حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

"عشم" قصيدة سينمائية عن بلد يجمع شمل العشاق

سمير فريد

 

في أول أفلامها الروائية الطويلة "عشم" تثبت مخرجته ماجي مرجان أنها شاعرة سينمائية تعبر عن رؤية إنسانية رحبة تذكر بعالم الكاتب الروسي العظيم أنطون تشيكوف (1860-1904) الذي كان يقول دائماً "قدس الأقداس عندي هو الإنسان"، والذي عبر عن ذلك في روائعه من القصص القصيرة والمسرحيات.

تأتي ماجي مرجان إلى الأفلام الروائية الطويلة بعد عدة أفلام قصيرة روائية وتسجيلية كتبتها وأخرجتها وأنتجتها طوال أكثر من عشر سنوات، وكلها أفلام مستقلة حيث تعتبر الفنانة من رواد حركة السينما المصرية المستقلة. وقد عرض الفيلم لأول مرة في مهرجان الدوحة ترايبكا في قطر عام 2012، ويعرض الآن في دور العرض في مصر.

ماجي مرجان "مؤلفة سينما"، ليس لأنها تكتب أفلامها، فالمؤلف السينمائي هو من يعبر عن عالم خاص بأسلوب متميز، سواء كتب السيناريو أو لم يكتبه. وهي مؤلفة "أصيلة" تعبر عن نظرتها للحياة والعالم، ويبدو ذلك بوضوح في العلاقات الوثيقة التي تربط بين فيلمها الروائي الطويل الأول وفيلمها الروائي القصير "منهم فيهم" عام 2007. فكلا الفيلمين عن شباب الطبقة الوسطى الميسورة في القاهرة المعاصرة من نفس جيل الفنانة، وعوالمهم الداخلية المتناقضة، وكلا الفيلمين لا يأخذا شكل قصة ذات بداية ووسط ونهاية، وإنما مجموعة قصص تتداخل وتتشابك.

وبينما يقتصر "منهم فيهم" على شباب الطبقة الوسطى، يتسع "عشم" لكل طبقات المجتمع في القاهرة والإسكندرية، وتمتد أصول شخصياته من القرى الصغيرة في الدلتا إلى الصعيد في المنيا. "منهم فيهم" مثل "عشم" من التعبيرات المصرية الخالصة التي يصعب ترجمتها إلى لغات أخرى بدقة تتضمن كل ظلال التعبير. منهم فيهم تعني أن كلهم معاً يتحملون مسئولية أفراحهم وأتراحهم، وتعني أيضاً التداخل والتشابك، وعشم يعني ما هو أكثر من الأمل وإنما القدرة على الاحتفاظ بالأمل والتفاؤل رغم كل الصعاب، وبقدرة الإنسان على عدم فقد مشاعرة الإنسانية الفطرية.

عالم صغير واحد

عبر النوافذ المتجاورة تنشأ صداقة بين نادين (أمينة خليل) وزوجها رمزي (محمد سرحان) وبين جارهما عادل (محمد خان) الذي يعيش وحيداً، ويسافر دائماً إلى أوروبا. وتعاني نادين من عدم الإنجاب، وتبحث عن وسائل للعلاج، ورغم أن رمزي لا يشعر بأن هناك مشكلة كبيرة، ويحاول عادل الذي يكبرهما في العمر أن يخفف عنهما بالإعلاء من شأن الحب.

ومن قرية قريبة من القاهرة تأتي الشابة الصغيرة رضا (نجلاء يونس) لتعمل في تنظيف حمام مركز تجاري كبير تحت إشراف "الريسة" أم عطية (سهام عبدالسلام). وتتبادل رضا الحب مع مصطفى (علي قاسم) أحد موظفي أمن المركز. ويعمل كلاهما لتحسين شروط حياته، فتنتقل رضا إلى العمل كبائعة في إحدى متاجر المركز، ويسعى مصطفى لتأسيس شركة صغيرة للنقل.

ويقوم عماد (محمود اللوزي) المحاسب بتحاليل دم تقلق زوجته نادية (نهى الخولي) التي ترعاه وترعى أولادهما. ومن المنيا تأتي ابتسام (منى الشيمي) للعمل كممرضة في إحدى المستشفيات الكبرى، وتحب في صمت الدكتور مجدي (مينا النجار)، ولكنه لا يشعر بحبها. وعندما يقرر السفر إلى أمريكا لمدة ثلاث سنوات يطلب منها رعاية والدته المريضة التي تعيش وحدها. وفي الأسكندرية تنتهي العلاقة بين فريدة (مروى ثروت) وشريف (سيف الأسواني) عندما تدرك أنه يرتبط بوالدته (سلوى محمد علي) أكثر من ارتباطه بها. والقصة السادسة عن داليا (سلمى سالم) وابن عمها أشرف (هاني سيف)، وهما مخطوبان عن حب قديم، ولكن أشرف يقرر إنهاء الخطوبة والسفر إلى ماليزيا والعمل هناك

أما عشم (شادي حبشي) فهو شاب هامشي لا يجد عملاً سوى بيع البالونات وتسلية الأطفال في الشوارع، وهو الشخصية التي تربط بين القصص الست حيث نراه في بداية الفيلم يتحدث مع رضا في "الميكروباص" الذي تستقله للذهاب إلى المركز التجاري في حي مدينة نصر لاستلام عملها. وبحكم حياته في الشارع في قلب حي مصر الجديدة حيث تسكن جميع الشخصيات وحيث توجد المستشفى التي يعمل بها الدكتور مجدي وابتسام، يلتقي عشم مع رمزي في الشارع، ومع نادية وهي في "تاكسي" عندما يحاول أن يبيع لها بالونة، ويراه الدكتور مجدي والشرطة تقبض عليه لأنه يبيع بدون ترخيص، ويلتقي مع فريدة عندما يصبح عاملاً في مصعد العمارة التي تسكن بها. وفي النهاية يلتقي مع ابتسام في الشارع، ويوحي اللقاء ببداية علاقة بينهما.

تبدو كل شخصيات الفيلم من مختلف الطبقات والأجيل والأديان، ومن مدينة نصر إلى مصر الجديدة، ومن القاهرة إلى الإسكندرية، وكأنهم أسرة واحدة، منهم فيهم، يربط بينهم العشم. عندما تمرض أم عطية تذهب إلى المستشفى، وترعاها ابتسام، وتزورها رضا. وفي نفس الشارع يتحرك الدكتور مجدي في اتجاه، وأشرف في الاتجاه المعاكس، ويلتقيان في النهاية في مطار القاهرة، وكل منهما يجلس إلى جانب الآخر من دون أن يتعارفا. إنه عالم صغير واحد، مكانه مصر في الزمن الحاضر، زمن إنتاج الفيلم، ولكنه مصغر للإنسانية كما تراها المؤلفة.

لا توجد "احداث" درامية كبرى نتابع تطورها كالميلاد والوفاة والزواج والطلاق والغيرة والخيانة والصراع والنجاح والفشل، وإنما نحن نتابع حركة مشاعر إذا جاز التعبير. لا يوجد أخيار وأشرار، وإنما بشر يرغبون في استمرار الحياة وتحقيق قدر ما من السعادة في ظل كل الظروف.

ومن أكثر شخصيات الفيلم "تشيكوفية" الممرضة ابتسام التي تحب الدكتور مجدي رغم أنه لا يشعر بحبها على الإطلاق في غمار اهتمامه بعمله، تماماً مثل أشرف الذي يضحي بالحب المتبادل بينه وبين داليا في غمار طموحاته العملية. ومن الشخصيات التشيكوفية أيضاً أم عطية التي تعامل رضا في البداية باعتبارها "الريسة"، بل وتحقر من شأنها، ولكنها لا تجد غيرها تزورها في المستشفى عندما تمرض. وأم عطية وحيدة مثل عادل.

والأطفال في الفيلم عابرون، وهم لا يستكملون الأجيال فحسب، وإنما يمثلون البراءة الكاملة في مواجهة الواقع المعقد. هذه طفلة الأسرة التي تعيش معها ابتسام تسألها عن معنى رباعية صلاح جاهين التي تكتبها وترددها، وهذه أخرى تلتقي معها داليا في الملاهي، وتحكي لها عن والدها الذي ذهب للعمل في ليبيا، ولكنه في رأيها يحب امرأة أخرى غير والدتها. ثم هناك المجنون (أمجد رياض) الأشعث الهائم على وجهه في الشوارع، والذي نراه يعبث مع عشم، ونراه يحاول الانتحار من فوق أحد المباني أثناء مرور عماد وهو يقود سيارته.

