تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

برتران تافيرنييه يروي لـ"النهار" نصف قرن من السينيفيلية والشغف من ليون الى هوليوود:

أنا من جيل يقدّر الخيال لكني أعيش الآن في زمن يخيفني

السينما أمضى الفنون للتصدي لديكتاتورية الجهل

باريس ـ هوفيك حبشيان     

"يسعدني أن احادث صحيفة لبنانية"، قال لي برتران تافيرنييه في أول اتصال هاتفي بيننا بعدما ربطني به الناقد السينمائي ميشال سيمان، صديقه وزميله و"حليفه" منذ أيام تعاونهما في مجلة "بوزيتيف". كنت في المرة الاولى اتصلت به على رقمه الثابت، فردّت عليّ الآلة وتركت له رسالة. بالكاد مرت ساعة أو أكثر بقليل، حتى اتصل، وبدا متحمساً للقاء صحافي يأتي من بلاد يعرفها من خلال ما رواه له ابيه.

حددنا موعداً في اليوم التالي، ظهراً. ذهبت الى مكتبه وانتظرته لنحو ربع ساعة قبل أن يحضر. جلسنا في إحدى الغرف الصغيرة. بدأ بالكلام ولم يتوقف الا بعدما أدركت انه لم يعد عندي ما أسجل كلامه عليه. لست من انصار كتابة المقابلات على ورق، ولم أكن أحمل الاّ شريطين تسجيليين في حوزتي. يعني ساعتين من التسجيل المستمر. لكن كان لتافيرنييه ما يقوله بعد. ذهب معه الحديث في اتجاهات لم أكن أتوقعها. لذلك لم أستطع أن أطرح عليه الا عشرة في المئة من الأسئلة الجاهزة التي كانت أمامي على ورقة أ 4، كان يرمي عليها نظرة خجولة بين الفينة والأخرى. كنت أريد أن أسأله عن كل فيلم على حدة، لكشف المستور والتعمق في المضامين والمآرب والخلفيات. بدلاً من ذلك أخذنا حبل الأفكار الى تاريخه الشخصي، بدءاً من سنوات الاحتلال النازي لفرنسا، مروراً بـ"الموجة الجديدة" وتعاونه المثمر مع ثنائي أورانش - بوست، وصولاً الى عشقه للسينما الأميركية الذي لا يمنعه من أن يكون له موقف مناهض لسياسة أميركا الخارجية.  طغى الهمّ السينيفيلي على الحوار؛ فتافيرنييه من الجيل الذي تعلم صناعة الأفلام في الصالات المظلمة. منفتح، شغوف، لطيف، صادق. هذا غيض من فيض من الصفات التي يتحلى بها المخرج الفرنسي الذي يغضبه قول بعضهم بأنه ملتزم وميّال الى التهجم، على رغم اعترافه أن بعض أفلامه غاضبة ومتمردة على النظام القائم. أما بطل سينماه فهو "انسان كل يوم" الذي يحاول المحافظة على شذرات أمل، مصراً على تحريك الأشياء حتى لو كانت المعركة خاسرة. بطله قد يكون استاذ مدرسة في أراضي فلسطين المحتلة او في المدارس المنكوبة جراء التسونامي، أو الاساتذة الذين يقتلهم المتطرفون الاسلاميون في تايلاند. هؤلاء هم أبطاله، لا الجنرالات الذين يحاربون في العراق.

من والده الذي كان يدير مجلة غير شرعية خلال الاحتلال النازي لفرنسا، تعلم النضال وعدم الاستسلام. كانت عائلة تافيرنييه في تلك الحقبة تؤوي مقاومين، منهم الشاعر لويس اراغون. فترة الاحتلال تلك، التي جسدها في "أجازة مرور" (2002) ظلت معششة في مخيلته وصنعت المخرج والرجل اللذين هما هو اليوم؟ كان في الثالثة عندما انتهت الحرب العالمية الثانية، وله ذكريات وصور ذهنية عن المنزل والحي حيث ولد في مدينة ليون الفرنسية. ازمة الغذاء في تلك الحرب تركت فيه علامة خالدة. اذ ثقبت قرنية عينه اليسرى، وكان نصيبه ان يحمل معه هذه العاهة طوال العمر ليتمكن من ممارسة عمله. وربما هذه العاهة هي التي دفعته الى اعتناق مهنة السينما. فيلمه الأخير، "في الضباب الكهربائي"، كان أميركياً من بطولة طومي لي جونز. شاهدناه في برلين في شباط الماضي، ولدى خروجه في الصالات لم ينل استحساناً شعبياً. لا يمثل تافيرنييه، وهو على مشارف السبعين، النموذج التقليدي للمثقف الفرنسي. بعد نصف قرن من العمل في السينما أنجز في غضونه 33 فيلماً ونال 40 جائزة دولية، لا يزال يردد أنه ينبغي الا نعتبر انفسنا متفوقين حين نكون من ذوي الثقافة. فالكلمات ايضا تقتل كالرصاص!

