تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

«مهرجان بيروت الدولي للأفلام الوثائقية» في ميزان مسؤوليه وعيون مشاهديه

علي حمّود: نختبر مزاج الجمهور وتفاعله

عبير هاشم: تعرّضنا لضغوط كثيرة

نديم جرجوره

لا تزال الأسئلة الخاصّة بـ «مهرجان بيروت الدولي للأفلام الوثائقية»، الذي انعقدت دورته التاسعة بين الثاني والعشرين والثلاثين من أيلول المنصرم، معلّقة. هناك غياب دام عامين متتاليين، قيل إن سببه مالي بحت. وهناك عودة مفاجئة، تمّ التحضير لها سريعاً وبعيداً عن الأضواء الإعلامية تقريباً، شهدت إطلاق الدورة التاسعة هذه، بغياب أحد مؤسِّسَي المهرجان ومديره محمد هاشم. هناك كلام كثير حول نزاعات قائمة بين هاشم وجهات أوروبية تموّل نشاطات ثقافية وفنية لبنانية، بالإضافة إلى إقامته في الدوحة، منذ نهاية الدورة الثامنة خريف العام 2006، وهي إقامة مرتبطة بعمل شخصي في مجال الإنتاج الوثائقي التلفزيوني. هذه عناوين لا ترتكز على إثباتات، لكنها تثير تساؤلات حول مصداقية المهرجان، وقدرته على النهوض من غفوة العامين المتتاليين، وصدمة العودة المفاجئة، خصوصاً أن الدورة المقبلة يُراد لها أن تكون احتفالية ضخمة، بمناسبة «الذكرى» العاشرة للتأسيس، التي كان يُفترض بها أن تُقام في العام الفائت.

ارتباك

مسألة التمويل مُربكة للمهتمّ الذي تابع مسيرة المهرجان منذ تأسيسه في العام 1999، بفضل جهود مشتركة بين هاشم ومرسيل برسودير، الذي اختير عضواً في لجنة تحكيم المسابقة الرسمية الخاصّة بهذه الدورة. فالارتباك نابعٌ من أن الحجة غير مقنعة، لأن الدورات السابقة كلّها عانت مشكلة التمويل، ولأن قدرة محمد هاشم على تأمين تمويل سنوي جعلت المهرجان يستمرّ في تنظيم دوراته لغاية العام 2006. الصحيفة اللبنانية الناطقة باللغة الإنكليزية «دايلي ستار» نقلت عن هاشم قوله إن سبب الغياب مرتبط بمشكلة التمويل والوضع الأمني، في حين أن الزميلة ريما المسمار كتبت في «المستقبل» (18 أيلول الفائت) ما يشبه الردّ على هذا «الادّعاء» المشوب بـ «ثغرات عدّة»، بإشارتها إلى أن هاشم أعلن، في افتتاح الدورة ما قبل الأخيرة للمهرجان، المنعقدة بعد أسابيع قليلة على نهاية «حرب تموز» في العام 2006، عن شراكتين جديديتين عقدهما المهرجان مع «الاتحاد الأوروبي» ومؤسسة «لي وغاند». كتبت المسمار: «إن انعقاد المهرجان كان، بحدّ ذاته، تحدّياً عامذاك، شأنه في ذلك شأن المهرجانات اللبنانية الأخرى في أعقاب حرب تموز، التي واجهت تحدّيات الاستمرار والعمل في ظلّ ظروف أمنية وإنسانية صعبة. حتى العام الذي سبق حرب تموز، كان عاماً مشوباً بالذعر والقلق، بعيد أحداث شباط 2005 وما تلاها». ذلك أن المهرجان اجتاز عامين صعبين للغاية (2005 و2006)، أمنياً وسياسياً، وقبلهما رحلة فردية شاقة، خاضها هاشم وبعض المؤمنين بمشروعه منذ العام 1999، لتثبيت مكانة المهرجان في خارطة النشاطات الثقافية والفنية في لبنان: «ظنّ مهتمّون بالمهرجان أن إعلان الشراكتين مدخلٌ جوهري إلى حلّ أزمة التمويل»، كما قال هشام فرح، أحد متابعي المهرجان في دوراته القليلة الماضية. علماً أن علي حمّود (المدير الفني للمهرجان) قال إن «التمويل الذاتي» سمح بتنظيم الدورة الحالية هذه، تماماً كما كان يحصل في غالبية الدورات السابقة.

