تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

المخرج يسري نصرالله يتحدث عن فيلمه "إحكِ يا شهرزاد" المعروض في الصالات المحلية:

نحن أمام سينما همّشت البطولة النسائية طوال ثلاثين عاماً

ريما المسمار

أثار فيلم يسري نصر الله الأخير "إحكِ يا شهرزاد" الكثير من ردود الفعل وعلى أصعدة مختلفة. من الهجوم على بطلته منى زكي لتقديمها "مشاهد ساخنة" في ظل اجتياح مفهوم "السينما النظيفة"، الى "اتهام" مخرجه بانه تخلى عن خطه السينمائي من خلال مزاوجة خصوصيته مع عمومية كاتب السيناريو الشهير وحيد حامد، مازال الفيلم تجربة جديرة بالمشاهدة والنقاش والحوار لجهة مباشرتها في طرح موضوعات الخوف والكبت والبوح والتطرف في المجتمع المصري. الشريط الذي بدأت عروضه أمس في الصالات اللبنانية، عُرض الأسبوع الفائت في مهرجان الشرق الاوسط السينمائي الدولي خارج المسابقة، وحضر مخرجه رئيساً للجنة تحكيم الأفلام القصيرة. هناك التقينا صاحب "سرقات صيفية" و"صبيان وبنات" و"مرسيدس" و"المدينة" و"باب الشمس" و"جنينة الاسماك" في حوار حول عمله الجديد. هنا نص الحوار.

·         [ في "إحكِ يا شهرزاد" استكمال لموضوع ثقافة الخوف والحاجة الى البوح الذي طرحته يف فيلمك السابق "جنينة الاسماك". ولكن البوح هنا انتقل من كونه امراً ذاتياً الى شيء علني من خلال التلفزيون.

- ثمة أمران أساسيان مختلفان في هذا الفيلم عن أفلامي السابقة. يُهيإ إلي ان هذا الفيلم ينتهي من حيث بدأت أفلامي الاخرى. فتلك قامت على شخصيات حسمت علاقتها بالمنظومة الاخلاقية السائدة واصبحت في مكان آخر، تحاول ان تنسج علاقة بذلك المجتمع. بهذا المعنى، لم تكن أفلامي السابقة معادية للمجتمع، ولكنها اهتمت بشحصيات، حددت نفسها كأفراد وحددت الشروط التي تريد العيش بها، ومن هنا تحاول إقامة صلة ما بالمجتمع المحيط بها. في هذا الفيلم، الشخصيات متكيفة تماماً مع المجتمع وممتثلة له. الرجل هو السيد.. المرأة لا تستطيع ان تعيش من دون رجل.. الحلال والحرام.. الصح والغلط.. انها المنظومة السائدة والمقبولة أيضاً كما نلمس من خلال شخصية المذيعة "هبة" التي تستمع باقتناع الى نصيحة صديقتها بضرورة التمسك بزوجها الثاني ومجاراته وكل ذلك على حساب حياتها ومهنتها وهي تعلم بذلك. تدريجياً ومن خلال ما تعتقده برنامجاً بعيداً من السياسة، تجد نفسها في معترك السياسة وتكتشف انها غير قادرة على الاستمرار بتلك العقلية التقليدية. والفيلم ينتهي في اللحظة التي تكتشف فيها ذلك. هذه هي التيمة الاساسية في "إحكِ يا شهرزاد". من هنا ربما الاحساس بأن الفيلم يتناول موضوعاً أكثر عمومية وسعة. ولكن في نهاية المطاف، تلك الشخصيات، وتحديداً نساء، تكتشف فرديتها في نهاية الفيلم، فتبقى مصائرها مشرعة على التساؤلات. كيف ستكمل بعد ذلك؟

·         [ ماذا عن الاعلام الذي حضر في الفيلم السابق ويحضر هنا أيضاً. ما هي وظيفته؟ نقدية؟ مجاراة للعصر؟

