تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

في مشايعة إيناس الدغيدي

رستم محمود

«ربنا ما يحكم علي بيه» كانت هذه الجملة الوحيدة التي نطقت بها المخرجة المصرية إيناس الدغيدي في ردها على سؤال الإعلامي طوني خليفة في برنامجه المثير «لماذا»، حينما سألها خليفة: متى ستتحجبين؟ وبعدها ثارت الدنيا عليها ولم تقعد. حيث قال الداعية الإسلامي الشيخ فرحات المنجي ـ في تصريحات خاصة لموقع: mbc.net ـ إن حديث إيناس الدغيدي يدعو للخزي من الإعلام المتواجد في مصر، وكيف لهم أن يسمحوا ببث هذه الحلقة على الأرض التي أحبها الله !. أما الشيخ عبد الرحيم السايح ـ وهو من علماء الأزهر ـ فقد طالب أيضا بمعاقبة إيناس الدغيدي أشد عقاب، واعتبارها خارجة عن تقاليد الإسلام بدعوتها إلى الفحشاء؛ حيث تحدثت عن الحجاب كأنه مصيبة، والأغرب أنها تقول إنها تصلي فقط إذا كانت تشعر بتعب نفسي، فكيف تذكر إذن فضل الصلاة، ولا تداوم عليها؟ وقال: «على الجمهور أن ينظم حملة لإبعاد هذه السيدة إعلاميّا حتى لا تستمر بدعوتها إلى الفحشاء».. فيما أكدت الداعية الإسلامية ملكة زرار أن تصريحات إيناس الدغيدي تدل على فراغ عقلها، حيث لا حديث لديها سوى عن الجنس، كأنه أساس حياتنا، مشيرة إلى أن تمنّيها أن لا يكتب الله عليها الحجاب، يستحق معه أن ندعو معها أن لا يكتبه الله عليها لأنه فقط يكتبه على من يصطفيهن، وهي ليست ممن اصطفاهن الله بين عباده الصالحين.

لم يتوقف الحدث عند حد ما أثاره رجال الدين للقضية، وكأنه قضية مصيرية، بل أن المحامي نبيه الوحش قام برفع دعوى قضائية أخرى بالإضافة إلى دعاواه السابقة على الدغيدي، إلا أنه يطالب هذه المرة بوقفها من الظهور على شاشات الإعلام المصري، وتنفيذ حكم الجلْد السابق عليها فلا يحق لها سوى الجلد ودون مبالغة ـ كما قال ـ والرجم أيضا. وتكونت على شبكة الانترنت مجموعات وحملات لإبعاد الدغيدي عن وسائل الإعلام والرأي العام المصرية. وقد ذُيلت كل الصفحات الإلكترونية التي تناولت أخباراً تتعلق بهذه القضية، بالعشرات من التعليقات الشعبوية، التي ما وفرت قدحاً أو ذماً أو تجريحاً أو تكفيراً، إلا وقد مارسته ضد الدغيدي. حتى إن المعارض الدكتور سعيد إسماعيل علي، في صحيفة «المصريون» الشهيرة، اعتبر فعلة الدغيدي هذه، لإلهاء النخبة المصرية عن المعركة الأساسية في مقارعة النظام الحاكم، معتبرا أن قضية مصر هي قضية القهر والاستبداد السياسي، وليست قضية الجهل الجنسي، حسبما توحي الدغيدي !.

ليست الدغيدي شخصية عادية في موقعها الاعتباري، فهي من الشخصيات الفنية المرموقة في مصر، وتحظى بكاريزما واسعة الانتشار في أوساط الشباب وما تبقى من الطبقة الوسطى، وقد اعتبرتها مجلة النيوزويك ـ دورية رصينة وبالغة الانتشار ـ من أهم 43 شخصية مؤثرة في المجتمعات العربية، حيث تحظى أفلامها بسوية فنية عالية، وبتأثير بالغ على وعي العامة. حيث كانت قد حصلت على جائزة أفضل فيلم ـ عن فيلمها «ما تجي نرقص» ـ في مهرجان القاهرة السينمائي. وهي بالعموم تعتبر من آخر المنشغلين\المهتمين بالشأن العام الثقافي والفكري والاجتماعي التنويري، في حراكها ومواقفها العامة، وليس فقط من خلال رؤيتها الفنية، من عداد الطبقة الفنية المصرية.

لكن المثير في قضية الدغيدي أيضاً، أنها المرة الأولى التي تثار فيها حملة بهذا الشكل ضد شخصية فنية، حيث، في السابق، كانت تثار «معارك» هذا التيار المحافظ كانت تثار في الأغلب ضد الشخصيات الفكرية المخالفة لها ـ نجيب محفوظ، سيد قمني، نوال السعداوي،.. الخ ـ . وحينما كانت تقيم حملات ضد إحدى الشخصيات الفنية ـ ربما أشهرها هي تلك الحملات التي تقام ضد عادل أمام بين الفينة وأخرى ـ فإنها كانت تقف حد المطالبة بالزجر والتوبيخ، لأن هذه الشخصيات كانت تستحوذ على قاعدة من التعاطف الجماهيري، بعكس التيارات الفكرية غير الشعبوية. لكن في قضية الدغيدي فثمة مطالبة بالرجم واتهام بالخروج عن الإسلام... الخ، ودونما أي اعتبار لحضورها العام، وتأثيرها على طبقة واسعة من المجتمع المصري. وهو أمر إنما يدل على أن قضية هذا التيار المحافظ ـ وطبعاً سيان بين خياراتها المحافظة والخيارات المحافظة النظيرة في مناطق أخرى من العالم ـ أن قضية هذا التيار، ليست مقارعة تيار فكري مضاد، بقدر ما هي قضية الاستيلاء على الحيز العام واحتكاره، واعتبار أن الخوض والحضور في ذلك الحيز يجب أن يخضع لمعاير وأسس محددة ـ خيارتها وأسسها هي ـ حيث كان ملاحظا في كل التفاعلات المطالبة، الدعوة لإبعاد الدغيدي عن الحقل الإعلامي، وهو أهم حقل في تشكيل الرأي العام، أو السلطة العامة حسب تعبير لميشيل فوكو.

