تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

هل تصلح «غزة 2009» نموذجاً؟

الزواج المختلط في كنف الأهل المتحاربين

بشار إبراهيم

لا تبدو فكرة «الزواج المختلط» جديدة على السينما الفلسطينية، وربما الإسرائيلية أيضاً، إذ سبق على الأقل أن قام المخرج الفلسطيني ميشيل خليفي بتقديم فيلمه الشهير «الزواج المختلط في الأراضي المقدسة» عام 1995. وقد أثار الفيلم أشكالاً من الجدل، لم تتوقف عند حدود القبول والرفض، بل مضت داعية إلى النقاش والتأمل، ليس فقط في تلك الحالات الفردية التي يمكن أن تقدم نماذج واقعية لطرفين قادمين من خلفيات دينية أو عرقية، خاصة إذا كان أحد طرفيها يهودياً، ومدى نجاحهما في الانخراط بتجربة زواج. قبل ذلك ينبغي التأمل والنقاش في إمكانية أن يكون هذا الشكل من الزواج حالة واقعية، وتحول إلى ظاهرة يمكن لها أن تؤشر، بشكل أو آخر، الى تعايش أبناء الديانات والعرقيات المختلفة، على أرض تعجّ بالتنوعات والاختلافات، سواء للأسباب التاريخية منها، باعتبارها الأرض المقدسة لدى الأديان السماوية كلها، أو للأسباب الطارئة منها، نتاج مشروع استيطاني قام على الاستجلاب الهائل لملايين المهاجرين اليهود، من شتى أنحاء العالم، طمعاً بتشكيل وطن قومي لليهود.

وفي حين أن اليهود تحولوا، ومنذ ما قبل وصولهم أرض فلسطين، إلى الحامل الاجتماعي للمشروع الصهيوني، بانتقال الفكرة الصهيونية من مرحلة «صهيونية الأغيار»، في الفكر الأوروبي عبر القرن التاسع عشر على الأقل، إلى مرحلة «الصهيونية اليهودية»، منذ مؤتمر بال، على أعتاب القرن العشرين، فإن إقامة إسرائيل، ومراكمة انتصاراتها، واستمرارها عقوداً متتالية، دون تخلّصها تماماً مما هو غير يهودي، جعل إمكانية الزواج المختلط حادثة ممكنة واقعياً، وليست حدثاً تاريخياً، وذلك على الرغم من الخفض السياسي والاجتماعي الذي تمارسه إسرائيل تجاه كل ما هو ليس يهودي!..

الزواج المختلط على أرض فلسطين، يستدعي النقاش والتأمل، أكثر مما ينبغي أن يستجلب من الرفض أو القبول. فمن الممكن للمرء الاعتقاد أن الزواج المختلط في أي دولة تواجه هذا السؤال، يحتاج إلى منظومة من القوانين المدنية التي تنظم هذا الزواج، ربما بعيداً/ أو بالموازاة، مع سلطة المسجد والكنيسة والكنيس، وفق ما يُعرف عادة بالاجراءات المدنية التي تضع الجميع على قاعدة المواطنة، وتترك لشؤون الأحوال الشخصية أمور تنظيمها. الوضع يختلف تماماً على أرض فلسطين، التي تتنازعها الهويات والروايات والانتسابات، ما بين التاريخي والسياسي والاجتماعي، كما العقائدي، بينما الحياة تدور والناس تتلاقى وتتفارق، تتقارب وتتباعد، وفق مشيئات البشر وخياراتهم الحياتية، التي غالباً ما تكون فاعلة ومؤثرة فيهم، أكثر مما يدور في الأروقة.

ليس من السهل على أحد تقديم القول الفصل في هذا الموضوع. موضوع الزواج المختلط، خاصة وأن القضية الفلسطينية في عقدها السادس باتت أكثر تشابكاً وتعقيداً من التبسيط الذي اتسمت به في العقود الأولى من عمرها، إذ نشأت أجيال تلو أخرى، على جانبي الخندق، لا تعرف سوى هذا الواقع حتى اعتقدت أنه الحالة الطبيعية، باعتبارها الحالة التي ولدت فيها، وممن الممكن أن تمضي حيواتها كاملة في ثناياها.