·         مَن جعلك تكتشف السينما؟ شونبرغ؟

- لا، فأنا كنت سينيفيليا متعصباً قبل لقائي به بدءاً في ليون. ثم اضطر والداي للذهاب الى باريس لكسب عيشهما. وقد اضطرا الى ذلك لأن المجلة الثقافية التي كانت تباع على نحو جيد خلال الاحتلال بدأت تنافسها مع انتهاء الاحتلال مجلات أقوى منها. اعتقد ان والدي لم يكن رجل اعمال كبيراً وكان له جانب متعلق بالفبركة يتسم ببعض الفوضى. لم يكن في امكاننا منافسة مجلات تنشرها دار "غاليمار"، لذا سرعان ما وقعت المجلة بدءا من منتصف الاربعينات، في مرحلة جمود، وهذا ما دفع والدي للذهاب الى باريس بعدما كان وجد فيها عملاً.

·         اول ثلاثة مخرجين استهووك كانوا اميركيين؟

- كرونولوجياً، هذا صحيح. لكني انتقلت بعدها الى اسماء اخرى، اولاً لأنني كنت مأخوذاً بممثلين مثل غاري كوبر الذي اعتبره صدمة طفولتي الكبرى.

·         وهنري فوندا؟

- كان ذلك في مرحلة لاحقة. لكنه من الذين كنت دوّنت عنهم. هناك ايضاً جون واين الذي لا يزال عندي حياله اعجاب بلا حدود. بمعزل عن آرائه السياسية المشكوك فيها، كان واين فذاً. كان رجلاً لطيفاً على موقع التصوير ومنفتحاً في مجالات اخرى. على سبيل المثال، هناك في افلامه تجليات كثيرة تشمل الهنود والمكسيكيين. لم يلق بنظرة بطريركية (ابوية) او محقرة على المكسيكيين. خلافاً للكثير من الممثلين المشهورين بذكائهم وثقافتهم، كان واين يعرف قبل اي شيء آخر من هم السينمائيون الجيدون، وكان يعرف كيف يخضع نفسه من دون مناقشة خيارات المخرج. والنتيجة: في سجله 40 تحفة سينمائية، في حين ان آخرين يفترض الناس أنهم اكثر طموحاً، في رصيدهم عدد اقل من الافلام الناجحة. حين كنت طفلاً، كنت طبعاً اشاهد افلام الحركة، وفي هذا المجال لم يكن الفرنسيون الاقوى والأهم. لم اكتشف السينما الفرنسية الا مع افلام الراشدين ذات المضامين الجادة. "الوهم الكبير" (جان رونوار) كان صدمة كبرى. مكثت مكاني في 3 عروض متتالية. هناك افلام كثيرة كنت اعيد مشاهدتها. "ظل الشك" لهيتشكوك. هذه افلام كنت اعود الى مشاهدتها على الفور. ثم كان هناك "هيروشيما حبي" الذي شاهدته 5 او 6 مرات في اسبوع واحد.

·         ما الذي دفعك آنذاك الى كتابة النقد في مجلة مثل "بوزيتيف"؟

- تاريخ انطلاقي في الكتابة يعود الى ما قبل تلك المرحلة. كان عليّ ان اجني المال. وكان والداي يجدانني كثير التردد حيال دخول معهد العلوم السياسية، وكان هذا مجالاً يرعبني. اذاً في تلك المرحلة قالا لي: اذا اردت ان تسكن معنا، فعليك ان تدفع الايجار والا تستأجر استوديو وتتدبر امرك.

·         ما كان رد فعلك حيال ذلك؟

- كنت قد وقعت في معضلة. كنت ارى الجانب الايجابي للموضوع اذ كان يمكنني ان افعل ما اريد، ولكن لم اكن اتغاضى عن الناحية السلبية لأنه كان عليّ ان أجد مصدراً للرزق. وكنت قد التقيت بنقّاد في السوربون بعدما اسست مجلة. وراسلت مجلة "تيليراما" قائلا لادارتها إنه في وسعي ان انجز "فيشات" ينشرونها. وكان يُدفع لي مقابل كل فيش 80 فرنكا. بدأت اكتب "اشياء" عن افلام اعرفها جيداً، واتلقى بدلاً مادياً منها. اذاً بدأت اكتب في كل مكان. اول من منحني عملا كان بيار بيار، كان عنده الانفتاح الفكري الكافي ليقول لي انني استطيع ان اعمل، وكنت اتقاضى بدلاً مادياً من كل سطر اكتبه (...). اول مقال لي كان عن كلود سوتيه.

