تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

غوست دوغ وراقصة في الظلام نموذجًا

ما بعد الحداثة في السينما

صلاح سرميني / باريس

لفهم مسألة ما بعد الحداثة في السينما، يجب التطرّق أولاً لبعض الإشكاليات النظرية العامّة، وعلى سبيل المثال، يحتاج المُصطلح نفسه للكشف عن مُلابساته، وتبدو بدايته "ما بعدَ" غامضة، وإذّ تُحيل فعلاً إلى "ما بعدَ" حداثةٍ ما، فعن أيّ حداثةٍ نتحدث؟

هل المقصود تلك التي بدأت مع عصر الأنوار في القرن الثامن عشر، والتي تفترض بديهية المسار المُوازي لتقدم المنطق، والإنسانية؟ 

ويعنيها بعض المفكرين الألمان "مثل Habermas من بين آخرين" في هذا المنظور الواسع جدًا، بينما يعتقد أقرانهم الفرنسيون بأنها بدأت لاحقًا، في حوالي عام 1850 مع "بودلير"، ونقده الجماليّ للفلسفة الوضعية البورجوازية، ولكن، ما بعد الحداثية في الفن، تلك التي تهمّنا هنا، لا تتحدد في كتلةٍ واحدة، وكما نلاحظ بوضوح، فإنّ ما بعد الحداثيّ يتخطى كثيرًا مجال السينما، وينبغي الإحاطة بآفاق معانيه، قبل الاقتراب كثيرًا من خصوصيته السينمائية، وهكذا، سوف نحاول تحديد الخطوط العريضة لما بعد الحداثة في السينما، بالتوقف أولاً لمنحها تحديدًا مقبولاً كمعنى جمالي ـ فلسفيّ، وثانيًا، باكتشاف تفرعاتها في حقل السينما بشكلّ عام، وأخيراً، بتطبيقها على فيلميّن: "Ghost Dog" لـ"جيم جارموش"، و"Dancer in the dark" لمخرجه لارس فون ترير.

وقد اتفق الفلاسفة، بغضّ النظر عن ميولهم، على أمرٍّ واحدٍ فيما يخصّ الحقبة الما بعد حداثية، بأنها تُمثل قطيعةً مع الاعتقاد باستمرارية التقدم، وغائيّة التاريخ .

في الواقع، وفيما إذا كانت الحداثة تنطوي على شعور واضح بالعملية التاريخية، وتتطوّر وُفق منطقٍ ثوريٍّ، تجاوزيّ، وتضخميّ، فإنّ ما بعد الحداثة تُنشئ بالأحرى "قطيعةً مع القطيعة"(1).

وبمُلاحظة الطريق المسدود الذي يُفضي إليه تسارع الثورات التكنولوجية، والجمالية، ...يبدو بأنّ الفنان الما بعد حداثيّ قد هجر التحزبات الطليعية، تلك التي ضمنت عقيدة "مسح الماضي"، وعنف البيانات مصداقيتها، وبدأ يستقي مراجعه من موروث التقاليد، وأشكال الماضي، بعيدًا عن روح النظام الذي شكلّ المُمارسات السابقة.

وتتكشف ظاهرتان لتفسير هذا التبدّل العميق في السلوك، من طرفٍ، فقدَ المُبدع الما بعد حداثيّ براءته في علاقته مع نقاء الأشكال، والمضامين، والتي يتوّجب عليها الاستغناء عن تبريرٍ إيديولوجيّ صارم، ومن جهةٍ أخرى، وبالتوازي، تخلص من تعقيداتها، في مواجهة واقعٍ غير مُتجانس، لم يعدّ بالتالي السيطرة عليها، ولكن، ترويضها، باختصار، قابليتها للنسبية أبطلت الرغبة الحداثية التجاوز بأيّ ثمن، والإطاحة المنهجية للمعايير القياسية، والسلطات الأخلاقية، ولسببٍ بسيط جداّ، بأنها أصبحت أكثر فأكثر نادرة، وأكثر انتشارًا من ذي قبل .

لقد اهتمت الفلسفة بشكلٍّ واسع بالتنظير لفكرة ما بعد الحداثة الفنية، ولكنها جاءت من مجال الفنّ المعماريّ، ومن المهمّ الكشف عن تحليلات أولئك الأوائل الذين تحدثوا عنها، وخاصةً المعماريّ الأمريكي "Robert Venturi" الذي كان سباقًا لطرح فكرةٍ ما بعد حداثية بناءة، من خلال كتابه "التعقيد، والتناقض في العمارة" عام 1966.

