تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

إبداع فنى اعتمد على أسلوب «الورشة» الجماعية بأرقى معانيها

«ونيس وأحفاده».. عندما تجمع الدراما بين الفن والمتعة والرسالة

أحمد يوسف

لا أخفى على القارئ مدى عمق شعور المرارة والاختناق الذى أشعر به تجاه "مصر"، حتى أننى أكاد أحيانا أحلم بالهروب منها إلى الأبد، ونحن _ أنا وأمثالى من "الزهقانين" _ نستخدم كلمة "مصر" على نحو غامض ومطاط، لكى نعبر عن تلك الحالة المتردية التى وصل إليها "الوطن" الذى أضاعته حفنة من هواة السياسة ومحترفى البيزنس، وجعلونا نيأس من استعادته. كان يسيطر على هذا الشعور المحبط، لكننى فجأة، وخلال مشاهدتى إحدى حلقات المسلسل التليفزيونى "يوميات ونيس" فى جزئه السادس، اغرورقت عيناى بالدموع الحقيقية، عندما كان ونيس يتحدث عن فكرة "الانتماء" بعدما عرف أن أولاده ينوون الهجرة لأن الحياة ضاقت بهم فى وطنهم. لم يكن مونولوج ونيس خطابيا زاعقا، لكنه استطاع أن يلمس بعض الأفكار والأحاسيس المهمة حول مفهوم "الوطن"، لتدرك أنه ليس مفهوما مطلقا أو مجردا، إنما هو مفهوم مجسد، إنه أنا وأنت، بكل ذكرياتنا وأحلامنا، آلامنا وآمالنا، وليس من حق أحد أن ينتزعنا منه أو ينتزعه منا، ليس من حق أحد أن يسرقه أو يمزقه أو يلوثه أو يبيعه، وإذا كان سماسرة السياسة يجعلوننا أحيانا نلجأ إلى حلم أو كابوس الهروب منه فقد تحقق لهم مايريدون بأن يؤجروه مفروشا! 

طرح ونيس على أبنائه فى تلك الحلقة سؤالا يلقى بعض الضوء الغامر على القضية كلها: "تقولون إنكم تهاجرون وتتركوننى وحدى لأنى لم أعد بحاجة إليكم، فلو كنت قد "مت" وتركت أمكم من بعدى وحيدة فهل كنتم تتخلون عنها؟".  

بتلك اللغة التى تجمع بين البساطة والعمق مضى الجزء السادس من حلقات "ونيس وأحفاده"، تقول عناوينه إن كاتبه هو مهدى يوسف ومخرجه هو محمد صبحى، لكن ماتراه على الشاشة يؤكد لك أن "ميكانيزم" إبداع هذا العمل الفنى يعتمد على أسلوب "الورشة" الجماعية بأرقى معانيها، إنها ليست الورشة بمفهومها الساذج الذى تراه فى كل المسلسلات الأخري: مجرد شذرات لا يربطها رابط، وممثلون يقرأون سطور حوارهم، ولعلهم يرتجلونها، قبل الوقوف مباشرة أمام الكاميرا، ومخرج يترك الحبل على الغارب ليتم تنفيذ هذا المشهد أو ذاك كيفما اُتفِق. الأمر مختلف تماما مع ورشة محمد صبحى الفنية، الذى أتى من عالم المسرح، وتعلم الكثير من تقنيات الدراما التليفزيونية، فمن المؤكد أنه يجمع الفنانين والفنيين فى "بروفات" عديدة، لكى يصهر النص من جديد بلغة بصرية وسمعية، حيث كل ممثل يعرف جيدا ملامح الشخصية التى يجسدها، ويدرك تاريخها وعلاقاتها مع الشخصيات الأخرى، وحيث لا تجد فى أداء أى ممثل تراخيا أو تهاونا فى الدخول تحت جلد الشخصية، ويجتمع الجميع فى "ميزانسين" الحركة الدائمة التى تعبر عن تغير مراكز الثقل فى العلاقات الدرامية، ويتكامل ميزانسين الممثلين مع ميزانسين الكاميرا التى ينجح محمد صبحى فى أن يجعلها دائما تقتنص التكوين الأكثر بلاغة وإبلاغا.... وأرجو أن تقارن ذلك كله بما يحدث فى بقية المسلسلات المصرية السائدة: ممثلون يلقون جمل الحوار كأنهم يقرأون فى جريدة، ويتبادلون هذه الجمل وهم جالسون على الأرائك بلا حراك، ثم لا تجد بعد ذلك كله أثرا لتكوين الكادر وحركة الكاميرا ذات الدلالة، وإنما مجرد اقتراب وابتعاد بلا معنى بعدسة الزووم. 

