تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

عن «خريف» و«السبحة الخطأ»

تركيا السينما.. لا التلفزيون

زياد عبدالله – دبي

دعوا المسلسلات التركية جانباً، ولنمضِ خلف السينما التركية، ولعل في الأمر شيئاً من التقاط الأنفاس من «ميلودرامات» لا تنتهي تطفو على سطح الشاشات العربية، وعلى شيء من تعقب سينما عريقة لها ملامحها وحضورها الكبيران عالمياً، وعلى شيء من تراكم منجزات وأسماء ليس لها أن تمحى من الذاكرة السينمائية، فكما تعرف المشاهد العربي إلى الدراما التركية، وما حققته من ظاهرة ترفيهية، صارت أثيرة لدى شريحة كبيرة، هناك سينما تجارية مترامية الأطراف حاضرة بقوة في ثقافة هذا البلد، لنا في فيلم «وادي الذئاب» مثالاً ، كونه قدّم لنا بشكل أو آخر رامبو التركي بوصفه مخلصاً على أرض العراق، وفي خط موازٍ تحضر إنتاجات ذات خصوصية فنية صارخة، حققت ومازالت حضوراً في أكبر مهرجانات السينما، سواء في «كان» أو البندقية أو برلين.

أسماء تركية كبيرة في عالم السينما، تم استعراض أفلامها في هذه الصفحة، لنا أن نستعيد منها يلماز غوناي (وإن كان يعتبر أبوالسينما الكردية)، وبالتأكيد نوري جيلان بوصفه من أهم المخرجين الحاليين في العالم، ولا ننسى فاتح آكين وغيرهم. لكن، في ما يلي لن نكون بصدد تلك الأسماء الكبيرة صاحبة البصمات الدامغة في السينما عالمياً، بل سنمضي خلف تجارب جديدة عرضت في أثناء الدورة الثالثة من مهرجان أبوظبي السينمائي الذي احتفى بهذه السينما في عروض مجموعة من الأفلام كان في مجملها لمخرجين يصورون أول أفلامهم الروائية الطويلة.

فيلم «خريف» لأوزكان ألبر في أولى تجاربه الروائية الطويلة جاء محمّلاً بكل ما يجعل من الفيلم خطوة أولى مهمة على اتصال بموروث السينما التركية، ولعل طيف نوري جيلان كان يحوم في الفيلم ولقطاته الطويلة، واستثماره الطبيعة بوصفها عنصراً حاسماً في العمل، كما هو جيلان في فيلمه الشهير «مناخات» وليكتفي أوزكان بمناخ واحد شديد الخضرة لا تفارقه الأمطار ومن ثم الثلوج.

يحكي«خريف» عن سجين سياسي اسمه يوسف، أمضى أكثر من 12 سنة في السجن، ثمناً لانتمائه الشيوعي، ولنقع عليه وهو في طريقه للخروج من خلف القضبان، بعد أن فقد شبابه كاملاً في سنوات اعتقاله الطويلة، ولعل في ذلك محور الفيلم الرئيس.

إنه يخبرنا بشاعرية لافتة، كيف هي حياة من يخسر شبابه في سبيل قضية أو مبدأ، وكيف أن خروجه من السجن سيجعله متأخراً عن كل شيء، وكل ما في الفيلم سيقول لنا ذلك.

يجد يوسف في قريته وحضن أمه ملاذاً، في الطبيعة الساحرة وعزلتها، يدخن على الرغم من أنه مصاب بمرض خطر في رئتيه، ينام بقسوة وصعوبة، وسرعان ما تداهمه الكوابيس، وذكرى دائمة الحضور في رأسه تتمثل بعصيان يقوم به في السجن. المتع قليلة، ولم يبق وقت كثير، رحلة مع صديقه إلى أعلى الجبال التي تكسوها الثلوج ستكون فرحاً عابراً، وحين يتعرف الى امرأة تكون عاهرة سرعان ما يقع في حبها الذي لا يعمر طويلاً. كل شيء سيقوده إلى الموت، وهذا ما يحدث في نهاية الفيلم حين نرى جنازته تمضي والثلج يهمي.

