تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

كيف كان الأداء.. وماذا حدث لهما على الشاشة الصغيرة؟

الأسطورتان.. ليلى مراد وإسماعيل يس

محمد بدرالدين

أتعجب من اختيار الممثلة السورية الشابة صفاء سلطان لأداء دور فنانة الغناء الكبيرة ليلى مراد، ولا أتعجب من اختيار الممثل المعروف أشرف عبد الباقى لأداء دور فنان الكوميديا الكبير إسماعيل يس. 

توجد مبررات حقيقية لاختيار أشرف عبد الباقي، فأول شرط فى اختيار ممثل شخصية اسماعيل يس هو أن يكون خفيف الدم، ظريفاً صاحب حضور كبير، وربما الأحسن والأضمن أن يكون من أهل وفنانى الكوميديا الموهوبين أنفسهم، ولا يوجد من فنانى الكوميديا اليوم أصلح وأقرب ـ ولو نسبياً ـ إلى جانب الموهبة والمقدرة من "عبد الباقي" للقيام بالدور، خاصة إذا تغاضينا ـ تساهلاً ـ عن أنه يبدو أكبر سناً من إسماعيل يس فى الحلقات التى قدمته فى مرحلة الشباب. 

لكن تبقى مشكلة عبد الباقى الحقيقية، وأى ممثل آخر فى مكانه، هى أولاً مقدرة المخرج على توجيهه، ومساعدته على الإمساك بمفاتيح الشخصية و"تشخيصها". 

وثانياً أن يذهب الممثل ويغوص بعيداً فى روح ومكونات وطبائع الشخصية، ولا يتوقف من الخارج عند التقليد السطحى للشخصية و"اللزمات" والحركات والنبرة وغيرها من لوازم شكلية!. 

لكننا وجدنا عبد الباقى يمزج بين "التقليد" و"الإحساس الداخلي"، وكان يجدر أن يتخفف من الأول أكثر، ويركز كثيراً على الثاني. 

واللافت أن "التقليد" الذى رأيناه هو فى أغلبه تقليد لاسماعيل يس فى أفلامه وليس فى الحياة، خاصة حين كان يؤدى بعض المشاهد بصورة كاريكاتيرية، حادة اللمسات والخطوط. 

نعم فمن الصائب أو المناسب اختيار عبد الباقى لأداء الشخصية لكن بهذه الشروط. وقد تحققت منها نسبة معقولة ـ بالفعل ـ لكن كان بالإمكان تماماً تحقيق نسبة أكبر. 

وفى كل الأحوال وصلت رسالة المسلسل بالإخراج والمعالجة والأداء والألحان والموسيقى وبقية العناصر، والحق أنه قد وصلت شخصية اسماعيل إلى المتلقى ببساطة واضحة ـ مستحبة موفقة غالباً ـ شخصية إسماعيل الطيبة إلى أقصى حدود الطيبة، المصممة من البداية إلى أقصى حدود التصميم على التحقق بالموهبة وعلى الوصول إلى الناس، رغم العثرات والمعوقات التى بدت فى أحيان كثيرة، غريبة مثيرة للدهشة متعاقبة، وظلت طويلاً للفنان الطامح بالمرصاد!. 

إلى جانب ذلك بدا توفيق المخرج محمد عبد العزيز واضحاً فى اختيار معظم الممثلين وإدارتهم، وهم قدموا جهداً حقيقياً وأداءا جميلاً: ابتداء من الحلقات الأولى حيث حنان سليمان ولطفى لبيب (والدى اسماعيل يس)، عائشة الكيلانى (جدته)، الطفل هادى خفاجة (إسماعيل طفلاً)، وصولاً إلى ثلاثة أدوار رائعة لكل من صلاح عبد الله (أبو السعود الإبياري)، سامى مغاورى (صاحب بنسيون الإسكندرية)، الممثلة اللبنانية كارمن لبس (بديعة مصابني)، أضف إليهم أداء لافتاً حتى فى أدوار قصيرة لكل من أحمد حلاوة وسلوى عثمان وعلاء مرسى ومحمد التاجى وطارق عبد العزيز وفيولا ، هذا إلى جانب رانيا فريد شوقى فى ظهورها فى الثلث الأخير من الحلقات، وعبد العزيز مخيون فى شخصية الموسيقار عبد الوهاب، والصاعدة سماح السعيد التى نتوقع لها مستقبلاً متميزاً. 

لكن بدا مكياج سمير غانم غريباً فى دور نجيب الريحانى وربما الأداء أيضاً لا يقل غرابة وكان بحاجة إلى عناية ورهافة أكبر، كما جاء اختيار صبرى عبد المنعم لأداء بشارة واكيم نموذجاً لاختيار خاطئ. 

