تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

«الدبّ الذهبي» البرليني لـ«حليب الأسى» للبيروفية كلاوديا يوسا

المصائر المتضاربة للنسوة المغتصبات

زياد الخزاعي

لم يكن الأمر مفاجئاً أو مدهشاً، حين أعلنت الممثلة البريطانية تيلدا سوينتن، رئيسة لجنة تحكيم الدورة التاسعة والخمسين لـ«مهرجان برلين السينمائي الدولي» (اختتمت في الرابع عشر من شباط الفائت) عنوان الفيلم البيروفي «حليب الأسى» (أو «الحسرة») للمخرجة الشابة كلاوديا يوسا، ليُكرَّم بجائزة «الدب الذهبي». ذلك أن من حضر عروض «برلينالة» وتمعّن في قوائمها، وجد فيلماً آخر قارب حكاية الاغتصاب التي عرضتها يوسا، من دون أن يجاريها في قوة درامية حكايتها وتعقّد خيوطها وثراء عوالمها. فيلم المخرج البريطاني بيتر ستريكلاند، الذي عُرض تحت علم البوسنة وحمل اسم بطلته الرئيسة «كاتالين فارغا»، دار حول موضوع انتقام الأم الشابة من مغتصبيها، كأنها مُسيَّرة بقوى غامضة، بدءاً من اعترافها لزوجها أنها أخبرت صديقتها بماضيها الأسود، «لأنه كان عليّ أن أخبر أحداً ما»، وانتهاء بجلوسها الصنمي ومعها ابنها أمام رهبة الطبيعة التي احتضنت الغاصبين، حتى عودتها كساعية إلى تصفية الحساب.

قبل هذين الفيلمين، كرّمت «برلينالة» في العام 2006 فيلماً من البوسنة أيضاً، أخرجته ياسميلا زابانيتش بعنوان «غربافيتشا» («سر أسماء») بـ«دب ذهبي»، سرد حكاية الأم أسماء، التي تربّي ابنتها سارة بمفردها في حي غربافيتشا، وتتسم علاقتهما بالتوتر، قبل أن تكتشف الأخيرة انها ابنة صربي اغتصب والدتها منذ عشرة أعوام في أحد المعتقلات، وكانت تعتقد أنها ابنة بطل بوسني قُتل في الجبهة. ذكّر إجماع برلين آنذاك بنظيره الذي قوبل به عمل الشابة يوسا اليوم، وبدا جلياً أن الفعل العنفي الإجرامي ضد المرأة له أولوية أخلاقية لدى القائمين على المهرجان قبل لجان التحكيم، التي لم تتردّد (وإن على حساب القِيَم الإبداعية الواجب توافرها في فيلم الجائزة الكبرى) عن تعظيم قدرات البطلات اللواتي تعرّضن لمحن المهانة التي تولّدها ظروف الحروب، ومثلها الوحشية القابعة في دواخل رجال سقطت ضمائرهم.

