تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

بصـــــــرة والسينما في الاتجاه الآخـــــــر

ماجدة موريس

عن الشباب والصراع الذي لا ينتهي بين الداخل والخارج، والاشتياق لمجرد «العيش في سلام» وممارسة قدر من الحريات يسمح بالتوازن والاستمرار في زمن صعب تتوالي علينا مصائبه يوميا من كل مكان، وخاصة شاشات التليفزيون لتحكم حصارنا، يأتينا هذا الفيلم الطموح والجميل «بصرة» أول الأفلام الروائية الطويلة للمخرج أحمد رشوان.

رشوان عرفناه جيدا من خلال أعماله التسجيلية والقصيرة التي كان محورها دائما البحث عن الإنسان، لذاته أو ضمن الحدث في كل مكان من القاهرة لصعيد مصر ودلتاها.. وهو هنا يستكمل شغف الإنسان من خلال أبطال فيلمه «طارق» المصور الفوتوجرافي و«حمادة» مخرج الكليبات وأيضا «زياد» و«مني» ثم «نهلة» وأيضا «نسرين» التي تعمل موديل «وهند» التي تهوي صنع العرائس.. وهو ينتقي من هؤلاء طارق «باسم سمرة» ثم حمادة «إياد نصار» ليتوقف عندهما ولتكون ذواتهما بكل ما فيهما من تضاريس وعلاقات نموذجا للتعامل مع الجيل ورؤيته دراميا ودلاليا، في إطار شريحة من البشر يمكننا تسميتها «شباب وسط البلد» هؤلاء الذين نراهم في مقاهي القاهرة ومقاصدها الثقافية الأقرب للنخبة، وأيضا مظاهراتها المعبرة عن تواجد «ضمير» إنساني يقظ ونشط يرفض الصمت حين يصبح الرفض أو الكلام ضرورة.. والفيلم نفسه يبدأ بموقف من هذه المواقف الفارقة في التعبير عن هوية أبطاله هو مظاهرة ضد احتلال أمريكا للعراق (2003) يشارك فيها «زياد» و«مني» اللذان كانا قد قررا الزواج، واللذان ينجحان في الإفلات من الهجوم الأمني علي المتظاهرين، لكنه يلحقهما في منطقة أخري، حين يتوقفان بالسيارة جانبا ليقعا تحت دائرة «الاشتباه» وممارسة «الإحراج» الأمني لشاب تجاه فتاته برغبة كامنة في تجريسهما، وهو ما يدفعهما للاستنجاد بـ «طارق» صديقهما المصور، ويخلي سبيلهما بشكل ما «لم يحدده الفيلم» ليتم الاحتفال بهما لدي «حمادة» مخرج الكليبات وحيث يكشف الفيلم عن عالمين متوازيين مختلفين يمثل كل منهما «حمادة» و«طارق» اللذان تجمعهما الصداقة والمحبة الصادقة فقط وقدرة كلاهما علي فهم حرية الآخر وتقبلها بلا تعقيب أو ادعاء، وهو ذات ما يحدث مع بقية أفراد الشلة الذين يدركون الفروق بين حمادة وطارق، ويستكشفون مساحات الجمال الإنساني لدي الأول الذي لا يكف عن تعاطي المخدر ولفه في السجائر وهو يضايف أصدقاءه، أو يعامل أباه بإجلال كبير وحساسية تتجلي في كل سلوكياته المهادنة الباحثة عن السلام بالانسحاب إلي الذات وإلي الفضاء حين يترك مسكنه ليسكن فيلا في منطقة جديدة بالصحراء، وبعد فترة يموت وكأن الموت، أيا كان سببه، هو وجهة النظر التي يطرحها المخرج تجاه هذه الشخصية التي تناقض الشخصية الأخري، «طارق» الذي كان في طريقه لمناقشة رسالة الدكتوراة والحصول علي اللقب العلمي الكبير ولكنه ترك الأمر برمته بعد حوارات قليلة مع مصور أجنبي قابله خارج مصر، وعرف عنه شغفه الكبير