·         رافقت كلود سوتيه منذ البداية...

- آه نعم. كانت علاقتنا وطيدة. كانت صداقة في مرحلة كنت خلالها في حاجة الى عمل. اخذني تحت جناحه، وكان ذلك في منتهى اللطف، لأنني لم اكن افيده في شيء. وعندما بدأت بالاخراج، كان هو الشخص الذي استشيره في ما يتعلق بالسيناريو ونسخة المونتاج الاولى. وكنت استمع جيداً الى ما يقوله لي. وعندما كان يقول لي اقطع هذا المشهد في هذا المكان، كنت استجيب. كان له يد في "ليبدأ الحفل". وجّه اليَّ نصائح قيمة. وكنت جد سعيد عندما قال لي وانا اعمل على "قبطان كونان": لا تلمس شيئاً، ليس من مشهد ينبغي تغييره. كانت تلك المرة الأولى يقول لي مثل هذا الكلام.

·         في تلك المرحلة، كنت ايضا مقرّباً من ملفيل؟

- كانت تجربة صعبة. على البلاتو، كان ملفيل طاغية. كان يذلّ الآخرين. كان ذا سحر لا يقاوَم، لكنه كان في حاجة الى ان يكره الناس. انا لا احتاج الى ذلك. فعل بي بضعة ضروب قاسية. لكن في الاجمال كانت معاملته لي جيدة. نصحته بأن يذهب لمشاهدة "مونفليت" لفريتس لانغ و"زمن بلا رحمة" لجوزف لوزي اللذين كرههما. ومنع فريق العمل من محادثتي طوال اسبوع.

·         (ضحك)!

- كان يكره مساعده الاول الذي منعه من المجيء الى البلاتو على رغم ان الفيلم لم يكن انتهى بعد. كان على هذا المساعد ان يبقى في مكتبه، ويقول له ملفيل انه لا يريد رؤيته.

·         تعرفت اليه حين قابلته لاجراء حوار معه، صح؟

- نعم، ذهبت اليه بعد مشاهدتي فيلماً له دافعت عنه آنذاك. الآن عندما اشاهده، ارى اننا كنا ضحية جنوننا وتسرعنا، كان هذا فيلم "رجلان في مانهاتن". اما "بوب لو فلامبور" فأكثر اهمية ويعاد اكتشافه اليوم من خلال التقديس والحب اللذين عند بعض الاشخاص مثل تارانتينو حياله. احب كثيراً "ليون موران، الراهب"؛ "الساموراي"؛ و"جيش الظلال". اعتقد ان ملفيل لم يكن كاتب سيناريو جيداً. كان عليه ان يستكتب احداً او ان يقتبس. افضل أفلامه هي تلك المنقولة من روايات. لكن ما ان كان يكتب بنفسه نصوصه حتى... "الدائرة الحمراء" ليس فيلماً جيداً، ولا احب اطلاقاً "شرطي" في حين ان "جيش الظلال" هو ربما اكثر الأفلام شخصانية وعمقاً أنجزه في حياته.

·         ثم كان هناك لقاؤك الكبير مع المنتج النجم جورج دو بورغار...

- ملفيل هو الذي قال لي: انت مساعد سيئ. وهذا صحيح. لم اكن نافعاً كمساعد. في المقابل اكد لي انني اتدبر امري كملحق صحافي. وقال لبورغار، بما انك ليس عندك احد فخذه. بدأت مع بورغار في مقابل مرتب زهيد. كنت اجلس في مكتب في الطبقة الثانية لفندق صغير. كان عليّ كتابة نصوص عن افلام، وان اتصل هاتفياً بالصحافيين وادعوهم الى العروض، وان انظّم مقابلات بين الصحافة والسينمائيين. تدريجاً تعلمت هذه المهنة واحببتها. على الاقل كانت تسمح لي بأن اكون على تماس دائم مع سينمائيين. وايضاً ان ازور بلاتوهات التصوير، من دون اخذ اذن مسبق من المساعدين. اتاحت لي احتمال ان اكون حاضراً خلال مرحلة توليف الفيلم وارى كيف تجري عملية المونتاج. اول خطوة لي في هذا المجال كان صناعة دعاية لفيلم.

·         بورغار كان مرتبطاً بجماعة "الموجة الجديدة" وكان يدعمهم ماليا وينتج افلامهم.

