تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

أفلام الشباب أصبحت تصيبني بالإحباط وخيبة الأمل

د.رفيق الصبان

اعترف بأني لم أعد أملك الشجاعة الثاقبة لرؤية أفلام الشباب التي بدأت تتعاقب علينا بسرعة غير عادية.. حاملة معها في كل فن خيبات أمل وإحباطات مرة نظرا للآمال الكبيرة التي كنا نعقدها عليها وللمفاجأة المريرة التي وقعت علينا وقع الصاعقة من انحدار مستوي أفلام الشباب إلي هذه الهوة السحيقة من السطحية والابتذال والتقليد الممجوج، وبينما تتصاعد أسهم السينما الشابة في المهرجانات الدولية الكبري .. وآخرها مهرجان برلين الذي فازت فيه مخرجة شابة من البيرو بالجائزة الكبري للمهرجان عن فيلمها الثاني الذي أخرجته متحدية اسماء كبار المخرجين العالميين الذين كانوا ينافسونها من أمثال والدريا وكوستا جافراس وانجلو بوكس وستيفن فريزر، نجد سينمانا الشابة تنحدر أكثر وأكثر إلي هاوية الارتجال والسرعة والسطحية.. وزاد من وقع الأزمة قرار المنتجين بالتحول إلي الإخراج والقيام بهذه التجربة بأنفسهم ما دام المال مالهم ومادام شباب المخرجين «أمل السينما المصرية في المستقبل» لا يفعلون شيئا ليس بمقدورهم أن يفعلوه، فلماذا لا يقومون هم أنفسهم بهذا العمل الذي بدا لهم من خلال تجربتهم مع هؤلاء الشباب شديد السهولة، ويمكن لأياً كان أن يقوم به مادام قادرا علي دفع الرسم المطلوب لنقابة الفنانين .. والوقوف خلف الكاميرا والتمتع بأضواء الشهرة عوضا عن البقاء في المكتب وتوقيع الشيكات!!لعبة المربعاتومادامت التجربة قد نجحت في انتقال المنتجين إلي مربع كتابة السيناريو .. فلماذا لا يجربون الاستحواذ علي مربع آخر هو مربع الإخراج مادامت الأمور قد وصلت إلي هذا المستوي، ومادام «المال» وحده قد أصبح محور العمل الفني المهيمن الأعظم علي مساره وقدره.لذلك اكتفيت من خلال الأفلام الستة التي توالت علينا في موسم «إجازة المدارس» وهو الموسم الجيد للسينما المصرية الذي يضاف إلي موسم الصيف وموسم الأعياد برؤية فيلم المنتج هاني أسامة فوزي، الذي كتبه مجموعة من شباب السيناريو في معهد السينما، وعاد لي بعض الأمل في فيلم «ميكانو» الذي أخرجه محمود كامل والذي أعاد فيه شيئاً من الاعتبار للسمينا الجادة .. بينما ضربت صفحاً عن بقية الأفلام رغبة مني في الاحتفاظ بالبقية الباقية من الأمل في شباب مصر السينمائي وقدرته علي حقن «الجسد المريض» بالموهبة والجرأة والخيال والطموح الذين نعتبرهم مصدرا رئيسيا للإبداع الشاب.مقلب حراميةولكن ما أثار فضولي وانتباهي لفيلم «مقلب حرامية» الذي كتب له السيناريو المنتج وائل عبدالله وأخرجه سميح النقاش في أول تجربة له معتمدا علي كثير من الأسماء الشابة يتصدرها ممثل مخضرم مشهود له بالموهبة هو صلاح عبدالله.هذه المقالات النارية الملتهبة التي أدانته وهاجمته بقسوة محددة نقاط الضعف الواضحة فيه، وكمية التقليد والاقتباس الأعمي لفيلم أمريكي مشهور مازالت ذكراه راسخة في تخيلنا رغم أنه ليس من الأفلام التي يمكن اعتبارها من جواهر السينما البوليسية.جاءت هذه المقالات لتحط تماما من عزيمتي في رؤية الفيلم خصوصا وأن الأقلام التي كتبت عنه أقلام جادة ومحايدة ولها وزمنها النقدي والفني.السباحة عكس التيارثم جاء مقال الدكتور وليد سيف ليقف تماما عكس التيار وليكتشف في الفيلم مزايا كثيرة لم يكتشفها غيره وليعتبره سهما مضيئا في سماء السينما الشابة !!د. وليد سيف ناقد محترم وله آراء لا يشك أحد في قيمتها وتوزنها ونظرة سينمائية متعمقة قادرة علي أن تري ما لا يراه غيره لذلك أحسست بالارتباك.فإن نجاح تيارين محترمين كل منهما له وزنه، الأول يهبط بالفيلم أسفل السافلين والآخر يرفعه إلي مستوي معقول ومقبول وأكاد أقول «مشرف».لذلك قررت حازما أن أدلو بدلوي المتواضع وأن أحدد لنفسي ولجمهوري الذي يقرأ في موقفي من فيلم شاب يحاول أن يفرض نفسه وأسلوبه واتجاهه في جداول السينما المصرية .. التي تتفرع وتتمزق وتبتعد عن جذورها.