إن المسلسل يقدم للمشاهدين والأجيال الجديدة "إسماعيل يس" فى مسلسل به قدر لا يمكن انكاره من المتعة الفنية والتشويق، بإخراج محمد عبد العزيز ـ المخرج السينمائى الراسخ ـ لقد جاء المسلسل عملاً درامياً بسيطاً، متناغماً بإيقاع نابض بالحيوية طول الوقت بدون تذبذب، وبحوار غير متكلف، يحسب هو والمعالجة والسيناريو ـ رغم أى تحفظ هنا أو هناك ـ للكاتب أحمد الإبياري، والذى تذكر فى العناوين إلى جانب اسمه مشاركة للراحل ياسين اسماعيل ياسين. 

وكان إلى جانب محمد عبد العزيز مواهب بارزة ومواهب راسخة فى العناصر الرئيسية، تضافر عملها معاً ليس فحسب بالكفاءة والخبرة وإنما أيضاً بحب واضح لشخصية اسماعيل يس: (موسيقى عمار الشريعى ـ تصوير سمير فرج ـ ديكور عادل المغربى ـ ملابس سامية عبد العزيز..). 

أما مسلسل (ليلى مراد ـ أنا قلبى دليلي) فهو مثل مسلسل "اسماعيل يس" يحاول أن يقدم كذلك ما يحيط بالشخصية، مناخاً وعصراً وروح عصر، أحداثاً سياسية واجتماعية وثقافية، وكان العملان موفقين أحياناً فى ذلك ويجانبهما التوفيق أحياناً أخري. 

على أى حال تميز مسلسل "ليلى مراد" بحكم طبيعة المرحلة وظروف الشخصية التى كانت تنتمى إلى أسرة مصرية يهودية، بتركيز واضح وفى محله ـ فى أحد خطوط المعالجة ـ على قضية فلسطين ومخطط الحركة الصهيونية لاغتصابها وزرع كيان تُدعى إسرائيل زرعاً شيطانياً ودموياً فوق ترابها، وقد رصد المسلسل على امتداد معظم حلقاته انعاكسات ذلك فى الواقع المصرى خاصة فى الأربعينيات قبل حرب عام 1948، ليس من خلال أسرة زكى مراد (والد ليلي) فحسب وإنما من خلال نماذج يهودية أخري، وقد وفق العمل تماماً فى تقديم النموذج الذى نشط بشراسة من أجل تدعيم الصهيونية فى فلسطين (اليهودى الذى أداه عبد العزيز مخيون) وكذلك نقيضه يوسف باشا (عبد الرحمن أبو زهرة) وعائلة الأخير خاصة بعد وفاته التى عبرت هى وغيرها عن الانقسامات داخل الطائفة اليهودية وموجهيها والاتجاهات المتباينة بينهم إزاء المشروع الصهيوني. إن هذه الإضاءات بالعمل تحسب له بالتأكيد، وبصفة خاصة للمعالجة والسيناريو اللذين كتبهما مجدى صابر بجدية واضحة وبجهد ملحوظ. 

أما المخرج السورى محمد زهير رجب فقد تراوح مستوى إخراجه بين الجيد والمتوسط وتراوحت عنايته الفنية والحرفية والجمالية بين الاتقان والاستسهال، وامتلأ إيقاع وروح العمل أحياناً بالحياة ومسه البرود والخواء فى مناطق أخري. 

وللتمثيل أهمية خاصة فى أعمال السيرة الشخصية مثل "ليلى مراد" (وأيضاً أعمال السيرة الذاتية التى تقدم رؤية أصحابها لتجاربهم وشركائهم فيها)، وخاصة أكثر حينما يكون المتلقى قريب العهد بالشخصيات ملماً بالكثير عنها. 

ومنذ الحلقات الأولى لاحظنا إجادة عزت أبو عوف فى دور والد ليلى مراد واتسام أدائه بحيوية وإحساس بطبيعة الشخصية الحاملة لتناقضات كثيرة، وصفات طيبة ومرفوضة متداخلة، كما أن قيام هند عاكف بدور أم ليلى مراد هو إعادة اكتشاف لها بمعنى الكلمة، ذكرنا بإعادة اكتشاف مسلسل "شرف فتح الباب" قبل عام لبثينة رشوان، فنحن نشاهدهما مقنعتين مجيدتين كما لم نشاهدهما من قبل، كذلك برع عبد العزيز مخيون فى دور اليهودى الصهيونى المتعصب فى مصر والذى يغذى الحركة الصهيونية فى فلسطين ـ قبل 1948 ـ بكل ما يستطيع من مال ومهاجرين، كما وفق وأقنع كل من عبد الرحمن أبو زهرة وهالة فاخر ومنال سلامة وأحمد راتب، لكن بدت أمل رزق أقل نضارة من النجمة راقية إبراهيم، وصوت محمد يونس مصطنعاً بالنسبة للموسيقار عبد الوهاب، وكان أسوأ شيء فى المسلسل هز الرأس الكثير يميناً ويساراً بشدة لأحمد فلوكس ومع أنه شاب موهوب فإن هذه كانت آفة التقليد وقد كان يقلد النجم أنور وجدى ولم يجد توجيهاً مناسباً من المخرج!. 

وتعتبر مفاجأة المسلسل فى رأينا الموهوبة الصغيرة "آية رمضان" فى دور ليلى مراد وهى فى مرحلة الصبا المبكرة، إنها رائعة أداء وإحساساً.  