- نعم، لكن حصل ذلك بمحض المصادفة. انا الذي كنت افبرك نصوصاً يحوّلها بالمصادفة نظريات (...). كانت لبورغار ميزة عظيمة تتجلى في جانبه المغامر، وعندما كان يستهوي شخصاً كان يسانده. الغريب انه انتقل من سينما تقليدية الى "الموجة الجديدة"، علماً انه كان يعتقد ان أول فيلم لغودار الذي انتجه سيكون فيلماً بمعايير تقليدية. كان غودار الذي راح في البداية يحاول انجاز فيلم بوليسي ينتمي الى السلسلة باء، جعل بورغار يدرك انه غير قادر على انجازه. ولم يمانع في مساندته حين تيقن انه قد يخلص بشيء طليعي.

·         آنذاك هل كنت تناصر جماعة "الموجة الجديدة"؟

- آه بالتأكيد. وكيف لا؟ كنت المدافع الشرس عن كثير من أفلامهم، وكنت مع جاك ديمي وعملت مع غودار على فيلم "لي كارابينييه". تصبح لديك التزامات حين تعمل لبضع سنوات عند بورغار. هناك ايضاً الحب الذي لنا حيال الأفلام. لم ينتج بورغار الا افلاماًَ احببتها.

·         لكنك تعاونت قبل ذلك مع الثنائي جان اورانش وبيار بوست اللذين هاجمتهما "الموجة الجديدة"...

- بدءا، اردت العمل معهما لأني ببساطة، حينما كنت اشاهد بعضاً من افلامهما، كنت اجد انها مكتوبة على نحو جيد جداً. وفي كل مرة كنا نجد فيها مشكلة، غالباً ما كانت المشكلة متأتية من المخرجين الذين تعاملوا واياهم، إما بسبب تقنياتهم في التصوير، وإما من واقع انهم كانوا يصوّرون ديكوراً خارجياً في الاستوديو بما كان يجعل الفيلم غليظاً، وإما حتى لأنهم كانوا يصوّرون حوارات مهمة باللقطة المقرّبة في حين كان الافضل ان تصوّر من مسافة أبعد. اذاً، كان الاجدر مهاجمة السينمائيين وليس الثنائي اورانش وبوست. مثلا في "المتناحرون"، اجد ان جيرار فيليب لا يطاق، يبالغ في القاء الحوارات، وعندنا انطباع بأنه ثقيل لأنه يلعب بطريقة تفسيرية، فلا يعرف كيف يضطلع بدور سكير، او بالاحرى يضطلع بدور السكير بدلا من ان "يكون" السكير. نشعر بأنه يردد مرتين كل جملة يقولها. لكن ليس اورانش من يتحمل المسؤولية بل جيرار فيليب.

اردت العمل معهما بعدما شاهدت Accès personne douce، وهو رائعة سينمائية تتضمن مشهداً صوِّر عام 1942 نرى فيه كونتيسة تضطلع بدورها مارغريت مورينو تقول وهي خارجة من منزل عائلة فقيرة: اتمنى لك الصبر والاستسلام. ثم يأتي احدهم الى جانبها ويردف: كان يجب عليك ان تتمنى لها عدم الصبر والثورة. وجدت ان كتابة مثل هذا الحوار وتصويره عام 1942 فعل شجاعة. وطوال 3 اسابيع عُرض الفيلم بنسخته الكاملة وكان الجمهور يصفق حينما يسمع العبارة التي كانت دعوة الى الثورة. الرقابة التي لم تكن غبية، فقد انتبهت الى المسألة وحذفت المشهد الذي لم يُعَد الى الفيلم الا بعد نهاية الاحتلال.

في الواقع، اذا اردتُ ان اعمل مع اورانش وبوست، فبفضل الصبر والاستسلام، وبفضل عدم الصبر والثورة. كنت اريد ان اتعاون مع ناس كتبوا هذا الشيء حين كان البلد لا يزال تحت الاحتلال وكان هناك نزوحات وهيمنة المانية، ونظام ترهيب يسود فرنسا، وهذا كله في فيلم سيعرض امام آلاف المشاهدين. قلت: لا شك انهما جيدان. ولم اخطئ. لسوء الحظ لم اعرف بوست كما يجب لأنه توفى باكراً. علّمني اورانش آلاف الاشياء. العلاقة التي كانت تربطني بهذين، لا شأن لها بـ"الموجة الجديدة". كان في امكاني ان اظل احبّ الموجة بشغف استثنائي، والاعتقاد ان هناك مخرجين مثل اريك رومير وغودار (في افضل لحظاته) وشابرول من المتعذر استبدالهم، وفي الحين نفسه الاعتقاد ان السينما التي سبقتهم كانت مهمة ايضا ومثيرة. المشكلة ان هناك دوماً هذه البدعة الفرنسية التي تقول انه اذا كنت تحب فلاناً فأنت تكره فلاناً آخر. هذه العقلية دمرت جانبا كبيرا من النقد في فرنسا وأفقدته صدقيته. عندما كنت تدافع عن روسيلليني فقد كان ذلك يقع ضد دو سيكا ومجمل السينما الايطالية. النتيجة: اجد ان هناك مظالم هائلة ارتُكبت.