كل ما تقدم يستحضر الكيفية التي قدم فيها ذلك، ويستدعي التنويه بالسرد الذي يحاكي هطول الثلج، على مهل، بلاغة اللقطة تقول كل شيء، نعرف حياة أمه من دون أن تتلفظ بكثير كلام، كذلك يوسف نفسه وكل ما حوله، وحين يقع في الحب، ويقرر أن يذهب مع المرأة إلى بلدها، تكون قد سافرت وهربت منه رغماً عنها.

ستطال الخيبات كل شيء، فليست سنوات السجن فقط ما كان عليه أن يدفع، بل كامل عمره الذي سيكون محاصراً بالخيبة.

الفيلم الثاني الذي سنعرض له هنا هو أيضاً لمخرج في أولى تجاربه الروائية الطويلة، ولعله سيكون مختلفاً عن «خريف» كونه أكثر اتكاءً على حبكة درامية تقود أحداث الفيلم الذي حمل عنوان «السبحة الخطأ» من إخراج محمد فاضل كوسكان.

في هذا الشريط سيكون للقصة حضورها الطاغي، وللسيناريو أن يكون تقليدياً يمضي خلف قصته في تمهيد سرعان ما يضعنا في خضم أزمته الدرامية التي تتصاعد وصولاً إلى النهاية، ولعل عنوان الفيلم سيكون مفتاحه. فالفيلم الذي يبدأ بولادة امرأة في كنيسة بمساعدة الراهبات، سرعان ما ينتقل إلى المؤذن أحمد الذي نقع عليه وهو في طريقه لتسلّم مهامه في جامع بإسطنبول، ولنكون في صدد قصة سرعان ما نخمّن إلى أين ستمضي بنا.

جارة أحمد في الشقة التي شغلها تكون امرأة كاثوليكية، سندرك من اللحظة الأولى بأنه سيقع في غرامها، لكن يبقى لنا أن نتعرف الى هذا الأحمد، إنه مجبول بالطيبة والرقة، نقي إلى أقصى درجات النقاء، سرعان ما يعمل بين أوقات الصلاة مع خبير مخطوطات يساعده في العثمانية منها كونه يعرف قراءة اللغة العثمانية بأحرفها العربية، ولنكتشف بعد ذلك أن هذا الخبير هو والد المرأة الكاثوليكية التي لا تعرفه، كونه كان في السجن لانتماءاته اليسارية.

لن ينتصر الحب في النهاية، سيخرج أحمد سبحة المرأة في الجامع والتي تحمل صليباً،كونه يضعها في جيبه بعد أن عثر عليها في المصعد، إنها السبحة الخطأ التي يراد لها أن تظهر ما تجتمع عليه الأديان من محبة وتسامح، لكن دون الوقوع في مطبّ الوعظية وفي وفاء تام للقصة التي تنتهي بالفشل كون أحمد يبقى إلى النهاية عاجزاً عن مصارحتها بحبه، رغم كل ما حاول والدها توفيره من مساعدة.

فيلم «السبحة الخطأ» وفي لأحداثه وشخصياته، وله أن يحمل ملمحاً كوميدياً، متدفق وخفيف الظل، ويقول كل ما يود قوله في إطار قصته التي يقدمها كاملة.

الإمارات اليوم في

01/11/2009

 

بيروت بين هانوي ودبي  

«ما هتفت لغيرها».. ثورة حتى الحنين 

زياد عبدالله – دبي 

لابد أن للزمن معابره الخفية، تلتقي ولا تلتقي مع مفاصل تاريخية، سرعان ما تودي بأحلام كان لأصحابها أن يبذلوا حياتهم في سبيل تحقيقها، أحلام تتخطى الشخصي إلى قضايا سياسية، لها أن تكون في لحظات مصيرية مسألة حياة أو موت.

يكفي أن يمر الزمن عليها، حتى تبدو من بعيد بغير ما كانت عليه في ما مضى، ولتكون النظرة إلى خلف محمّلة بكل معطيات الحاضر، ولعل فعل استعادتها سيملي عليها أيضاً الزمن الذي تستعاد فيه.

مقدمة عاجلة لها أن تحمل ملمحاً من فيلم المخرج والناقد اللبناني محمد سويد «ما هتفت لغيرها»، والذي يتعقب فيه ما آلت إليه أحلام الثورة والمقاومة، وعلى إيقاع له أن يتراوح بين حنين تجاوره سخرية إن تعلق الأمر بما آلت إليه تلك الأحلام، عندما اصطدمت بواقع سرعان ما صار يهمّشها هي وأصحابها، موزعاً لهم في مدنٍ يجد فيها سويد عنواناً للعصر الذي نحن فيه.