لقد بدأتُ الحديث عن "يوميات ونيس" بالتقنيات، برغم أننى لا أوليها فى العادة الاهتمام الأكبر، إذ إنها الوسيلة إلى غاية وليست هدفا فى حد ذاتها، ولكن ماذا يقول المرء وقد ضاعت "ألف باء" التقنيات السمعية البصرية فى الدراما التليفزيونية المصرية؟ لقد بات الاهتمام محصورا فى النجم أو النجمة، هذان المصطلحين اللذان فقدا معناهما لأنهما أصبحا يشملان أشخاصا بلا موهبة ولا حضور، ولا داعى لذكر أسماء بعينها فلابد أن القارئ يعرفها جيدا. إنك تسمع على سبيل المثال من يقول لك: هل رأيت مسلسل يسرا أو الفخراني؟ وهو أمر لايحدث فى العالم كله، وإن كان تفسيره أن الفترة التى نحياها الآن ـ والتى لا تشهد زعامات حقيقية فى كل المجالات ـ تميل إلى اصطناع النجوم الأفراد، اصطناعا يصل إلى درجة المسخرة أحيانا، والسياسة و"السياسات" خير شاهد على ذلك. من جانب آخر فإن تكريس ظاهرة "النجم الفرد" تعمق الشعور السلبى من جانب المتفرج، فالمطلوب منه الآن فى الفن كما فى السياسة هو أن يتفرج لا أن يشارك. وأستطيع أن أؤكد أن مسلسل "يوميات ونيس" هو التعبير الوحيد الواضح عن "ديمقراطية" العمل الفنى، فبرغم انتماء إبداعه إلى محمد صبحى، فإنه ليس "النجم"، بل النجم هو العمل كله فى شكله ومضمونه، كما أنه يخلق علاقة ديمقراطية حقيقية مع المتفرج، الذى يجد نفسه متوحدا مع الشخصيات، أو متعاطفا معها على أقل تقدير. 

تأمل على سبيل المثال العلاقة العاطفية الثلاثية بين الرجل الأرمل ونيس (محمد صبحي)، وشقيقة زوجته لميس (وفاء صادق)، والجارة اللبنانية المطلّقة أحلام (علياء). فى الدراما التقليدية تصبح هذه العلاقة تجسيدا ميلودراميا للصراع بين الخير والشر، لكنك لن تجد هنا مثل هذه النزعة الميلودرامية، فأنت تفهم وتتفهم موقف جميع أطراف العلاقة، بل تتعاطف معهم أيضا، وبذلك يضعك العمل الدرامى فى قلب الحدث، ولا تبقى مجرد متفرج عليه من الخارج فقط تنتظر لكى تعرف من الذى سوف "ينتصر"، فلعل الخاسر يثير لديك القدر الأكبر من التعاطف والاحترام. فى الوقت ذاته فإن هذه العلاقة تعبر عن مستويين واقعى ورمزى معا، فهى تحدث فى الحياة كل يوم لكنها تصبح هنا ضوءا يلقيه العمل على مفهوم الانتماء، إنك طائر فى سرب، بل ربما تكون قائدا له إذا كنت رب العائلة، فهل تستطيع أن تفصل نفسك عن سربك لتحلق وحدك بعيدا عنه؟ وماذا يبقى عندئذ من ذاتك، ووجودك، وهويتك، إذا فقدت هذا الانتماء؟ 