هذه الالتباسات كلّها، تُسَاق في إطار تساؤلات نقدية يطرحها معنيون بالهمّ السينمائي أولاً، وبمصير المهرجان ثانياً، الذي تأسّس قبل عشرة أعوام بهدف جعل الفيلم الوثائقي حاضراً في المشهد الثقافي اللبناني، وفي السعي الدؤوب إلى إقامة علاقة سليمة بينه وبين مشاهدين يُفترض بهم أن يروا في الوثائقي صنيعاً سينمائياً إبداعياً. غير أن الواقع الآنيّ محاصر بمزيد من الغموض، والقراءة النقدية الذاتية المتواضعة التي قدّمها علي حمّود ومديرة العلاقات العامّة عبير هاشم لا تكشف الحقائق بقدر ما ترغب في القول (أو ربما هذا ما يُستَشفّ من هذه القراءة ضمناً) إن العودة الراهنة تمهيدٌ لإطلاق المهرجان مجدّداً، أو ربما هي «تأسيس ثان». فقد أجمع الثنائي حمّود وهاشم على أن غياب المؤسِّس والمدير مردّه «انشغال الرجل في أعمال خاصّة به في الدوحة، وعدم قدرته على التنصّل منها لمواكبة أيام الدورة التاسعة هذه». لكن الجواب لا يُقنع أحداً، إذ كيف يُعقل أن يُقام مهرجان في ظلّ غياب مديره؟ «أعتقد أن هناك مشكلة في التوقيت. اعتدنا تنظيم الدورات السابقة في تشرين الثاني من كل عام»، كما قال حمّود، مضيفاً أنه لا يعرف سبب الإصرار على أن تُقام الدورة الجديدة في هذه الفترة: «لا بُدّ من الاعتراف بمسألة مهمّة: اشتغل محمد هاشم كثيراً لتنظيم هذه الدورة، فتابع من مقرّ إقامته عملية الاختيار وتصميم الكاتالوغ والملصقات وطباعتها، وتفاصيل الدعايات والبحث عن رعاة والتسويق. أشرف على كل شيء تقريباً». غير أن حمّود مقتنع تماماً بضرورة أن تكون هناك مؤسَّسة تدير المهرجان فعلياً، وتوزّع المسؤوليات على العاملين فيها، كي يتسنّى لكل واحد منهم أن يقوم بعمله بدقّة: «يُفترض بأحد منا أن يتابع المسائل اللوجستية أيضاً، كي تصل الأفلام المختارة في وقت باكر، يكفي لمعاينتها وتجهيزها للعرض في الموعد المحدّد لها، كي لا نقع جميعنا في مشاكل اللحظة الأخيرة». من جهتها، قالت عبير هاشم إن هناك ضغطاً تعرّض له منظِّمو هذه الدورة، «لأننا لم نشأ مزيداً من التأخير والغياب. أعتقد أن عامين اثنين كافيان للغياب، وباتت العودة ملحّة. هناك الاحتفال بالذكرى العاشرة للتأسيس، التي نسعى إلى أن تكون احتفالية وكبيرة في الدورة العاشرة المقبلة، والعودة اليوم جزءٌ أساسي من التحضيرات المتعلّقة بهذا الاحتفال».