قبله، كان المُصطلح محجوزًا حصرًا لاستخداماتٍ تحقيرية، تشهد كثيرًا على شكلٍ من أشكال  الانحطاط، وكان (Venturi) أول من طالب بجماليةٍ ما بعد حداثية كمعنى مكتسب، وميزة .وكما يذكر (COMPAGNON Antoine):

"يحلم المعماريّ الحداثيّ بعدوى بين الذاكرة التاريخية للأشكال، وأسطورة التجديد"(2).

وهنا، يجب النظر إلى كلمة "عدوى" بالمعنى الإيجابيّ للتمازج، لأنّ المقصود بالنسبة للمُبدع الما بعد حداثيّ (والمعماري Venturi هو التجسيد الواعي الأول لها) بأن يهجر التقليد الحداثي المُتمثل بعناد التجاوز الشكليّ، والراديكالية النقدية.

في مواجهة مشروع حداثيّ، سلطويّ، وصفائيّ، فإنّ الفنان الما بعد حداثيّ يعارضه بمشروع أكثر طواعيةً، وتوفيقيّة، حيث لا مكان للتسلسلية الهرمية للأشكال، وهكذا، هل من المُفاجئ فعلاً بأن تكون الاستشهادات، التلميحات، وإعادة الاستخدام هي الأسباب البلاغية الأساسية لما بعد الحداثية؟

في الحقيقة، بعد إفراغ الالتزام الحداثيّ من الاتساق الإيديولوجيّ، تصبح الأعمال الفنية مكاناً لكلّ المرجعيات، بدون اعتبار هذه البصمات المُتفرقة نقائص، إذّ يحاول الفنان الما بعد حداثيّ بأن يحصل منها على المعنى، والمنفعة.

ومع أنّ ما بعد الحداثة السينمائية لا تختلف، وتعكس نفس الإستراتيجيات، ولكن، هناك طرائق مختلفة لتعريفها، إذّ يمكن تقسيمها وُفق مُصطلحاتٍ تاريخية "محاولة تحديد أصول هذه الموجة"، أو اعتبارها منظوراً نظرياً عاماً.

بالنسبة لـ(Laurent Jullier) الذي يُزاوج ما بين الإقترابيّن، تشمل ما بعد الحداثية السينمائية عموم الإنتاج السينمائي في العشرين، أو الخمس والعشرين سنة الماضية، وتتضح انطلاقتها مع فيلم "حرب النجوم" لـ"جورج لوكاس"، إذًا، وفي مرحلةٍ أولى، يُحدد الظاهرة بطريقةٍ واسعة جدًا، ويُشركها بقوةٍ مع تطوّر الأفلام ذات الميزانيات الضخمة، ويتجسّد هذا التوازي بظهور نوع جديد ما بعد حداثيّ تمامًا، يُسميه (Jullier) بـ"حفل موسيقيّ للفيلم"(3)، والمقصود في حالة هذه الأفلام، ليس التقاط صور حفل موسيقيّ حقيقيّ، ولكن، بالأحرى، التركيز على جوانب الأداء، والإثارة، وتحفيز أجواء الفرجة.

وُفق(Jullier)، يتحدد "الحفل الموسيقيّ للفيلم" بثلاثة خطوطٍ مختلفة:

* أولاً، يُنشئ (منظومةً تقنيةً) محورية، ونشطة.

* ثانياً، يشجع تقديم"عرضٍ مشهديّ هنا، والآن"، وهذا يعني، بأنه يتألف من تتابع فعاليات مستقلة، مُعاشة بقدر الإمكان كلحظاتٍ حاضرة.

* ثالثاً، يُمجدّ البعد الصوتيّ، ليصبح أكثر أهميةً من البعد البصريّ "ومن هنا جاء مصطلح الحفل الموسيقيّ للفيلم".

وهكذا، نفهم الآن، وبشكلٍ أفضل، اختيار "حرب النجوم" كنموذجٍ صارخٍ للفيلم الما بعد حداثيّ، لأنه يخضع تمامًا لتلك "القواعد" الثلاثة، ومع ذلك، إذا كان ممكناً تحديد ما بعد الحداثة السينمائية انطلاقاً من الأفلام ذات الميزانيات الضخمة، فإنها لا تتجسّد فقط في هذه الفكرة، وقد أشار(Baudrillard) مسبقاً إلى الجانب الغير سويّ فيما إذا استعانت باستمرار بـ"المهارة التقنية، كمرجع إجباريّ في السينما"(4).
وكما أنّ السينمائي الما بعد حداثي يتعامل منذ البداية مع "ما شُوهد سابقًا"، ومع المُستوى الثاني للفرجة، ومع "صورٍ نعرف بأنها ليست أكثر من صور"(5)، فإننا من خلال معالجته للمرجع، يمكن لنا الحكم على عمله.