مصدر إعجابى بهذا العمل، كمتفرج قبل أن أكون ناقدا، وهذا هو معيارى الأول عند تكوين رأى حول أى عمل فنى، مصدر إعجابى هو أننى لم أفقد المتعة لحظة واحدة، وهو مايشير إلى درجة كبيرة من نضج الفنان محمد صبحى على المستويين الفنى والإنسانى معا. لقد بدأ محمد صبحى مسيرته الفنية فى النصف الأول من سبعينات القرن الماضى بعملين متناقضين تماما، الأول هو إخراج وتمثيل كلاسيكيين للتراجيديا الشكسبيرية "هاملت"، والآخر مسرحية "انتهى الدرس ياغبي" التى اقتبسها لينين الرملى عن الفيلم الأمريكى "تشارلي"، لتتحول إلى عمل يحتشد بالكوميديا الحركية واللفظية شديدة المبالغة والتى تصل إلى درجة "الفرسكة" والتهريج. وبين هذين النقيضين سار محمد صبحى، ينحو أحيانا نحو أحدهما ويميل أحيانا إلى الآخر (فما أبعد الفرق مثلا بين خفة الكوميديا فى "رحلة المليون" وتقريرية الرسالة فى "فارس بلا جواد")، لكنه كان ينجح فى أحيان ثالثة فى أن يصهرهما معا كما فعل _ على سبيل المثال لا الحصر _ فى مسرحيتى "أنت حر" و"تخاريف". بكلمات أخرى تستطيع أن تقول إن محمد صبحى جاء ومعه كل تقاليد المسرح الكلاسيكى شديدة الجدية، ليأخذ فى طريقه الكثير من أدوات وتقنيات المسرح الكوميدى فى ثوبه الشعبى المصرى، وبذلك فإنه استطاع أن يجمع بين الرسالة والفرجة، وفى أعماله الأكثر نضجا أراه التجسيد المصرى والعربى لبرتولد بريخت، الذى أراد أن يكون المسرح وسيلة لتعليم وتثقيف وإمتاع الجماهير، وعلى عكس ماتصورنا فى فترة ما إن مسرح بريخت يعنى التجهم (باعتباره تعليميا!!)، فإن المسرح منذ بداياته الأولى، ربما فى المعابد المصرية القديمة قبل الساحات الإغريقية، كان هو الأداة الفنية الراقية للتواصل بين الإنسان وعالمه، هذا العالم الذى يبدأ بالمجتمع وينتهى بالكون، وهذا التواصل لا يقتضى أن يهرب المتفرج من واقعه فى عمل فنى، بل إن المتفرج يجد فى هذا العمل الفنى إجابات عن تناقضات واقعه، ويضع قدمه على بداية الطريق لحل هذه التناقضات. 

من تقاليد المسرحين الكلاسيكى والشعبى، ومن الميلودراما وبريخت، ومن الكلمة الخطابية والكوميديا الحركية، ومن شخصيات نمطية وواقعية معا، ومن مزيج من تقنيات المسرح والفيديو، استطاع محمد صبحى وكل فريق عمله أن يقدموا دراما تليفزيونية تجمع بين المتعة والرسالة، إنك تضحك من شخصية كاريكاتورية لكنك تصدق وجودها، وتتفرج على موقف كوميدى يقوم على سوء التفاهم لكنك تشعر أنك قد عشته على نحو ما، وتستطيع أن تتأمل حركات الممثلين، وتعبيرات وجوهمه، وإيماءاتهم المرهفة، وزوايا الكاميرا وحركاتها، والقطع بين اللقطات والمشاهد، لتدرك أنك فى "يوميات ونيس" أمام عمل فيه الكثير من جهد الإبداع الأصيل، وقبل كل شيء أنت أمام مجموعة من الفنانين، بقيادة المايسترو محمد صبحى، يريدونك ألا تتفرج بشكل سلبى وأنت جالس فى مقعدك أمام التليفزيون، بل إنهم يريدونك أن تشعر وتفكر وتتساءل، حول حياتك التى تعيشها، والمشكلات التى تواجهها، والإحباطات التى تشعر بها، والأحلام التى تتمنى تحقيقها. لذلك لم أستطع أن أمنع الدموع فى عينى فى تلك الحلقة التى تتحدث عن الانتماء لوطن قد تعلن أنك تكرهه بينما يكوى حبك له فؤادك، لأتذكر كلمات أحد آبائى الروحيين صلاح جاهين الذى لم أقابله إلا على الورق: "على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ماشاء، أنا مصر عندى أحب وأجمل الأشياء، باأحبها وهى مالكة الأرض شرق وغرب، وباأحبها وهى مرمية جريحة حرب، باأحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء، وأكرهها وألعن أبوها بعشق زى الداء، وأسيبها وأطفش فى درب وتبقى هى فى درب، وتلتفت تلقينى جنبها فى الكرب، والنبض ينفض عروقى بألف نغمة وضرب، على اسم مصر". وعلى اسم مصر صنع محمد صبحى وزملاؤه هذا العمل الدرامى التليفزيونى الراقى، بينما صنع معظم الفنانين الآخرين أعمالا عن مصر وهمية زائفة، مصر التى يريدون لنا أن نتفرج عليها دون أن نحرك ساكنا وهى تباع ويقبض السماسرة ثمنها، فى المسلسلات التليفزيونية والحياة معا. 

العربي المصرية في

29/09/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)