جغرافيا مختلفة

إلى جانب هذا كلّه، توقّف الثنائي حمّود وهاشم عند مسألة الانتقال من شارع الحمرا (مسرح المدينة) إلى الأشرفية (سينما «متروبوليس/ أمبير صوفيل»): «كنا نرغب بشدّة في تنظيم الدورة الحالية في «مسرح المدينة». اضطررنا إلى اختيار «متروبوليس»، لارتفاع الأسعار في الحمرا»، كما قال حمّود. «وُضِعت شروطٌ صعبة على مهرجان يعرف كثيرون جيّداً أن ميزانيته متواضعة للغاية»، كما أشارت هاشم، مضيفة أن إدارة «متروبوليس» قدّمت تسهيلات «تتلاءم وظروفنا، فوقّعنا معها اتفاقاً جيداً، وإن خسرنا بعض المشاهدين الذين يُفضّلون شارع الحمرا». من جهته، قال حمّود إن مديرة «متروبوليس» هانيا مروّة سهّلت أموراً كثيرة: «قدّمت أشياء ممتازة على الصعيد التقني، فالصالة مجهّزة بآلات عرض بصرية وسمعية جيّدة جداً، لأنها تؤمن بالحضور الثقافي للفيلم الوثائقي، ولأن الصالة معنية بعرض أفلام مختلفة، وبتنظيم مهرجانات سينمائية. في «مسرح المدينة»، كنّا نؤمِّن كل شيء، ما أدّى إلى ارتفاع التكلفة». وردّاً على قول عبير هاشم إن الانتقال إلى «متروبوليس» جعل المهرجان «يخسر» بعض جمهوره، تساءل حمّود عمّا إذا كان غياب سنتين والانتقال إلى منطقة أخرى أثّرا سلباً، هما أيضاً، في عدد المشاهدين: «هناك أفلام محتاجة إلى مشاهدين عديدين، للتمتّع بالجماليات المهمّة التي تميّزها، شكلاً ومضموناً. انزعجتُ جداً عندما عُرضت هذه الأفلام في صالة «فارغة». شهدت الأيام الثلاثة الأولى غياباً ملحوظاً للجمهور، تمّ التعويض عنه في أيام لاحقة وحفلات متفرّقة». غير أن العدد ارتفع، قليلاً أو كثيراً، «في الحفلات الليلية»، كما قالت عبير هاشم، في حين أن حمّود، الذي رأى أن حفلات الساعة السادسة شهدت إقبالاً جيداً أيضاً، أعاد سبب ارتفاع عدد الأفلام المختارة إلى مئة فيلم في هذه الدورة، وبدء العروض اليومية في الرابعة بعد الظهر، إلى رغبة ما في جعل الجمهور يعتاد مشاهدة الأفلام نهاراً: «في أي حال، أرى أن ما فعلناه في هذه الدورة اختبارٌ لدراسة الجمهور ومعرفة مزاجه وانفعاله وتفاعله مع الأفلام. لعلها أخطاء نرتكبها اليوم، لكننا نتعلّم منها ما يفيد الدورات اللاحقة».

في جولة سريعة داخل الصالتين المخصّصتين بالمهرجان، في أيام متفرّقة من أيام الدورة التاسعة، بدا واضحاً أن أزمة الجمهور طاغية. فاللبنانيون معتادون مقولة «خاطئة»، مفادها أن الفيلم الوثائقي تلفزيونيٌ، وأن مضامينه المستلّة من الواقع معروفة لدى جمهور الشاشة الصغيرة، بفضل نشرات الأخبار والتحقيقات المصوَّرة. غير أن الانتقال الجغرافي إلى صالة أخرى متخصصة بتنظيم المهرجانات السينمائية المتفرّقة («مهرجان الفيلم اللبناني»، «أيام بيروت السينمائية»، «مهرجان السينما الأوروبية» و«مهرجانات» كوليت نوفل التي تتّخذ أسماء عدة) يُفترض به ألاّ يؤثّر سلباً، إلاّ إذا كانت العلاقة بين المهتمّين بالنشاطات السينمائية والمهرجان الوثائقي تحديداً غير سليمة، بسبب النظرة اللبنانية إلى الفيلم الوثائقي. ذلك أن المهرجانات الأخرى، باستثناء «مهرجانات» نوفل، تشهد إقبالاً متميّزاً بحسّ ثقافي ورغبة ذاتية في متابعة الجديد، لبنانياً وعربياً وأوروبياً. هناك أيضاً مسألة النمط السينمائي المعتمَد في هذه الأفلام: هل الأفلام الوثائقية «السياسية» أقدر على جذب الجمهور، كما حصل في افتتاح الدورة التاسعة مثلاً، التي شهدت عرض «الراديكالي الأميركي: محاكمات نورمان فنكلشتاين» للثنائي ديفيد ريدجن ونيكولا روسّييه؟ «لا تنسى أن هذا الشخص معروفٌ في الأوساط الثقافية والسياسية والأكاديمية اللبنانية»، كما قال حمّود، مشيراً إلى أن حفلة الافتتاح شهدت حضوراً لافتاً للانتباه، «ربما لأنها حفلة افتتاح، أو ربما لأن الشخصية المذكورة متميّزة. لا أعرف. هذه مسائل أحاول فهمها ودراستها لمعرفة حقيقة ما جرى. أودّ أن أسأل أنا أيضاً: هل المواضيع غير السياسية تعني الجمهور في لبنان، أم لا. أقصد الأفلام المعنية بشؤون اجتماعية وثقافية وإنسانية وبيئية مثلاً. لا أعرف».