عندما يؤكد(Jullier) بأنّ التلميح الما بعد حداثيّ يتحقق في السينما"على شكل غمزة لمتفرج حيث صانع الفيلم "يعرف، بأنه يعرف"(6)،  ويفترض في نفس الوقت، بأنّ استقبال الأفلام الما بعد حداثية تتأسّس بعلاقة تواطؤ"أو مجاملة"، وحول هذه النقطة بالذات، تبدو الانتقادات حول الما بعد حداثية هي الأكثر قسوةً.

سوف يُخطئ الفنّ الما بعد حداثي بمجانيته، وتلاعبه، وافتقاد ضرورته، وسوف يشهد على روحٍ رجعية، والخطر الأكبر لما بعد الحداثية، بعد نهاية التاريخ، هي تجسيد "الذوق الردئ الأبديّ"، ولكن السينما الما بعد حداثية لا تنفي تمامًا المثال النقديّ للحداثة، إنها "تلعب لعبةً مزدوجة، فهي تسخر بلطفٍ من الكلاسيكية،...تستدعي فوائدها، وفي نفس الوقت تحيّيها من جديد"(7).

من جهة، الأفلام الما بعد حداثية، لا تشبه تمامًا مُنتجات تجارية، وقابلة للتبديل، حيث يمكن اعتبار بعضها مكاناً للتفكير حول الإسهام الخاصّ لتيار جماليّ تُعتبر جزءاً منها: الحرية، ويتعلق ذلك بحريةٍ نسبية، حرية الاستعارة، والتي تُعبر عن نفسها بطريقة المُفارقة.

الما بعد حداثية ليست مؤسّسة تحرّر"كما نتحدث عن التحرّر الجنسيّ"، ولكنها، بالأحرى، بحثٌ عن ضغوطٍ مُثمرة بين تقاليد مختلفة، ومُتشاركة بحرية، ويحدد (Jullier) بشكل مختلف قليلاً هذه الديناميكية التي يُسميها الأسلوب الما بعد حداثيّ:

"انتقائيةٌ جذرية مُتأسّسة على تجاور مفاهيم مُتناقضة: فنّ نخبويّ/ثقافة شعبية، مُعاصرٌ/ تاريخيّ،..حيث يصبح النصّ "موقعاً" لأشكال التجسيد في حالةٍ تفاعلية"(8).

 إذًا، تتصف ما بعد الحداثية بغموضها الجوهري : من طرفٍ، هي تغرف بسعادةٍ من موروث الأشكال المُتشكلة سابقًا، ولكنها، من طرفٍ آخر، تُنظمها بطريقةٍ تمنحها قيمةً، ودلالاتٍ لم تمتلكها في حالتها الأصلية "أو لا يمكن أن تمتلكها"، اختطافها من سياقها الأساسي يُثريها، والتنظيم الجديد الذي يُحركها، يجعلها أكثر دلاليةً.

والآن، وقد رسمنا صورةً مُكثفة لما بعد الحداثية في السينما، من المُفيد بأن نعثر عليها بشكلٍ عمليّ في الأفلام، وسوف نتطرّق لحالتين مُحددتين (Ghost Dog) لـ"جيم جارموش"، و(Dancer in the dark) لمخرجه لارس فون ترير، وسوف نحاول في تحليلٍ مُقتضب تحديد الأسباب التي تجعلهما فيلميّن ما بعد حداثييّن.

ينتمي (Ghost Dog) تمامًا إلى ما بعد الحداثة، لأنه يُجسّد بشكل عميق الانتقائية المُميزة
بهذا التيار، هل يمكن أن نتخيل قصةً تُعلن منذ البداية خليطًا واضحًا جدًا أكثر من هذا الأسود النيويوركيّ المُولع بالثقافة اليابانية، ويصبح قاتلاً مأجورًا لحساب مافياويّ إيطاليّ، ويبقى عارفًا بالتكنولوجيا، شغوفًا بالقراءة، وصديقًا للحيوانات؟

