تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

إضاءة لتصورات الدكتور هانيبال لكتر

الإحالات الوثنية في فيلم صمت الحملان

مُهنّد يعقوب من بروكسل

"أمي تأوهَت, أبي بكى، قفزتُ في هذا العالم الخطير، أعزل عاريًا, مزقزقًا بأعلى صوتي، كشيطان مختبيء في سحابة". من قصيدة  "حزن طفولي" وليم بليك بدأ الظهور الاول لشخصية "الدكتور هانيبال لكتر" في سلسة الاعمال الروائية ما بين الفترة 1981  - 2006  للروائي "توم هاريس" والتي تحولت فيما بعد الى أعمال سينمائية كان أولها فيلم "مان هنتير" للمخرج ميشيل مان عام 1986, ثم تلتها المحاولات الاربع ذات الدهشة العالية والتي يمثل القدير أنتوني هوبكنز بطولة معظمها "صمت الحملان" عام 1991 مع الممثلة الرائعة جودي فوستر للمخرج جوناثان ديمي والذي فاز بخمس جوائز أوسكار كما فاز كل من هوبكنز و فوستر يجائزة أفضل ممثل وفاز ديمي بجائزة أفضل مخرج, ويليه الجزء الثاني "هانيبال" في عام 2001 مع الممثلة البارعة جوليانا مور للمخرج ريدلي سكوت حيث تغيب الممثلة جودي فوستر عن هذا الجزء لاسباب تتعلق بفكرة السيناريو المأخوذ بالاعلاء لمكانة وأهمية هانيبال اكثر من مكانتها وأهميتها كممثلة للقانون, وفي هذا الخلاف مع المنتج دينو ديلا الذي يملك حقوق الطبع نقطة مهمة جدًا في تصوري تعكس وعي المنتج الصادم للحفاظ على مركزية العمل المتمثلة بطبيعة البطل الخارج عن الاضداد بالمعنى السلبي كما سنتناوله لاحقا, ثم الجزء الثالث "التنين الاحمر" عام 2002 مع الممثل المرموق ادورد نورتن والممثل رالف فينيس  للمخرج بريت راتنر والجزء الرابع "هانيبال ريزنك" في عام 2007 الذي يحكي قصة التحول التي عاشها هانيبال الصغير والصدمة الاولى التي جعلت منه شخصًا مختلفًا ينظر للحياة والكون والاشياء نظرة معرفي صاحب خيال غرائبي أبعد من كونه مجرمًا عاديًا يكتسب مهارته فقط من خلال منطق الاخذ بالثأر, أو تحت تأثير العامل السايكلوجي المختل من جراء الوحشية التي يتعرض لها داخل الفيلم.

