تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

رؤية خاصة

2012

رفيق الصبان

لم يعد هناك مجال للشك في هذا التفوق التكنيكي المذهل الذي وصلت إليه السينما الأمريكية، وإمكانية تنفيذها لأشد المشاهد صعوبة ولأكثر شطحات الخيال جموحاً بسهولة وسيولة تثيران الدهشة.. وفي كل فيلم من هذا النوع تحقق السينما الأمريكية يخيل للمشاهد أنها وصلت في هذا المضمار إلي الحدود القصوي التي يمكن تجاوزها.. مهما ذهب بنا الخيال بعيداً، لكن هذه السينما العجيبة لا تكفي مفاجأتنا بأمور وخيال لا يخطر لنا علي بال وهذا ما فعله مثلاً المخرج الألماني الأصل (رولاند ايمريش) الذي وجد في السينما الأمريكية مرتعاً رحباً لانطلاق أفكاره وأحلامه الاستثنائية فقدم لها مجموعة من الأفلام التي اعتدنا أن نطلق عليها اسم »أفلام الكوارث« مستخدماً فيها كل ما وصل إليه أسلوب الخدع السينمائية والإبهار البصري من إمكانيات خارقة في هذا المجال.. وفي كل فيلم له خدعة كان يخيل لنا أن هذا المخرج قد وصل إلي أقصي ما يسمح له به خياله، وأنه سيلتف في فيلمه القادم علي نوع جديد يبهرنا به ويؤكد فيه إمكانياته السينمائية التي لا تحدها حدود.

ولكنه هذه المرة.. يضرب ضربة فنية يمسح فيها كل ما فعله سابقاً.. ويؤكد أن خياله في هذا المجال لازال رحباً واسعاً يمكنه فتح أبواب كثيرة غير متوقعة.

(2012) هو التاريخ الذي وضعته نبؤات هندية قديمة حول نهاية العالم.. والذي يقابله العلم الحديث بشيء كثير من السخرية وعدم التصديق.. إلا أن أحد العلماء الجيولوجيين يلاحظ أثناء أبحاثه الأخيرة ازدياد الحرارة الأرضية وارتفاعها الملحوظ بشكل يمكن أن يشكل تهديداً علي القشرة الأرضية ويسبب تمزقات خطيرة تهدد سلامة المدن.. ويأخذ عالمنا الأمر علي محمل الجد ويقرر نقل خوفه وتوقعاته بحلول كارثة عالمية تهدد سكان الأرض جميعاً.. إلي رئيس الولايات المتحدة الذي يبدو لنا هذه المرة (أسود اللون) وبالفعل.. تتأزم الأمور.. وتبدأ أعراض الكارثة في الظهور بمدينة لوس أنجلوس.. حيث تتشقق الطرق الرئيسية، وتسقط ناطحات السحاب والعمارات العالية، وتهدد مياه البحر الهائجة جميع السواحل.

كل هذا يعرضه الفيلم بمشاهد تقطع الأنفاس، وبحرفية سينمائية عالية تثير الإعجاب والخوف معاً، ومن خلال هذا الحدث الكارثي يتطرق الفيلم لرسم شخصيات مختلفة تعيش حياتها وأزماتها العائلية بأسلوب بارع.. يجمع به وثائقية الحدث المتخيل عن نهاية العالم وبين واقعية الأحداث العاطفية والأسرية التي تمر بها هذه الشخصيات المنتقاة.

هناك هذا العالم.. الذي انفصل عن زوجته التي تحيا الآن مع عشيقها.. وأولاده منها الذي يسمح له بزيارتهم ومصاحبتهم في نزهة.. يكتشف فيها ما يحدث من أمور وظواهر تهدد العالم الآمن الذي يعيش فيه.. وهناك يقابل شخصية شبه مجنونة تهذي هذياناً شعرياً عن هذه الدنيا التي ابتدأت تعيش سطور نهايتها.. وعن البحيرة التي اختفت تماماً بعد أن جف ماؤها ويحس الزوج بالخطر.. فيقرر العودة مسرعاً إلي زوجته وحثها علي الهرب من المدينة معه ومع أطفاله وعشيقها الذي يكلف بقيادة الطائرة التي ستهرب بهم إلي الساحل الغربي من أمريكا.

لقد اختفت العواطف العابرة.. أمام الخطر الداهم.

وهنا يقدم لنا الفيلم مزيجاً سينمائياً بين واقعية الهروب وبين خيال التدمير الجامع الذي هز كيان المدينة كلها.. وشق طريقها وقلب سياراتها، وهدم مبانيها العالية في رؤية سينمائية مبهرة.. عرف المخرج كيف يوازنها وكيف يخلق تأثيراً هائلاً علي متفرجيه من خلال مشاهد وصل فيها التكنيك السينمائي والخدع السينمائية المدهشة إلي أقصي مجال تعبيرهما.

وتنجح الأسرة الصغيرة في الهرب بعد مغامرات شتي لتجد أن الخطر قد بدأ يهدد المدن الأمريكية كلها، وتقرر الحكومة بناء سفن عملاقة قادرة علي شق البحار ومقاومة هجوم الأمواج وإنقاذ رئيس البلاد الذي يرفض في آخر لحظة الهرب والنجاة بنفسه ويقرر مواجهة الموت مع الملايين من البشر الذين لن يتمكنوا من ركوب هذه السفن.

وهنا ينجح الفيلم أيضاً في رسم بدء علاقة عاطفية بين العالم الأسود الذي كان أول من أحس باقتراب الكارثة، وحاول التنبيه إليها وبين ابنة الرئيس الشابة.. كما ينجح في رسم صور أخري لملياردير روسي تخونه زوجته مع طيار وسيم ويحاول الثأر منها بحرمانها من التوأم الذي أنجبته.