- توظيف الإعلام هنا مختلف تماماً عنه في "جنينة الاسماك". الإذاعة هناك مخبأ للشخصيات. أما التلفزيون فرديف الكشف.. عندما قرأت نص وحيد حامد، جذبني تفصيل كان دائماً يشغلني عند مشاهدة التلفزيون وبرامج "التوك-شو" مثل اوبرا وينفري وهالة سرحان وغيرهما. كيف يستطيع هؤلاء محاورة أشخاص عاديين مروا في محنة تماماً كما يحاورون سياسياً؟ في بداية الفيلم، نشاهد "هبة" في لقائها مع السياسي تقدم ما يشبه الاستعراض القائم على وضع نفسها في موقع ندي لضيفها. هي بمعنى ما، تستخدمه في تلك اللعبة الاستعراضية. الأمر نفسه يتكرر في بداية الحلقة الأولى من برنامجها الاجتماعي النسائي "نهاية المساء وبداية الصباح". تحاور شخصية سوسن بدر بشيء من التعالي والتفوق على اعتبار الاخيرة إمرأة مجنونة ذات أفكار وسلوك غريب. مع نهاية البرنامج، تكتشف ان هذا الاسلوب غير مناسب. بعد كل الضحك والترفيه، تكتشف كما نكتشف نحن اننا كنا امام امرأة محطمة، شرعت حياتها على العلن وربما ندمت لأنها فعلت ذلك وسوف تعود الى مستشفى الامراض العقلية التي جاءت منها. هنا تشعر "هبة" بأن الاعلام ليس "فورمولا" أو معادلة جاهزة، ترى الى الناس مواد للاستهلاك والى حكاياتهم أخباراً تغذي صفحة الحوادث! رويداًً، تبدأ الشاشة التي خلفها بالتحول الى مرآة لتدرك انها داخل نفس المنظومة التي تنتمي اليها نساء برنامجها. كلهن هي.

·         [ ثمة إحساس بأن الشخصيات على الرغم من اندماجها، متصالحة مع نفسها وماضيها. ولكن ذلك لا يكتمل الا من خلال الشاشة.

- نساء الفيلم، باستثناء "هبة"، وصلن الى مرحلة التعايش مع ماضيهم وواقعهن. كل ما يفعله البرنامج انه يكشفهن ويبرهن عن قدرتهن على مواجهة المجتمع بحقيقتهن. بالنسبة الي، العيش في سر ليس بطولة. ولكن البطولة تكمن في اللحظة التي تستطيعين فيه الخروج من العالم السري واعلان "هذا أنا" على الملأ اي كسر منطق "مداراة الفضيحة" السائد في مجتمعنا. النقلة الكبرى تختبرها "هبة" ولذلك هي شخصية اساسية وكذلك حكايتها بعكس ما قد يعتقد البعض من انها مجرد صلة وصل بين الحكايات الثلاث الاخرى. "هبة" هي الحكاية الاساسية.

·         [ هذا الانتقال من تناول شخصيات مكتملة الى أخرى تصارع من أجل البوح ما هو سببه؟ النص الذي بين يديك؟ أم تحول في داخلك؟

- هذا النوع من اعلان الذات موجود في "باب الشمس" مع "نهيلة" وفي "المدينة" مع شخصية باسم سمرة ومحرّكه هو مجتمع يمارس على الفرد ضغطاً هائلاً ليكون مثل الآخرين ويقول له "انت ولا حاجة" ويعامل الإختلاف بمنطق "إذا بُليتم فاستتروا". "جنينة الاسماك" هو العكس لأنه يرصد نتائج عدم البوح. هناك، انت أمام شخصيات نهاياتها بشعة.

·         [ هل البوح شرط للاستمرار؟

- اجتماعياً البوح والاعلان شرط ضروري للإستمرار. أنا لا اصنع أفلام تحليل نفسي ولا اعطي وصفات مضمونة النتائج. ولكننا نحيا في مجتمع قائم على أن نداري ونخبىء. نخبىء المرأة ونلجم عواطفنا ونستر أجسادنا ونكتم آراءنا.. هذا مجتمع يموت. صح أم انني أهلوس فقط؟

هذا العجز عن العيش علناً هو المرض في حد ذاته.