مكانة الوثائقي

تعليقاً على هذه التساؤلات، أخبرني بعض المهتمّين بالفيلم والمهرجان الوثائقيين أنهم لا يكترثون بنوعية الموضوع، بقدر ما يرغبون في المشاهدة. تعنيهم الصورة وكيفية صناعة الفيلم الوثائقي، وتُشغلهم القضايا المطروحة أيضاً، وإن أبدوا اهتماماً أكبر بآلية المعالجة وشكلها غالباً: «لكن، قد يكون الأمر هكذا: فاللبنانيون منجذبون إلى السياسة أكثر من انجذابهم إلى المواضيع الأخرى»، كما قال المشاهد حسّان حامد. «لا تنس أن هناك تنويعاً مهمّاً يُقدّمها برنامج يحتوي على مئة فيلم. هذا بحدّ ذاته مهمّ، وما على المشاهدين إلاّ أن يختاروا ما يجدونه ملائماً واهتماماتهم»، كما علّق المشاهد حسام بدر الدين، الذي ردّ عليه المشاهد فارس عزيز بقوله إن التنويع يُفترَض به «أن يجذب هؤلاء المشاهدين للاطّلاع على الاختلافات المتفرّقة في المعالجة والتصوير والمونتاج مثلاً، إن اهتمّ المشاهدون أساساً بالسينما الوثائقية، وليس بالأنواع والأشكال فقط». رأى هؤلاء أن «مهرجان بيروت الدولي للأفلام الوثائقية» قدّم، في دوراته السابقة، عدداً لا بأس به من الأفلام المهمّة، التي أثارت لدى بعضهم حشرية المتابعة الدقيقة للنتاج الوثائقي، أو دفعت بعضهم الآخر إلى البحث في المواضيع الإنسانية والاجتماعية والسياسية المطروحة فيها، بعيداً عن الجدل القائم حول طبيعة المهرجان وكيفية تنظيم دوراته وآلية اشتغاله واختيار أفلامه. بهذا المعنى، يُمكن القول إن المهرجان مارس دوراً تحريضياً على مستوى الاهتمام بالفيلم الوثائقي أولاً، وبالقضايا المطروحة ثانياً. وبهذا المعنى أيضاً، يُفترض بالقيّمين على المهرجان الوثائقي البيروتي هذا أن ينتبهوا إلى أناس شغوفين بما يفعلونه، ما يُرتّب عليهم مسؤوليات كبيرة، منها ضرورة البحث الجدّي عن السبل كلّها، الكفيلة بتطوير المهرجان وبلورة آفاقه الإبداعية والجماهيرية. فعلى الرغم من التساؤلات المتعلّقة بكواليس «صناعة» هذا المهرجان، هناك أناس يسعون إليه، ويناقشون أفلامه، ويبحثون عن المزيد، وإن كان عددهم قليلاً.