ومن خلال رسم صورة هادئة لهذه العلاقة المشئومة وموت العشيق الذي حاول أن ينقذ حبيبته وابنيها.. ثم جرفه البركان الناري بعد أن أوصلهم إلي بر الأمان.. وأخلاقيات الملياردير الذي لا يفكر إلا بنفسه ومصالحه والثأر لكرامته من زوجة خائنة لم يتورع عن استغلال خبرة عشيقها للنجاة بنفسه.

وأمام هذه السفن العملاقة المصفحة التي تفنن مهندس الديكور البارع في تخيلها، يعرض الفيلم مشكلة حساسة أخري وهي أن هذه السفن رغم اتساعها لا تستطيع أن تحمل أكثر من عدد من ألوف الناس فقط، ولكن ماذا تفعل هذه الألوف الأخري التي تحاول الصعود إليها والنجاة من الكارثة التي تحيط بهم وتهدد حياتهم.

هل تفتح الأبواب للجميع بما يشكل ذلك من خطر حقيقي قد يسبب انفجار هذه السفينة المنقذة.. أم تغلق الأبواب بقسوة ووحشية أمام جمع اللاجئين.. مشكلة ثالثة يطرحها الفيلم، ولكنها هذه المرة تذهب بنا بعيداً إلي بلاد التبت حيث ظهرت النبوءة الأولي بنهاية العام في تاريخ محدد، وعلاقة القبيلة المتبقية بمجموعة الهاربين في طائرة.. اخترقت الحدود.. ثم احترقت.. تاركة الناجين يواجهون أقدارهم الدامية، وهنا أيضاً تبدأ مشكلة أخري شبيهة بمشكلة السفن العملاقة، هل توافق القبيلة المتبقية علي قبول هؤلاء الناجين من كارثة الطيران.. وهنا أيضاً تتدخل الجدة العجوز لمصلحة الأفراد.. ضاربة بعرض الحائط (بأنانية) الإنقاذ.

الفيلم يركز علي الصراع بين الإنسانية والمصلحة سواء في أجواء التبت الشرقية أو في أجواء أمريكا الغربية.. وينتصر في كلا المرتين إلي المصلحة الإنسانية حتي لو كان ثمنها غالياً يدفع من حياة الآخرين.

هذا الهامش الإنساني البديع.. يسير بشكل متكافئ.. مع الإبهار البصري الخارق للعادة الذي تفنن المخرج رولاند ايمريش في تقديمه بطريقة وأسلوب سينمائي لا يجاري وأكد فيه تفوق التكنيك السينمائي الأمريكي، وقطعه شوطاً في هذا المجال لا يمكن لا مع سينما أخري في العالم أن تجاريه أو أن تقف إلي جواره.

(2012) هل يصح اعتباره فيلماً آخر عن الخيال العلمي الذي تختلط فيه النبوءات بالواقع، أم أنه صرخة إنذار حقيقية توجهها السينما إلي عالم بدأ يفقد معاييره الإنسانية والأخلاقية ويقف علي شفا الانهيار التام.

إنه في الحقيقة يجمع بين هاتين الصفتين ويصل في معالجته لهما إلي آفاق إنسانية وفنية رحبة.. تدفعنا إلي طرح أكثر من سؤال والتوقف أمام أكثر من ظاهرة.

(2012) في أسلوبه الجديد ومعالجته المبتكرة لم يكتف بأن يكون مثالاً مبهراً عن إمكانيات السينما الأمريكية اللامحدودة في هذا المجال وتفوقها المدهش غير القابل للمنافسة، بل أراد أن يدخل ميدان الدراما العائلية والإنسانية وأن يطرح وجهة نظره عن تمزق المجتمع الأمريكي والأسرة الأمريكية، وعن الخلل الكبير الذي أصابها والخطر الذي يهددها من الداخل.

وحتي النهاية السعيدة التي أرادها لهذه المشاكل الأسرية التي تفنن السيناريو في عرضها بأسلوب غير مباشر، ومباشر جداً في بعض الأحيان.. فإن ذلك لم يمنع المتفرج من التوقف والتفكير في وضع هذه الأسر الأمريكية التي تهددها الخلافات وتكسر بقوة النمو الطبيعي لأفرادها الصغار (التركيز علي التبول اللاإرادي لطفلة تجاوزت الثامنة من عمرها، والتي سبّب لها التفكك الأسري هذا المرض الخطير).

ثم هذه القدرة علي التسامح والغفران التي يطالب بها الفيلم والتي قد تكون الدواء الحقيقي لهذه الكوارث الداخلية والخارجية التي تهددنا.

ومن خلال هذه النظرة وهذا التفسير لأحداث الفيلم واتجاهه إلي تفضيل المصلحة العامة علي الأنانية الفردية.. يمكن اعتبار فيلم (2012) رسالة تحذير ظاهرها القسوة وغضب الطبيعة.. وباطنها الحب المفقود والبحث عن التفاهم الضائع بين أفراد فقدوا القدرة الحقيقية علي مواجهة أنفسهم ومحاسبتها.

ووفق هذا المعيار يمكن اعتبار الفيلم فيلماً ذا خلفية أخلاقية مباشرة رغم الإبهار التقني والخدع السينمائية الهائلة التي تضعه في مصاف أكثر الأفلام الأمريكية إتقاناً وصناعة.

أخبار النجوم المصرية في

19/11/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)