المسلم والمسيحي

وتعبر ماجي مرجان في فيلمها عن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصر على نحو غير مسبوق في عمقه وجماله وبساطته. ففي ذروة قلق نادية على زوجها وهو يجري التحاليل تستقل تاكسياً لأنها لا تعرف قيادة السيارات، وعندما ترى السائق يعلق صورة المسيح تطلب منه أن يذهب بها إلى كنسية الزيتون التي يقال أن العذراء ظهرت على سطحها. وهناك نرى نادين التي تنشد الإنجاب، ونعرف لأول مرة أنها مسيحية، وتشترك كل من نادية ونادين من دون أن يتعارفا في إشعال الشموع في الكنيسة. وفي لقطة واحدة سريعة بعد ذلك نرى نادية تعدل من وضع آية قرآنية في منزلها ونعرف لأول مرة أنها مسلمة

ومن المعروف في مصر أن تقليد إشعال الشموع في الكنائس لا يقتصر على المسيحيين، وإنما يشمل المسلمين أيضاً سواء في المدن الكبيرة أم الصغيرة. وهو أمر طبيعي لأن المسلم يؤمن بالميلاد العذراوي للسيد المسيح، ويؤمن بنبوته، بل وأن العذراء هي المصفاة على نساء العالمين، أي عالمنا والعالم الآخر، ولكن هذا التقليد ربما لا يحدث إلا في مصر.

وفي الحوار بين نادية وسائق التاكسي تعرف أن اسمه إبراهيم (إبراهيم كمال)، وأن زوجته مريضة، فتعده بأن تساهم في تكاليف علاجها إذا جاءت تحاليل دم زوجها عادية. وعلى نحو "تشيكوفي" خالص يرفض إبراهيم الفكرة اعتزازاً بكرامته. وعندما تظهر التحاليل عادية تفي نادية بوعدها، ولكن بأن تطلب منه تعليمها قيادة السيارات حتى لا تجرح كرامته، ويكون تبرعها لزوجته مقابل عمل يقوم به.

والمشهد الأخير في الفيلم لنادية تقود السيارة، وتستمع في الراديو إلى أغنية ليلى مراد مع نجيب الريحاني في فيلم "غزل البنات" إخراج أنور وجدي عام 1949، والتي تقول فيها "رايحين ع البلد اللي تجمع شمل العشاق، نفرح ونغني ونودع عهد الأشواق". ومنذ بداية الفيلم عندما نرى نادية وعماد في منزلهما لأول مرة نشاهد نفس الأغنية تذاع في التلفزيون.

ليلى مراد كمغنية ونجيب الريحاني كممثل ليسا فقط من رموز الفنون المصرية في القرن العشرين، وإنما يعبران أيضاً عن الهوية الثقافية المصرية الحديثة التي تبلورت في النصف الأول من ذلك القرن، فهي مصرية يهودية أسلمت في شبابها، وهو مصري مسيحي من أصول لبنانية. وهذه الهوية الثقافية قائمة على التعدد، وفي التعدد تكمن حداثتها، كما تتفق مع طبيعة تكوين الشعب المصري.

الكلاسيكية والحداثة

"عشم" عمل فني كلاسيكي المضمون من حيث رؤيته الإنسانية، وحداثي الشكل من حيث البناء الدرامي المركب، وشاعري من حيث الأسلوب، ومصري من حيث الهوية الثقافية.

يبدأ الفيلم بتقديم شخصيات القصص الست، ثم يتابع تطور كل قصة متنقلاً بين كل منها في نفس الوقت في 87 دقيقة. وهو بناء يواجه تحديات درامية عديدة أهمها التعمق في التعبير عن العلاقات بين الشخصيات، وقد نجحت الكاتبة المخرجة مع أغلبها، ولكن التعبير كان إخبارياً أكثر منه درامياً في قصة فريدة وشريف.

ويقوم المونتاج الذي اشترك فيه أحمد عبدالله السيد وهشام صقر بدور حاسم في مثل هذا البناء حتى أن الفيلم يصنع على أساس المشاهد التي صورت، وليس التي كتبت. ورغم التحديات فقد جاء العمل سلساً إلى حد كبير، وتضافر شريط الصوت مع شريط الصورة حيث قام بالميكساج أحمد جابر، سواء في استخدام المؤثرات الصوتية الواقعية، أو الموسيقى التي ألفها أحمد مصطفى وخالد الكمار وأشرف عليها هاني عادل. والفيلم مصور ديجيتال بالألوان، وفي حدود كاميرا الديجيتال تمكن مدير التصوير رؤوف عبدالعزيز من الإمساك بجوهر الأسلوب الذي يقوم على تصوير مشاهد واقعية من الحياة اليومية العادية والحوار العادي بين الشخصيات، ولكنه يعتمل بالمشاعر الداخلية، والتفاصيل الصغيرة التي تبرز هذه المشاعر.

وتتكامل مفردات لغة السينما مع التمثيل في صياغة الأسلوب الشاعري الذي ينتمي إلى السينما الخالصة، فالفيلم هو كل لقطة فيه من البداية إلى النهاية، والمعنى في العلاقات بين اللقطات، ولا يلخص في جملة أدبية. وكل العاملين في الفيلم وراء الكاميرا من السينمائيين الشباب الذين لا يمتلكون خبرات كبيرة، ولكن طموح لا حدود له من أجل التجديد، ومن أجل الوصول إلى الصدق الفني. وكل الممثلين والممثلات مختارون بعناية، وتديرهم مبدعة الفيلم بمهارة، وأغلبهم ربما يمثلون لأول مرة ويمنحون الفيلم طزاجة واضحة، ويلمع منهم بقوة شادي حبشي في دور عشم ونجلاء يونس في دور رضا ومنى الشيمي في دور ابتسام ونهى الخولي في دور نادية ومينا النجار في دور الدكتور مجدي. وتكمن شاعرية الأسلوب في الإيقاع الهادئ المتأمل، وفي استبعاد المواقف القطعية، والآفاق المفتوحة للعلاقات الإنسانية. حتى أشرف والدكتور مجدي نراهما في المطار، وليسا مسافرين. ولا أحد يدري ماذا سيحدث بين ابتسام وعشم، أو بين رضا ومصطفى، بل هل جاءت تحاليل دم عماد عادية فعلاً أم يقول ذلك لزوجته ليهدئ من روعها.

"عشم" تجربة فنية جديدة بكل معنى كلمة التجربة وبكل معنى كلمة جديدة، وهو يؤكد مكانة منتجه محمد حفظي ودوره الكبير في تطور السينما المصرية المستقلة، ومكانة مؤلفته كعلم من أعلام هذه السينما.

الجزيرة الوثائقية في

27/06/2013

 

اتجاه جديد في السينما الإيرانية.. "برويز" نموذجا

أمير العمري  

نظمت الدورة الثانية والأربعون من مهرجان روتردام السينمائي برنامجا خاص للأفلام الإيرانية، تحت عنوان "إيران: الداخل والخارج"، عرض خلاله 36 فيلما روائيا وتسجيليا، طويلا وقصيرا، سواء من الأفلام التي تنتج داخل إيران في ظل الرقابة المتشددة القائمة حاليا أو أولئك الذين يهربون من الرقابة عن طريق تصويرالأفلام بشكل سري في الداخل الإيراني، أو الأفلام التي تنتج خارج إيران من جانب مخرجي السينما الإيرانيين الذين يعيشون في المهجر (أو في المنفى).  

