بعض الحاضرين لم يجد السبب الذي لأجله مُنع هذا الفيلم في إيران. سألوه: «ما الذي لم يعجبهم هناك؟». وكان رده: «زمن طويل قد مضى على ذلك، لنتحدث عن السينما».

أسلوب خاص

السينما هي وجهته الأولى، وعبرها يضع شخصياته في ظروف قاسية، يستخدم البيئة الطبيعية ويوظفها لتحقيق هدفه، إنه يخلق أسلوبه الخاص، يدير العمل «كقائد اوركسترا» كما وصفه آلان جالادو المدير الفني للمهرجان. «هل ستعود إلى هناك؟» سُئل. «أحب بلدي، لكنني لا أريد العودة»، أجاب. ثم عقّب: «لا أنظر إلى الخلف». الجمهور كان فضولياً للتعرف إلى هذا الإنسان المغاير بعد أن تعرف إلى فنه، تنهمر الأسئلة عليه. «هل أوحت له نيويورك بأفلام أخرى؟»، يرد مختتماً: «حققت هناك ستة أفلام. لقد أمضيت عشرين سنة للتحول من مخرج إيراني إلى مخرج أميركي».

أمير نادري يتحدث بصوت جهوري مملوء بالحيوية والحماسة، ينسى وجود المترجمة أحياناً ويتكلم بالإنكليزية ثم يعود إلى الفارسية. حين نتعرف الى طفولته في فيلم «الراكض»، تدهشنا تلك الطاقة والإرادة اللتان يتحلى بهما. كان وحيداً في هذه الحياة لا عائلة له. عليه أن يتدبر أموره بنفسه في عبادان على الخليج العربي. «أميرو» الصغير في الفيلم، يتعلم أن عليه الركض في الحياة وباستمرار لقطف بعض الثمار. عليه الكفاح والشغل بقسوة. الركض هو وسيلته لكسب العيش وللمران على تحمل المشاق والذهاب إلى أقصى ما يستطيعه. ثم يتنبه فجأة إلى ضرورة التعلم، فيسعى إليه رغم عمره المراهق. «أميرو هو أنا»، يقول لي أمير نادري، »إنها طفولتي أنا، لقد عشت في سفينة مهجورة مثله، والتحقت بالمدرسة متأخراً». أسأله كيف رأى هذا الفيلم بعد كل هذه السنين. ثمة مسافة شاسعة تفصل بين المرحلتين.

- كان الأمر مثيراً لي بعد كل هذه الفترة البعيدة. لست في إيران الآن، إنما في بلد آخر وثقافة أخرى. العمل أدهشني وخاطبني بقوته! أرأيت كم أنه مملوء بالأمل، بالحيوية؟ ثمة الكثير من كل ذلك، ولكن أيضاً الكثير من الفن السينمائي.

·         ومتى غادرت إيران؟

- بدأت بالمغادرة قبل الثورة بثلاث سنوات. عشت في الولايات المتحدة وفي فرنسا لفترة... (يلتفت بحثاً عن شيء ما ثم يلتقط منديلاً ورقياً كان على الطاولة ويبدأ برسم الخطوط عليه، خطوط تمثل حدوداً والخليج قبالتها)، يتابع:

-اسمعي، لم أشعر قط أنني من طهران. ذهبت إلى لندن عام 1968. لقد كنت في الخارج على الدوام. أنا إيراني لكنني مغامر جداً. أرأيت كيف كان «أميرو» في الفيلم يتابع الطائرات ويحلم بها، كيف كان دائم النظر نحو البحر. إنه أنا. لم أنظر قط باتجاه السجاد... لقد نشأت بمفردي في مدينة عبادان، وفي ذلك الحين كانت تسودها الثقافة الغربية، فالكثير من الإنكليز كانوا هناك، قاطنين وعابرين. لقد رأيت الثلج وأنا في السادسة عشرة من عمري، دعيني أقول لك شيئاً، لم أنشأ في عائلة وتربيت في الشارع. مارست شتى المهن وعملت بائعاً للمرطبات في دور السينما وكنت في الوقت ذاته أشاهد الأفلام.

هنا وهناك

·         نرغب بمعرفة المزيد عن المرحلة الإيرانية.

- حققت تسعة أفلام هناك. ما جرى لي في إيران، جرى على الوتيرة نفسها في الولايات المتحدة. لقد عملت أفلاماً سوداء. كل شيء كان أسود. الأفكار، القصة، الأسلوب... ثم بعد ثلاثة أو أربعة أفلام، قلت لنفسي إن تلك ليست حياتي ولا رأيي في الحياة ولا أسلوبي. عام 1973 أنجزت فيلماً مأخوذاً عن قصة لكاتب إيراني شهير من جنوب إيران، كان عملاً ضخماً. ثم بعدها قررت «القطع» مع هذا النوع من الأفلام الكبيرة. أردت أفلاماً من تجربتي الخاصة، رغبت بإظهار حياتي الماضية. «هارمونيكا» كان الأول، وبعده أكملت على المنوال نفسه. لست من أتباع السينما المحترفة. شيئاً فشيئاً أخذت بالابتعاد من المدينة، وجدت نفسي في الصحراء. وحين شعرت أنه لم يعد لدي ما أقوله، كان علي أن أغادر. ذهبت إلى نيويورك وبدأت أيضاً بأفلام سوداء. لقد احتجت إلى الوقت لأجد نفسي كمخرج هناك، كل شيء كان جديداً. الثقافة والسينما والناس واللغة والجو... سعيت لتحقيق تجربتي الخاصة، وحدث هذا شيئاً فشيئاً إلى أن وجدت نفسي. ثم... جرى لي ما سبق وجرى في إيران. حققت ثلاثة أفلام في نيويورك ثم قفزت إلى الصحراء. إلى خارج المدينة، الداخل غير موجود في أفلامي، لا غرف... هناك الخارج... لقد مشيت في كل مكان... في صحراء نيفادا في نيو مكسيكو...