·         [ البوح في "جنينة الأسماك" كان من خلال الاسطورة او الأداء التمثيلي البريختي. الحكايات الثلاثة هنا واقعية تماماً...

- صحيح ولكنها ليست طبيعية لاسيما على المستوى الفني. القصص الثلاث شديدة الاسلبة وتنتمي الى الميلودراما. الحكايات كلها مبنية على قصص واقعية. حتى ان وحيد حامد رغب في ذكر ذلك في بداية الفيلم من خلال جملة "كل القصص مستوحاة من أحداث حقيقية" ولكنني رفضت لأن ذلك كان سيلغي سحر "الحدوتة".

·         [ كيف تعاملت مع ميلودرامية النص؟

- على الرغم من ان الحكايات مستوحاة من قصص حقيقية، الا انها تميل الى الطابع الميلودرامي. وجدت نفسي أمام خيارين متناقضين: إما تخفيف جرعة الميلودراما وتبريدها وإما الذهاب فيها الى الآخر. اخترت الطريق الثاني. لماذا؟ وما الذي بهرني في النص؟

نحن أمام سينما همشت طوال ثلاثين عاماً البطولة النسائية. من سعاد حسني وفاتن حمامة ومديحة يسري وناديا لطفي الى مديحة كامل ويسرا ونبيلة عبيد وناديا الجندي... هؤلاء ممثلات بُنيت عليهن أفلام تحدثت عن النساء ومشاعرهن بأجساد النساء وشكلهن وتناقضاتهن في زمن كان المجتمع المصري فيه مازال يسمح بذلك الهامش. ولكن خلال الثلاثين سنة الفائتة، أصبح الرجل هو محور الافلام بينما أصبحت المرأة الأخت والام والخطيبة والزوجة والعاهرة. هذه تركيبة مرتبطة عضوياً بمجتمع شديد المحافظة. مع "شهرزاد"، وجدت نفسي أمام نص عن نساء مستقلات، غير منسوبات الى الرجل. شخصيات حقيقية ومكتملة وحلوة ومتناقضة. كان عندي رغبة في البداية في أن أهدي الفيلم لحسن الإمام او عز الدين ذوالفقار او اي مخرج اشتغل على الشخصيات النسائية. الميلودراما في الخمسينات كانت شكلاً سياسياً، يتيح، من خلال حدوتة شعبية جداً، نقل مشاعر ونظرة حرة الى المرأة غير مكبلة بالاحساس بالذنب والعار. ما يحدث اليوم ان الناس تمضي الوقت في مشاهدة "روتانا زمان" وتتحسر "ياسلام لي أفلام دلوقت مش زي أفلام زمان؟" هذا مجتمع محافظ ولكن عنده حنين الى ذلك الزمن. هذه حالة موجودة، لم أفتعلها. قلت لنفسي "هايل" سأصور الفيلم بألوان أفلام الخمسينات وبمشهدياتها الطويلة وسأسلك هذا الطريق الى آخره. استمتعت جداً بذلك وأجد في هذا الخيار موقف سياسي وليس فقط جمالي، يلعب على شكل مألوف بطريقة مركبة.

·         [ الجمهور إذاً كان محركك لاتخاذ تلك الخيارات الشكلية والجمالية. تخاطبه من خلال شكل يعرفه وتمرر من خلاله ما تود قوله. أليس في ذلك تحول عن مسارك؟