لكن الغريب أنها أقرب بكثير إلى روح بل وملامح ليلى مراد من صفاء سلطان ـ الوجه الجديد من سوريا ـ التى أدت ليلى مراد بعد مرحلتى الطفولة والصبا، فهى من ناحية لا تمت بصلة إلى شكل ليلى مراد، وربما ذكرتنا لأول وهلة بشادية فى أول أفلامها، لكن الأهم من الشكل مستوى وكفاءة الأداء وقد جاء الأداء التمثيلى لصفاء سلطان بدون عمق، وبدون مقدرة كافية على تجسيد خلجات ولحظات دقيقة، إنه أداء عادى ـ فى أحسن الأحوال والتعبيرات ـ للدور الرئيسى فى المسلسل، ما أثر على صورة وكيان ومستوى العمل على الإجمال. 

أضف نطقها معظم الوقت بطبقة صوت مستعارة، تحاول أن تقلد الصوت الرقيق أو الحاد "الرفيع" لليلى مراد فى بعض أفلامها الأولي، فخاب التقليد وجاء بدون إحساس، وذكرنا أحياناً أيضاً بشادية فى أفلام مبكرة، ويبدو أنه اختلطت الأمور على أصحاب المسلسل وبطلتهم، اختلطت عليهم الأفلام القديمة والنجمات.. فكلها افلام غنائية من الأربعينيات والخمسينيات وكلهن ممثلات مطربات والسلام!!. 

لكن المطلوب فى النهاية ليس التقليد أبداً، وإنما التعبير الدقيق عن طبيعة الشخصية، ولدينا المثل الأجمل والأنضج ـ الذى سيبقى ـ فى الممثلة السورية القديرة سولاف فواخرجى فى أدائها لشخصية بطلة مسلسل "أسمهان" إخراج شوقى الماجرى عام 2008، فهى لا تشبه أسمهان شكلاً وبعيدة عنها من ناحية الملامح الخارجية، لكنها أنستنا ذلك طول الوقت لعمق موهبتها وقوة تعبيرها عن نفسية أو سيكولوجية المطربة، وأعماق الشخصية ومفاتيحها وملامحها الداخلية. 

أخيراً وليس آخراً... لا أدرى سبب خطأ عدم تقديم أغانى ليلى مراد بصوتها فى المسلسل (وحتى أغنية المقدمة والخاتمة) ؟!.. وهو خطأ رأيناه أيضاً فى مسلسل "أسمهان" الذى نعده من أحسن مسلسلات السيرة الشخصية (خاصة للمستوى الفنى والجمالى الرفيع لمخرجه شوقى الماجري).. فقد استمعنا مع الأسف فى هذا المسلسل لأصوات تقلد أسمهان وفريد الأطرش وعبد الوهاب.. ولم نسمع الأصوات الحقيقية لهؤلاء المطربين الرائعين الأفذاذ!.. ومهما بلغت أصوات المقلدين من جمال تظل ـ طبعاً ـ الأصوات الحقيقية ذات سحر ـ وسر ـ خاص، وقيمة ومرتبة لا تتكرر!. بل إن هذه الأصوات هى سبب قيمتهم المستمرة، والتى من أجلها نتحدث عنهم ويجب أن نقدم عن حياتهم الدراسات العلمية الدقيقة والأعمال الدرامية المتقنة!. 

غير مفهوم، ولا هو مبرر، تقديم هؤلاء.. ثم ليلى مراد أيضاً، بأصوات أخري. 

إنه خطأ ضمن أخطاء عدة، فى هذه الأعمال، وفى مهرجانات المسلسلات!. 

خطأ صار سائداً دون أن نعرف له سبباً، حتى أننا نذكر الأعمال التى نجت منه بامتنان شديد.. مثل مسلسل "أم كلثوم"، كما نعد ذلك من بين ميزات مسلسل "اسماعيل يس" أيضاً.. حيث استمعنا وتعرفت أجيال جديدة على صوت وأداء الفنان الكوميدى المتفرد وفن المونولوج كما قدمه، وبلغ الذروة على يديه هذا الفن ـ الساخر الجذاب ـ الذى لم يعد موجوداً الآن، وأثبت المسلسل ـ بهذا الصنيع ـ أن مونولوجات إسماعيل يس ما زالت قادرة على أن تمتعنا وتشجينا، بصوت لا يقل جمالاً ومقدرة على الطرب والتعبير الدقيق الممتع عن غيره من المطربين، وبكلمات جميلة معبرة، ذكية وواعية كتبها أبو السعود الإبيارى (الذى يستحق دوره وفنه اهتماماً أكثر ما لقيه، واليوم يقدم له المسلسل بعض الدين ويرد الاعتبار).. كلمات شعرية مكثفة نافذة مثل: (ما تستعجبشي.. ما تستغربشي.. فيه ناس بتكسب ولا تتعبشي.. وناس بتتعب ولا تكسبشي!!). 

العربي المصرية في

15/09/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)