·         وهل ثمة فارق بين طريقة اختيار شخصيات أفلامك الأميركية عنها في أفلامك الإيرانية؟

- أعمل أفلامي بقلبي! أما طريقتي فبسيطة. أرسل إشارات من قلبي (أشار بحركة من يده) إلى الناس الذين أريدهم فيأتون إلي. هذا كان في إيران أيضاً، أحب العمل مع هواة. كل من يعمل معي يشبهني بطريقة ما، المصور والممثل...

·         ألا ترى في ذلك تمركزاً شديداً حول الذات؟

- أكثر من هذا، فذلك كل ما أعرفه. (يستدرك) ليس تركيزاً بل لأنني أعي تماماً ما أريد، وكيف أناله. لقد كتبت فيلم «الراكض» في قهوة في مونبارناس وكنت على دراية بما أريد الوصول إليه.

·         وكيف تحولت إلى مخرج «أميركي»؟

- أحضرت تجربتي معي من إيران، وأخذ مني العبور زمناً. ثمانية عشرة سنة لأكون مخرجاً نيويوركياً في كل شيء، في نمط الحياة وفي استقلال التاكسي وحتى في دفع الأجرة... لقد حصل كل ذلك ولست آسفاً له. قلت لنفسي الآن وقد أصبحت مواطناً أميركياً عليّ أن أعمل كمواطن لبلدي. ولحسن الحظ وجدت مشروعاً للتصوير عن صور للصحراء.

·     اشترطت عليّ من البدء عدم الحديث في السياسة، ولكن لا يمكن أن نغفل أنك إيراني وأن الحديث عن الناس والسينما هناك لا مفر منه للتعرف إليك وإلى سينماك الماضية والحاضرة. أولاً، هل تتابع ما يجري هناك... أقصد سينمائياً.

- لا أتابع على الإطلاق السينما الإيرانية. لقد كنت أرفض أن أكون حكماً في لجان التحكيم في المهرجانات الدولية. حين يكون هناك فيلم إيراني لا يمكنني أن أكون حكماً، بل كمشاهد من إيران! كنت أفكر «يا إلهي كم أن هناك بنايات عالية الآن. وآه، كم تغير هذا أو ذاك... كنت أنظر إلى التاريخ والناس والألوان. حين يأتي أصدقائي الإيرانيون إلى نيويورك، ألتقي كل واحد منهم على حدة لنتحدث عن فيلمه. ثم بعد مغادرتهم، يلزمني أسبوع لأعود إلى وضعي الطبيعي وحياتي العادية بعد فترة كنت فيها كالمجنون لما حفلت به من معلومات وذكريات. لست أكاديمياً، وتعلمت كل شيء في الشارع. والنتيجة أن الأمور تؤثر فيّ بسهولة، وليس في مقدوري السيطرة على نفسي والابتعاد من تأثير الأشياء.

لا سينما في البيت

·         لهذا حاولت التهرب من المقابلة بعد معرفتك أنني كنت في طهران؟

- لم أكن أود إجراء أي مقابلة مع أحد، لم أكن أريد أن أفتح قلبي. بعد كل مقابلة افقد من وزني بضعة غرامات! أحب السينما وكل حياتي هي لها. وأتعلم شيئاً جديداً كل يوم. خلال سبع سنوات لم أشاهد التلفزيون إلا في المصرف حين كنت اذهب لسحب النقود! لم أكن على دراية بما يحصل في العالم. أما السينما فلا اذهب إليها، لدي في مكتبتي أكثر من ثلاثة آلاف فيلم.

·         وهل تفكر بالعودة إلى بلدك؟

- لا وليس لأنني لا أحب بلدي. بل أنا أحبه بالتأكيد، لكنني لا أنظر الى الخلف بل إلى الأمام وحسب. إذا نسيت نظارتي في مكان ما، لا أعود للبحث عنها. أحب إضاعة الأشياء لأجد وسيلة أخرى للعثور على أغراض جديدة! أتعرفين؟ لم أذهب إلى الآن إلى لوس أنجليس (فيها جالية إيرانية كبيرة). حين غادرت إيران، قيل الكثير: «لقد أضاع كل شيء، إنها لطريقة خاطئة أن يترك بلده هكذا. كان عليه أن يبقى ويتابع». لقد حاولت وجهدت لأكون رابحاً وليس خاسراً. وأنا الآن مخرج عالمي ولست مخرجاً إيرانياً. (ثم يستدرك) لكنني ما زلت إيرانياً.

·         سؤال شخصي أخير، هل لديك عائلة الآن؟

- لا عائلة عندي. كنت متزوجاً في إيران، وجاءت معي زوجتي إلى نيويورك. ثم قلت لها أنت تضعين القيود في قدمي. وداعاً! أريد أن أعيش تجربتي. أنا إنسان حر.

الحياة اللندنية في

06/03/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)