- ليس في هذا الفيلم خضوع لما هو سائد في عقل الناس. هذا الفيلم صادم جداً مع المنظومة السائدة موضوعياً وجمالياً. كنت أقول لأحد زملائك ان الفيلم ليس مبنياً على المونتاج بقدر ما هو مبني على تتابع المشاهد لأن المونتاج في فيلم يتحدث عن الجسد هو نوع من رسم خطوط تشديدية، يحيل الموضوع على الاستهلاك. المشهد بين "سعد الخفيف" و"هناء" على الكورنيش مثال على ذلك. انه مشهد يبدو بسيطاً ولكنه غاية في التعقيد والتركيب. يبدأ المشهد بيده تمسك بيدها ومن ثم تعلو الكاميرا لتظرهما معاً ويدور حولها ومن ثم ينتهي بوضع يديه على أردافها كل ذلك في لقطة واحدة. لو انني قطّعت المشهد كان سينتج عنه شيئاً مبتذلاً بخلاف اللقطة الواحدة التي تمنح المشهد انسيابية وتقول الكثير عن الجسدين. في مشاهد أخرى داخل الدكان، تنتقل اللقطة من عامة الى قريبة الى المرآة ومن الداخل الى الخارج... كل هذه الحركة تروي حكاية الجسدين وعلاقتهما بشكل حسي ملموس.

·         [ بخلاف حكاية "هبة" المقطّعة؟

- مقطّعة الى حين تتحول امرأة حقيقية مع تطور الاحداث والشخصية.

·         [ الشغل الكلاسيكي على المشاهد بارز لاسيما في مشاهد الاستديو حيث تصور "هبة" حلقاتها التلفزيونية.

- هذا صحيح ولكن التفاصيل تتغير مع التحولات التي تعيشها شخصيتها. مع حكاية سوسن بدر، "هبة" تسخر منها وتستخدمها والشاشة التي خلفها تبث صوراً من مراحل مبكرة في حياة شخصية سوسن بدر. في المقابلة الثانية، هناك امرأة خارجة من السجن وتنتمي الى طبقة اجتماعية مختلفة عن "هبة" ولكن ثمة ما هو مربك في حكايتها. هنا تتحول الشاشة داخل الاستديو الى مرايا مشوهة تبث صوراً بالابيض والاسود وتستعير من التكعيبية في الفن التشكيلي. في المقابلة الأخيرة، ضيفتها دكتورة، تشبهها من حيث الخلفية الاجتماعية والتربية والمفاهيم وحتى الحجم. الشاشات هنا مرايا بينهما. في السيناريو، كتب وحيد حامد ان الدكتورة تبكي حين تتحدث عن انها لم ترد طفلاً منه يشبهه. ولكنني تناقشت مع وحيد ان ما من مبرر لبكائها لأنها تخطت المشكلة ولكن "هبة" هي الني تبكي لأنها تدرك في تلك اللحظة مدى تشابههما وتكتشف انها لا تريد هي ايضاً طفلاً من زوجها مع انها كانت منذ بداية الفيلم تشدد على رغبتها في الانجاب. هذه لحظة ميلودرامية ولكنني أعشقها لقوتها وواقعيتها. أنا مقتنع بها وأعتقد أنني تعاملت مع شخصية "هبة" بجدية وليس من خلال النمط الذي تمثله.

·         [ ألم يشغلك ان كل حكاية من الحكايات الاربعة تصلح منفردة لفيلم كامل؟ وهل هذا الشكل السردي كان موجوداً في السيناريو؟

- كان هذا موجوداً في السيناريو وهذا ما جذبني اليه. في نهاية المطاف، يمكن كل شخصية ان تكون فيلماً مستقلاً ولكن الحكايات مجتمعة تحتمل معنى مختلفاً. من حكاية سيدة من طبقة متوسطة متحررة ترتضي مقابلة عريس مدبر الى "هبة" التي تعيش في مكان غريب اقرب الى سجن مروراً بالمرأة السجينة والدكتورة التي تشبه "هبة"، ما الذي يقوله الفيلم؟ كلهن يفكرن بطريقة واحدة على الرغم من اختلاف الخلفيات والموقع والثقافة. شخصية سوسن بدر هي الأكثر تراجيدية لأنها قامت بردة فعل راديكالية وارتدت الى قيم متحجرة على الرغم من بذور التحرر التي امتلكتها كجزء من جيل كامل. الأخريات خرجن من سجنهن.

·         [ ماذا عن حكاية الفتيات الثلاث؟ ثمة اختلاف كبير بينها وبين الحكايات الأخرى لجهة المدة الزمنية والمعالجة والشكل. هي الافضل من وجهة نظري.