الحمل والنمر أو تكافؤ الاضداد

في لقطة متتالية ومتكررة في كل من فيلم "صمت الحملان" و "التنين الاحمر" تحاول الـ آف بي آي الاستعانة بالدكتور هانيبال لكتر المسجون لديهم للكشف عن تفاصيل الرعب والصدمة التي يعيشها المجتمع الامريكي, بعد ان عجزت عن امساكه, بارسال أحد عملائها المميزين العميلة "ستارليك" في المحاولة الاولى ويأتي العميل "كراهام" في الثانية, كمحاولتين منفصلتين كل محاولة في فيلم على حدة لكن مؤداهما واحد, وهي لقطة مهمة تكشف عن ثنائية الصراع والتعاون بين قوى الخير وقوى الشر داخل الطبيعة الانسانية وداخل الحياة, وتكشف ايضًا من خلال اعطاء الثقل الاكبر لشخصية هانيبال كشخصية محورية يقع عليها الاشتغال الاكبر في توظيف هذا المعنى بالاتجاه الوثني وليس بالاتجاه الذي تلى هذا العصر, والاختلاف جوهري بين الاتجاهين, حيث يمثل الاول عصر الديانات الوثنية التي تقول بانعدام القيم الاخلاقية والقانونية بين  قوى الخير وقوى الشر كقوى متكافئة داخل الانسان والطبيعة تكون الضرورة فيها, للنور كما للظلام, وللنظام كما للفوضى, وللحمل كما للنمر, وان هذا التكافؤ هو أصيل في الطبيعة الانسانية وطبيعة الكون, يحكمه عنصر الحرية ويدفع به للحركة والتبدل والنمو والتكامل من دون صفات طارئة تكبح هذا المعنى الجوهري الذي يعكس ملامح تلك الفترة كما يعبر بعض المؤرخين والنقاد في دراسة الاديان الوثنية القديمة حيث "يخبرنا المؤرخ الاغريقي فلوطرخس بأن الاسماء التي يطلقها المصريون على الهتهم تنطوي جميعاً على المعاني السالبة والكابحة والمعطلة, فالاله "سيت" مجسداً للقوى السالبة والاله  "حورس" مجسدًاً للقوى الموجبة "وكذلك بالنسبة للديانة الزرادشتية فالاله "سبينتا ماينو" يمثل الطبيعة الخيرة و"انجرا ماينو" يمثل الطبيعة الشريرة ولا ترجيح قيمي بينهما أو قانوني كما في العصر الذي تلى الديانات الوثنية, وانما يخضعان في الصدام او التعاون لمبدأ الحرية في الاختيار سلبا أو ايجابًا, ونحن هنا أمام حالة تعاون وتضاد كوني يحكم الطبيعة نفسها ويحكم العلاقة بين الكائنات خارج القيمة الاخلاقية والقانونية, والتعاون بين العميلة ستارليك  وكراهام من جهة, وبين الدكتور هانيبال من جهة اخرى يعكس هذا المعنى بشكل واضح حيث يشترط ان يكون التعاون سوالاً بسؤال, يجيب هو عن الاسئلة التي تخص منفذي حوادث الرعب وهم يجيبونه عن الاسئلة المتعلقة بحياتهم الشخصية التي يريد الدكتور تاكيدها لنا ضمن لا نهائية التعاون والتضاد  في الكون والطبيعة والانسان ويكشف هذا المعنى أكثر رسالته الاخيرة للعميل  كراهام في الجزء الثالث "عزيزي ويل لابد وانك تماثلت للشفاء من الخارج على الاقل, اتمنى ان لا تكون قد اصبحت قبيحًا, يا لها من مجموعة ندبات تمتلكها, لا تنسى من اعطاك أفضل واحدة منهن, وكن ممتناً فندباتنا لها القوة لتذكرنا بأن ما مضى كان حقيقة, نحن نحيا في زمن بدائي أليس كذلك؟ ليس بوحشي ولا بحكيم انصاف المعايير هي لغته, المجتمع  العقلاني قد يقتلني وقد يستفيد مني, أتحلم كثيرًا يا ويل؟ أعتقد ذلك, صديقك القديم هانيبال لكتر".

"أي قدرة أو أي مهارة خلقت تلك الثنايا

وزرعت فيك الجسارة عندما يبدأ قلبك في الهجوم

بمخلب قوي ويد من حديد

كالمطرقة او سلاسل الفولاذ المثبته

تقبض على الفريسة المسكينة"