فيلم «ما هتفت لغيرها» الذي كان من بين أفلام مسابقة الفيلم الوثائقي في الدورة الثالثة من مهرجان الشرق الأوسط في أبوظبي، وسبق أن عرضته قناة «العربية» على جزأين، يتنقل بين ثلاث مدن هي: بيروت وهانوي ودبي، في مسعى لتعقب متغيرات طرأت على المقاومة والثورة الفلسطينية، ومعها بالتأكيد حركة المقاومة اللبنانية وعبر «بورتريهات» متعددة، لكل واحد منها أن يشكل خياراً، ولنقل مصيراً متشكلاً وفق المتغيرات، ولنكون في النهاية أمام أشخاص معطلين ومهمشين، لهم أن يمارسوا حنينهم، طالما أن ما يقدمه الفيلم يعتبر المقاومة فعلاً مضى ولن يعود، ليس للمقاومة الآن أن تكون بحال من الأحوال ـ كما سيتيح لنا الفيلم الاستنتاج ــ امتداداً لما سبقها.

«إما هانوي أو هونغ كونغ»، يأتينا صوت الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، الشعار نفسه الذي تبنته المقاومة اللبنانية والفلسطينية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. وللتوضيح، فإن الخيارين يطالان بيروت، فهي إما أن تكون عاصمة «بزنس» أو عاصمة «مقاومة»، لكن كل ما في الفيلم يمضي إلى هذا الخيار في الماضي، عبر شخصية حاتم حاتم، الملقب أبوحسن هانوي، والذي حلم بأن تتحول بيروت إلى هانوي الشرق، وأن يكون ما مارسته المقاومة الفيتنامية ضد الاحتلال الأميركي مثالاً يحتذى في بيروت، ومعبراً نحو تحرير كامل الأرض الفلسطينية. هذه الشخصية ستكون الرابط الأكبر لما نشاهده أمامنا من نماذج تتمحور بشكل أو آخر حول هذا الحلم المشروع، سنشاهد حسن بن حاتم، «حاتم افتراضياً» يمضي إلى هانوي، لملاحقة حلم والده وما آل إليه، فإذا به يكتشف أن هانوي ما عادت هانوي، أي بوصفها عاصمة المقاومة، بل صار تاريخها النضالي أشبه بالفلكلور أو المعلم السياحي، الأمر الذي يقول لنا أشياء كثيرة، لعل أولها سيكون تعثر مواصلة الحلم، وكذلك هي الحال في بيروت التي وزعت مناضليها على مدن العالم، وفي مقدمها دبي التي يجد فيها الفيلم مساحة لتقديم ما له أن يكون نقيضاً لبيروت الثمانينات، حيث المال والأعمال والتي يجد مناضلون فيها مستقراً بعيداً عن «أحلام ضائعة».

لن يكون أبوحسن هانوي إلا ذاك الحالم الذي سرعان ما انكفأ إلى قريته في الجنوب مع الاجتياح الإسرائيلي لبيروت 1982 ،لكن، إلى جانبه سنعثر على وجوه متعددة، فهذا رجل متقاعد وزوجته كانا في كامل ثوريتهما في ما مضى، وهناك امرأة إيرانية ـ كردية من أم لبنانية وجدت في الإمام الخميني هالة نور حين رأته في طهران، بينما تعيش الآن في دبي وتمارس اليوغا. وآخر كان فتحاوياً أرسل إلى هانوي في دورة تدريبية، يحكي عن تجربته وألمه لدى سماعه نبأ اغتيال أبوجهاد، وشاب لبناني اسمه صدام يعيش في دبي قتل والده المنتمي لحزب البعث العراقي على يد البعث السوري، وهو ما زال يحب صدام حسين، أو عاشق دراجات «الهارلي ديفنسون»، وهو يتكلم عن حزب الله، وغيرها من نماذج تلتقي جميعاً على وضعنا وجهاً لوجه أمام ما آلت إليه مصائرهم، تحت إملاءات زمن تغير تماماً، غيّب فيه اليسار ودوره الثوري.