- هي القصة الوحيدة في الفيلم التي تظهر تبادل الأدوار بين الضحية والجلاد وبين النساء والرجال. "سعيد الخفيف" ضحية ومجرم. ومن المناقشات الحقيقية بيني وبين وحيد حامد كان سؤال: لماذا قتلته؟ صحيح انه قام بفعل بشع ولكنه ايضاً كان مستغلاً. هو "البنت" في الفيلم. بالمناسبة، الرجالة كلهم في الفيلم هم البنات. المهم انني لم أجد تبريراً لجقتل "صفاء" لسعيد سوى انها الوحيدة التي أحبته بين أخواتها. لم تكن العلاقة بالنسبة اليها مسألة سلطة او سيطرة ولكنها أحبته بالفعل. وعندما قتلته كانت تريد قتل نفسها. كانت تريد الإعدام.

·         [ أعود لأسألك عن مسألة البوح العلني من خلال التلفزيون. هل هي نقد للتلفزيون ووظيفته أم ماذا؟

- عايزة الحق؟ كان هذا التفصيل غير مريح. في الكتابة الأولى، كان كل شيء جزء من المقابلة التلفزيونية. قلت لوحيد ان هذا يستحيل اخراجه بهذه الطريقة. وفهمت لاحقاً ان ما منعني من ذلك ليس الصعوبة التقنية وانما الشكل الذي كانت ستظهر فيه "هبة" كمذيعة جميلة، يعد لها الآخرون البرنامج، وتطلع هي على الشاشة مع سماعة في أذنها تتلقى من خلالها التعليمات. لم أحب "هبة" في تلك الصورة. بالنسبة الي، كان مهماً ان تكون هي معدة البرنامج التي تبحث عن ضيفاتها وتقابلهن وتناقشهن لأنها من خلال ذلك ستبدأ رحلة تغييرها الذاتية. هذا الحضور لهبة غير المألوف في التلفزيون يجعلها فرداً ويحول حضورها الى نقد للتلفزيون ولطريقة عمل هذا النوع من البرامج الذي يفاجئنى بكم "اللااهتمام" الذي يحتوي عليه. أخيراً تضرب "هبة" عرض الحائط بمفاهيم التلفزيون عندما تجعل من نفسها ومن مأساتها استعراضاً. هذا نوع من "يوتوبيا" نحلم ان يتحقق في الاعلام ولكنه بعيد من الواقع.

·         [لو ان هذا الفيلم لم يكن انتاجاً كبيراً ولو انك انت من كتب السيناريو اي اتجاه كان سيسلك؟ تجريبي مثلاً؟

- لو انا الذي كتبت السيناريو، كان سيكون بوحاً في حد ذاته وليس صراعاً من أجل البوح. هكذا هو "مرسيدس" و"سرقات صيفية" و"المدينة" وأفلامي الأخرى. أفلام حرة. شعرت مع سيناريو وحيد حامد وكأنه وقع علي من السماء. للمرة الأولى، وجدت نفسي أمام... (لحظة صمت)
إنتِ عندك حق (مستطرداً). تقصدين سؤالي لماذا عملت "إحكي يا شهرزاد" مادمت قد أنجزت "جنينة الاسماك". هذا الفيلم يرد على سابقه. لا أعرف كيف كتبه وخيد ولم أفهم لماذا أعطاه لي أنا بالذات سوى انه قال لي "أنا حاسس انت اللي حتعرف تعملو كويس". لا أعرف ولكن هذا السيناريو بدا كأنه ملاحظات شرحية مكثفة كان يمكن ان تكون خلفية لفيلم مثل "جنينة الاسماك". ولكن كيف أقولها. أحب هذا الفيلم. عندما صنعت "مرسيدس" الكل هاجمه ولكنني كنت متأكداً من انه صحيح. كان بمثابة الميزان الذي يقيس مزاج المجتمع ويعكس تخبطه. بعده أنجزت "صبيان وبنات" الذي يشرح لماذا عملت "مرسيدس" بلغة تتواصل مع الناس من دون تقديم تنازلات. "جنينة الاسماك" هو ايضاً ميزان حرارة، إحساس بأن ثمة حالة مريضة. ثم يأتي "إحكِ يا شهرزاد" الذي يشرح مرة أخرى لماذا صنعت "جنينة ألاسماك". لا أدري ان كنت واضحاً في ما اقوله.. ولكن أظن انني لو كنت كاتب السيناريو لكنت ذهبت الى الوثائقي كما في "صبيان وبنات".