تعكس مجموعة الأفلام التي عرضها المهرجان تنوعا شديدا في الأساليب والاتجاهات الفكرية والاهتمامات الإنسانية، لكن أكثر الأفلام بروزا في هذا البرنامج كانت تلك الأفلام التي يمكن اعتبارها إعلانا عن سينما إيرانية جديدة تقدم بأسلوب جديد، وتبدو وقد تخلصت تماما من تراث العشرين عاما الأخيرة، وتحديدا من أسلوب عباس كياروستامي الذي يعتبر الأب الروحي أو الملهم الذي أثر في شباب جيل الموجة الجديدة في السينما الإيرانية التي ظهرت في أوائل التسعينيات ويمكننا القول إنها إنتهت عمليا بظهور إتجاهات متنوعة من خلال الأفلام التي شاهدناها خاصة ما جاء منها من الداخل الإيراني

سمات سائدة 

كانت الأفلام الإيرانية في معظمها، طيلة ما يقرب من عشرين عاما، أفلاما بسيطة في تركيبها، تميل إلى المزج بين الأسلوبين الدرامي والتسجيلي، وكانت أيضا تنتهج رؤية تقوم على استبعاد كل عناصر الصراع الحقيقية التي توجد داخل المجتمع، داخل الأسرة، بين الرجل والمرأة، وبين الزوج وزوجته، وبين الإنسان والسلطة، مستبعدة الكثير من الأفكار التي يمكن أن تتهم بأنها من الأفكار "المناهضة للجمهورية الإسلامية" أي خارجة عما تحدده أجهزة الرقابة على السينما والفنون بدعوى حماية القيم الإسلامية في إيران

وكان أسلوب كياروستامي يبتعد عن الصياغة المألوفة لرواية قصة، كما يهتم بالتفاصيل أكثر من اهتمامه بالخط الرئيسي، بل وأحيانا ما يغيب تماما وجود أي خط رئيسي في أفلامه

كات أفلام كثيرة تركز على الطفل في بطولتها بديلا عن الرجل، وتستبعد المرأة إلا باعتبارها أما أو زوجة تقف في خلفية الحدث، وكان المخرجون يفضلون التصوير في الريف بدلا من المدينة، ويقدمون الكثير من المواضيع التي يتم تصويرها بطريقة تجريدية، تبدو للمشاهد وكأنها تدور خارج الزمان والمكان، أو تهرب إلى الحدود الإيرانية- العراقية، للحديث عن تضحيات إيران في حربها الطويلة  المرهقة مع العراق

كان عباس كياروستامي يخترق هذه  القيود أحيانا، بحكم ما يتمتع به من شعبية توفر له غطاء داعما في الخارج، فيصور أفلاما ذات طابع تسجيلي، منها ما قد يدور داخل سيارة "تاكسي" تعمل عليه إمرأة مثلا، لا تغادرها الكاميرا في حين يتناوب على الصعود إليها شخصيات كثيرة متعددة ومتنوعة، تقدم رؤية موجزة للواقع في مدينة مثل طهران، أو كان يتوقف أمام وجوه متعددة للمرأة تتعاقب على الشاشة واحدة وراء الأخرى،  تتأمل في فيلم يعرض أمامها على شاشة لا نشاهدها ابدا، بل نتابع ردود الفعل على الوجوه. والقصة لها مغزى في التاريخ الإيراني، ?فهي قصة شرين الأميرة الأرمينية التي أحبت ملك فارس خوسرو وتخلت عن عرشها من أجل أن تلحق به في بلاده لكنه يتخلى عنها بسبب انشغاله في معاركه وصراعاته السياسية التي تقوده إلى روما حيث يتزوج ابنة الامبراطور من أجل تحقيق هدفه في العودة إلى فارس والانتقام لهزيمته واستعادة ملكه.  

كان الأول هو فيلم "عشرة"، والثاني فيلم "شيرين". وقد ترك كياروستامي تأثيره الكبير على مخرج مثل بهمن قوبادي في "زمن الجياد السكرانة" و"السلاحف يمكن أن تطير"، وعلى جعفر بناهي في "البالون الأبيض" و"المرآة" و"الدائرة". 

كان الطابع العام السائد تجريديا تجريبيا، لا يروي قصصا ولا يقترب كثيرا من الواقع الحالي، ويستبعد أفكارا مثل "الجريمة" أو "الخيانة" بشتى أنواعها مثلا، أو الطلاق، و"القتل" استبعادا تاما لأنها أفكار تتعارض مع ما يريد أن يروج له النظام الحاكم. وظل الأمر كذلك إلى أن ظهر فيلم "انفصال" قبل عامين للمخرج أصغر فرهدي. وكان الفيلم يتناول قضية تعد "سلبية" من وجهة النظر الرسمية، فهو يصور تدهور العلاقة بين زوج وزوجته التي ترغب في مغادرة إيران مع إبنتها وزوجها، لكن الزوج يرفض لأنه مضطر للبقاء لرعاية والده المقعد المسن، فتسعي الزوجة للحصول على الطلاق، بينما يحتفظ الزوج بالإبنة وتغادر الزوجة المنزل إلى بيت أسرتها. ولكن المحكمة ترفض دعوى الطلاق، ويجد الزوج نفسه في خضم قضية أخرى حينما تتهمه الخادمة التي استأجرها بالاعتداء عليها والتسبب في إجهاضها بعد محاولته طردها من المنزل. وكان الفيلم يطرح بوضوح قضايا تتعلق بالتناقضات الطبقية، وبالإنفصال القائم في المفاهيم بين الرجل والمرأة، وبين النظام القضائي والمرأة التي تحرم من الكثير من الحقوق، وكان يناقش أيضا مفهوم العدالة في ظل النظام الإسلامي.. وغير ذلك. وقد نجح الفيلم نجاحا كبيرا وحصل على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي.  

ويمكن القول إنه من معطف "انفصال" ظهرت بعد ذلك موجة أخرى جديدة تناقش الكثير من القضايا والمواضيع كان "مسكوتا عنها" في الماضي

دراسة حالة 

من هذه الأفلام فيلم "برويز" للمخرج Barzegar  وهو ثاني أفلامه الراوائية الطويلة بعد فيلم "مواسم ممطرة" Rainy Seasons (2011). وقد عرض في مهرجان روتردام الأخير

يصور الفيلم كيف يعيش "برويز"، وهو في الخمسين من عمره، مع أبيه، في شقة فاخرة في مجمع سكني في إحدى ضواحي طهران. إنه مفرط في البدانة، لا يبدو انه يغير ملابسه الداكنة، يتحرك، ويدخن ويخفي الدخان عن والده الذي يغضبه أن يراه مدخنا في منزله.. فهو "طفل كبير".. نسمع صوت تنفسه طوال الفيلم، بحكم بدانته.. وهو أيضا غير متزوج، ولا يؤدي عملا حقيقيا بل يقوم متطوعا بتوصيل أبناء الجيران إلى المدرسة بواسطة سيارة يمنحه إياها أحد الآباء من وقت إلى آخر، أو يقوم بدور أمين الصندوق لجمعية شكلها أهالي المنطقة. أما والده فهو أرمل منذ 14 عاما، يقوم برويز على خدمته في صمت وهدوء، يطهو له الطعام، وينظف الشقة، ليس له حياة خاصة، بل يستمتع بالهدوء والعزلة، ويتردد أحيانا على محل غسيل وكواء الملابس القريب، يتبادل الحديث مع صاحبه الثرثار الذي يوجه له الانتقادات باستمرار مرددا على مسامعه عبارة لا يغيرها أبدا: إرتدي ملابس لائقة، إبحث عن عمل، وتزوج!

ذات يوم يخبره والده الصارم بأنه يعتزم الزواج، وأنه يتعين عليه الانتقال إلى شقة أخرى استأجرها له من صديق له لكي ينتقل إليها في أقرب وقت.  

تنهار المنظومة  الحياتية لبرويز بالكامل مع هذا التطور الجديد الذي لم يحسب له حسابا أبدا. كيف يتخلى عنه والده بهذه البساطة، ويريد أن يتخلص منه بعد كل تلك السنوات التي قضاها في هذا الحي وهذه الشقة معه. وعندما يذهب إلى مسكنه الجديد يجده مكانا رثا، يكاد يكون فارغا من الأثاث، يبدو مثل معتقل يجلب الاكتئاب. وعلى العكس من الشقة المضئة التي كان يقيم فيها مع والده، يجد مسكنه الجديد مظلما، رغم إتساعه.  

يستغني جيرانه القدامى عن خدماته، وتطالبه رئيسة الجمعية الأهلية برد ما لديه من مال للجمعية، ويرفض الجيران قيامه بتوصيل أبنائهم بدعوى أنه لم يعد من سكان الحي. كيف يمكن أن يفقد برويز تقدير الجميع وثقتهم فيه لمجرد أنه أصبح يقيم خارج الحي!  

لا يستطيع برويز بتكوينه البسيط أن يستوعب هذا. وهو يلقي اللوم كله على والده الذي لم يمنحه أبدا الحب والحنان والآن يبدو كما لو كان يعاقبه أيضا.  