لكن، ماذا عن اختيار الأفلام في دورة هذا العام؟ قال علي حمّود إن الأهمّ في المسألة كلّها كامنٌ في ضرورة عدم حصر المُشاهدة والاختيار بشخص واحد فقط: «صحيح أني شاهدت الغالبية الساحقة من الأفلام المُرسَلة إلينا، لكني ارتأيت التعاون مع شخصين اثنين لديهما هواجس وخلفيات سينمائية وثقافية مختلفة، هما هاغوب ديرغوغاسيان وإيلي أبو سمرا، لأن لكل واحد منهما مزاجاً خاصّاً به يُمكنه إغناء الاختيار والبرمجة بتنويعات لا يستطيع تقديمها شخص واحد. لا تنسَ أن هذه المسألة كانت موجودة في الدورات السابقة، إذ كانت لجنة المُشاهدة والاختيار مؤلّفة من محمد هاشم ورين متري وأنا. اليوم، تبدّلت الأسماء وظلّ هاجس التنويع أساسياً. هناك أفلام اخترتها أنا، لكن أثناء المناقشة مع الصديقين ديرغوغاسيان وأبو سمرا، اقتنعت بوجهة نظر مخالفة لرأيي، فتمّ استبعادها. حصل العكس أيضاً في بعض الأحيان». أضاف حمّود أن لجنة كهذه يجب أن تتوسّع وتنشط في أكثر من اتجاه: «لا يكفي أن يُرسل المخرجون أفلامهم إلينا، لأن الأهمّ كامنٌ في ضرورة حضور عاملين في «مؤسّسة» المهرجان، أو المدير الفني على الأقل، مهرجانات سينمائية وثائقية، لمشاهدة مختلفة ومتابعة أدقّ، ولإقامة تواصل مباشر مع السينمائيين والمعنيين. هذا يمنح المهرجان حضوراً أفضل وأقوى في المحافل السينمائية العربية والدولية». وعلّق حمّود على مسألة أخرى: «يجب تأسيس سوق سينمائية للفيلم الوثائقي، كي يُستقطب العاملون في هذا المجال، وكي يُروَّج للأفلام في المكان الصحيح. هذه مسألة محتاجة إلى تحضيرات كثيرة. ربما يستطيع المهرجان تنظيمها في الدورة المقبلة».

السفير اللبنانية في

10/10/2009

 كتـاب

ستيورات غالبريث: «السينما اليابانية»

على الرغم من الاهتمام النقدي والجماهيري الغربي الكبير بالسينما اليابانية، إلاّ أن الغالبية الساحقة من المعنيين بها يتواصلون معها عبر النتاجات الإبداعية التي أنجزها سينمائيون كبار أمثال أكيرا كوروساوا وكينجي ميزوغوشي وياسوجيرو أوزو، بالإضافة إلى أفلام رعب مدبلجة بطريقة سيئة. ومع أن النتاجات التي وضعها هؤلاء شكّلت طريقاً إلى التواصل مع تلك السينما، ومع أساليب الإبداع والعيش والثقافة واللغة، ظلّ النقد والتأريخ معنيين بكبار فتحوا نافذة مهمّة في جدار «الحصار» غير المعلن للأعمال السينمائية اليابانية، التي عثرت سريعاً على مشاهدين ومهتمّين.

منذ زمن قريب، بدأ الغربيون ينتبهون إلى وجود ما يُمكن اعتباره بـ «الموجة الجديدة الثانية» في السينما اليابانية، وبدأوا يتابعون نتاجات مخرجين يابانيين مختلفين عن الجيل السابق لهم، أبرزهم ميكيو ناروزي وكايسوكي كينوشيتا وتاكيشي كيتانو وآخرين. وهؤلاء، بالإضافة إلى أسماء عدّة وأنواع سينمائية مختلفة (كالكوميديات الموسيقية والكوميديات العادية وغيرها)، اختارهم ستيوارت غالبريث الرابع مادة لكتابه الجديد «السينما اليابانية»، الصادر حديثاً عن منشورات «تاشين»، الذي تابع السياق المعتمد حالياً في باريس وعواصم غربية أخرى، والمتمثّل بإعادة سرد الحكاية التاريخية للسينما اليابانية انطلاقاً من النتاج الحديث. ثم إن قراءته التاريخ السينمائي الياباني الجديد هذا مشبع بصُوَر فوتوغرافية وملصقات متنوّعة، ساهمت في تسليط الضوء على جوانب متفرّقة من صناعة هذه السينما الآسيوية، واستعادت البدايات التي شهدت أفلاماً صامتة، وصولاً إلى الأعوام الأخيرة، وقرأت الأفلام والمحطات تارة عبر المراحل التاريخية وتارة أخرى عبر الأنواع السينمائية المعروفة والمجهولة أو المنسية على حدّ سواء.