لا يخلو «ما هتفت لغيرها» ـ العنوان مأخوذ من أغنية وطنية فلسطينية كان مطلعها : أنا ابن فتح ما هتفت لغيرها ـ من سخرية مرة، وإن كان الحنين يمارس تقنيناً عليها، لنا أن نسمع ترديد اسم الزعيم الفيتنامي، هوشي منه، بطريقة ساخرة، لا بل إن استخدام أغانٍ ثورية في مشاهد بعيدة عن محتواها له أن يتيح المجال لتناقض جلي ومفارقة ساخرة، مثلما هو الحال مع نشيد «لبيك يا علم العروبة»، مضافاً إلى ذلك مصادر أبوحسن هانوي في بناء منهجه الثوري الذي لا يأتي من معرفة بفيتنام ومقاومتها، إلا من خلال الأفلام الأميركية.

تتردد أغنية «أعطني أملاً يا زوزو»، والتي تترك لتشكل نهاية الفيلم، الأمل الذي علينا أن نخلص إلى أنه ضائع، وعلى من يسكن دبي أن يردد «أنا والعذاب وهواك عايشين لوحدينا».

فيلم محمد سويد، بعيداً عن كونه نبشاً عميقا في الذاكرة، مبني برشاقة، مأخوذ بتقديم نماذج تدعم مقولته، مهما بدت بعض الشخصيات بعيدة عن أبوحسن هانوي، ومفتوح تماماً على الصعيد الفني أمام احتمالات كثيرة، لكنها منضبطة تحت ما يقوله الفيلم، مستثمرة على الرغم من الإيحاء الوهمي بارتجالية ما، وحركية عالية تدفع المشاهد إلى ملاحقة ما يشاهده بشغف وحنين سرعان ما يتسرب إليه.

الإمارات اليوم في

29/10/2009

 

جديد جورج كلوني.. ضمن همومه السياسية  

«الذين يحدقون بالماعز».. خوارق الحروب  

زياد عبدالله – دبي 

الفيلم كوميدي، لكنه عن الحرب، حربي لكنه كوميدي، هذا ما يمكن أن يوصف به فيلم (الرجال الذين يحدقون بالماعز)، الذي يشكل جديد الممثل الأميركي جورج كلوني، في فيلم آخر له أن يكون استكمالاً لما بدأه في أفلام تحلت بصبغة سياسية واضحة. ونقصد هنا «سريانا» 2005 الذي مازلت أعتبره من أهم الأفلام السياسية التي أنتجت في السنوات الـ10 الأخيرة، مضافاً إليه وفي العام نفسه «تصبحون على خير، إلى اللقاء» والذي أخرجه كلوني، وجسد شخصية فرد فريندلي. وليواصل مع فيلمنا هذا مقاربة مختلفة هذه المرة، كونه يقدم مقاربة تاريخية، لكن عبر الكوميديا، فالصفة السابقة، أي ما يمكن اعتباره هموماً سياسية، كانت طاغية على الفيلمين سابقي الذكر.

يتحدث الفيلم الذي اختتم به مهرجان الشرق الأوسط في أبوظبي دورته الثالثة، عن فصيل خاص في الجيش الأميركي اكتسب قدرات خاصة يمكن وصفها بالخارقة، تستمد قوتها من الرياضات الروحية الشرقية، وغيرها من عتاد روحي يكسب الإنسان ما يوصف بالخوارق.

نكتشف ذلك، ونحن نتعرف إلى مراسل صحافي اسمه بوب (إيوان مغرغير)، يقرر التوجه إلى العراق، هرباً من أزمته العاطفية المتمثلة باكتشاف خيانة زوجته له، وعليه يعلق في الكويت من دون أن يعرف طريقاً إلى العراق. يتعرف بوب إلى لين كاسادي (جورج كلوني) الذي يكون منتمياً إلى القوة الخاصة سابقة الذكر، وعليه يقع على قصة العمر، حيث يروي له كاسادي ظروف نشأة القوات الخاصة، وكيف اكتشف مؤسسها أسسها ومبادئها بيل داجنكو (جيف بريدغز) في حرب فيتنام، واستجابة القيادة الأميركية لمقترح كهذا له أن يستثمر الرياضات الروحية في زيادة مناعة الجندي الأميركي وإكسابه قدرات خارقة لها أن توظف في خدمة أغراض على تناقض تام مع ما وجدت له هذه الرياضات التي تكون عادة في خدمة الصفاء الروحي والنوايا السلمية.وعليه، يكون تدريب الجنود متمثلاً في الرقص، ومحاولة إكسابهم تصالحاً مع الذات، ومضيهم خلف المختبئ في دواخلهم وليكون لين واحداً من هؤلاء الجنود.