·         اليوم باتوا اكثر انتباهاً الى هذا الامر...

- المروع هو عندما يتوارث التلامذة هذه الأشياء ويحولونها نوعاً من فتوة او دوغما. كان هناك ظلم كبير حيال ما يسمّى سينما النوعية الفرنسية. هذه السينما اعطت التحف الخالدة، مثل "الغراب" الذي قليلة هي الأفلام التي توازيه. وبدلاً من لصق الاتيكيت عليها، ينبغي مشاهدتها والتعلم منها. كلود اوتان لارا، وعلى رغم كل التصريحات المعادية للسامية التي سمعناها منه حين كان في الـ75، صوّر عشرية من الأفلام الممتازة مثل "زواج شيفون" "اجتياز باريس" و"اهتم بأميلي". دوفيفييه ايضا انجز افلاما رائعة.

اذا كان نَفَس هذه السينما قد بدأ ينقطع عندما جاءت "الموجة الجديدة"... وهنا اوافق تروفو: الأفلام التي كان يصنعها لارا في نهاية الخمسينات اقل اهمية من "اجتياز باريس". دولانوا بات مخرجاً تتراكم في سجله الافلام غير الشخصية. صحيح ان هذه الافلام التي غالباً ما صورت في الاستديوهات، ذات جانب منغلق وكانت في حاجة الى "تهوئة"، لكن هل كان ينبغي اجراء تغيير من خلال تدمير ما صُنع قبلنا؟ في هذا الشأن كان اورانش يقول ممازحاً: جيلنا لم يضطر الى تدمير ما قبلنا لأن الالمان هم الذين تولوا تلك المهمة نيابة عنا عبر ارسال دوفيفييه، رونوار، وسينمائيين وكتّاب سيناريو يهود الى الولايات المتحدة (...). ما بين 1945 و1952 بدأت السينما تلهث، وكان ذلك في اي مكان من العالم. التحرير اعطى دفعاً ايجابياً للسينما، لكن سرعان ما انغلقت في نوع من بورجوازية، وصارت اسيرة تيمات معينة. كانت هناك افلام كثيرة تتحدث عن مثلثات غرامية، وعن خيانات زوجية، وكانت افلاماً باهتة. في المقابل بعض افلام تلك المرحلة كانت تتسم بالجرأة، مثل "اهتم بأميلي" الذي قام على مزيج من المسرح والسينما، تقريباً على طريقة وودي آلن. انذاك لم يكن احد يردّ الاعتبار الى هذه الالتفاتات الجريئة.

·         في تلك المرحلة ايضا بدأت العمل ملحقاً صحافياً عند ستانلي كوبريك.

- كنت ملحقاً صحافياً لكثير من الناس. كنت مستقلاً. عملت مع اكبر السينمائيين. واطلقت شكلاً جديداً لهذه المهنة. استطيع ان اقول اننا تمردنا عليها: لم نعد نصب اهتمامنا على الاقاويل والشائعات والموازنة وعدد الكومبارس المستعان بهم، انما صار اهتمامنا نيّات صنّاع الفيلم. وكنا نستدعي المخرج بدلاً من الممثل. تعاملنا مع جون فورد، هاورد هيوز، ومع اكبر المخرجين الأميركيين ومع كثير من الانكليز. جئت بمايكل باول الى باريس، وايضاً بناس من اجيال مختلفة، ايطاليين مثل فرانشيسكو روزي، وفرنسيين من المبتدئين، وايضاً من "الموجة". لم نكن "نأخذ" الا الأفلام التي تثير اهتمامنا وكنا نتولى تفسيرها عبر تقديم ملفات صحافية مكتظة بالمعلومات. ومن جملة من اوصوني بالعمل معه: ستانلي كوبريك. كانت تجربة سيئة. قدّمت استقالتي بتيليغرام رنان. العمل معه كان جحيماً. كان يغيّر رأيه بين لحظة واخرى. يستفسر عن الف شيء. ويطاردني بالاتصالات الهاتفية الى منتصف الليل. لمجرد رحلة الى لندن (مكان اقامة كوبريك) ألغينا حجز الطائرة 15 مرة. ثم طفح الكيل! اتصالاته الليلية كانت توقظ اولادي من النوم. كنا نعيش في شقة صغيرة. ولم يكن يعطي ايّ تفسير. كان يعيد النظر في كل ما كنا متفقين عليه. وعندما بتّ اشعر بالتعب من هذا الموضوع، قلت له "فاك يو". وسرعان ما جاءني عرض من رئيس قسم الدعايات لدى "وارنر" الذي قال لي انه "بروز" التيليغرام في مكتبه، وكنت كتبتُ فيه: "كمخرج، انت عبقري، لكن في التعامل انت احمق".