بالتصوير فتساءل، «وكأنه جاء في موعده القدري» لماذا لا يعمل ما يحب؟.. وهكذا تحول طارق إلي مصور فوتوغرافي يجوب بكاميراته شوارع القاهرة ويقتحم أحداثها ويرصد نبضاتها ويتفاعل مع أقرانه الذين يملأون أروقتها غضبا مما يحدث لهم بداخلها، وخارجها حين تلقي عليهم شاشات التليفزيون «حمولتها» اليومية من مشاهد الدمار والهدم وموت البشر في بلد شقيق وقريب، والفيلم في هذا الجزء تحديدا، أي ما يخص الحرب علي العراق والاحتلال الأمريكي ، يقدم ضمن وعائه الدرامي متتالية تلخص سقوط العراق في لقطات مكثفة شديدة الأهمية تعبر عن تلقي طارق وأصدقائه وغيرهم في مصر لمراحل الغزو في البداية وما بعدها وصولا لتحطيم تمثال «صدام» وما بعده من انفجارات في شوارع العراق وهو ما يحيلنا بالضرورة إلي أحداث غزة عام 2008، أي بعد خمس سنوات من أحداث العراق، وكيف أصبحت «الحمولة» التليفزيونية الفضائية ضمن مفردات حياتنا اليومية وأحلامنا وأعصابنا، وهي هنا تطرح من خلال «بصرة» المعني المزدوج لعلاقة الحرب بالحياة في الزمن المعاصر حين تصبح «البصرة» كلمة معبرة عن تطابق ما في حياة «طارق» و«نهلة» التي قابلها وأحبها واتضح أنهما متطابقان في أمور كثيرة منها أن كليهما مطلق حديثا أي «بصرة».. في ذات الوقت الذي كان التليفزيون فيها يعلن عن سقوط «البصرة» المدينة، وتأتي علاقة الاثنين في الجزء الثاني من الفيلم لتكون جزءا من البناء الدرامي تقويه وتضع المفارقة أمامنا واضحة بين حيوات كل من طارق ونهلة في مقابل حمادة وكل العلاقات المسطحة التي مر بها.. ولتطرح علينا واحدة من أنضج العلاقات الإنسانية بين شاب وفتاة علي شاشة السينما المصرية علي المستوي الدرامي والفكري وعلي مستوي الأداء التمثيلي أيضا لكل من باسم سمرة ويارا جبران «الممثلة الجديدة التي قامت بأداء دور نهلة»، أما «إياد نصار» ممثل دور حمادة، وهو ممثل أردني شاب موهوب بدأ منذ سنوات قليلة العمل في الدراما التليفزيونية المصرية فهو هنا مكسب مؤكد للسينما أيضا، والثلاثة مع غيرهم ممن لا أذكر أسماءهم للأسف اختيارات مهمة لكاتب الفيلم ومخرجه أحمد رشوان ومعهم المصور فيكتور كريدي والمونتير كريم الزيتوني والمونتيرة نادية حسن والموسيقي خالد شكري فنحن إزاء فيلم مختلف لمخرج يعرف جيدا ماذا يريد ولديه الكثير مما نتوقعه في السنوات القادمة، ومن حسن حظه أن الفضائيات فتحت أبوابها السحرية للإنتاج السينمائي مؤخرا ومنها شبكة الأوربت التي يأتي هذا الفيلم في باكورة أعمالها التي تولي المسئولية الإنتاجية لها الكاتب والمخرج هيثم حقي.. فمرحبا بأفلام تخرج من قبضة السائد والمألوف والذي عانينا منه سنوات طويلة.. ولاتزال بالمناسبة فإن الفيلم لايزال غير معروض علي العامة برغم حصوله علي جائزتين دوليتية من مهرجان «فالنسيا» بإسبانيا، ومهرجان القاهرة السينمائي الدولي الأخير.. ولعل المانع من العرض يزول قريبا.     

الأهالي المصرية في

18/02/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)