ما تقدم تتم استعادته بينما الصحافي بوب يرافق لين في مهمة خاصة في العراق، والتي تكون محفوفة بالمخاطر التي تتحول إلى مساحة للمفارقة والضحك، فكل ما يقوم به لين، والذي من المفترض أنه محنك وقادر على القيام بالمعجزات، يكون مليئاً بالاضطراب والأخطاء، وسرعان ما يقعان في الأسر، بعد اصطدام سيارتهما بصخرة، وليهربان بعد لجوء لين إلى إحدى قدراته التي تقدم مضحكة أيضاً، ولينجو مع رجل عراقي اسمه محمود (وليد زعيتر)، ومن خلال الشركات الأمنية في مشهد يمتد إلى الخوف الذي يسكن عناصرها لدى دخولهم مدينة عراقية، فما أن تمر دراجة نارية تصدر عنها فرقعات من محركها، حتى يبدأ تبادل إطلاق النار بين عناصر الشركة التي تقل لين وبوب ومحمود مع شركة أخرى، وليتمكن بوب ولين من الهرب، بمساعدة محمود الذي يستضيفهم في بيته، ويعتذر منه لين على ما يفعل الأميركيين في بلاده. حسناً، في الأمر سخرية، لا أعرف إن كان توصيفها بالسوداء دقيقاً، في مجاورة لما تطمح الآلة الحربية الأميركية لاستثماره، وإن كان نقيض القتل والتدمير، وهناك منعطف يتمثل في حضور لاري هوبر (كيفن سبياسي) الذي يحرف ما وجدت عليه القوات الخاصة الروحية، وتحويلها إلى مساحة لاختبار أشياء أخرى. يقول لنا الفيلم إن قدرة لين على قتل ماعز بالتحديق فيها شيء، والحرب شيء آخر، وفي أخذ ذلك إلى مكان آخر، لنا أن نضع فيه المعجزة كحاجة ملحة للقوات الأميركية، لكن هذه المعجزة عاجزة، معطلة، والواقع أكبر من أن تتمكن من تغيير شيء فيه، لا بل وإن أتيح لها أن تكون فاعلة، فإن من هم مثل لاري سيكونون لها بالمرصاد.

«الرجال الذين يحدقون بالماعز» يعزز الشراكة التي تجمع جورج كلوني وغرانت هيسلوف الذي أخرج هذا الفيلم المأخوذ عن كتاب بالعنوان نفسه لجون رونسون، ويمنح لكلوني خوض غمار شيء جديد، من الصعب تقدير مساحته خارج تلك الصفة.

الإمارات اليوم في

26/10/2009

 

في فيلم «هوية الروح» للنرويجي توماس هوغ  

زنابق درويش البيضاء وبحار إبسن الزرقاء 

زياد عبدالله – عجمان 

لم تكن إلا خمس شاشات حملت مشهدية ملتقطة بالتزامن، بينما الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش يظهر ثم يمضي، يمضي ثم يظهر، وهو يردد قصيدة للكاتب النرويجي هنريك إبسن، ثم قصيدته «جندي يحلم بالزنابق البيضاء».

لم يكن درويش هذه المرة في أمسية شعرية، وما من جمهور ماضٍ مع كلماته وصوته العميق، يتنقل معه من صورة إلى أخرى وهو يتعقب قصائده، وقد اتفقا مسبقا ـ الجمهور ودرويش ـ على أن الجمال الوسيلة الوحيدة لمقاومة القبح، المنتج الأكثر حضوراً في هذا العالم المترامي، وفي تحالف وثيق مع عدو اسرائيلي لا يعرف غيره، مهما تلونت الأقنعة وتنوعت الادعاءات التجميلية.