يتغير سلوك برويز ويصبح عدوانيا. فيبدأ أولا بوضع طعام سام في حديقة الحي الذي يقطن فيه والده، مما يؤدي إلى مقتل عدد كبير من الكلاب التي يملكها الجيران. ألم يشكو والده مرارا من هذه الكلاب ويبدي أمنيته بأن يراها تموت. إنه ببساطة يواجه والده الذي يدرك بحدسه أنه وراء تلك الفعلة الشنيعة، ويصرخ في وجهه: ألم تكن هذه رغبتك!  

يقيم طفل من أطفال جيرانه الجدد صداقة معه لكنه يستغل مسكنه الفسيح في الاحتفاظ بكلبه الصغير الذي لا تريده أمه أن يدخله إلى المنزل. يطارد زوجة أبيه ويفزعها ثم يتوقف ويروي لها كذبا كيف أن والده موشك على إشهار إفلاسه، وأنه سيتم الحجز على الشقة التي يقيمان فيها وطردهما منها. يتحول ضد الكلب الصغير المقيم في مسكنه فيقوم بدفنه حيا في حاوية القمامة الواقعة أسفل المنزل.. يختطف طفلة صغيرة ثم يتركها أعلى جسر صغير خارج المدينة.. وعندما يطالبه صاحب المسكن الذي يقطنه بالرحيل يقوم بحبسه داخل غرفة خانقة في المسكن ويرفض إطلاق سراحه. يريده أن يموت اختناقا

كل هذا الشر 

يحصل برويز على عمل كحارس ليلي، لكنه يفشي سرا أطلعه عليه رئيسه في العمل فيكون مصير الرجل الطرد، ويحل برويز محله، فيتآمر ضد زميله الآخر في العمل الذي وثق فيه ويهدده بالاستغناء عن خدماته. وأخيرا يفقد برويز أعصابه تماما، ويلجأ إلى إسكات صاحب محل غسيل الملابس الذي لا يكف عن إنتقاده، فيقتله داخل المغسلة في مشهد مروع.  

يقدم الفيلم رؤية سوداوية للواقع.. صحيح أنه يعتبر دراسة نفسية لحالة فردية، تمزج بين الكوميديا والجدية، وبين الرعب والدراما الاجتماعية، لكن العنصر الجديد البارز فيه هو أنه يقدم لنا شخصية في المجتمع الإيراني، تتخلى تماما عن الثقافة السائدة في المجتمع، وتتحول ناحية الانتقام من ذلك المجتمع عن طريق توجيه أكبر أذى ممكن للجميع: الأب وزوجة الأب والجيران السابقين.. إنها حالة شخص بلا هوية. صحيح أنه "مواطن" من الناحية الشكلية لكنه مواطن مرفوض إجتماعيا.. وهو بهذا المعنى، نتاج لمجتمع لا يقيم وزنا سوى للمظاهر الخارجية فقط

معالم الفيلم 

للمرة الأولى ربما في فيلم إيراني خارج من إيران وليس من الأفلام التي يصنعها الإيرانيون في الخارج، نرى سلسلة من الجرائم ترتكب بوضوح ودون أن توجد هناك من وراء ارتكابها "حكمة" أخلاقية يريد الفيلم توصيلها للمشاهدين. هناك اختطاف وتعذيب وترويع وابتزاز وقتل. ولا ينتهي الفيلم بالقبض على القاتل ولا بانتصار الخير على الشر، بل يترك المخرج نهاية فيلمه مفتوحة لشتى التأويلات.  

من أكثر جوانب الفيلم تميزا السيناريو المكتوب ببراعة الذي يركز على تطور الحالة النفسية للشخصية الرئيسية: من السلبية والصمت والانصياع والهدوء.. إلى الكشف عن كم كبير من الخبث والشر الكامن تحت ذلك القناع السميك الذي ترتديه الشخصية ويجعل الكثيرين يسخون منه ويعتبرونه "الولد السمين المتخلف".. لكن برويز في الوقت نفسه، ليس نموذجا للشرير التقليدي أو "المجرم"، بل أقرب إلى ان يكون ضحية للأسرة الغائبة والمجتمع الفاسد.  

أسلوب السرد تقليدي.. قصة تتصاعد تدريجيا بشكل تقليدي: بداية وذروة ونهاية ولكنها نهاية لا يقبض فيها على برويز بل نحن لا نعرف على وجه التحديد ماذا يمكن أن يحدث له.. وأسلوب في الإخراج يحبس بطله داخل الكادر في لقطات قريبة ومتوسطة، مع إضاءة قاتمة، وتوظيف جيد لعناصر المكان، والتركيز على حركة الممثل وتعبيرات وجهه

ومن أهم وأبرز جوانب الفيلم الأداء التمثيلي للممثل ليفون هافتفان، وهو ممثل إيراني- أرمني الأصل درس التمثيل في إيران، وهو يقيم حاليا في كندا، ويعمل ممثلا ومخرجا مسرحيا وصاحب ورشة للتدرسب على التمثيل. إنه يؤدي بطريقة مؤثرة بديعة: حركاته محسوبة تماما.. تقطيبة وجهه الحزينة تدعو للتعاطف أكثر مما تدعو للنفور.. تفكير وتأمل مخيف أحيانا.. تنفس لا ينقطع بصوت مسموع يغني عن شريط صوت صاخب، فالصمت مع ذلك المؤثر الطبيعي يصنع نوعا من الإثارة والترقب. ولا ننسى أن هافتفان هو بطل الفيلم الإيراني الآخر المختلف تماما في اللغة والأسلوب وهو فيلم "شاكر السمين" Fat Shaker 

إننا أمام عمل جديد على السينما الإيرانية، لا يلجأ مخرجه مجيد بارزيجار، إلى الإدعاء والصخب، ولا إلى الرمز السياسي المعتاد والسهل، بل يتعامل مع موضوعه برصانة وحس إنساني رفيع. ولذا يبقى فيلمه في الأذهان حتى لولم يقدره النقد الغربي الذي يبحث في السينما الإيرانية دائما عن "إشارات" تغمز في النظام السياسي!

الجزيرة الوثائقية في

27/06/2013

 

وثائقيات الإسماعيلية بين ذات الصانع وذات التاريخ

قراءة في أفلام الدورة السادسة عشر لمهرجان الأسماعيلية الدولي للفيلم التسجيلي

رامي عبد الرازق 

مع اختتام فعاليات الدورة السادسة عشر لمهرجان الأسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة هذا الشهر نستطيع ان ندرج في سياق اهتمامنا بالفيلم الوثائقي عدد من الملامح الأساسية التي شكلت نقاط ارتكاز واضحة في العديد من التجارب التي عرضت ضمن برامج المهرجان, وخاصة مسابقتي الأفلام التسجيلية الطويلة والتي ضمت عشرة افلام والأفلام التسجيلية القصيرة التي احتوت على ثلاثة عشر فيلما.

سوف نركز في ملاحظاتنا على عنصرين اساسين نرى انهما الأبرز في التجارب الوثائقية التي عرضت خلال فعاليات المهرجان, العنصر الأول هو حضور المبدع أو صانع الفيلم ليس فقط من خلال رؤيته الاخراجية او تعليقه الصوتي او اختياره لموضوعه بالأساس ولكن ذلك الحضور الذاتي الذي يقترب من كونه أحد الشخوص الاساسية بالفيلم.

اما العنصر الثاني فهو البناء الزمني الذي يشكل فيه التاريخ –الاحداث السابقة على زمن الفيلم سواء العامة أو الخاصة-اللبنة الرئيسية لموضوع الفيلم وتفاصيله وجوهره الوثائقي.

أنا الفيلم 

تقر بعض نظريات الفيلم الوثائقي بأن وجود صانع الفيلم داخل حيز فيلمه بشكل مادي أو معنوي أثيري، أمر هام وضروري واحيانا لا غنى عنه, بينما ثمة ما يفيد بأن الوجود المادي لصانع الفيلم يضع تلقيه في ميزان حساس سببه ان بعض المخرجين تطغي ذاتيتهم على الموضوع نفسه أو الحدث -وهو ما رأيناه من قبل على سبيل المثال في فيلم مولود في الخامس والعشرين من يناير للمخرج أحمد رشوان- في النهاية فإن ما يجعلنا نجزم بمدى موضوعية وجود ذات المخرج من عدمها هو الموضوع الذي يتناوله أولا والأسلوب الذي يقدم به جدلية الذات والموضوع ثانيا ثم ما تخلص إليه تلك الجدلية في النهاية.