في هذا الفيلم، تكثيف النوعيّن ـ فيلم العصابات، وفيلم السامورايّ ـ مُفاجئٌ تمامًا، ولكنه لا يصدم أبدًا رغبة التماسك عند المتفرج، من المفيد الإشارة، بأنّ خليط العنف، والتعقل يتعانقان هنا بهارمونية، وإذا كان لما بعد الحداثة السينمائية معنى، فإنها تتضح بالذات من خلال القدرة على التقاط توليفاتٍ مدهشة، وتجسيدها في شكلٍ مُوحيّ، يقدم جارموش مدينة "نيويورك" أصابها الإهمال، ملعب منافساتٍ قديمة بين رجالات المافيا، وعصابات الشوارع، والمواطنين، ومع ذلك، لسنا في فيلم يستغلّ بطريقةٍ دراماتيكية هذا العنف الكامن، على العكس، هناك فجوةٌ بين الوحشية التي عفا عليها الزمن لرجال المافيا الإيطاليين، الخاسرين في نماذجهم الكاريكاتورية الخاصة، والعنف الجراحيّ المُقتصد لـغوست دوغ نفسه، والذي يُظهر عزيمة، ورحمةً لا حدود لهما لإنجاز ثأره التطهيريّ، وبالمناسبة، ألا يُغمد سلاحه الناريّ، كما يُغمد سيفًا؟ عدوى العوالم يمكن أن تلمس حتى هذه التفصيلات الصغيرة، ولكن غوست دوغ ليس الشخصية الوحيدة الهجينة، كلّ الشخصيات الرئيسية هي كذلك قليلاً، أو كثيرًا، العرّاب، وابنته التي تحبّ الرسومات المُتحركة، رجل المافيا الذي يعشق فرقة الراب(Public Enemy)، بائع المرطبات ذي الأصول الهايتيّة الفرانكوفونية الضائعٌ في نيويورك،...إنها مرحلة أولى من الانتقائية، ولكن الجانب الحكائي يقدم بناءً يذهب بدوره بعيداً في هذا المعنى.

في الحقيقة، غوست دوغ يشوبه حزنٌ قويّ يخلق تبايناً رئيسياً مع الواقعية المألوفة لسينما النوع، يلهو جارموش مع هذه الكليشيهات، وينتزع عنها صبغتها الأصلية بإدماجها في معنى الطقس، والفيلم مبنيٌّ بكامله بهذه الطريقة من خلال التأثيرات الحكائية لطقوسٍ محددة جدًا: القراءة، الموسيقى، العنف، الطيور، الخ...وعلى سبيل المثال، يقرأ غوست دوغ طوال الفترة الزمنية للفيلم كتاباً عن الزهد، والتقشف الروحيّ للسامورايّ النموذج، ويستوحي منه قواعد حياته .

حيث تظهر من وقتٍ لآخر "فقراتٍ" من هذا الكتاب مكتوبةً على الشاشة، وتقطع فجأةً تسلسل الحكاية، وتقدم حكماً، أقوالاً مأثورة، إرشاداتٍ، ووصايا أخلاقية تعالج بالآن أسلوب حياة السامورايّ، و ..ما بعد الحداثة، إنه من المُذهل تحليل هذه الصفحات "الايقونية" في ضوء المفهوم الذي يشغلنا، حيث تمتلك المأثورات غالباً معنى مزدوجاً، وتُحيل في معظم الأحيان إلى الصفات الخاصّة لما بعد الحداثة، من بين الأمثلة الأكثر دلالةً، هناك المأثورة الثانية التي تؤكد ما معناه:

"يجب فهم كلّ الأصوات، كي نفهم أصواتنا بشكلٍ أفضل""استشهادات، وتداخلات نصيّة".  

بينما تُصرّح النصيحة الرابعة بأنّ:

"العالم مثل حلم""المُستوى الثاني من الأداء".

وتقول الخامسة:

"يجب التعامل ببساطة مع الموضوعات ذات الأهمية الكبيرة، وبجدية مع الموضوعات القليلة الأهمية)"محاكاة ساخرة".

وتستبق العاشرة بأنّ:

"الشكل هو الفراغ، والفراغ هو الشكل" "مفارقة، وتكلف".

وتصرّح الثالثة عشرة بأنه:

"يجب الاستفادة من كلّ جيل""انتقائية"، ....الخ.

وهكذا، لا يمكن أن نمنع أنفسنا من "قراءة" تلك المقاطع من كتاب Hagakure من منظور تحليل الخطاب السينمائي، وهكذا، تجد ما بعد الحداثية تصورًا محددًا في صور الفيلم، ولكن، بالمُقابل، تتضمّن تصوّرًا "نظريًا" عبر صفحات الكتاب.

يطفح فيلم (Ghost Dog) بمراجع عن السينما، ويُظهرها للمتفرج كعنصر روائيّ نقيّ،
وتتضح المرجعية الذاتية كعنصر آخر مهمّ لما بعد الحداثة السينمائية.

في حقبة ما بعد الحداثة، الصورة تُحيل إلى صورٍ أخرى، ويستشهد الفيلم بأفلام سابقة، وهكذا، يمكن أن نعثر في فيلم جارموش على تلميحاتٍ متعددة من أفلام سينمائية متنوعة، ترتبط من قريبٍ، أو بعيدٍ بما بعد الحداثة(9).