موعدنا مع محمود درويش كان بصرياً، له أن يطفو من خمس شاشات في «سيني ستار» عجمان، ونحن نشاهد فيلم «هوية الروح» للمخرج النرويجي توماس هوغ، الذي عرض مساء الخميس الماضي، بمبادرة من دائرة الثقافة والإعلام في عجمان، واستدعى الأمر بالتأكيد صالة ممتلئة تماماً، لن تكون الفنون البصرية دافع الحضور الأول، بل درويش نفسه، وعلى شيء من الانحياز للشعر، لشعر درويش، لا بل لمشاهدته في استجابة لاشتياقات يمليها موته.

الفيلم الذي يتبع مشهدية خاصة لها أن تنتمي إلى «الفيديو آرت»، يتبع ما نسمعه من دون أن يفسره، وهذه إحدى فضائله الكثيرة، هناك ما يمنحنا لقطات متوالية ومتناغمة في استثمار لتداخل الشاشات واستكمالها بعضها البعض، وأحياناً تنقل الصورة بينها على شيء من استكمالها على خمس مراحل.

لكن، وقبل المضي مع الفيلم، علينا المرور على ما يحيط به، إذ كان هذا المشروع الذي لم يشاهده محمود درويش بعد الانتهاء منه على شيء من محاولة لوضع قصيدتين في سياق واحد ينتصر للحياة، كما كل فن، وعلى شيء من فعل مجاورة بين إبسن ودرويش، وفتح الباب واسعاً - إن شئنا- أمام ملتقيات كثيرة بين القصيدتين، وعلى شيء من حرية مطلقة ربما في مقاربة المشاهد لما يراه، وحسب زاوية رؤيته الخاصة، وليكون الفيلم الذي زار مدناً عربية وأوروبية، من بينها إمارة عجمان، حاملاً نسخاً متعددة من بينها نسخة إنجليزية قدمت فيها الممثلة فينسا ردريغيف قصيدة إبسن، كما أن أحاديث كثيرة للمخرج هوغ مضت باتجاه سعادته الكبيرة في شراكته درويش في هذا العمل، وحزنه على عدم تمكن درويش من حضور عرضه الأول في رام الله، لا بل إنه يروي صعوبة إقناع درويش بالوقوف لساعات طويلة أمام الكاميرا، وذهابه وطاقم عمله إلى رام الله بعد تعثر مجيء درويش إلى لندن، لأسباب صحية.

توصيف العمل بالفيلم له أن يكون في المساحة البصرية التي يتيحها، وعدا ذلك، هو أقرب لحوارية بصرية شعرية، وقد يضاف إليها الموسيقى، ولعل الفعل الدرامي فيه سيكون من نسج الكلمات واللقطات، فقصيدة إبسن «تيري فيجن» التي كتبها عام 1861 لها أن تمنحنا معبَراً إلى شعر قصصي، وتجسيد شعري لحياة فيجن بوصفها مجازاً، وحاملاً لتصارع حقيقي بين السلام والانتقام، بين رجل كل ما يسعى إليه هو تحصيل ما يسد رمقه وعائلته، واصطدامه بـ15 رجلاً مصرين على قتل مسعاه في ذلك، إنه ضابط إنجليزي ورجاله يقومون بإغراق قاربه، ويمنعونه من العودة إلى زوجته وابنه وتأمين ما يحميهما من الموت جوعاً، وكل ما يحمله في قاربه «ثلاثة دنان من القمح»، ولو ترك له إيصالها لاستطاعت عائلته مواصلة الحياة، وليكون مصيره السجن الطويل، وحين يعود إلى قريته يكون قد فقد كل شيء، ماتت عائلته، لكن ومع دراما القصيدة المتصاعدة، يتاح لتيري فيجن الانتقام، يقع اللورد الإنجليزي الذي بدد حياته تحت رحمته، وقد صار فيجن مرشداً للسفن، نسمع بصوت محمود درويش:

حين ذاك صرخ اللورد أنظر القاع يميل تحت أرجلنا أو ينحدر

ابتسم المرشد

لا تخف ها هنا غرق قارب محمل بثلاثة دنان من الشعير في القاع نفسه الذي يحملنا الآن

للتو غمرت بالرعب وجه اللورد ذكرى فعلته المنسية

تذكر الآن فقط ذلك الذي طلب منه الرأفة راكعاً على متن زورقه

وهنا صرخ تيري فيجن: كان كل مصيري بين يديك لكنك فرطت فيه باسم الشرف والمجد

لحظة واحدة وأكون قد انتقمت منك..

