تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

منع فيلم «النجدة» لمارك أبي راشد بسبب التابو الجنسي والأخلاقي

حرمان المُشاهد من سينما ذات مستوى ومضمون

نديم جرجورة

هناك خطأ ارتُكب بحق الفيلم اللبناني الجديد «النجدة« (Help) لمارك أبي راشد: إطلاق «نقاش أخلاقي»، بدلاً من التنبّه إلى الجانب السينمائي. والخطأ، إذ أساء إلى الفيلم ومخرجه الشاب والعاملين فيه، نتج من غياب القراءة النقدية السليمة له. فقد تناول زملاء صحافيون وإعلاميون هذا الجانب فقط، مبتعدين كلّياً عن مفردات النقد السينمائي والجماليات الإبداعية المتفرّقة. والنقد الجدّي، بغيابه غير المقصود عن إشاعة مناخ صحي في مقاربة العمل الأول لصاحبه، «اتُّهم» بالترويج السلبي في تقارير صحافية ذكرت أن نقّاداً هاجموا الفيلم، واعتبروه عملاً «وقحاً»، في حين أن صحافة فنية (بالمفهوم اللبناني/ العربي) وإعلاماً مرئياً مسؤولان عمّا حصل: سحب إجازة العرض الممنوحة له من دائرة الرقابة اللبنانية، وتنصُّل مسؤولين في وزارة الثقافة من «دعمه» المعنوي/ المالي (!) السابق، وعدم رغبة الموزّع في الدفاع عن حقّ الفيلم في التواصل مع الجمهور. في حين أن هذين الصحافة والإعلام اهتمّا بجانب أخلاقي متزمّت ضد الفيلم ومضمونه، بينما تردّد أن نزاعات سياسية/ مذهبية/ انتخابية أفضت إلى إلغاء عروضه التجارية.

وقائع

تكمن المشكلة الأولى في مهاجمة الفيلم انطلاقاً من المشهد الجنسي، ومن اختياره شخصيتي عاهرة ومثلي الجنس كركيزتين أساسيتين لمضمونه الدرامي. لم يشأ أصحاب الأخلاق الحميدة أن يُسلَّط الضوء على وقائع اجتماعية وإنسانية حيّة وموجودة في صلب المجتمع اللبناني، لأن المرض الفكري والثقافي والتربوي متفشّ بقوّة في جسد هذا المجتمع وروحه. ببساطة شديدة، يُمكن القول إن رفض مهاجمي الفيلم لهاتين الشخصيتين نابعٌ من تزمّت أخلاقي/ اجتماعي ضاغط، بقوّة، على المجتمع وناسه؛ في حين أن الغرف المغلقة تشهد فساداً عنيفاً في شتّى أمور العيش اليومي في هذا البلد الموبوء بألف أزمة ومأزق. ببساطة أشدّ، يُمكن القول إن المنطق الأخلاقي في مناقشة الفيلم أمرٌ مرفوضٌ، لأن الفيلم مشغول بحرفية فنية وجمالية ودرامية جيّدة ومتماسكة إلى حدّ بعيد، ولأن النصّ السينمائي طالعٌ من داخل البيئة الحياتية والتربوية والاجتماعية اللبنانية، ولأن شخصيتي العاهرة والمثلي الجنس إنسانان مقيمان في حياتنا اليومية، ولا يحقّ لأحد التغاضي عن إنسانيتهما ووجودهما، ولا يجوز عدم احترامهما، إطلاقاً.

هناك مشكلة ثانية: قول البعض (صحافيين/ إعلاميين، عاملين في الحقل السينمائي، أناس عاديبن...) إنه «لا يسمح لأولاده بمشاهدة هذا الفيلم»، على الرغم من أن معظم رافضيه لم يُشاهدوه كاملاً، بل بنوا رفضهم على ما سمعوه في الإعلام المرئي، أو ما قرأوه في الصحافة. فهل الأفلام كلّها صالحة للمُشاهدة من قبل الجميع؟ وهل الأعمال الفنية والأدبية كلّها موجّهة للأعمار كلّها؟ ألا يعتمد الغرب (العلماني، الديموقراطي، المنفتح، العصري) مبدأ الأعمار، فيمنع من هم دون عمر محدّد من مشاهدة هذا الفيلم أو تلك المسرحية مثلاً، تماماً كما تفعل إدارات المحطّات التلفزيونية الغربية، التي تتحمّل مسؤولية ما تبثّه شاشاتها الصغيرة، بالتوافق والتكامل مع مسؤولية الأهل والمجتمع وقوانين التربية اليومية؟ ألا يُمكن تطبيق هذا المبدأ في العروض السينمائية التجارية؟ وبالتالي، أليس الفساد المتنوّع (في الغالبية الساحقة من السياسة والثقافة والإعلام والاقتصاد والتربية والعلاقات والحياة اليومية) منتشرا بقوّة في الأروقة المعتمة للنظام الطائفي اللبناني هذا؟ وهل المنع قادرٌ على إلغاء الحقائق والوقائع الموجودة فعلياً؟ والمشهد الجنسي نفسه، هل هو مُسقط على الفيلم من خارج المجتمعات الإنسانية/ البشرية والحيوانية أيضاً، أم جزء أساسي من حياة البشر والحيوانات؟ هل هو فعل فاضحٌ إذا صُوّر سينمائياً، بينما يبقى فعلاً مقبولاً به إذا مورس في الخفاء؟ أليس المشهد الجنسي هذا أحد الوجوه الأساسية والمهمّة في السياق الدرامي لفيلم لم يُشاهده معظم مهاجميه ومروّجي رفضه؟