السفير اللبنانية في

10/10/2009

 

«مهرجان بيروت السينمائي» يُفتتح بـ«تيترو»

مبـدع الصـدمات الجماليـة

نديم جرجوره 

عندما أطلّ على خشبة المسرح، لتقديم فيلمه الأخير «تيترو» مساء أمس في قصر الأونيسكو، مفتتحاً الدورة التاسعة لـ«مهرجان بيروت السينمائي الدولي»، بدا المخرج الأميركي فرنسيس فورد كوبولا انعكاساً بديعاً لتاريخ عريق من صناعة السينما وشغف الحياة. كأنه، بتلك الهيبة الطالعة من أعماق الاختبارات الإنسانية الجمّة، معجونٌ بقدرة غريبة على إثارة دهشة تعتمل في نفوس عشّاق حقيقيين للفن السابع، وجدوا أنفسهم أمام أحد عمالقة السينما الأميركية والعالمية، يتحدّث بطلاقة عن معارفه اللبنانيين في الولايات المتحدّة، وعن زيارته بيروت، وعن احتفاء المدينة به. كما أنه يُحسن استيلاد حشرية فنية تدفع مشاهدين كثيرين إلى البحث الدائم عمّا تختزنه أفلامه من لحظات تأمّل في الذات وهواجسها ومآزقها، وفي الدنيا وأحوالها، وفي التحوّلات كلّها وآثارها على الناس والمجتمعات والذاكرة. في قصر الأونيسكو مساء أمس، حافظ كوبولا على أناقة حضور لا توصف، وجعل المناسبة إطلالة جميلة على بيئة لبنانية تعاني غلياناً حادّاً، ومع هذا قصد لبنانيون عديدون إلى سينماه، عبر مشاهدتهم «تيترو»، كأنهم يطلبون خلاصاً ما من بشاعة الواقع، مع أن أفلامه لا تتغاضى أبداً عن بشاعات متفرّقة، عرف كيف يلتقطها بجماليات سينمائية متفرّقة.

في قصر الأونيسكو، مساء أمس، افتتح كوبولا دورة جديدة لمهرجان ملتبس الحضور في المشهد السينمائي اللبناني. وقدّم «تيترو»، فيلمه الأخير، هدية إلى محبّي نتاجه، الذين توافدوا إلى الصالة الكبيرة، لمعاينة المخزون الثقافي والإنساني والجمالي في صنيع سينمائي يُفترض به أن يثير نقاشاً نقدياً جدّياً. غير أن «تيترو» محتاجٌ إلى قراءة نقدية هادئة، يتيحها بعض الوقت الممنوح للتأمّل في جمالياته البصرية، وفي عمق الشغف الذاتي لكوبولا في صناعة لوحاته «الملوّنة» بالأسود والأبيض، وسط انهيار الذات والعلاقات، وداخل بؤر التوتر النفسي والتمزّق العائلي، وفي قلب المعضلة البشرية الناتجة من صدام جيلين (آباء وبنون)، والمؤدّية إلى انكشاف حقائق مخفية، علماً بأن جانباً من هذه القراءة مرتبطٌ باستعادة نقدية للمسار الإبداعي الخاصّ بمخرج «العرّاب» و«الرؤيا الآن» و«نادي كوتون» و«المحادثة»، خصوصاً أن هناك اختلافات جذرية في المستويات الإبداعية الخاصّة بأفلامه، وتفاوتاً واضحاً في أنماط اشتغاله. لكن «تيترو» مشبع بكَمّ من المتتاليات البصرية المصوَّرة كلوحات تشكيلية، وبحيوية جمالية لنصّ مرتكز على تشريح الذات وهواجس العلاقة الصدامية بين أطراف متخاصمة. ذلك أن تيترو (فنسنت غالو) مقيم في إحدى المدن الأرجنتينية، إثر انفصاله العنيف عن عائلته، متّخذاً لنفسه هذا الاسم (اسمه الأصلي آنجلو) لولادة جديدة. لكن دخول شقيقه بيني (آلدن إيرينرايش) على حياته وزوجته آماليا (فرنشيسكا دي سابيو)، باحثاً عن ذاكرة لا يعرفها وحقائق يرغب في إداركها، فتح الجراح كلّها على صدامات أخرى وتمزّقات أعنف. وفي رحلة التطهّر القاسي التي خاضها تيترو وبيني، مارس كوبولا (كتب مشروعه السينمائي هذا منذ اشتغاله على «المحادثة» عام 1974) أشكالاً بديعة من سطوة السحر البصري الذي، على الرغم من جمالياته، لم يحجب الارتباك الذاتي للمُشاهد إزاء المضمون الدرامي للفيلم والمعالجة المعتمدة في سرد تفاصيله.