الأمر المثير الآخر في قضية الدغيدي هو في الكشف عن نكوصية متزايدة فيما يعتبره هذا التيار خطوطه الحمر. فما نطقت به الدغيدي لم يكن زجرا أو قدحا أو ذما بأصول الشريعة أو العقيدة الإسلامية، ولم يكن كلامها بطريقة استفزازية وترجيحية، بل كان مجرد وجهة نظر جريئة في شأن هو بالعموم من الشؤون المختلف في إلزاميتها وحددوها وأولويتها وشكلها...الخ. أي هي من الأمور الشرعية ـ الشرعية وليس العقيدية ـ المختلف عليها بين طبقة رجال الدين أنفسهم. وهي حينما عبرت عن وجهة نظرها في شأن ظاهرة الحجاب، لم تدعُ أحداً إلى خلعه، ولم تعتبره رمزاً للتخلف ولا ذمت المتمسكين به والداعين إليه. إنما كشفت عن وجهة نظرها في الكشف عن الجانب التسييسي والأداتي الذي ربما تخضع له ظاهرة تحجب الفنانات المصريات، وعبرت عن عدم قبولها الشخصي بذلك الخيار. وفي قيام تلك الحملة المحافظة عليها، لمجرد تلك الخيارات، دليل على عدم وجود حدود وخطوط حمر واضحة لتلك التيارات الدينية الشعبوية، خطوط تتعلق بأصول وثوابت ورموز العقيدة الإسلامية. بل تكشف تلك الحملة عن استغلال وتسييس من قبلها للدين لرفض أي توجه تنويري مضاد. وتداعي الحدود وضيقها بين زمن وآخر، إنما يدل على استباحة ذلك التيار للاستقلال الفكري والعقيدي الذي كان ممكناً قبل وقت مضى، وبات الآن شبه محال التفكير فيه، ذلك الاستقلال الذي كانت كتابات طه حسين والسيد قمني ونوال السعداوي تعبيرا عنها. وبالمقابل فإن مضي حلقة الدغيدي بهذا الشكل، سيعني أن هذا التيار في صولاته القادمة سيميل وسيطالب بخيارات أكثر راديكالية نحو أقرانه.

لكن أفظع ما كشفته قضية الدغيدي، هو خفوت همة الطبقة التنويرية العقلانية في المجتمعات العربية. فعشرات الدعاوى ومئات المطالبات وآلاف الكتابات من قبل التيارات الراديكالية المحافظة، لم يقابلها إلا الشحيح جدا من التيار التنويري الذي تنتمي إليه الدغيدي. فأين هم آلاف الشباب المصريين الذين تابعوا عشرات أفلام الدغيدي ـ كاتب هذه السطور يعتبر فيلمها «ما تجي نرقص» من أفضل ما أنتجته السينما العربية فكرا وسوية فنية ـ. لم ينظّم هؤلاء حملة واحدة مضادة على فيسبوك كما فعل أقرانهم الآخرين. وأين هي الطبقة الفنية المزاملة للدغيدي، وهي الطبقة التي يعرف مدى تأثيرها على رأي وخيارات العامة، والتي يجب أن تعتبر الدفاع عن الدغيدي ليس دفاعاً عن شخصها، إنما هو دفاع حرية الرأي والحق في ولوج القضايا العامة، وهي أهم ثروة معنوية لتلك الطبقة. أم هو وقوع الكل في شرك التفتت والعزلة عن الشأن العام، واعتبار أن القضايا لا تهم، إلا حينما تمس الفرد بذاته.

في القاهرة، قبل شهور قليلة، وسط شارع رمسيس المزدحم بطريقة خيالية، كنت أجالس المحامي والناشط الحقوقي الشاب محمود قنديل في احد المقاهي الشعبية. صدفة كان مكان جلوسنا مقابل «جمعية شباب المسلمين» حيث قتل على بابها المؤسس التاريخي لحركة الأخوان المسلمين حسن البنا. وفي رصيف ذلك المقهى، ليس في وسعك أن ترى البؤس فحسب، بل أنك لا تستطيع أن تفلت منه. رصيف مكسر بالكاد أن تكون التسمية تلك تليق به، شحاذون ومتشردون، تلوث بالغ، صراخ للباعة الذين لا يحترمون أية قدسية لفكرة «وسط البلد»، وحيوانات شاردة، قطط وكلاب، وجودها دليل على أن سلطات النظافة تتيح لها في الشوارع الرئيسية ما يسد رمقها، أزمة سير تسمح لك بمحادثة سائقي التكاسي بكل أريحية، فهي تقريبا لا تعدو. عمال بثياب ووجوه وأجر بائس...... الخ.

هل حقا في تلك البلاد، لا شيء يستحق حملة للإصلاح من قبل الإسلاميين غير عبارة الدغيدي تلك !؟

المستقبل اللبنانية في

04/10/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)