الاقتباس الأكثر أهميةً في (Ghost Dog) هو بالتأكيد فيلم "راشومون" لمخرجه (كوروساوا)، والذي يُشار إليه عن طريق كتاب، هذه القصة البذيئة المحكية عن طريق ستة أبطالٍ مختلفين، تُظهر بطريقةٍ مذهلة هشاشة الحدود بين الحقيقيّ، والمُزيف، وبين الكذب، والصدق.

الغموض، والتصنعيّة الخفية لفيلم "كوروساوا" تشكل مسبقا جانبًا من إستراتيجياتِ ما بعد حداثية سوف تتأكد لاحقًا، ولم يكن جارموش جاهلاً بها.

(Frankenstein) في كتاب (Shelley)، وفيلم(Whale) هو أيضًا تيمة دلالية للغاية لما بعد الحداثة، لأنّ شخصية الوحش (المصنوعة من جثثٍ مختلفة) تجسد بصراحة انتقائيته، وإعادة استثماره للماضي، أخيراً، يستحضر مشهد المبارزة نوعاً سينمائياً آخر، هو الويسترن (إحالة صريحة لفيلم "عزّ الظهر" لزينيمان)، إذًا، يمكن فهم المشهد الختاميّ ليس فقط كاستعارةٍ من سينما النوع، أو تحليل الخطاب السينمائي، أو محاكاة ساخرة، ولكن، أيضًا كمُحاولة لإدخال شكل طقسيّ، قدريّ، إلى ما بعد الحداثة، يسمح للفيلم بإثبات كلّ الاختيارات (الاعتباطية) التي فرضها منذ البداية.

بدورها، الكتاب، مهمّ جدًا في هذا الصدد، ويتدخل في نفس الاتجاه، حيث غوست دوغ يقرأ (Hagakure)، بدورها، ابنة العرّاب تقرأ "راشومون"، وفي صدفة لقاء، تُعير كتابها  لـغوست دوغ، وبدوره يُعيره لـ"بيرلاين" ابنة الجيران.

ولا يمكن أن تحدث المُبارزة النهائية إلاّ في اللحظة التي يعود فيها الكتاب إلى غوست دوغ، ويرجعه إلى المافياوي "لويّ" "منقذه، سيده، وقاتله في الآن ذاته"، "راشومون" بشق النفس، يُنهي سباقه في أيدي صاحبه الأصلي، ويمثل الكتاب هذا الشيئ المُؤقت الذي يتبع مسلكاً دائرياً، ويمنح مسيرة غوست دوغ نموذج احتياج، وقدرية تراجيدية.

 وتكتمل الحلقة عندما يمنح البطل الكتاب لابنة الجيران "بيرلاين" كميراث "روحيّ" لمُستقبل العالم، ونلاحظ جيداً بأن ما بعد الحداثة غنية بإنتقائيتها، ولكن، بعض أفضل مبدعيها يعيّ بأنّ خليط الأشكال، والمضامين لا يجب أن يُذوّب العقدة في لعبةٍ مجانية من المرجعيات، وهكذا، فإنّ التضحية بمثال الحداثة لا تتحقق بدون إحباط.

وكما كلّ شخصيات فيلم (Ghost Dog)، هذا العالم الما بعد حداثي، تكرّر:"لا شيئ مثل السابق، لم يعد لأيّ شيئ معنى"، مطلوبٌ من السينمائي بأن يتغلب على هذا القصور في المعنى، ويتحمّل بشجاعةٍ أخطار الاستعارة، والصورة المُصطنعة .

وكما الحال مع فيلم "جارموش"، تكمن فائدة "راقصة في الظلام" لمُخرجه لارس فون ترير بأنه يستند في أجزاء كثيرة منه على فكرة اختلاط الأنواع، والنبرات، سمة رئيسية من سمات ما بعد الحداثة، في الواقع، اختارفون ترير طوعيّاً، أن يتحالف في فيلمه النوعين الأكثر تعارضاً، بمعنى، الميلودراما، والكوميديا الموسيقية، والضغوط الناتجة عن هذا التهجين تؤثر مباشرةً على فهمنا للفيلم، قصة سلمى(Björk) تأتي منذ البداية في سياقٍ من الشفقة، كما تشهد شروطها الخماسية كمُهاجرة تُعاني من سوء فهم الآخرين لها، وحيدةٌ مع طفلها، عاملةٌ لم تتأقلم مع طبيعة عملها، غريبة الأطوار، ساذجة، وضعيفة البصر وراثياً.