في فيلمهم"مدينة الفضاء"قدم المخرجان الإيطاليان فابريزيو بوني وجيورجيو دي فينيس فكرة خيالية تعتمد على اثنين من اشهر الأعمال السينمائية في التاريخ وهما"متروبوليس" و"رحلة إلى القمر"لجورج ميليس حيث جاءت الفكرة باختصار كنوع من التمرد على المدينة التي لم تعد تحتمل الوافدين إليها بل وصارت تأكل سكانها مما دفع المخرجين إلى أن يُقدِما على فكرة ابتكار صاروخ للصعود إلى القمر وتأسيس مدينة جديدة لاعلاقة لها بالمفاهيم العنصرية أو السياسية او الطبقية التي تفرق ما بين البشر في مدن الألفية الجديدة.

ونتيجة كونهم من علماء الأنثروبولوجيا فقد بدأت الفكرة تتطور تدريجيا وتجد لها صدى واسعا بين فئات المهاجرين الغير شرعيين بل وسكان المدن الأيطالية الذين يعانون من مفرمة الازمة الأقتصادية والكساد العام, هنا يبدو حضور ذات المخرجين في الفيلم اكثر من مجرد كونهم اطلقا تلك الفكرة فقط ولكنهما استمرا في العمل على صناعة الصاروخ مع مجموعة المؤمنين بفكرة اليوتوبيا القمرية التي يمثل الصاروخ اول خطوة نحو تأسيسها, اننا نراهم منذ المشاهد الاولى وهم يرقصون سويا ويتحدثون للكاميرا عن فكرتهم ومشروعهم الخيالي العجيب, وأن كان يعيب فيلمهم بالأساس عدم تقديمهم لمرجعية سينمائية عن الفيلمين اللذين استوحيا منهم فكرة المدينة الفاضلة والرحلة إلى القمر. فليس كل المشاهدين، خاصة الاجيال الجديدة، على دراية بمتروبوليس ورحلة إلى القمر- مع الاخذ في الاعتبار ان متروبوليس لم تكن مدينة فاضلة في الفيلم الشهير بل هي اقرب للمدينة الحالية التي تلتهم ارواح ساكنيها-.

افرد المخرجان، نتيجة خلفيتهم العلمية المكدسة بالنظريات مساحة زمنية واسعة من فيلمهم البالغة مدته 98 دق للتأسيس النظري والفلسفي لفكرتهم كأنهم يحاولان أن يقنعا الجمهور– أو يقنعا أنفسهم ومن حولهم- بجدوى الفكرة وقيمتها النفسية والاجتماعية والسياسية على حد سواء وهو ما أرهق الإيقاع العام للجزء الأول من الفيلم وحشده بالكثير من اللقاءات الجامدة والثقيلة الوطأة على ذهن المتلقي بينما بمجرد أن خلص الجزء النظري إلى جدوى الفكرة وأهميتها انطلق الإيقاع خلال الجزء الثاني رشيقا ومتلاحقا وانفعاليا في نفس الوقت وتدريجيا لم نعد نشعر بالمخرجين كصانعي الفيلم بل كجزء من كيان الشخوص العام وهو ما أعطى الفيلم جانبا حميميا وربما روائيا ايضا خاصة مع ذروة الفيلم التي انتهت بانطلاق الصاروخ وانطلاق مشروع فني حقيقي داخل المصنع القديم الذي كان المساحة الجغرافية التي ضمت تصوير الفيلم وصناعة الصاروخ على حد سواء.

وفي فيلمها "ليال بلا نوم" والحائز على جائزة جميعة نقاد السينما المصريين نلمح حضور ذات المخرجة "اليان الراهب" ضمن عملية المواجهة التي صنعتها ما بين مريم سعيدي والدة أحد مفقودي الحرب الأهلية وبين مسئول المخابرات السابق في حزب الكتائب اسعد شفتري, حضور إليان المادي داخل فيلمها يعتمد على تقنية كسر الأيهام التي تشتبك مع السينما الروائية في بعض العناصر فرغم أنها تلغي تماما فكرة التعليق الصوتي إلا انها تصر على ان نراها ونسمع صوتها وهي تسأل الشخصيات وتحاورهم وتجادلهم طوال الوقت, بل تتجاوز ذلك إلى ظهور الكاميرا ومعدات الصوت وبعض فريق التصوير وكأننا نشاهد فيلما داخل فيلم, هذه الرؤية وذلك الحضور المادي الكامل يعطي واقع الفيلم عمقا اشد قوة وتأثيرا فالواقع داخل الفيلم لا يتوقف عن حدود لقاءات الشخصيات او عملية البحث عن الشاب المفقود او محاولة فك عقدة لسان شفتري ولكننا نرى واقع الفيلم ذاته أثناء تصويره وتراكم تفاصيله سواء المرتب منها مسبقا مثل اللقاءات وجلسات الفضفضة امام الكاميرا أو العفوي والمفاجئ مثل مشهد طرد مريم ومجموعة الفيلم من ارشيف الحزب الشيوعي أو مشهد رفض مريم الجلوس مع احد السيدات التي تدعو لمبادرة سلام بين ضحايا الحرب وجلاديها.

وتدريجيا ومع تبلور رحلة البحث عن السر يتخذ الفيلم شكل السياق التحقيقي"investigation movie" لتكتمل العناصر الروائية من ناحية البحث عن ذروة لرحلة البحث عن مصير ابن مريم من ناحية وتورط المخرجة نفسها في ان تصبح احد شخصيات الفيلم الباحثين عن سر اختفاء الشاب من ناحية أخرى من أجل أن يكتمل فيلمها وتتحقق ذروته, بالطبع يبتعد سياق الفيلم/التحقيق عن سياق الفيلم/التأريخ ولكن تظل الجدلية واحدة وهي تأثير الماضي على الحاضر وربما المستقبل ايضا.

تجد اليان نفسها وقد تورطت كلية في واقع فيلمها واسراره حتى انها تبدا رحلة بحث ذاتية عن مصر الشاب المفقود بعد ان كانت مجرد عين على الاحداث وحلقة وصل ما بين شخصيات الفيلم وجزء من سياق التعليق على الأحداث وتراكمها, ولنتصور نهاية الفيلم بدون ان تصبح إليان جزء من سياق الكشف عن السر ومصارحة الام بمكان وملابسات وفاة ابنها, وقد انقذ وجود إليان داخل التجربة ذروة الفيلم الشعرية والسياسية إلى جانب ذروته الدرامية لأن التجربة استردت عموميتها وموضوعيتها رغم انكشاف السر او تصورنا أن رحلة البحث قد انتهت وذلك من خلال شعورنا بأن الازمة ليست ازمة مريم الضحية ولا اسعد الجلاد حافظ السر ولكنها ازمة وطن كامل وأزمة انسانية عامة يمكن أن تتماهى معها مريم كواحدة من آلاف الامهات الائي فقدن ابنائهن في الحروب ويتماهى اسعد مع كل الجلادين اصحاب الضمائر المعذبة والاسرار الدفينة فكلاهما يقضي لياليه بلا نوم الاولى نتيجة عذاب الفقد والثاني بسبب وجع السر.

وفي فيلم إليان ايضا يتمثل لنا العنصر الثاني في سياق تحليلنا للتجارب المشاركة في المهرجان وهوحضور"ذات التاريخ", فالفيلم تقريبا مبني بالأساس على كم كبير من الشهادات والذكريات واستعادة الأحداث سواء عبر الحكي او الصور او اللقطات الأرشيفية القليلة.

ويمكن القول أن قدرة إليان على تحريك الماضي داخل الحاضر جاء عبر تصور ناضج عن فكرة التاريخ الحي وعلاقته بالذاكرة, بمعنى انها استخدمت ارشيف قليل جدا من اللقطات المصورة عن الحرب الاهلية رغم توافر ارشيف سينمائي وفوتوغرافي ضخم ويمكن الحصول عليه بسهولة وبدون تكلفه كبيرة, فما الذي جعلها تقتصد لهذه الدرجة في التعاطي معه وتعتمد بشكل كبير على الحكي الكلامي واستحضار مواقف من الذاكرة والاكتفاء بالصور الفوتغرافية؟ نستطيع أن نقول انها ارادت ان تشعرنا ان هذا التاريخ لا يزال حي في الذاكرة اي في الحاضر والواقع وأن تأثيره مستمر وساري ربما في المستقبل ايضا, وإن الحرب حتى ولو كانت قد انتهت على مستوى المعارك فأن تأثيرها لا يزال موشوما على النفوس وفي دماء الضحايا والجلادين على حد سواء.