اللقطات المترافقة مع قصيدة إبسن «أبو الدراما الحديثة» يكون بحرياً، ثمة نورس يحوم في السماء، هناك منارة، ومن ثم صور لسفن شراعية، وحين يحل الخطر فالماء دائماً يتسرب إلى قارب أو ما يوحي بأنه قارب. وبالانتقال إلى قصيدة محمود درويش يمسي المشهد صحراوياً، رتل طويل من البشر ينتظر في صحراء مترامية الأطراف، مرتدٍ السواد، ولعل الشعر سيكون درامياً من السطر الأول، سيكون علينا تعقب ما سيكون عليه ذلك الجندي الذي يحلم بالزنابق البيضاء، والذي يبحث عن حياة طبيعية، لا مكان فيها للقتل، بل لفنجان قهوة في الصباح وحنان أم، بينما الصور لا تتغير، البؤس على حاله، تفتت البشر، انفلات ما يصل بينهم من شريط أحمر طويل:

«يحلم قال لي بطائر

بزهر ليمون

ولم يفلسف حلمه، لم يفهم الأشياء إلا كما يحسها، يشمها

يفهم ـ قال لي ـ إن الوطن أن أحتسي قهوة أمي

أن أعود في المساء

سألته: والأرض؟

قال: لا أعرفها، ولا أحس أنها جلدي ونبضي كما يقال في القصائد

وفجأة رأيتها كما أرى الحانوت والشوارع والجرائد..

بين انتقام تيري فيجن الذي يحجم عنه مناصراً الحياة بسلام على أي خيار آخر، وذاك الجندي الذي يحلم فقط بالزنابق البيضاء، هناك ما يمكن البناء عليه، وفق مطالب حياة إنسانية، سرعان ما يظهر عدو لها ويخمدها، انتقام فيجن لن يلحق به إلى لعنة أن يكون مثل جلاده، بينما الجندي يحلم بالزنابق البيضاء. وكلما حلم أكثر اتسع الكابوس؛ كابوس القتل الذي مازال يمارسه حتى هذه اللحظة.

الإمارات اليوم في

25/10/2009

 

فيلم للتونسية رجاء عماري  

«الدواحة».. أسرار النســــــــاء المشوّقة 

زياد عبدالله – دبي 

يتيح لك الفيلم أن تقدم كل شيء ولا شيء في آن معاً، كما أن المغريات التي يقدمها في زمنه الافتراضي قد تدفع إلى أن يكون الأمر خلطة فنية من الصعب تباين ملامحها، وإن كانت البداية خادعة، وتمتلك إمكانات سرعان ما يتم الانزياح عنها، ونحن نتعقب انقلاب الفيلم وتوجهه إلى مساحة تشويقية تتحول إلى الرهان الأكبر لدى التخلي عن أي رهان آخر.

فيلم «الدواحة» جديد المخرجة التونسية رجاء عماري، له أن يمنحنا فرصة البحث في ما تقدم، والذي يأتي مسلحاً بكل ما له أن يكون نسوياً بالمعنى النقدي للكلمة وهو يقدم قصته وفق رؤية نساء عدة وصراعاتهن المحتدمة المنسجمة مع زاوية رؤية كل واحدة منهن للحياة ونمط العيش وغير ذلك.

عنوان الفيلم الذي يعني باللهجة التونسية «المهد» كما تم التوضيح لنا، لن يكون نفسه في العنوان الإنجليزي للفيلم الذي يصير إلى «أسرار دفينة»، ويمكننا بعد مشاهدة الفيلم اقتراح عناوين أخرى مثل أن يكون «نساء لهن ماضٍ» أو «أموات على قيد الحياة» أو «قصر النساء المنسيات» وغيرها في تعقب لتنقل الفيلم بين أشياء كثيرة.