حرب الطواحينويؤسفني حقا أن أجد نفسي في موقع الاعتراض لا في موقع الدفاع وأن أترك زميلي الذي أحبه واحترمه يحارب طواحين الهواء وحده.إذ لم أجد في مقلب حرامية أية واحدة من المميزات التي رصدها في مقاله الإيجابي عن الفيلم .السيناريو المفكك والمقتبس عن فيلم أمريكي لم يستطع الكاتب أن يجعله يرتدي ثوبا مصريا مقنعا، وأنا بالطبع لست ضد الاقتباس، ولكن مع الاقتباس الذي يشعرك أن العمل خارج من احشاء الجسد المصري .. لا من فضلات الفيلم الأجنبي، وأعود كثيرا إلي الوراء واضرب مثلا بفيلم «ليلي» الذي مثلته ليلي مراد في أول طريقها والمقتبس عن غادة الكاميليا، الذي لم يشعر أي متفرج في مصر بأجنبيته أو باختلافه عن تقاليدنا وأخلاقيا تنا .سطحية الاقتباسالاقتباس في «مقلب حرامية» جاء ضعيفا وسطحيا وزاد سطحية هذه الاسماء المقحمة التي تحاول أن تعطي ضعة لكل واحد من أفراد العصابة، وكأنه يريد أن يفهم الجمهور «بالعافية» ما لم يستطع أن يفهمه بذكائه.محمود عبد المغني الذي صفقنا له طويلا في أفلامه الأولي تخلي عن جلده المصري ووجهه الواضح القسمات الشديد التأثير ليرتدي «قناعا» آخر لا يمت إليه بصلة.إنه يود أن يكون توم كروز آخر أو جورج كلوني أو براد بيت، دون أن يدرك أن قيمته الحقيقية كانت في أصالته المصرية وطبعته العفوية الحلوة التي اختفت تماما، وراء رداء ليس رداءه ومظهر خارجي ليس مظهره واحساس مزيف ليس احساسه .لقد أراد لنفسه أن يكون بطلا «لكمال الأجسام» وهو لا يملك العضلات المناسبة لهذا الدور.نمطية مؤسفةكذلك أحمد عبدالله الذي ابتدأ يسقط في النمطية المؤسفة التي سقط فيها من قبله حسن حسني التي جعلتنا ننسي أنه كان العملاق الذي رأيناه في فيلم علي بدرخان «الرغبة» في دور نافس فيه زميله الأجنبي الذي حاز علي الأوسكار لأداء هذا الدور المعقد، بقية أفراد العصابة كانوا يدورون تائهين كل منهم يحاول أن يجد لنفسه دورا خاصا به، فكانوا كأعضاء فرقة موسيقية يعزف كل منهم لحنه الخاص به دون وجود قائد يمسك بزمام اللحن ويرشده أو يوجهه، أما مخرجنا الشاب، فاكتفي بنقل ما يمكن نقله من إيقاع الفيلم الأجنبي وتقسيم الصورة إلي أجزاء ومحاولة خلق جو من التشويق البوليسي يعيدنا رغما عنا إلي مقارنته بالأصل، والتحسر علي ما أصاب سينمانا الشابة وآمالنا التي تتهاوي واحدا بعد الآخر حول قوتها الخاصة، واندفاعها الشاب. زاوية واحدة، ووافق الدكتور وليد سيف عليها وهو اعجابه بهذه النهاية غير المتوقعة في فيلم مصري الذي اعتاد علي نهاية عقاب المجرم وعودة الحال إلي ما كان عليه، وهي نهاية أيضا مأخوذة عن الفيلم الأجنبي ولا يعود الفضل فيها إلي جرأة كاتب السيناريو أو اقتحامه للممنوع، ولكني مع ذلك اوافق الدكتور علي رأيه في أن هناك شيئاًً من الشجاعة في تقديم نهاية كهذه .. في فيلم شعبي بوليسي موجه إلي الطبقات جميعا، ولكن هل تكفي هذه الشجاعة المقتبسة للوقوف إلي جانب فيلم يرمي كل شعارات الشباب جانبا وينادي بصوت عال بقوة رأسمال المنتج وحريته في أن يفعل في مصنفه السينمائي ما يشاء.أسفي الأكبر يتجه إلي المخرج الشاب الذي أحسست رغم كل العوائق التي وقفت في وجهه أنه يملك شعلة ضياء ملتهبة في أعماقه أحاطت بها كتلة ضخمة من الظلمات ومنعتها من الإشعاع.تري هل سيجد هذا المخرج الشاب الشجاعة للخروج من النفق المظلم الذي وافق مرغما علي إلقاء نفسه فيه.سؤال ربما كان موجها إلي كثير من شباب المخرجين المبدعين الذين ارادوا بقصد أو غير قصد أن يلقوا ستارا كثيفا علي مواهبهم وأن ينسوا دورهم المهم الذي عليهم أن يلعبوه في بعث السينما الحقيقية السينما الشابة التي تنثر الدم والياسمين وتصرخ عاليا في وجه القمر.

جريدة القاهرة في

03/03/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)