وبنفس منطق التاريخ الحي يمكن ان نطبق هذه الفرضية على الفيلم الدنمركي"فعل القتل"للمخرج جوشوا اوبنهايمر والذي يتحدث عن الثورة التي اطاحت بالحكومة العسكرية في اندونسيا عام 65 والتي قتل فيها ما يقرب من مليوم شخص في اقل من سنة والان بعد كل هذه السنوات الطويلة يعود أنور احد رجال العصابات التي اشتركت في القتل لكي يعيدوا تمثيل ما كانوا يفعلونه قبل اربعين عاما ويتوازي السرد في الفيلم ما بين استمرارية العقيدة القتالية الخاصة بالقضاء على الشيوعيون كما حد في الستينيات وبين اعادة تمثيل ما كان يحدث وقتها بشكل هزلي او كاريكاتوري مما يولد رؤية عبثية عن الأنسانية وسهولة فعل القتل لديها فانور واصدقائه الذين صدر عنهم عفو عام-تماما مثل اسعد شفتري بطل فيلم ليالي بلا نوم- يقضون وقتهم في ممارسة العاب سينمائية بصناعة افلام مستقلة وقصيرة عن انفسهم وضحاياهم في تلك الفترة وكأن ضمائرهم ماتت ولم يعد يؤثر فيهم تذكر عدد القتلى او كم الدماء التي اريقت وقتها, وكأن كل ما حدث يمكن ان يحدث مرة أخرى طالما ان الضمير الانساني لم يعد يكترث لأفعال القتلة ولا سلوكهم ولا تعني له الذاكرة أكثر من مجرد صندوق لاسترجاع تفاصيل الماضي دون ندم أو تأنيب.

الذي بالداخل 

اما في مسابقة الأفلام القصيرة فنستطيع أن نرصد عنصر حضور الذات والتاريخ في اكثر من تجربة منها الفيلم الفرنسي"الرجل بالداخل"للمخرج اللبناني كريم جوري  ولاذي يدور عن محاولة المخرج العثور على الطريق إلى ذكرى ابيه عبر تتبع جانبا من حياته التي قضاها في الكويت.

يتعامل كريم مع الفيلم وكأنه سرد حر طويل يحكي فيه عن علاقته بأبيه من خلال ما تبقى من ذكريات الأب سواء المسجلة على شرائط كاسيت او بعض الخطابات مستخداما كل اساليب الحضور بدءا من التعليق الصوتي الداخلي مرورا بتصوير نفسه وحركته امام الكاميرا, يذكرنا فيلم كريم بتيمة رواية الطريق الشهيرة لنجيب محفوظ, بحث الأبن عن ابيه اذي يمثل له قيما تتجاوز المعنى الأسري الضيق إلى المعنى الأنساني الواسع والذي يتماس بشدة مع فكرة الهوية فكريم يبدو خليطا كوزموبوليتانيا فالأب مصري والأم غير مصرية والنشأة فرنسية, في مشهد يمثل ذروة التيمة الخاصة بالفيلم يضع كريم خطابات ابيه على الأرض في شكل مستقيم ثم يسير عليها وكأنه يحاول من خلال تقصيه لذكريات ابيه وتفاصيله أن يعثر على الطريق إليه.

ولا شك أن فيلم كريم يحتوي بالطبع على الحضور الواضح ل"ذات التاريخ" فالأب رغم رحيله قبل سنوات يبدو اكثر حياة من كريم نفسه وذلك عبر حشد كريم للعديد من التسجيلات والخطابات والصور التي تعيد بعث الأب مرة اخرى بتفاصيله الحياتية ومواقفه الشخصية وذلك معنويا عبر ما يسرده من احداث وماديا عبر صوته في شرائط الكاسيت وصوره العديدة.

التاريخ هنا هو تاريخ الأب الشخصي ولكن قوة الفيلم في أن هذا التاريخ الشخصي جدا تحيل المتلقي عبر ذات المخرج إلى فكرة العلاقة مع الأصول التي تعيش في داخلنا, يجبر الفيلم متلقيه على حالة من التداعي الحر مع ذكريات كل منا عن ابيه وتدريجيا عن اصوله وهويته وكيف بدأ وإلى ما انتهى وكيف كانت حياته يمكن ان تستمر لو تتحول بناء على قرارات هذا الأب في فترة زمنية ما.

ونفس اسئلة الهوية التي يفرضها حضور الذات وقوة التاريخ نجدها في الفيلم المصري بورتريه شخصي للمخرجة علياء أيمن والحائز على جائزة لجنة التحكيم الخاصة, ومن اسم الفيلم يبدو الحضور الذاتي جدا والتأثر بالتاريخ الخاص جدا لأسرة المخرجة التي تصنع فيلمها في شكل صورة شخصية لها من الداخل أي كأنها تفصح لنا عن"انا الذي بالداخل" وليس عن صورتها الخارجية التي يريد البعض أن يراها على مزاجه سواء كان هذا البعض هم اسرتها أو المجتمع.

في سرد اقرب للتجريب تتحرك علياء داخل وخارج ذاتها في نفس الوقت ما بين مصر حيث تعيش وامريكا حيث نشأت وتربت نتيجة قرار من اهلها, لا تحكي علياء عن تاريخها مع اسرتها ولكنها ترسم لنا صورة عن هذا التاريخ عبر تأثيره الأني والحاضر عليها, تشطح في التصورات البصرية عما تمثله رؤية الأخرين الأخرين وعن رؤيتها هي لذاتها واحساسها بنفسها.

تنقض علياء عبر ذاتها الحرة داخل الفضاء الفيلمي على كل التابوهات التي تؤرقها وتؤرق من يعانون مثلها من أزمة الهوية والبحث عن الذات, تحاول من خلال مونتاج حاد ولقطات فوق واقعية تشتبك مع اللقطات الواقعية أن تسقط مخاوفها من كل الممنوعات وتصارح نفسها قبل أن تصارح اسرتها وتاريخها الشخصي بحقيقة ما تريد وما تحبه وما ترغب به وما تأمله لنفسها, ترتدي الحجاب في بعض اللقطات لترى ذاتها وهي محتجبة عن نفسها رغم رضا اهلها عن هذا الشكل  وتخلع الحجاب لترى ذاتها على حقيقتها رغم كره المجتمع لذلك.

ولا نجد ما يمكن أن نختم به حديثنا عن تلك التجارب إلا ان نسترجع قول الاديب الكبير نجيب محفوظ الذي تحدث عن علاقة ذات المبدع بذات التاريخ عندما قال : أن المعاصر هو اسوأ مؤرخ فلندع التاريخ للتاريخ, هنا تبدو علاقة الذوات المبدعة للمخرجين اقرب لعلاقة التاريخ بالتاريخ لأنهم يأتون بتجاربهم وافلامهم كي يعيدوا قراءة ازمنة فائتة سواء شخصية او عامة لم يعاصروها ولكنهم كانوا ولا يزالون يتأثرون بها ويعيشون في تفاصيلها التي تركت بصماتها على ارواحهم ومستقبلهم.

الجزيرة الوثائقية في

27/06/2013

 

هروب جماعي في الصيف

8 أفلام في انتظار عيد الفطر المقبل

القاهرة - خالد بطراوي

8 أفلام سينمائية حتى الآن هي التي استقر على عرضها في عيد الفطر المقبل، وقد كان من المقرر عرضها في الموسم السينمائي الصيفي الحالي، وتأجلت في اللحظات الأخيرة بحجة مخاوف الموزعين من عدم استقرار مزاج الجمهور نتيجة الأحداث والأزمات السياسية التي تمر بها مصر الآن وما لها من تأثير سلبي على الاقبال على دور العرض السينمائي أيضا.

لا أحد بالتأكيد يتخيل أنه منذ ستة عشر عاما فقط ولأسباب كثيرة كان الموسم السينمائي الصيفي هو الرهان الرابح الذي يراهن عليه صناع السينما، ولكن هذا العام تحديدا بعد الظروف السياسية المتخبطة التي تمر بها البلاد، فإن الموسم الفني الصيفي شهد كسادا كبيرا اثرت في ايراداته بشكل غير مسبوق رغم وجود نجوم كبار هم محمد سعد، خالد صالح، خالد الصاوي واحمد مكي بسبب عزوف الجمهور عن معظم الحفلات سواء الليلية او حتى الصباحية.