مع بداية الفيلم نكون أمام ثلاث نساء أشبه بالأشباح، البنت الصغرى تتسلل إلى طابق علوي وتقوم بحلاقة ساقيها فإذا بها تجرح نفسها تحت وطأة الخبط القوي على باب الحمام، وعليه تأخذ بقوة إلى الطابق الأسفل، حيث تعيش مع أختها الكبرى وأمها. ومن ثم نكتشف أنهن يعشن في قصر هائل الحجم لكنه مهجور، ويشغلن طوابقه السفلية حيث كان بيت الخدم، ولنعرف بعد ذلك أن الأم كانت من خدم هذا القصر.

البنت الصغرى كما تقدم لنا مسكونة بأنوثتها المحرمة، تتوق لأن تتبرج وأن تعيش حياتها من دون محرمات كثيرة تمارسها أختها وأمها عليها وبشيء من التطرف الذي يحرمها كل شيء، ولتكون الأم والأخت الكبرى مسكونتين بالهواجس نفسها، لكنهما تستتران خلف قسوة ظاهرية وعلى شيء من الازدواجية، تضعان أقنعة تخفي ما تخفي تحتها وتمارسان كل أنواع التسلط على البنت الصغرى في قمع لكل رغباتها وأحلامها التي لها أن تكتمل عند الرجل.

حدث طارئ يضاف إلى حياة النساء الثلاث، ألا وهو عودة واحد من أبناء مالكي القصر إليه، وسكنه فيه برفقة امرأة، بحيث تتحول قصة الفيلم إلى مجاورة ما يحدث في الطوابق العلوية مع السفلية.

حيث الأغنياء يمرحون ويمارسون الحب ويستمتعون بأوقاتهم، بينما من في الأسفل يعيشون في خوف اكتشاف أمرهم، ويتلقون الفضلات التي يرمون بها، ومع تجرأ البنت الصغرى وصعودها إلى الطابق الأعلى تقع على كل ما يخفى عنها، تشاهد رجلا وامرأة في جماع محموم، ومن ثم تسرق حذاء المرأة الثرية ذا الكعب العالي، كما أنها تتسرب إلى حفلة يقيمونها.

كل ما تقدم يخدم مجاورة الغنى للفقر، الانفتاح والتنعم بالحياة إلى جانب قمع الرغبات والاستقرار على حياة متقشفة في كل شيء، إلا أن هذه القراءة سرعان ما يكتشف بطلانها، مع التقاء الفتاة الثرية في الأعلى مع البنت الصغرى في الأسفل، ومن ثم اعتقال تلك الفتاة وإبقاؤها رهينة حجز النساء الثلاث، وعليه يمضي الفيلم نحو شيء آخر تماماً، ويصبح مسكوناً باكتشاف ماضي النساء الثلاث، وعلى شيء من أفلام الرعب والتشويق، حيث نكتشف ـ ياللهول ـ أن الأم قامت بقتل زوجها الذي اعتدى على ابنته جنسيا وأنجبت منه ابنا يكون مدفوناً في حديقة القصر.

طبعاً يطمح الفيلم إلى تقديم وطأة الماضي على المرأة من خلال البنت الصغرى التي تحرم من كل شيء لا لشيء إلا لأن الماضي الذي لا يد لها فيه قد حصل فيه ما حصل، ولا أعرف إن كانت النهاية المتمثلة في قيامها بقتل أمها وأختها ومشيها في الشوارع بثوب أبيض مخضب بالدماء قد يعني أنها انتصرت على ماضيها.

أجيب عما تقدم بـ«لا»، مع الاستعانة بكل ما يشتت المشاهد عن قراءة كهذه، ضمن ضياع البوصلة وتخبط الفيلم، الذي امتلك امكانية أن يكون غير ذلك، لا بل إن مضيه خلف الماضي بوصفه لغزا علينا أن نشاهد حله يبعدنا تماماً عن الماضي بوصفه مجازاً أو حاملاً لمقولة ما.

تداخل الحياة بين من يسكن طوابق القصر العليا مع السفلى سيكون بمثابة النقطة التي أخرجت الفيلم عن سياقه، لا بل إن ما تبع ذلك سيقودنا إلى فيلم «غوثيك» يمنح هالة من الرعب البسـيط الـذي تحمله القصور الفارهة، مع تذكيرنا في كل مرة عبر مشاهد خاصة أننا أمام نساء يصارعن الشهوات والحرمان.

الإمارات اليوم في

21/10/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)