سأبوح لك بشيء إضافي. أنا أيضاً لست بسيطاً. عملت فيلمي الاول، فقيل "ده بتاع الارستقراطية ومش عارف ايه". ثم "مرسيدس" الذي صنفني مجنوناً. مع "باب الشمس"، قيل انني انتقلت الى الافلام النضال والقضايا الكبرى. و"جنينة الاسماك" الذي أصبحت معه مخرج "بتاع أفلام خاصة". هناك محاولات مستمرة لتصنيفي وحشري في خانة واحدة. أجد نفسي وفياً لأاسلوبي وأفكاري في كل أفلامي مهما اختلفت الأساليب. ولكنني فقط لا أريد أن أُسجن.

·         [ هل يعيد سيناريو وحيد حامد صلتك بمجتمع انت منفصل عنه؟

- لست منفصلاً عن المجتمع.

·         [ ولكنك في مكان آخر بخصوصيتك وفرديتك.

- أريد انا أسألك: هل شعرت انني تخليت عن خصوصيتي في "شهرزاد"؟

·         [ الى حد ما نعم. كأنك تعيد قول الاشياء من مسافة ولغة مختلفتين أقرب الى السائد أو الى الجمهور العريض.

- ولكن هذا الكر والفر كان دائماً موجوداً. أهجم في لحظة وأهدأ في أخرى. اسائل، أشعر، أشك، أحبط... هذه أحاسيسي كفنان. كل فيلم هو مشكلة أطرحها على نفسي وقيود أواجهها. "باب الشمس" هو المثال على هذه التناقضات. الجزء الاول يمثابة تربيت والثاني خبطة. في "المدينة" ثمة أجزاء أتواصل فيها مع الآخرين وأخرى أعلن فيها "هذا أنا فقط". "شهرزاد" نفس الحكاية. أفلامي ليست صافية.

·         [ هل تحب فيلم "إحكِ يا شهرزاد"؟

- أنا حابب الفيلم ولكنني منزعج من ردود الفعل من الطرفين التي تردني بإخلاص شديد بين من يجد ان شهرزاد ليس أنا وان "جنينة الاسماك" هو أنا وكأنني خنت نفسي. هذا ليس صحيحاً. الفيلمان أنا. مثلما احب دوغلاس سيرك وفاسبيندر مثلما أحب أنتونيوني. وهناك من يقول لي "أخيراً جيت لنا" ولأنني خلال العشرين سنة الفائتة لم أصنع شيئاً. هذان الاتجاهان موجودان في أفلامي منذ البداية. وحتى عندما أذهب الى المشاهد، فإنني أسحبه الى منطقتي. اللعب في "شهرزاد" يكمن في كيفية تقديم النماذج وكسر الأدوار أو قلبها.

·         [ هل ستعود الى تجربة الكتابة المنفردة كما في فيلميك الاولين؟ وما هو مشروعك المقبل؟

- لا أحبذ الكتابة منفرداً منذ البداية ولكنني كنت مضطراً لفعل ذلك في البداية لأن أحداً لم يكن يعرفني. ولكنني الآن أستمتع بالكتابة الجماعية. تجربة مثل "باب الشمس" أتاحت لي العمل مع شخصين رائعين مثل الياس خوري ومحمد سويد. الكتابة عملية تبادل وتقاطع وهذا ما أحرص عليه في كل عمل. حالياً أحضر لفيلم مع ناصر عبد الرحمن.

المستقبل اللبنانية في

23/10/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)