مقطع من قصيدة " النمر" ضمن مجموعة  "أغاني الخبرة" وليم بليك 1794

معظم الصدمات التي حققها الدكتور هانيبال لكتر للمجتمع ولمجايليه من خلال تغييب ضحاياه فيزياويًا, هي صدمات طالت السيء والقبيح من الشخصيات, ولو إشتثنينا الاثر السايكلوجي الحاد في نفسه كشخص مريض بالوضوح والتعالي والعنف, لخلصنا الى شخصية تشتغل على أكثر المناطق جمالاً وخيالاً, ولتمكنا من رفع الوصف القيمي الاخلاقي والقانوني من صنائعه البديعة, وأتمنى ان لا يؤخذ هذا الوصف أو الميل باتجاهه على انه تمجيد لفكرة الرعب  والموت, مع انني لا أخفي اعجابي به كطبيب نفسي بارع, ومتخصص في علم التشريح, وعلم الشخصيات والقانون الجنائي, ومرجعياته الفكرية والفنية داخل الفيلم, لكن شيء من التجوال الحريص داخله يجعلنا نفهم ان هانيبال شخصية محبة ايضاً ولديها القدرة على اكتشاف القبيح ومعرفة الحسن والتمييز بينهما بدقة وحرفية عالية, وهو ما يدفعه للشعور بالدعة والهدوء اتجاه الشخصيات التي تشبهه في الذكاء والحساسية, تربطه علاقة صداقة مع العميل كراهام خارج سياق المؤسسة والقانون, كذلك تربطه علاقة حب مع العميلة ستارليك لدرجة اقدامه على بتر يده في لقطة يجمع أيديهما طوق حديدي وآثر بقطع يده على ان يؤذيها, هو ايضاً مناهض لمبدأ الشر وموقفه هذا ينتمي الى حقبة زمنية متقدمة جدًا على زمننا  هذا الذي يصفه بالزمن المتخلف والرديء كما تقدم, وهو يمتلك حق حريته الاصيل  في طبعه كما هو أصيل بطبيعية الكون في ترجيح مكانته على مكانة الآخر وحضوره, والآخر القبيح بالنسبة له شيء محتقر أو كما يقول وليم بليك "الهواء للطير, والبحر للسمك, كذلك الاحتقار للحقيرين" أو كما يسميهم هو "بالوقحين وراثيًا" فكانت مشاعره تنقسم الى قسمين, مشاعر يحكمها شرط الجمال الوراثي وله أثر, وأخرى يحكمها شرط القبح الوراثي وله أثر ايضًا تمثل بقتل المفتش الايطالي رينالدو بازي الذي يتتبعه في فلورنسا من أجل ان يحصل على الجائزة مقابل الادلاء بمعلومات عن مكان تواجده ، يقول عنه هانيبال انه جشع وخائن مثل احد أسلافه في العصور الوسطى لقد خان بيير ثقة الامبراطورية ثم أصيب بالعمى وسُجن, المهاجر دانتي اكتشف  بيير ديلا ويواصل على المستوى السابع من الجحيم فان يهوذا وبيير ماتا بالشنق وهما مرتبطان بدانتي في رأيه بالجحيم في الحقيقة يرتبط الجشع والشنق بالعقل في القرون الوسطى, وانتهى الامر بالضحية الاولى المفتش بازي بالتغييب على طريقة انتحار يهوذا كنتيجة للخطيئة والخيانة وكتنقية وتطهير من الذنوب بالمعنى الدانتي في الكوميديا, وهكذا بالنسبة للضحية الاخر الصحفي لاوندوس الذي يعمل في صحيفة تاتلر يواجه شرط حريته بالاختيار على يد فرانسيس دولارهايد مدير الخدمات التكنلوجية والمشرف على معدات نسخ الشرائط في فيلم  "التنين الاحمر" نتيجة نشره أكاذيب ومحاولته للايقاع بدولارهايد أملتها عليه الـ أف بي آي فيكون الصراع بينهما هو صراع بين شروط التكون الجيني والوراثي والمجتمعي, لذا الصحفي يتحرك انطلاقًا من جشعه وانتهازيته على حساب المهنة وشرف الكلمة, ودولارهايد يتحرك من خلال عنصر الطفولة والانسان المهدور والمسلوب بالاهانة والتقريع والتوبيخ, وكلاهما يقدم الصورة والاسلوب المناسب لحريته, والفرص متاحة بشروطها للتحول اما باتجاه الانسان او باتجاه المسخ "بالميلاد الجديد" وكانت النتيجة ان الصحفي تحول الى كومة حطب مشتعلة بعجلات, ولم يستطع دولارهايد ان ينتصر على المسخ المقيم على ظهره كوشم يمثل لوحة "التنين الاحمر أو الجحيم", رغم انه عاش حالة حب مع  موظفة عمياء كادت ان تنتزع الوشم "الجحيم" من قلبه, الا ان شروط تحولة الى مسخ كانت أوفر وأقوى من الحب نفسه, اِذاً نحن امام طبائع لا يمكن ان تقبل الجدل القيمي الاخلاقي او القانوني ولا تخضع لمعيار الادانة وفق هذا المنطق, يكفي فقط وعي التجربة وعياً ضمن الشروط التي ذكرناها لانها شروط نهائية وحتمية حسب الدكتور لكتر, يكشفها رمز الحملان التي تصرخ في الحظيرة من دون ان تحاول الهرب مع ان ستارلك هيأت لها ذلك, اكتفت بالصراخ فقط امام مشهد الموت, وستظل تصرخ الى النهاية من دون ان يكون هناك اي حل في اي اتجاه, انها ملزمة بشرط وجودها كما هانيبال ملزم بشرط وجوده, بطبيعة تقابل وتحاكي الطبيعة التي عليها الكون كله, هانيبال علامة الصح المريضة المثيرة والقاتلة, الحقيقة التي تدينها فرضية القانون والاخلاق والنظرة السائدة والمعدة سلفًا مجتمعيًا ودينيًا  وقانونيًا.