قيل كلامٌ شبيهٌ بهذا إثر صدور العدد الأول من مجلة «جسد»، لأن المجلة «كسرت» شيئاً مهمّاً من المحرّم الجنسي، بتوغّلها في شؤون الجسد، ثقافة وتعاطياً وفكراً وجمالاً. والدليل على هذا: لم يُناقش العدد المذكور نقدياً، ولم تُنشر كتابات جدّية «تتحاور» و»تتواصل» مع المواضيع المنشورة فيه ومع كتّابها؛ بل هوجمت المجلة قبل صدورها وبعده، من منطلقات «أخلاقية» بائسة فقط. في المقابل، فإن عدم السماح لمن هم دون عمر محدّد من مشاهدة فيلم أو قراءة مجلة أو متابعة برنامج تلفزيوني يبقى المبدأ الأسلم وسط الانهيارات الجمّة التي يُعانيها لبنان واللبنانيون، في ظلّ النزاعات الخطرة المقيمة بينهم منذ دهور؛ بينما يؤدّي منع الرقابات المتزمّتة والمتفرّقة إلى مزيد من تشويه المجتمع وناسه، ومن إدامة العصر الظلامي والجهل والعزلة.

سينما

لا يعالج فيلم مارك أبي راشد أموراً غريبة أو منزلة من فضاء مهجور، لأنه توغّل في متاهة العيش اللبناني، وعاين مواقع حياتية جديرة بالاهتمام والمتابعة، بعين سينمائية بحتة. فالعاهرة والمثلي الجنسي شخصيتان حقيقيتان، سواء تشدّق الأغيار على الأخلاق الحميدة بتمسّكهم (الملتبس) بهذه الأخلاق، أم لا. وهما شخصيتان تعيشان ظروفاً صعبة وقاسية، لأن المجتمع اللبناني يعاني أمراضاً جمّة تحول دون تطوّره، بل تمنعه من الخروج النهائي من ورطة النظام المتحكّم بشؤون الناس في حياتهم ومماتهم؛ تماماً كبقية شخصيات الفيلم (الصبي الفقير، رجل الأعمال الثري، سائق سيارة الأجرة، شباب يسهرون ويرقصون ويشربون الخمر ويتعاطون المخدرات ويمارسون الجنس). والفيلم، إذ أمعن النظر في تفاصيل الحياة اليومية لهاتين الشخصيتين، ولشخصيات أخرى غارقة في الفقر والألم والتمزّق والعيش على تخوم اللعبة الخطرة للقدر، بدا جميلاً في رسمه الملامح الإنسانية والمعالم الاجتماعية، من دون زيف اجتماعي أو ادّعاء ثقافي أو تصنّع فني. والنصّ السينمائي، إذ لامس حقائق ووقائع معيشة ومعروفة (وإن تمّ التغاضي عن غالبيتها في التداول الثقافي/ الفني، بسبب طغيان القوانين الاجتماعية والقواعد الرقابية في النظام الطائفي المترهّل)، شكّل من صُوَره ومساره الدرامي وتوليفه وألوانه وفضائه الإنساني شهادة بصرية جادّة ومهمّة، تُضاف إلى لائحة الأفلام اللبنانية القليلة التي يسعى صانعوها، من خلالها، إلى كسر الحصار القائم على المجتمع والناس، وإلى مقارعة المحرّمات، بالتزام واضح وجدّي بالفن السينمائي وبقواعده الجمالية والفكرية والفنية والتقنية. إنه إضافة نوعية للسينما اللبنانية الجديدة، لأنه اختار، بإنتاجه القليل وأدواته التقنية المتواضعة، أن يكون انعكاساً لبعض ما يعتمل في قلب المجتمع اللبناني، من دون خطابية أو ثرثرة بصرية أو كلامية. فهو يروي، باختصار، قصّة عاهرة مهدّدة بالقتل من رجل أعمال ثري، يعاني ألماً داخلياً جرّاء مقتل ابنه أمام عينيه في حادث سير. تلتقي العاهرة، التي ترتبط بعلاقة صداقة بمثلي الجنس، صبياً فقيراً يعيش وحيداً ومتشرّداً؛ في حين أن الصدفة تجمع رجل الأعمال هذا بسائق سيارة أجرة، يكتشف أن شبهاً بينهما كبيرٌ للغاية. حكايات من قلب المجتمع، وتفاصيل مشغولة في مشاهد صامتة غالباً، وملامح وجوه تسرد القصص بجمالية أكبر من أي كلام أو حوار، ومسار درامي يعكس قوّة القدر والصدف في تلاعبهما بالناس وبمصائرهم.

هناك تفاصيل درامية مهمّة في السياق العام للحبكة. هناك اشتغال تقني جميل، محتاج إلى بعض التشذيب الفني، كي تكتمل الصورة البهيّة للعمل، خصوصاً أن طريقة التصوير وبناء الشخصيات وكتابة القصّة وإدارة الممثلين غير المحترفين أساساً، وبالتالي بنية التمثيل بحدّ ذاتها؛ أمور مشغولة بحرفية واضحة. وإذا بدت الموسيقى طاغية بشكل نافر، في أحيان عدّة، فإن المشاهد الليلية محكمة البناء والتصوير، والتفاصيل اليومية تظهر على الشاشة من دون تصنّع أو مباشرة، بل بمواربة فنية جميلة. لهذا كلّه، يُفترض بفيلم مارك أبي راشد أن يُعرض كاملاً في الصالات اللبنانية، وأن تواكبه قراءات نقدية سوية ومتحرّرة كلّياً من أي خطاب أخلاقي مرفوض، أصلاً، في مناقشة الأعمال الفنية كلّها (على الأقلّ).

السفير اللبنانية في

26/02/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)