كلبي دليلي

على رأس تلك القائمة فيلم «كلبي دليلي» الذي يشارك في بطولته سامح حسين ومي كساب وأحمد زاهر وعزت ابو عوف وسليمان عيد والطفلتان ليلى وملك أحمد زاهر وهو من تأليف سيد السبكي واخراج اسماعيل فاروق.

وتدور أحداثه حول ضابط شرطة في الصعيد يتم نقله الى مارينا، فيحاول هناك ان يثبت نفسه كضابط امام رئيسه المباشر.

البرنسيسة 

انتهى المخرج وائل عبد القادر من تصوير فيلمه الجديد «البرنسيسة» كأول تجربة اخراجيه له في السينما الروائية الطويلة، ليصبح الفيلم جاهزا للمنافسة في عيد الفطر المقبل، يشارك في بطولته علا غانم، راندا البحيري، ضياء الميرغني، ومجموعة كبيرة من الوجوه الجديدة.

وتدور أحداثه حول فتاة فقيرة تبيع المناديل وتعمل بتنظيف السيارات، ولكنها تحلم بالثراء، لذلك تخرج للعمل في ملهى ليلي الى ان تصبح ثرية بالطرق غير المشروعة، وتنتهي حياتها بشكل مأساوي.

عش البلبل

في الوقت نفسه تقرر عرض فيلم «عش البلبل»، الذي كان مقررا عرضه في الموسم السينمائي الصيفي، يشارك في بطولته سعد الصغير ودنيا وكريم محمود عبد العزيز ومي سليم، وهو من تأليف سيد السبكي واخراج حسام الجوهري.

وفي حوار مع سعد الصغير قال إن الفيلم يأتي في إطار الكوميديا الشعبية من خلال رحلة صعود مطرب شعبي مغمور يصبح نجما كبيرا.

رغم أنفه

أيام قليلة وينتهي فريق عمل فيلم «رغم أنفه» من تصوير جميع مشاهده ليكون جاهزا للعرض في عيد الفطر المقبل، ويضم الفيلم عددا كبيرا من الفنانين بينهم رامز جلال، شيري عادل، إدوارد، رجاء الجداوي، ولطفي لبيب، تأليف مدحت بيومي واخراج معتز التوني.

يناقش الفيلم المشكلات التي تعيق المرأة عن تحقيق احلامها أو أي نجاح، خصوصا من زوجها واسرتها، وكذلك طريقة تعاطيها مع هذه المشكلات بأسلوب كوميدي ساخر.

نظرية عمتي 

يتناول الفيلم حكاية مذيع مشهور يقدم برنامج توك شو يتعرض للعديد من المفارقات بسبب شهرته وازدياد معجباته، يشارك في بطولته حسن الرداد ولبلبه وحسن حسني وحورية فرغلي التي تؤدي فيه دور فتاة تبحث عن فتى أحلامها وفقا لنظرية عمتها في الحب والارتباط، وهو من تأليف عمر طاهر، وإخراج اكرم فريد.

توم وجيمي 

يعد فيلم «توم وجيمي» أحد الافلام الهاربة من مذبحة الموسم الصيفي السينمائي ليدخل مطحنة موسم عيد الفطر المقبل، والفيلم يمثل عودة للفنان هاني رمزي بعد طول غيبة ويشاركه البطولة الفنان حسن حسني وغسان مطر والطفلة جنا، تأليف محمد نبوي ومن اخراج اكرم فريد، وهو فيلم كوميدي اجتماعي يدور حول طفلة صغيرة تتعرض لظروف قاسية يضطر أحد اصدقاء اسرتها الى رعايتها.

هاتولي راجل

الفيلم السابع الذي تقرر عرضه في عيد الفطر المقبل هو «هاتولي راجل» اخراج محمد شاكر، وتدور احداثه في اطار كوميدي رومانسي حول علاقة الرجال بالنساء، منذ الطفولة وحتى مرحلة الشيخوخة، يشارك في بطولته احمد الفيشاوي ويسرا اللوزي وشريف رمزي وايمي سمير غانم ونيكول سابا.

قلب الاسد 

واخيرا ينافس على ايرادات عيد الفطر المقبل ايضا فيلم «قلب الاسد» بطولة محمد رمضان وحورية فرغلي وحسن حسني وعايدة رياض، وهو من تأليف حسام موسى واخراج كريم السبكي في أولى تجاربه الاخراجية، وتدور احداثه في اطار اجتماعي انساني حول طفل يتعرض للاختطاف، وتتم تربيته في الكواليس الخلفية للسيرك حيث يعيش وسط الاسود والنمور الامر الذي يؤدي الى تكوين شخصية صلبة بداخله، وان كان في الوقت نفسه بداخله خير، إنما تربيته ترغمه على ان يظهر للناس بشكل مختلف تماما.

أفلام تحت التنفيذ

الحديث كثير وكبير عن الافلام التي لا يزال عرضها في سباق عيد الفطر المقبل غير مؤكد، حيث لم يتم الانتهاء من تصويرها حتى الآن منها «اسوار القمر» بطولة منى زكي وآسر ياسين، و«القشاش» بطولة محمد فراج وحورية فرغلي، و«هي واحدة» بطولة محمد رمضان وراندا البحيري، و«فيلا 69» بطولة خالد ابو النجا واروى جودة، و«كريسماس» بطولة علا غانم ورامي وحيد، و«اعدام بريء» بطولة نورهان وأحمد خليل ونهال عنبر، و«شمال يا دنيا» بطولة أحمد عزمي ومي كساب، وغيرها من الافلام التى لو تم تنفيذها جميعا لما وصل العدد الى ما تم تقديمه في الاعوام الخمسة الماضية.

القبس الكويتية في

28/06/2013

 

فيلم تلفزيوني مصنف سينمائياً تفوقت فيه الصورة على القيمة الفنية

"الحب في حديقة الأسرار" أنصف المرأة التركية ... ولكن!

كتب - فالح العنزي 

ليس غريبا على السينما التركية أن تقدم أفلاماً جيدة بمستوي عال, لكن الغريب ان تكون هناك مخرجات بحرفية وابداع زينب اوستينبيك ولا يحظين بالشهرة التي يجب أن يحظين بها, فهذه المخرجة التي سخرت نحو العشرة آلاف دولار واستطاعت ان تصنع منها فيلما سينمائيا حمل الكثير من الرسائل المبطنة التي نتج عنها "الحب في حديقة الأسرار" وهو اسم الفيلم السينمائي التركي الذي عرض ضمن فاعليات مهرجان صيفي ثقافي الثامن, وشارك في بطولته مجموعة من الفنانين منهم يرزين دينيز, ميرت جوكيران, سيرين أوتن وليكر اليبول وغيرهم. 

 وعلى أنغام الموسيقى التركية وفي عمق الريف التركي المعروف بطبيعته الساحر والخلابة وتحديداً في آواخر السبعينات انطلقت احداث الفيلم في جبال استرانكا في مدينة ثراكيا, حيث يطلق أهل القرية على "سينيت" أو "جنات" لقب المعالجة التي دوما يلجأ اليها أهالي القرية باعتبارها امرأة صالحة رقيقة تعشق الطبيعة والسلام متزوجة من رجل شرير لا يعرف معنى الانسانية بل إنه يمتهنها بشكل وضيع, جنات التي اعتادت بشكل يومي التجول في "حديقة الأسرار" تفاجأت برجل ملقى على الارض وقد اختفت ملامحه من شدة الضرب والاعتداء والدماء, هذا الرجل يدعي "إرتان" وهو مطلوب من قبل عسكر الدرك لأنه قتل بعض الاشخاص خلال مناوشات مع الدرك وهرب, وعالجت جنات أو " سينيت" بالتركية الرجل المصاب حتى تحسنت حالته ولم تتوقع ان وجودهما اليومي الى جانب بعضهما البعض ينبئ بولادة "حب" في "حديقة الأسرار", وعندما يضرب الحب بابا فلن يستطيع أحد ان يوصد الأبواب أمامه, فـ"سينيت" المتزوجة من الرجل الذي لا يستحقها وجدت نفسها متيمة في حب رجل غريب لم يقل هياما عنها, هنا تلتقي شخصيتان, شخصية "سينيت" التي تعيش على الفطرة وشخصية منقادة, بينما"إتان" محارب وهب نفسه لتغيير الواقع. 

وتمضي الأحداث بالبطل الذي يقود الثوار الى الحرية في

حين يظل الآخرون يرفضونها حتى يبزغ فجر الأحرار ويولد

حب جديد بعدما تتحول المرأة العاطفية الى المرأة تحمل

السلاح رافضة الحال التي كانت تعيشها بسبب ديكتاتورية الحاكم. 