في الحقيقة، من الصعب تخيل بداياتٍ لمصير أسوأ ذلك: إننا أمام حالةٍ ميلودرامية من الطراز الأول، يمكن الاعتقاد بأن المشَاهد، المُنتظرة، لـ"الكوميديا" الموسيقية تأتي كي تُضئ قليلاً هذه اللوحة القاتمة، ولن يتحقق ذلك أبداً، ليس فقط مشاهد البوح العاطفي المُوسيقيّة التي تحلم بها "سلمى"، وتُجسد مهرباً حقيقياً كأحلام يقظة، لا توجد إلاّ في مخيلتها، ولن تتحقق أبداً في الواقع، ولكن، أكثر من ذلك، هي تنطبق بالضبط على مراحل عذاب سلمى، وتلاحق نوعاً من تصاعد حدة الفظاظة، وتجعلها متناقضة(10)، مع نتيجةٍ كهذه، يمكن التساؤل فيما إذا كانت اللحظات الموسيقية الخفيفة التي تأتي في المواقف الأكثر سواداً، ومرارة هي نوعٌ من الهزل .

المُعالجة الجمالية المُتوازية للنوعين"ميلودراما ـ كوميديا موسيقية" تكشف عن إستراتيجية ما بعد حداثية بقدر ما الخليط هو ميزة تأسيسية هامة، ولكن هذا التمازج ينتج في النهاية إحساساً باختطافٍ  تهكميّ بالمُقارنة مع الغرض الأساسي من كلّ نوع.

ما بعد الحداثية السينمائية تفضل، كما عرفنا في السطور السابقة، عدوى العناصر الشكلية فيما بينها، وتثير بذلك ديناميكياتٍ غير مُنتظرة.

المُعالجة الما بعد حداثية لنوعيّن من المشَاهد، ميلودراميّ، وموسيقيّ، يُبدل نظرة المتفرج بأكثر من طريقة، إنهما لا يُعارضا فحسب حقيقتيّن لـ"سلمى"، الحياة الواقعية/فانتازيا الحلم، رمادية المُصيبة/ألوان البهجة، هما تمزجا قبل كل شيئ مفهوميّن مختلفين للسينما، واستخدام الكاميرا الرقمية ينبغي بأن لا يضلل بالعلاقة مع انفصامهما الجوهري، واحدة من أبرز السمات التي تجعلهما مختلفان، هي نوع المونتاج الذي اعتمده السينمائيّ لكلّ منهما.

فقد صُورت المشاهد الميلودرامية بكاميرا محمولة على الكتف، وبروحٍ قريبة بشكلٍ ما من قواعد "الدوغما"، وهذا يعني عدم الالتزام بالقواعد المونتاجية، كاميرا مضطربة، عصبية، تحاول ملاحقة الإشارات الأكثر دلاليةً، والتفاصيل الأكثر كشفاً، ـ على حساب وضوح الصورة، وسيولة البعد القصصيّ أحياناً ـ ويبدو بأنّ المشاعر تتأثر عن طريق مجون الكاميرا مع الصور التي تتفحصها، ويتضمن الفيلم لقطاتٍ عامة قريبة من المُسودة، متفرقة بعناية، مع  كاميرا تقترب فجأةً من الشخصيات، وكذلك لقطاتٍ كبيرة جدًا تؤطر جزءاً من الوجه يملأ ثلثيّ الشاشة، طريقة التصوير هذه، والتي تتخلى طواعيةً عن تأثير التغريب الخاصّ بالحداثة، تُذكرنا بالأفلام العائلية، الأفلام المُصوّرة من وجهة نظرٍ ذاتية "الرجل الكاميرا" حيث تُصوّب عدسة الزوم بدون هوادة على ما يمكن اعتباره عامل "جذب"، ويُستدعى انتباه المتفرج من خلال هذا التأثير الأسلوبيّ "مشاهد مُلتقطة بسرعة"، وتمنح الكاميرا لهذه الحياة اليومية المُصطنعة قدراً من الحقيقة، ويحاول الفيلم الروائي الإيهام بأنه "تسجيلي"، فالسينمائي الحداثيّ يُثير طوعاً هذا التعامل مع المرجعية الذاتية.