وبتوازي السياسي الوطني/ القومي، مع الاجتماعي/ الحياتي، كان لأفلام من السينما الفلسطينية أن تذهب إلى عدد من مفردات الوقائع الاجتماعية على أرض فلسطين التاريخية، كما فعل المخرج نزار حسن عام 1995، عندما قارب جرائم الشرف، مثلاً، في فيلمه «ياسمين»، وكما فعل في العام نفسه المخرج ميشيل خليفي، بمقاربته موضوع الزواج المختلط، في فيلمه الذي ذكرنا. ومن اللافت للنظر أن ذاك جاء في فترة أوحت للبعض، ولوهلة من الزمن، أن ثمة مسارات سياسية جديدة ناشئة عن متغيرات بدت جوهرية، أفضت إلى تحولات سياسية طافحة، على الجانبين، أوهمت باسترخاء يليق بنتائج مصافحات عرفات رابين، والشروع ببناء سلطة وطنية في الضفة والقطاع.

كان يمكن لهذا النسق من الأفلام أن يتحول إلى تيار، حينها، لولا أن كسراً في السياقات حصل. ومن الطبيعي القول، في هذه الحالة، إن كسر ذاك السياق، الذي بدأ باغتيال رابين، وانتهى مع اندلاع انتفاضة الأقصى، أعاد الكثير من أفلام السينما الفلسطينية إلى المربع الأول وموضوعاته، من حيث الانهماك برصد المجازر الصهيونية الوحشية، وقوافل الشهداء التي لا تنتهي، ونشوء ظواهر جديدة من طراز العمليات الاستشهادية، وما تلاها من موضوعات تتعلق بالحواجز والمعابر والجدار، والحصار والاغلاق، والاجتياحات المدمرة المتكررة، من جنين وحتى رفح..

والكسر في السياق ذاته هو ما سيقود المخرج الفلسطيني مصطفى النبيه، فيما هو يعتزم بناء فيلمه الوثائقي الطويل «غزة 2009»، ويرصده للحديث عن العدوان الاسرائيلي الهمجي على قطاع غزة، مطلع العام 2009، وما انجلى عنه من قتل ودمار عنيفين. الفيلم ينتقي حالة مما يمكن تسميته «الزواج المختلط»، فرضاً، لتكون مرتكزه في تناول جوانب وتفاصيل مما جرى في غزة ما بين زمنين؛ زمن السلطة، وزمن الإنتفاضة. وسنجد أنه في مقاطع هامة منه يقوم بمطاردة ملابسات هذه الحالة، والوقوف على تفاصيلها، ما بين غزة والناصرة، وصولاً إلى القدس.

ومع أن تفاصيل الحكاية ذاتها تفرغ هذا الزواج من جوهره، كزواج مختلط، حيث أن الوثائق التي يبرزها الفيلم، تبين أن الشاب الفلسطيني «رامي محمود القدرة»، قد تزوج من الفتاة «جيليت»، برعاية المحكمة الشرعية في الناصرة، بتاريخ 13/12/1999، بعد أن أعلنت إسلامها، وأن والدها «غريغوري بوبوك» كان شاهداً على هذا الزواج!.. إلا أن الوقائع التالية لحادثة الزواج هذه تبين أن والدتها قد استعانت بكل ما يمكنها لثني ابنتها عن هذا الزواج، أو استجلاب زوج ابنتها لحظيرتها.. فلا هي نجحت في هذا، أو ذاك، إلا بعد حين.

الواقع هو الذي سينتصر، فبعد سنوات قليلة سوف تعود «جيليت» إلى بيت أهلها، متخلية عن الدين الاسلامي الذي اعتنقته، وعن الانتماء الاجتماعي الجديد الذي اختارته. بل إنها ستأخذ معها بعضاً من أطفالها الذين أنجبتهم خلال هذا الزواج، وتعيد تسميتهم بالعبرية، وتنسبهم إلى الديانة اليهودية، على اعتبار أن الأم هي مفتاح الانتساب الديني لدى اليهود، وبغض النظر عن الأب.

تأتي الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عند حافة مطلع العام 2009، وقد مرت على هذا الزواج قرابة عشر سنوات. وسوف يكون الشاب رامي القدرة واحداً من ضحايا القصف الإسرائيلي، لتنتهي الحكاية بمأساة. هكذا بدا لبعض الصحافيين ممن يحلو لهم إطلاق الصفات الطريفة، أو المفارقة، أنهم على مقربة واضحة من عنوان صحافي لامع مفاده أن «إسرائيل تقتل نسيبها»، فواحد من الضحايا الفلسطينيين في غزة، هو رامي القدرة ذاك النسيب الذي تزوج من ابنتهم جيليت، وجلبها إلى بيت لاهيا، وعاشرها قرابة عشر سنوات، وأنجب منها ستة أطفال، كان عمومتهم في قطاع غزة، وخؤولتهم في إسرائيل!..