من هنا تكتسب سلسلة الدكتور"هانيبال  لكتر" أهمية نقدية وتأملية قصوى لاعتبارت كثيرة كما تقدم, منها المحاكاة لكثير من الاعمال الفكرية والفنية والشعرية والفلسفية العالمية على مر التاريخ, والقدرة المثيرة للاعجاب والدهشة في موهبة الممثلين وعبقريتهم للكشف عن تلك المضامين وتقديمها بمنطق اللغة والحركة الساحرين, وكذلك التطور التقني والتكنلوجي لهذه المنطقة وأعني السينما حيث جعلها هذا التطور ذات شخصية فنية وجمالية مستقلة تختزل الكثير من الاعمال والافكار بحرفية عالية يليق بها ان تكون الرتبة الاكثر دهشة واستحواذًا من بين المناطق الابداعية والجمالية الاخر, على مخيلة وعقل المستهلك المتخصص والعادي على السواء , لكن يبقى العامل الاكثر أهمية هو تضمين التصور الوثني داخل "السلسلة" بمستويات عديدة ومتنوعة منها الاشارة لاعمال وليم بليك الشعرية والفنية كاحالات او الاشارة "لجحيم دانتي" في الكوميدية الالهية "ويهوذا في الاناجيل والرموز والتماثيل التي تعلو وتزين واجهات الكاتدرائيات في مدن ايطاليا وتحديدًا فلورنسا حيث يمارس الدكتور هانيبال تطبيق مرجعياته الفكرية والفلسفية في نفس المكان الذي يمثل المحيط لهذا الاثر او التصور الوثني, معتمداً على طاقاته الكامنه وثقته بغرائزه كطبيعة شخصية أبرز ما يميزها الخيال الذي يستحوذ على ما دونه أو واقع خارج سياقه التاريخي والزمني, ويهاجمه لانه محدود ومحدد كالمعرفة التي عليها زمننا الحالي والتي هي معرفة ناقصة ومتخلفة كما عبر سابقا في حواره مع العميل ويل كراهام في التنين الاحمر "يقول" بدون الخيال الذي نملكه لكنا مثل هؤلاء الحمقى الاخرين " الخيال الذي يؤسس له وليم بليك ويجعله المحور" لكل الحقائق الشخصية والاجتماعية والدينية" والذي أصبح اي وليم بليك المرجعية الاولى في صياغة تصورات هانيبال داخل السلسلة كلها, من خلال الاشارة الى افكاره ورسوماته الغرائبية كالمائية الشهيرة والباعثة على الدهشة والغموض لوحة "الشبق" او "الجحيم" والتي تحتل المساحة الاكثر في الجزء الثالث وهي تقيم على ظهر الانسان المضطرب نفسيا" فرانسيس دولارهايد" كمسخ, حيث  الحرية  والناس كشرط من يحدد تحول هذا المسخ الى انسان او تحول الانسان الى مسخ ضمن لعبة التحول والتكافؤ, التعاون والتضاد, التي تحكمنا والكون عموما.

إيلاف في

23/09/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)