إلى هذه المشاهد"العائلية"، شبه التسجيلية، والقريبة في ظاهرها من الصورة الخام، مطعمة بمشاهد خاصّة بالنوع الموسيقيّ، الأكثر التفافاً، لا واقعيةً، وتخيليّاً في تاريخ السينما، وهذا يخلق بقوةٍ توتراً ما بعد حداثياً، علاوةً على ذلك، تمّ مونتاج المشاهد الموسيقية بطريقةٍ أخرى مختلفة تمامًا، حيث نلاحظ تتابعاً متواصلاً من اللقطات (المأخوذة عن طريق "100 كاميرا ثابتة")، القصيرة جدًا زمنياً، تُلاحق غناء "بيورك" والراقصين، التشكيلات الراقصة إذًا مبنية قطعةً قطعة، ولقطةً لقطة، بطريقةٍ تحليلية تقريباً، وفي بعض الأحيان، ينتابنا شعوراً مُقلقاً بأننا نشاهد فيديو كليب للفرقة الأمريكية (Village People) بمونتاجٍ لـ"سيرغي إيزنشتاين"، و... معجزة ما بعد حداثية، وعلى الرغم من هذا الاقتراح الغريب، تنجح الغنائية بإيجاد مكانٍ لها، ...إنه من المُدهش الإشارة بأنّ المشهد الموسيقي للقطار ـ على سبيل المثال ـ يمكن أن يكون، بفضل أغنية " I've seen it all" ناجحاً بإفراز جرعة هائلة من الأحاسيس، والمشاعر، وبغضّ النظر عن درجة تعاطفنا مع تعاسة "سلمى"، يبدو بأن جماليات الفيلم "العائليّ"، و"المُوسيقيّ"، يمنحا المصداقيةً الواحد للآخر، تجوال الأول "الخادعة"، يمنح الثاني بعض الأصالة، ووفرة الغنائية "الموسيقيّ" يمنح ضخامةً للمشاهد الأكثر اعتياديةً، ويوميةً "للرجل الكاميرا"، باختصار، تستند فعالية الفيلم على هذا التداخل الشكليّ، وعلى عدم نقاء المُعالجة.

وأكثر من ذلك، يتأتى إحساس التماسك الذي يُنشط (Dancer in the dark) بأن لارس فون ترير قد مارس إلى حدٍّ بعيدٍ فنّ المحاكاة، كان يمكن أن يُسمى فيلمه "لحن التعاسة"، حيث يقترب تطوّره الدرامي من الفيلم الشهير لـ Wise الذي يتجسّد على شكل بروفات هواة، يمنح المخرج الدانماركي إمكانية تحرّيف النظام الدرامي "الموسيقيّ" التقليدي، تأليه "جولي أندروز" يصبح محنة "بيورك"، ومن ثمّ، لا تتوقف الاستيحاءات، والتلميحات عند هذا الحدّ، ليس فقط لأن فون ترير طبق عكسياً وصفة "لحن السعادة"، ولكن، نهاية الفيلم في مُجملها، هي بمثابة قراءة ثانية لفيلمٍ آخر لـ"روبيرت وايز"، أقلّ شهرةً بعنوان "أريد أن أعيش"، مع "سوزان هيوارد" في الدور الرئيسي، والغريب، بأنه يحكي أيضًا قصة امرأة محكوم عليها بالإعدام بدون ذنب، وقد استعار منه فون ترير شخصية الحارسة اللطيفة "كانت ممرضة في فيلم وايز"، الظلال الرمادية لديكور السجن، وأيضًا الوسيلة الدرامية للمُكالمة الهاتفية قبل لحظاتٍ قليلة من تنفيذ الإعدام.

يقدم المشهدان الكثير من التشابه، بحيث يصبح من المُستحيل تجاهلهما، وعدم التحدث أبداً عن فكرة الاستجلاب، والاستيحاء، ومن خلال هذا التأكيد، يمكن البرهنة أيضًا، وذلك بالرجوع إلى الوراء، بأنّ فون ترير قد "استعار" أسباب القارب، والجسر من "لحن السعادة"، ومشهد القطار من الفيلم"الموسيقيّ" "قصة الحيّ الغربي"، وهو أحد الأفلام التي يُفضلها فون ترير كما صرّح بنفسه :

ـ فيلمٌ "موسيقيّ" لمخرج اسمه...روبيرت وايز!!!

 نحن أمام حالة انتحالٍ صارخة لا يمكن تجاهلها، إحساس الحتمية الذي نشعر به أمام الفيلم، لا تتأتى بالضرورة من القصة، ولكن، بالأحرى من استعادة عناصر سينمائية، وهي في هذه التوليفة الخاصة تندمج جيداً، وتُشكل كلاً جديداً.

ينطوي البعد الجمالي لما بعد الحداثة على فكرة إعادة استخدام عناصر سابقة، ونمتلك هنا البراهين، بأنّ لارس فون ترير أصبح أستإذًا في هذا المجال .

البعد الباروكي لعالم فون ترير يضع المتفرج أمام معضلةٍ مُوجعة، في الواقع، عليه أن يختار معسكره، إما أن يتعاطف غريزياً مع آلام البطلة، ويجد نفسه متورطاً في مصيبتها إلى أقصى حدود الألم، أو يلتقط بسرعةٍ خدع المنظومة، ويمنع نفسه من الاندماج في المُحتوى العاطفي، ويستمتع بأكبر قدرٍ من المادة السينمائية، إنه من المُستحيل تقريباً العيش في آنٍ واحدٍ حالة التماهي الشديدة مع الشخصية، وتغريب الاستيحاءات الشكلية، فون ترير سينمائي مُناور من الطراز الأول "إذًا، ما بعد حداثيّ" يتطرف كثيرًا في هذين الاتجاهين، بحيث لا يسمح فعلاً بمدى متوسط، باختصار، نجد أنفسنا بعد العرض في وضعٍ متناقض.