انتقام

تتشارك بطلات الأفلام الثلاثة في الحكاية، لكنهنّ يتباعدن في العزم وردود الفعل والمحيط والانتقام. ولئن عمدت أسماء إلى إخفاء سرّها عن وحيدتها، فهي في واقع الحال قرّرت، من باب آخر، معاقبة ذاتها، بتحمّل وزر الجريمة وحدها. وما إن تداعت النميمة إلى الابنة، حتى وجدت البطلة نفسها أمام استحقاق الاعتراف المؤلم، ولو متأخراً. إن أسماء ليست ضحية سرقة عفافها وحسب، بل هي سجينة محيط عارها الذي ما إن تهدّمت أسوراه، حتى كان الجميع في المرصاد للنيل منها، لحماً ووجداناً وذاكرة. والانتقام من أسماء يُرحَّل سريعاً إلى الابنة وكرامتها وعلاقاتها التي تتهاوى بسرعة قياسية. في المقابل، سيكون على مواطنتها كاتالين في فيلم المخرج البريطاني بيتر ستريكلاند، الذي عرض في المسابقة الرسمية في هذا العام (جائزة «الدب الفضي» لأفضل مساهمة فنية، للمجري غابور إيرديلي)، أن تنأى عن محيطها الريفي وترحل إلى برية متوحشة، حيث «تصطاد» مغتصبيها الواحد إثر الآخر. والغريب أنهم يقعون بين يديها بعجالة لا تستكفي درامية فعل انتهاك حرمتها، الذي سرّته في داخلها أعواماً طويلة. وإذا كان صبيها الذي رافقها إلى انتقامها لا يعي شيئاً عن عزم والدته، فقد تحوّل في النهاية إلى ترهيب درامي للمغتصبين الذين يخمّنون، كلٌّ على حدة، أنه بذرة نطفتهما الدنسة. تهشّم كاتالين رأس الأول بعد إغوائه، بينما يتوسّع حجم ثأرها من الآخر الغجري. وبدلاً من أن تحزّ رقبته، تدفع زوجته الثمن بانتحارها المفاجئ، غسلاً لعاره الشخصي. كاد هذا التبادل في دوري الضحية أن يمدّ فيلم ستريكلاند بقوة اتهامية عالية الجودة، لكن الأسلوبية المفتعلة التي أسبغها على المحيط البرّي لبطلته، لم تسعف ثقل الفواجع المتكررة. وبدت مسيرتها المثقلة بالهموم والمطاردات أشبه بفسحة عليها أن تنتهي بالدم الغائب (لا يعرض المخرج أي صُوَر لانتقام بطلته، كأنه يستنكف منه ومن رغبة مُشاهده في رؤية القصاص).

تعاني شخصية الأم الفلاّحة (أداء جاف لهيلدا بيتر)، التي تجاري محنها، يباس مشاعرها وإقصاءها الذاتي عن الآخرين، إذ نراها في مفتتح الفيلم سائرة مستوحدة، فيما ينأى الآخرون عنها ويتجاهلون ردّ السلام عليها، قبل أن نعرف أن الوشاية عمّت القرية وأشاعت فضيحتها التي لم تمارسها عن عمد. كان واضحاً أن المخرج، وهو كاتب النص أيضاً، رتّب فصول حكايته من دون ذكاء كافٍ ليعجّل من إقناعنا أن لا يد تستأهل الانتقام، سوى يديها. فما إن نسمع لوعات الزوج الشاب ونفوره من عدم إخباره، يكون من الجلي أن تذهب البطلة إلى مصير المُجازاة. والطامة الأكبر أن قانونها هو الذي يسود، في عزم «سوبرماني الطابع» يقودها إلى جبال وعرة وقرى نائية وحفنة من الأوباش يطاردون أثرها، وتفلت منهم بقدرة عجيبة. من نافل القول إن عجينة هذه الحكاية لا تُطبخ منها خبزة بريئة، يُراد منها لعن هؤلاء المجرمين وأمثالهم في كل مكان: ابنة فارغا النحيفة القامة والقدّ تمتلك، بحسب ستريكلاند، الحق الكامل في ارتكاب جرائمها البيضاء. والدم الفاسد والنية المريضة لدى هؤلاء الرجال، يُحتّمان على مُشاهد الفيلم عض لسانه ومتابعة مغامرتها الثلاثية، التي لا تقف أمام موانع الطبيعة، ولا الخشية من الإثم البديل (كقاتلة)، وألاّ تتحول إلى مُناصر للجريمة ومرتكبها.

جمع «حليب الأسى» للموهوبة كلاوديا يوسا فصوله بحنكة أفضل ورؤية أعقد، مع شخصيات أكثر ألقاً. فصاحبة العمل المفاجئ «مادينوسا» (عُرض في مهرجاني «روتردام» الهولندي و«ساندانس» الأميركي في العام 2006) لا تريد وضع الأخلاق في مقدمة حجتها، بل أصرّت على عرض نكبة بطلتها الشابة فاوستا (أداء بليغ لماغالي سوليير)، التي تشهد موت والدتها العجوز ودفنها بصحبة العلة الجسدية القاتلة التي أرضعتها إلى ابنتها. كل قطرة حليب وصلت إلى شفتيها امتزجت بالبكتيريا القاتلة التي تولّدت داخل ثدي الأم، إثر تعرّضها إلى الاغتصاب والتعذيب والقهر، خلال أعوام الخوف التي عاشتها البيرو في حقبة انقلابي 1986 و1975. لا تُرينا يوسا (مواليد 1976، من أبوين إيطالي وبيروفية، درست السينما في ليما في 1998 ومدريد في 2001، حيث تقيم الآن) شيئاً من هذا الموار الدموي، بل حصرت مشهدياتها البليغة في محيط الشابة فاوستا (كما أسماء بطلة «غربافيتشا») ورعبها الناجم من ظنونها أن الاغتصاب سيقع لا محالة، وأن قضيب مغتصب ما سيعدم عفّتها ويفعل البكتيريا القاتلة في جسدها الشاب ويميته.