في التفاصيل اللاحقة، أن جيليت ارتّدت عن زواجها ودينها الجديد، وعادت إلى يهوديتها، آخذة معها نصف أطفالها، ليصبحوا مثلها إسرائيليين، تاركة النصف الآخر، ليبقوا فلسطينيين. لن تأبه جيليت لكل الشهادات التي يقدمها والد زوجها ووالدته، من أن جيليت كانت فتاة جيدة.. فعلى الأقل سيقدم الفيلم لنا والد رامي، وهو يتحدث عن جيليت، فيقول إنها كانت إنسانة طيبة كثير.. قلبها طيب.. أخلاقها طيبة.. متعلمة.. كانت تحترمنا جميعاً.. كانت تعاملنا كما لو كنا والدها ووالدتها.. ونحن كنا نحبها إلى درجة أن بناتنا كن يشعرن بالغيرة منها، لماذا نحبها كل هذا الحب..

ولكن يبدو أن كل هذا لم يكن كافياً لاستمرار العيش بين جيليت ورامي، ولا لاستمرار عيش جيليت وسط أسرتها الجديدة ومجتمعها الجديد الذي اختارته في بيت لاهيا. فسواء بضغط من والدتها الرافضة لهذا الزواج أصلاً، أو بسبب ضغوط أجهزة المخابرات كما يوحي بعض المتحدثين في الفيلم، فالثابت أن جيليت أخذت اثنين من أطفالها، وقفلت عائدة إلى الناصرة.

ومع اندلاع الحرب العدوانية الاسرائيلية على غزة، واستشهاد رامي، يعتزم فريق الفيلم البحث والسؤال: لماذا ارتدت جيليت عن إسلامها؟.. واكتشاف أي نوع من الأمهات هي هذه المرأة التي تركت طفلتها صغيرة معاقة عمرها 27 يوماً؟.. وكان أن انتهت محاولتهم في الناصرة إلى لقاء سريع معها، في الشارع، بعد أن خرجت من بيتها في مشوار بالجوار، بلباس أقرب إلى لباس التريض. هناك على الرصيف، توقفت جيليت قليلاً، وقالت لفريق الفيلم إن طفلتها، أي التي تركتها في قطاع غزة، تكرر الكلام الذي يقولونه لها.. وإن لا حل في النهاية سوى بمعجزة..

سنعرف أن جيليت مارست طقوس الحداد اليهودية المعتادة لدى سماعها باستشهاد رامي. والغريب إثر ذلك، أن الفيلم يكلف نفسه عناء البحث في الرؤية الدينية لهكذا نوع من الزواج، وطبيعة انتساب الأولاد، فلا يجد سوى الاستعانة بمفتي الأقصى، الشيخ عكرمة صبري، الذي يتحدث قائلا إنه حسب الشريعة الاسلامية يُنسب الأولاد إلى الأب، بغض النظر عن ديانة الأم.. ويخلص إلى القول: أن ترتد الأم فهذا ذنبها، أما الأولاد فيجب أن يبقوا مسلمين، وأن يعودوا إلى أسرة والدهم في غزة..

ولن يخبرنا المفتي أيها أصعب: أن يعود اللاجئون الفلسطينيون إلى ديارهم، أم يعود هذان الطفلان إلى أسرة والدهما في غزة؟.. وإلى الديانة الاسلامية؟.. تماماً كأنما هو لم يقرأ حكاية «خلدون» الذي صار «دوف» في رواية الأديب غسان كنفاني!

هكذا تكتمل حكاية إفراغ الزواج المختلط من مضمونه، وتتحول إلى منازعة لا طائل منها. كنا قبل ذلك، وفي لحظات من فيلم المخرج مصطفى النبيه، قد رأينا والد الشاب رامي يحمد الله ويشكره على أن ابنه مات على دين الإسلام. وعلى الرغم من فتوى مفتي الأقصى، ستبقى الطفلة الكبرى في بيت لاهيا تكتب الخواطر، وتناشد طيف أخوين لها، باتا إسرائيليين منذ زمن، لا يحسنان العربية، ولا يعرفانها، وربما سيأتيان، ذات وقت، في إهاب جنديين إسرائيليين، ليقتلانها، تماماً كما قتلت إسرائيل «نسيبها». طالما أن الحرب لا تأبه بمن تأكل.

المستقبل اللبنانية في

04/10/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)