·         ماذا عن الفيلم الاول؟

- قبل فيلمي الاول كنت قد عملت على موضوعين ولم اجد تمويلاً لهما. اقتباس لقصة صغيرة كتبها روبرت ستيفنسون، وهذا كان مشروعاً اردت تحقيقه مع جاك بريل. الثاني عن الغستابو الفرنسية والذي تخليت عنه لأن آخرين بدأوا يعملون عليه، وايضاً لأن بيار بوست نصحني بالتخلي عنه. قال لي "هؤلاء سفلة وانجاز فيلم عنهم شيء خطير، لأننا غصباً عنا قد نجعلهم يبدون لطفاء". وليس من حقنا ان نجعل لطفاء، اشخاصاً مارسوا التعذيب. في الوقت نفسه، تصوير التعذيب واظهاره في فيلم كان ممنوعاً علينا. كان بوست يشبه تروفو في ذلك: صاحب أخلاق عالية.

·         هل كانت عناصر الاخراج بدأت تنمو في مخيلتك؟

- نعم، لكني ابتكرت أيضاً مشاهد لم تكن في الكتاب. عندما عدت وقرأت الكتاب بعد سنوات، لاحظت انه كان هناك مشاهد كنت اعتقد أنها موجودة فيه لكنها لم تكن كذلك. كان عندي فيلم خلفيته ايار 68. قلت في قرارة نفسي: ما دمتُ انجز فيلماً عن العلاقة بين اجيال مختلفة، فعليّ انا ايضاً ان اذهب الى مقابلة ناس ليسوا من عمري. ثم كانت هناك عملية حسابية هي ان كتّاب السيناريو الذين من جيلي كان ثمة طلب كبير على عملهم. لذا قلت، لنأخذ اشخاصاً غير منشغلين وعندهم رغبة في تأكيد موهبتهم، ويكونون قادرين على تكريس كل وقتهم. كانت خطوة ذكية. هكذا عملت مع اورانش طوال سنة ونصف السنة لاعادة كتابة هذا المشهد او ذاك، وتنقيحه. وكان اورانش صاحب نفس شبابي غير مألوف. كان فوضوياً يستهويه كل ما يراه او يسمعه وكان شغوفاً بالفن التشكيلي والأدب والسياسة، خلافاً لبعض كتّاب السيناريو المحسوبين على "الموجة الجديدة". كان رجلاً اجتاز كل الأوساط. مثل جاك بريفير. هؤلاء ناس لم تكن لديهم مشكلة في معاشرة اشخاص يعملون في مصنع. لم يكونوا مثل قاطني الدائرة 16 في باريس والذين لا يرتاحون الا في بيئة بورجوازية.

·         يروى انك كنت محرجاً امام التقنيين في اول يوم تصوير لك!

- نعم وبكل تأكيد. لكن كان عليّ ان لا اظهر ذلك. كنت اعلم ان كثيرا من الأشياء تحصل في اول يوم تصوير لأن التقنيين والعمال هم ناس عملوا على عديد من الأفلام ويعلمون جيداً اذا كان المخرج مرتاحا على البلاتو أو لا. لا يمكن خداع طاقم التصوير.

·         عندما التقيت فيليب نواريه هل علمت انه سيكون ممثلك الأثير (فيتيش)؟

- ليس قبل ان ابدأ العمل معه. اثناء العمل وجدت ان هذا الرجل متعة خالصة. وثم قلت لنفسي لماذا لا استمر في هذه المتعة. ثم فجأة فكرت في سيناريو كنت قد كتبته قبل "الساعاتي" وقلت سيكون جيداً اذا اقتبسته لنواريه. انجزناه وهكذا كان. نواريه وروشفور دعماني كثيراً. كل دقيقة عملت فيها مع نواريه كانت دقائق سعادة. شعرت بذلك مع غيره ايضاً، لكن نواريه كانت له طريقته في تخفيف وطأة الصعاب والضغوط. كان عنده شكل من اشكال التهذيب.

·         اظهرت تنوعاً في عملك. وقاربت الكثير من الانواع السينمائية. هل هذا متأتِّ من كونك سينيفيليّاً.