 المتابع للفيلم يشعر أنه أمام شريط تلفزيوني يحمل

مجموعة من الرسائل المختلفة منها الاجتماعية 

والتوعوية والسياسية, وربما يعتقد البعض ان من

 الواجب عدم تصنيف الفيلم في قائمة الافلام

 السينمائية فضلا عن تواضع الصورة بسبب ما يبدو انه فقر انتاجي انعكس سلبا على الشاشة صاحبها بشكل ممل ايقاع للاحداث يسير ببطء السلحفاة . لكن استطاعت المخرجة تعويض هذه الجوانب السلبية بتحقيق الفرجة البصرية المتمثلة في الطبيعة الساحرة والخلابة في أعلى الجبل, كما لفت اداء الممثلين الثلاثة الرئيسيين في الفيلم جنات وزوجها وارتان الانتباه وكانوا فعلا يتنافسون في تقديم الاداء الافضل. 

 يذكر ان فيلم "الحب في حديقة الاسرار" سبق أن عرض ضمن فعاليات الدروة الخامسة والثلاثين من مهرجان القاهرة السينمائي وأثار حينها ردود فعل كبيرة ربطت بينه وبين ثورة 25 يناير. 

السياسة الكويتية في

28/06/2013

 

في «ليس من زماننا»

شهادات مبدعين توثق التجربة الثقافية والإنسانية لعبدالله حبيب

إبراهيم الملا (الشارقة) 

يعد الأديب والناقد والسينمائي العماني عبدالله حبيب من الأسماء الثقافية المتوهجة في المشهد الخليجي خصوصا والعربي عموما، فمنذ ثمانينيات القرن الماضي ظل صوت عبدالله حبيب مختلفا ومتألقا ومحاطا بأبعاد شمولية لثقافة إنسانية تنطلق من الشخصي والذاتي نحو ما هو إنساني وعامر بالتقاطعات الفكرية والفنية التي تثري وجود المثقف وتؤكد تأثيره الجمالي فيما يحيط به، أينما كان هذا المثقف، وفي أي زمن تواجد فيه وتوافدت على مسكن روحه أسئلة الدهشة بكل ضراوتها وشفافيتها أيضا.

وبمناسبة فوز عبدالله حبيب بجائزة الإنجاز الثقافي البارز في سلطنة عمان لعام 2011 أصدرت دار الانتشار العربي كتابا بعنوان «ليس من زماننا، عبدالله حبيب»، وتضمن الإصدار الذي اشتمل على 283 صفحة من القطع الوسط، وحرره الكاتب سليمان المعمري انطلاقا من مبادرة «القراءة نور وبصيرة»، مجموعة من الشهادات لرفقاء الكتابة والشعر والسينما الذين تواصلوا بعمق وانصهار وحب مع التجربة الثقافية الثرية والممتدة والمتعددة الأنساق لعبدالله حبيب، كما تضمن الإصدار حوارا مطولاً عن الحياة والأدب والسينما والسياسة أجراه سليمان المعمري مع الشخصية المحتفى بها في الكتاب، وورد في مقدمة الحوار «أن لاشيء يضاهي متعة القراءة لعبدالله حبيب من محاورته، وفي كلا الأمرين نحن على موعد مع الصدق والشفافية والبوح الآسر وغير قليل من الجرأة، ونحن أيضا مع شخصية متسمة بالعصامية الشديدة، والاعتماد الكامل على الذات، ومساعدة الآخرين في الوقت نفسه، وكيف أنه خرج ذات يوم من قريته الأسطورية، ومكانه المستحيل : (مجزّ الصغرى) ليصبح « أصغر مرتزق في التاريخ» بحسب سخرية صديقه المقرب الراحل أحمد راشد ثاني.

وبرّر الأديب العماني سعيد الهاشمي من مبادرة (القراءة نور وبصيرة) اختيار عبدالله حبيب كي يكون عنوانا ومتنا للكتاب إلى أنه المثال الأبرز بين المثقفين المعاصرين الذين يساهمون بصدق في الرؤية المشمولة بحوار متمدّن، واع، ومسؤول، ولأنه ــ كما أشار ــ شخص كرس حياته للبحث في البعد المعرفي العميق، واحترام الإبداع الإنساني المختلف والمتنوع ذي القيمة المضافة العالية من أجل ثقافة الحب والخير والجمال.

ووصف الشاعر البحريني قاسم حداد في شهادته عن عبدالله حبيب بأنه كان مأخوذا بالأسئلة عندما تعرف عليه في بداية الثمانينيات، وقال بأن هذه الخاصية هي التي صاغت منه كائنا مجبولا على مراجعة الواقع وإعادة النظر في الحقائق، مشيرا إلى أن عبدالله حبيب قدم نموذجا شخصيا في إمكانية بناء الذات الثقافية بشروط حرة بالغة الالتباس مقارنة بالجوانب التقليدية المحيطة بهذه الذات.

وقالت عنه الشاعرة الإماراتية ميسون القاسمي بأنه مثقف يدور حول فكرة الثقافة بشكلها المستمر، وهو المغامر الذي لا يرتهن لتصنيف أدبي وفني معين، ووصفته بأنه شجرة تثمر إبداعا وتسقى من ماء الجداول والسيول القادمة من جبال عمان، وأنتج مع مبدعين عمانيين آخرين غابة هائلة في الصحراء.

أما الشاعر والسينمائي الإماراتي مسعود أمر الله فوصفه في شهادته بأنه عاشق للسينما والسينمائيين الكبار امثال بازوليني وبريسون وتاركوفسكي الذين يسكنون فيه ويعيش فيهم، مضيفا: «يفعل عبدالله غير ما نفعله نحن، لأننا نشاهد الأفلام، بينما يبدو هو وكأنه خارج للتو من موقع التصوير»!

ويقول عنه عبدالرحمن الشامسي مدير دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة سابقا بأنه مدافع شرس عما يؤمن به، وأنه يدهشك عندما يعبر عن صدق آلامه، وعمق وعيه وإخلاصه على الرغم من معاناته من ذلك كله، وشبهه الشامسي بطائر الفينيق الذي يخرج من رماده عملاقا بكل جرأة الواثق، وإصرار الواعي، وحزم المتيقن.

ويقول عنه الشاعر الاماراتي محمد المزروعي: «ليس من الصعب الكتابة عن (شخص) عبدالله حبيب ، شخصه وليس هو، إذ أنه ينتسب إلى الوضوح بما يكفي ذلك أن يكون عملا مبرمجا لصالح مكتنفاته القبلية، فمن الجليّ إطلاعا على مسيرته النظرية والتنظيمية، إنه قرر العيش خارج الإيهام، وبدء سبر غيريّته هو شخصيا، بما تعنيه الغيرية من الفصل بين الذات والموضوع».

ويرد في الكتاب تعليق للشاعر الإماراتي الراحل أحمد راشد ثاني حول العلاقة الفائضة شعرا ومناكفة وجنونا والتي جمعته بعبدالله حبيب منذ لقائهما الأول بأبوظبي في بداية الثمانينيات قائلاً: «لم يكن عبدالله حبيب يعتقد يومذاك أنه سينشغل حدّ عظمه الهزيل بالسينما، كما لم يتخيل إمكانية الشروع بنشاط سينمائي في مدينة أبوظبي» واصفا إياه بأنه من الشخوص والعقليات التي سايرت حلم المجمع الثقافي وقتها في ترسيخ الفن السابع، والدفع بهذه المغامرة إلى أقصى ما تستطيع المؤسسة أن تقدمه للفرد، وأقصى ما يستطيع الفرد أن يتعاون فيه مع المؤسسة.

وتضمن الكتاب شهادات متشعبة في خصوصية قراءتها لتجربة عبدالله حبيب النقدية والفنية، وفي تداخلها واشتباكها أيضا من خلال رافدها الأساس المتمثل في الاحتفاء بمبدع من طينة أو طبيعة خاصة يصعب تكرارها ونسخها، ومن هؤلاء الكتاب والشعراء المساهمين في الكتاب خالد البدور من الإمارات، وأمين صالح، والدكتور حسن مدن من البحرين، والشعراء خميس قلم، وإبراهيم سعيد، وصالح العامري، وناصر صالح، وسماء عيسى، وعبدالله الغافري، وعبدالله البلوشي، وفاطمة الشيدي من سلطنة عمان.

الإتحاد الإماراتية في

28/06/2013

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2012)