بالتأكيد، بعض المشاهد الدرامية من الفيلم قوية بحدّ ذاتها، حيث يعتبر مشهد الشنق ـ على سبيل المثال ـ ذروة المشهدية .

ولكن، هل هناك مُفارقةً كإحساسٍ سينمائيّ أكثر من مخرج يقود شخصيته الرئيسية نحو الموت تضحيةً، وخلال ساعتين، ونصف، وبكلّ الطرق، والوسائل، يحاول انتزاع شفقتنا؟

هذه حالة من الانحراف، وحده المتفرج الما بعد حداثي يمكن أن يتذوقه بمتعة.

الخلاصة، تُحيل ما بعد الحداثية السينمائية إلى سلسلةٍ من الإستراتيجيات، وتحاول أن تُخرج العمل الفيلميّ من تلك القطيعة الجذرية مع الماضي، ولكن، السينمائي الما بعد حداثيّ المُتيقظ، يذهب أبعد من ذلك، هو يعرف بفطنة، بأنه لم يعد يسمح لنفسه بمسح الماضي، كما حال الابتهاج التحطيميّ الذي تحققه بعض السينمات الطليعية، ومع ذلك، تراكم المرجعيات الثقافية لن تقدم بدورها حلاً مُرضياً(11)، من الضروري بشكلٍ قاطعٍ أن تمنح المادة الفيلمية ثقلاً، ومدى يسمح للفيلم بالتخلص من أعراض ممارسة الأسلوب، أو "الحفل الموسيقيّ للفيلم"، وفي حالتيّ الفيلمين اللذين درسناهما في هذه القراءة، تُظهر الأهمية الممنوحة من السينمائيين للبعد المشهدي، والموسيقيّ إلى أيّ درجةٍ ينتميان إلى قائمة ما بعد الحداثة في معانيها الواسعة، ولكن، نحن نعتقد أيضًا بأنهما يُظهران في الجزء الأكثر استقامة لما بعد حداثية ما واعية، تجعل من العمل السينمائي المكان الجوهري للتساؤل حول تاريخ الأشكال، والتاريخ ببساطة، وبمُواجهة ضياع مرجعيات ما بعد الحداثة السينمائية، فإنّ جيم جارموش يعبّر بقوة عن إحباطه، وفون ترير عن انحرافه.

دانيّيل ريفيست

ترجمة صلاح سرميني 

 

هوامش:

1 ـ أنطوان كومبانيون، المُفارقات الخمسة للحداثة، إصداراتSeuil باريس، 1990، صفحة 177 .

2 ـ أنطوان كومبانيون، المُفارقات الخمسة للحداثة، إصداراتSeuil باريس، 1990، صفحة 151.

3 ـ لوران جولييّه، شاشة ما بعد الحداثة، سينما التلميحات، والمُفرقعات، إصدارات L'Harmattan باريس، 1997، صفحة 37-70.

4 ـ جان بودرييار، صور مُصطنعة، ومُحاكاة، إصدارات Galilée باريس، 1981، صفحة 75.

5 ـ مشارٌ إليها في : لوران جولييّه، شاشة ما بعد الحداثة، سينما التلميحات، والمُفرقعات، إصدارات L'Harmattan باريس، 1997، صفحة 19.

6 ـ لوران جولييه، شاشة ما بعد الحداثة، سينما التلميحات، والمُفرقعات، إصدارات L'Harmattan باريس، 1997، صفحة  27.

7 ـ نفس المرجع،  صفحة 18.

8 ـ نفس المرجع،  صفحة 13.

9 ـ  نجد تلميحاً خفيفاً لـ"فيتزجيرالدو" للمخرج هرتزوغ.

10 ـ يحدث الأول في المصنع بعد ليلة مُستنزفة من العمل المُرهق، الثاني فوق جسر سكة القطار، حيث تكتشف "سلمى" خطورة عجزها، الثالث بعد موت الشرطيّ، الرابع خلال المحاكمة، الخامس في الزنزانة، السادس في الطريق إلى منصة الإعدام، الأخير في لحظة الشنق نفسها.

11 ـ ديناميكية "أدرك، واستمتع" تقود في الحقيقة إلى طريق مسدود لما بعد حداثية رجعية، برهنةٌ مستفيضةٌ في: لوران جولييه، شاشة ما بعد الحداثة، سينما التلميحات، والمُفرقعات، إصدارات L'Harmattan باريس، 1997، صفحة  26-27.

إيلاف في

27/09/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)