- (...) عندي الكثير من الفضول حيال أشياء كثيرة. انا من جيل يقدّر الخيال. هناك سينمائيون كبرغمان عاد مراراً وتكراراً الى التيمات الباهرة نفسها. لكن اجد انه من الرائع ان يذهب المرء في استكشاف امكنة وازمنة مختلفة. هناك جملة في سيرة مايكل باول اتمنى لو انني كتبتها، فحواها انه صنع كل افلامه ليتعلم. كنت اندهش في كل مرة اكتشف فيها موضوعاً سيقحمني في عالم اجهله. عندي شغف بالاستكشاف، واعتقد ان الأفلام نوع من استكشاف، وما نتقاسمه مع الجمهور هو متعة ما اكتشفناه. قد تكون لهذه المتعة اشكال مختلفة. قد تولّد لديك الدهشة او الضحك او الغضب او الاعجاب. لم اكن اعرف شيئاً عن معظم الأمكنة التي صوّرتها قبل ان امسك الكاميرا واذهب اليها.

·     السينما الأميركية مادة شغف لديك. لكن المسألة فيها بعض الالتباس، اذ تقول انه ينبغي أن نتيح للناس مشاهدة افلام غير اميركية ايضاً.

- حبي للسينما الأميركية لا يزال. للسينما الكلاسيكية وللثقافة ايضاً. كان لهذه الثقافة اثار سلبية ايضاً. أغضب حين أرى ان ثقافة أميركا لا تصل الى الناس كما يصل جهلها. تبقى اميركا البلد الديموقراطي حيث هناك العدد الأقل من حائزي جوازات السفر نسبةً الى عدد السكان. أي ان هناك عدداً كبيراً من الناس لم يزوروا في حياتهم بلداً آخر، وحتى لم يغادروا الى ولاية أخرى. هناك ثقافة التعصب التي تترجم من خلال بعض الاداء في السياسة الخارجية لأميركا. هناك بعض الجمل الشهيرة لرؤساء اميركيين، منها: هل يتكلمون اللغة اللاتينية في أميركا اللاتينية؟ على رغم حماقاتهم، لا اتخيل ان القادة الاوروبيين يمكنهم ان يكونوا على هذا القدر من الغباء. هذا الاحساس الذي عندي تجاه اميركا وثقافتها، وهو احساس متناقض وملتبس وقائم على العداء والحب، يتشاركه معي الكثير من الأميركيين. اعرف كثراً منهم يعشقون بلادهم لكنهم في الوقت نفسه غاضبون حيال التجاوزات.

·         أيخيفك التطرف؟

- آه نعم، صعود التعصب والاصوليات يخيفني كثيراً ويهدد وجودي. أولاً لأنه مرتبط بالجهل الذي يزيح حضارتنا العالية من مكانها. للمسيحية ايضاً تاريخها المعيب خلال محاكم التفتيش والصليبيين أو بركة العبودية. فهل من الجيد العودة الى حقبات مماثلة؟ ما يخيفني هو تشدد هؤلاء واعتبارهم انهم يملكون الحق والحقيقة ورفضهم الفهم والتغاضي عن كون ان الآخر ايضاً قد يكون محقاً. كل ما هو مرتبط بالجهل يخيفني. أخيراً، كان أحد الفلاسفة يتكلم عن ديكتاتورية الجهل. أجد هذا الطغيان ايضاً في أشياء أخرى، منها مثلاً عندما يضعونك تحت سلطة ديانة جديدة هي العولمة، حيث كل شيء يجب أن يتماشى مع تمنيات المساهمين ومصالحهم. أرى شركات تجني ارباحاً كبيرة وهي جاهزة لكل شيء لمضاعفة هذه الارباح عشرات المرات. هذا الشيء أجده مريعاً. نحن مهددون بديكتاتوريات عنيفة جداً. سابقاً، كان يمكن التصدي لها. الآن بات الامر أشد صعوبة. الشيوعية كانت ستالين، الفاشية كانت موسوليني، الفرنكية كانت فرنكو... اليوم الاصولية المتطرفة هم عشرة آلاف من رجال الدين الصغار يروجون أفكارهم، والبعض منهم لا يملك أي ثقافة وأي ذكاء وأي معرفة. أما العولمة، فهي ملايين الخبراء الاقتصاديين، ويقال عنهم خبراء. وفي كل مرة تستخدم كلمة "خبير" أقول ان "تايتانيك" ايضاً صنعها الخبراء. كانت هذه الباخرة خلاصة انجاز الخبراء، باخرة متعذر غرقها، لكن باتت تحت المياه في وقت قليل. نعيش في زمن يخيفنا، والسينما شكل فني ضد هذا، وتساعدنا في أن نرى عالماً أكثر تسامحاً.

·         السينما ايضاً وسيلة لهجوم مضاد، ولا نزال نتذكر فصول معركة الدفاع عن فيلمك "اجازة مرور".