السفير اللبنانية في

08/10/2009

 

كلاكيت

إغلاق نافذة

نديم جرجوره

لن يكتب الياس خوري في «الملحق» الصادر أسبوعياً عن الزميلة «النهار»، بعد اليوم. لن أتمكّن من قراءة «الملحق» بالطريقة التي اعتدتها منذ إعادة صدوره قبل سبعة عشر عاماً. هناك شيء ما فقدتُه. هناك فراغ يعكس بؤساً في المشهد الثقافي اللبناني. إذ، بدلاً من أن تُعزَّز مواقع أصوات ثقافية ديموقراطية قليلة، في بلد مشلّع على أصناف الموت والخراب، تُحاصَر هذه الأصوات بانهيارات مجتمع وثقافة وسلوك يومي. وبدلاً من أن يُفَعَّل حضور كتّاب ومثقفين، لم ينزلقوا إلى رداءة الخطاب النقدي في لحظة الانشقاق اللبناني الخطر؛ ينغلق أفق آخر أمامهم، ويتحوّل المشهد إلى صورة حادّة إضافية عن عمق الانشقاقات العنيفة التي اخترقت البلد وناسه. وبدلاً من أن يُحصَّن نصٌّ واضح وحرّ وسط كَمّ هائل من الكتابات المنسحقة أمام سطوة الانتماءات الضيّقة، وإن حدث اختلاف ديموقراطي معه، يُواجه صاحب نصّ كهذا رفضاً، لأنه مغاير وسجالي.

لن أناقش الحالة التي أنشاتها الزميلة «النهار» بصرفها عدداً من موظّفيها، في هذه اللحظة. ما يعنيني «الآن هنا» أن ملحقاً ثقافياً انفتح على شؤون العيش اليومي مقارباً إياها من جوانب عدّة، أصيب بنكسة، لن تكون نتائجها سهلة على من اعتاد التمعّن بفضاء «على الأقلّ» وحيوية مقالاته، واجداً فيها رؤية محفِّزة على مزيد من التفكير والتنقيب في الواقع اللبناني وآفاقه. لا تقديس لأحد، ولا تغاضياً عمن لا يزال حاضراً في «الملحق» وسواه. لا تأليهاً لرجل، ولا تجاوزاً لمطبّات وقع فيها «الملحق» والرجل معاً لأسباب شتّى، وهي مطبّات قد تكون عادية، لكنها حصلت، بالتأكيد، في ظرف غير عادي. المسألة شخصية بحتة، وإن انفلشت على بعض العام. ذلك أن توقّف الياس خوري عن الكتابة في مكان ما، يُغلق نافذة من نوافذ قليلة جداً، كانت تمنح مهمومين بالحرية والسجال الموضوعي والنقاش الحيوي قدرة على تنفّس هواء أنظف وأنقى، داخل بؤر الجنون والفساد والدمار التي تزنّر الجميع. صحيح أن الأمكنة محتاجةٌ إلى الكتّاب وليس العكس؛ وصحيح أن قراءة كتابات الياس خوري متاحةٌ هنا وهناك؛ لكن غياب «على الأقلّ» يعني أن صباح كل يوم أحد بات تأكيداً جديداً على خراب لا يزال مُستعراً في أزقّة المدينة وفضاءاتها المختلفة.

للياس خوري مكانة كبيرة في ذاتي ووعيي. ظلّ، وإن على بُعد جغرافي فقط، إضاءة حقيقية تُعينني على متابعة يوميات مثقلة بألف همّ وخيبة، بعد أن جعلني أدرك، ذات يوم، أن الحياة وعي ومعرفة، وأن الوعي والمعرفة المتأتيين من ثقافة حقيقية يتيحان للمرء أن يصنع موقفاً، وأن يجاهر به ويدافع عنه. وهذا ما أراح بعض قلق يومي فيّ.

لكن، على الرغم من غياب تلك الزاوية، فإن زخم البحث عن كتاباته لن يتوقّف، لأن في كتاباته تحريضاً ثقافياً دائماً على مقارعة تنانين الشقاء العربي. وما أكثرهم.

السفير اللبنانية في

08/10/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)