نكبة امرأة

تُرى، ما الذي يمنع هذا القدر من الحدوث؟ الجواب سعي الشابة إلى إدخال حبة بطاطا في فتحة رحمها. إن هذا الاعتقاد البدائي حصانة وهمية ترتّبت في كيانها عبر الأغاني التي تُردّدها الأم («لا تسيرين مع حسرتك»، تقول إحداها)، وتنعى فيها جسدها ومرارة عيشها وخزيها. ترث فاوستا جريمة السياسي الذي مهّد الطريق أمام الاغتصابات الجماعية لنساء الأرياف، اللواتي وجدن أنفسهن، بعد قهرهن وإساءة معاملاتهن، أمام أمراض غريبة تصيب الوليد، وتسرق صحّة اليافع، وتخطف حياة البالغ.

تسعى البطلة الشابة إلى تحقيق مرادين مزدوجين: تحصين حبة البطاطا التي بدأت جذورها بالنمو، واعتبارها وسيلة شفاء وعلامة ترعرع قيم جديدة؛ وجثة الوالدة التي يجب أن تدفنها في قريتها ومسقط رأسها. وعلى الرغم من أن الفقر يمنعها من تحقيق هذه الأمنية، فإن المصائر النبيلة لهذا الفتاة تقودها إلى العمل في دارة سيدة عازفة بيانو وقاسية القلب. هذه الشخصية هي النقيض البرجوازي المديني الطبقي لفاوستا؛ وهي في الوقت نفسه، المكمِّل الدرامي لبنية الشعب البيروفي المختلط بين شعوب «أنديز» الجبليين و«هسبانك» أحفاد الوافدين المتمدينين. وفيما تخشى فاوستا ظلّ أي رجل يقترب منها (كونه مغتصباً يتربّص بها وهو ينتظر على رف ظنونها)، تكون السيدة أيدا الكائن المهيمن على كل شيء، والراغب في استبدال محيطه بقوة المال والسطوة. لكن ما تخفيه هو عجزها الجنسي في استمالة الرجل إلى لقاء يحقق شيئاً من أنوثتها المقتصرة على الاختفاء خلف السحنة الجامدة.

يتشكّل الأسى حول فاوستا كنذير اجتماعي لمحيطها المتقشف (صُوّر جلّ الفيلم في قرية عند سفح جبل أجرد)، مثلما يكون واجهة لعزلتها وصمتها. ولكي لا تجاريه (على عكس كاتالين فوغا)، تتسلّح بأغاني المنكوبات وثيم الحكايات المموسقة. تبثّ المناحات هذه القليل من الحيوية في داخل أيدا، من دون أن تحدث الانقلاب اللازم، فترمي خادمتها وسط الشارع القصيّ، في مشهد ذي تورية مسيّسة، بعد أن تخلّ بوعدها في إعطائها خرزة واحدة من عقد اللؤلؤ، كمقابل لكل أغنية تؤدّيها. ما يتبقّى لفاوستا وعائلتها الصغيرة (خالها وأولاده)، المزيد من السخرة في الأعراس التي تنظّمها المخرجة يوسا في أجواء سوريالية ريفية. ذلك أن هذه الاحتفالات الممهورة بالألوان والشخصيات المتنافرة في الطلاّت، تبقى خارج وعي الشابة المتأسية ومزاجها (وهو الأمر الذي يفسّر حالات إغماءاتها المتكررة)، أنها ضحية الوعود التي تُفشِل مساعيها في دفن والدتها وردّ اعتبارها، وأيضاً سل حبة البطاطا من فتحة ولاداتها الممتنعة، بسبب حسرة الأعوام السياسية العجاف ورعبها.

)لندن(

السفير اللبنانية في

05/03/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)