- نعم كانت هذه حرباً ضروساً شنّها ضدّي أناس أميون يقولون ان فيلمي كان مديحاً لالمانيا النازية. في حين أن الفيلم كان انشودة الى المقاومة حيث البطل في النهاية ينضم الى المقاومة ويجرح من أجلها. لم نكن نراه يقفز في القطار، وقد حرص كاتب السيناريو على ألا يكتب شيئاً تتلقفه اسوأ الانظمة والايديولوجيات على سطح الارض. لو أردت أن أمجد العمالة، فهذا يعني انني مخرج فاشل لأن النتيجة كانت لتكون واضحة بالنسبة الى كثير من الناس (...). هنا ايضاً، المسألة تتعلق بالجهل: أناس، أصحاب آراء مسبقة يحكمون على فيلمك قبل مشاهدته.

·         هل يؤلمك هذا؟

- نعم، عندما تكون المسألة فجأة على هذا القدر من الشرور...

·         وخصوصاً ان الأمر يشبه تصفية حساب.

- وخصوصاً عندما يقال لك ان الفيلم موجه ضد "الموجة الجديدة". هنا ينقسم شعورك بين قليل من الغضب وضحك فضفاض. فما شأن هذا الموضوع بـ"الموجة الجديدة"؟ في 1942 بعض جماعة "الموجة" لم يكونوا ولدوا بعد. في أحد مشاهد "اجازة مرور" نرى أماً تحاول أن تحمي أطفالاً من القصف. وأنا أقول، كأنما بهذه الحماية تحمي أطفالاً سيصبحون في ما بعد مخرجي "الموجة". تروفو الصغير وغودار الصغير وفاردا الصغيرة كلهم هنا. القول ان السينما الفرنسية أثناء الاحتلال كان أفضل حالاً من مجمل الصحافة أو الأدب أو الفن التشكيلي، فهذا شيء لم اخترعه إنما هو موثق لدى المؤرخين الجادين. (...) في حين ان السينما الايطالية أنتجت عدداً كبيراً جداً من الأفلام ذات الميل الصريح الى الفاشية، فإننا لا نجد فيلماً فرنسياً واحداً يتعاطف حتى مع حكومة فيشي. 99 في المئة منها حرصت على تفادي التلميحات المعادية للسامية. كانت هناك بعض الأفلام المعادية للسامية في الثلاثينات، لكن لا نجد مثيلاتها في زمن الاحتلال. هناك فيلم واحد طرح مشكلة هو "غرباء المنزل". ثمة جملة تقول: "لا بد ان المذنب يهودي أو غريب". ولكن باستثناء هذا الفيلم، هناك أفلام رجعية وافلام محافظة تعرض مزايا الدين والتضحية والى ما هنالك، لكن ليس من فيلم واحد يتعاطف مع العملاء. للتذكير فقط، فإن الصحافة الفرنسية المتعاملة كانت تلوم المخرجين الفرنسيين آنذاك وتقول انهم جبناء لأنهم لا يقفون الى جانب الصداقة الفرنكو – ألمانية. كانوا يكتبون باستمرار مقالات، من مثل: لماذا يلجأ السينمائيون الفرنسيون الى الدراما التاريخية ولا يتحدثون عن الحاضر الآني؟ في "اجازة مرور" كان عندي رغبة في القول ان سلوك البعض كان مشرفاً.

·         أنت ايضاً هاوي مطبخ رفيع، صح؟

- نعم أحب الطعام الجيد. الآن أحاول اتباع حمية (ضحك). المطبخ الجيد مهم ويساعد في تقريب الناس بعضهم من البعض، علماً ان بعض الافلام تنصب للمطبخ عداء غير مفهوم. أنجزت ايضاً أفلاماً موضوعها المضربون عن الطعام. الغذاء هو موضوع الفيلم لكن من خلال غيابه. "حكاية الحياة المحطمة" هو وثائقي لي دفع ساركوزي الى تغيير القانون. اذاً لديّ على الاقل انتصار سياسي واحد!

 

فيلموغرافيا إختيارية

  1. Dans la brume électrique (2009)
  2. Laissez-passer (2002)
  3. Ca commence aujourd'hui (1999)
  4. Capitaine Conan (1996)
  5. L'Appât (1995)
  6. La Fille de d'Artagnan (1994)
  7. L627 (1992)
  8. La Guerre sans nom (1992)
  9. Daddy Nostalgie (1990)
  10. La Vie et rien d'autre (1989)
  11. La Passion Béatrice (1987)
  12. Autour de minuit (1985)
  13. Un dimanche à la campagne (1983)
  14. Mississippi Blues (1983)
  15. Coup de torchon (1981)
  16. La Mort en direct (1980)
  17. Le Juge et l'Assassin (1976)
  18. Que la fête commence (1975)
  19. L'Horloger de Saint-Paul (1974)
  20. Les Baisers (1963)

 (hauvick.habechian@annahar.com.lb)

النهار اللبنانية في

17/09/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)