تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

نصير الفقراء يوسف وهبي

مصطفي بيومي

بين عامي ٨٩8١ و ٢٨٩١، عاش الفنان الكبير الرائد يوسف وهبي حياة حافلة مليئة بالعطاء المتميز، وقدر لسليل الأسرة الأرستقراطية الثرية أن يكون واحدا من أهم رواد المسرح المصري، منذ أسس فرقة رمسيس المسرحية، في العشرينيات من القرن العشرين، وقدم من خلالها عشرات الأعمال التي تركت آثارها العميقة في وجدان الملايين من المشاهدين المولعين بإبداعه ذي الرؤية المختلفة والشكل المنفرد والمذاق غير المسبوق.

إذا كان المسرح هو أول ما يتبادر إلي الذهن عند قراءة اسم يوسف وهبي، فإن الغالبية العظمي من المعاصرين لم تشاهد مسرحيات الفنان الكبير، باستثناء الأعمال القليلة التي سجلت تليفزيونيا في الستينيات، بعد أن تقدم به العمر، واختلف أسلوب الأداء، وتغير المناخ السياسي والاجتماعي والثقافي الذي شهد الازدهار والصعود.

سينما يوسف وهبي أكثر حضورا، وللفنان العملاق مكان ومكانة في التاريخ السينمائي المصري. في سنة ٠٣٩١، أسس شركة »رمسيس فيلم«، التي أنتجت فيلم »زينب« الصامت، وبعد عامين أنتج الفنان الكبير ومثل أول فيلم ناطق في تاريخ السينما العربية: »أولاد الذوات«.

قيمة الفنان

أضاف يوسف وهبي الكثير لتاريخ الفن المصري، لكن الإضافة الأهم تتمثل في انتصاره العملي لقيمة الفنان ومكانته في المجتمع، فقبله كان الفن نشاطا جديرا بالأزدراء والاستهانة، ولم تكن كلمة »فنان« إلا مردفا للمشخصاتي والشخص المنافس الهزيل الذي لايمكن أن يقترن بالجدية أو يستدعي الاحترام. جاء يوسف بك، سليل الباشوات، ليجعل من الفن رسالة، ومن الفنان إنسانا محترما يحظي بالمكانة الرفيعة. اعتز بكرامة المهنة، وحافظ علي الأصول والتقاليد التي تراعي إلي درجة التقديس في البلدان المتحضرة. لم تكن فرقة رمسيس إلا تجسيدا خلابا لذلك المنهج الذي يرفض التساهل، ويحارب الابتذال والانحطاط والسوقية.

ولد يوسف وهبي في الفيوم، وتنقل مع أبيه مهندس الري من مديرية إلي أخري، ولعل ميلاد حبه للفن قد تحقق في سوهاج، عندما اصطحبه الأب لمشاهدة عرض لفرقة سليم القرداحي، وبكي الطفل متأثرا بمأساة عطيل، ومع دموعه بدأت رحلته مع الفن. عندما انتقلت الأسرة إلي القاهرة واستقرت فيها، تعرف يوسف علي رفيق عمره محمد كريم، وقدر لهما أن يضيفا إلي الفن المصري ما يجعل من العلاقة بينهما فتحا في تاريخ المسرح والسينما.

في العاشر من مارس سنة ٣٢٩١، ارتفع الستار عن العرض الأول الذي تقدمه فرقة رمسيس، وكانت تضم خلاصة فناني مصر آنذاك، بقيادة عزيز عيد، ومعه أحمد علام وروزاليوسف وحسين رياض وزينب صدقي وفتوح نشاطي وفاطمة رشدي وحسن البارودي وعلوية جميل وفردوس حسن، وتلميذة يوسف النجيبة التي أحبته وأخلصت له كما لم يفعل أحد: أمينة رزق.

أسس يوسف فرقته هذه بما آل إليه من ميراث أبيه، وقدره اثنا عشر ألف جنيه. ثروة طائلة بمقاييس المرحلة التاريخية، لكن إيمان الشاب برسالة المسرح دفعته إلي المغامرة التي صنعت نهضة مسرحيته، وغيرت من القيم السائدة، وجعلت من الفنان رمزا لكل ما هو جميل محبوب.

صعود وهبوط

تعرض يوسف وهبي للإفلاس مرات، وفي كل مرة يعاود النهوض والعمل متمسكا بذلك الإيمان الذي لايتزعزع، ولايؤثر فيه صعود أو هبوط. لم يتوقف نشاطه الفني علي مصر وحدها، فقد كان بفرقته أرجاء العالم العربي، واكتسب شعبية لاتقل عن جماهيريته في مصر. تزيد الحصيلة عن ثلاثمائة مسرحية، وعندما بدأ الإرسال التليفزيوني سجل الفنان الكبير عشرين مسرحية منها، لكن الباقي لا وجود له أو أثر، بل ان المسرحيات المسجلة نفسها لاتعبر عن الصدي الحقيقي لتألق العشرينيات والثلاثينيات، فقد تقدم العمر، وتغيرت الوجوه، ولم يبق من أعضاء الفرقة القديمة إلا أقل القليل.

لم يكن يوسف وهبي ممثلا عاديا ممن تألقوا في المسرح والسينما، فهو أقرب إلي مؤسسة عملاقة تمشي علي قدمين، وأروع ما في هذا الفرد ـ المؤسسة أنه صنع نجوما يصعب حصرهم، ولم يتنازل يوما عن اليقين بأنه صاحب رسالة تستحق أن ينذر لها العمر. سليل الأرستقراطية لم يكن ممن يعبرون عن انتمائهم الطبقي الضيق، فقد دافع بصوت جهير عن مصالح الفقراء والبسطاء، وعاش مع همومهم وآلامهم، قد يأخذ عليه بعض نقاده أنه لم يكن موفقا في اجتهاداته ورؤاه، لكنه اجتهد فأصاب وأخطأ، ومن الذي يملك الحقيقة المطلقة؟!

المعاصرون من عشاق الفن قد لايعرفون الكثير عن مسرح يوسف وهبي، وقد تكون متابعتهم لإبداعه السينمائي محدودة، بالنظر إلي أن أفلامه القديمة لاتعرض إلا نادرا، وبعضها لايعرض علي الإطلاق. أفلامه السينمائية، في مجموعها، بمثابة علامات راسخة، حددت أهم ملامح التوجه الفني والموضوعي لمسيرة السينما المصرية. تحليل وتقييم هذه الأفلام لايمكن أن يتم بمعزل عن الظروف التاريخية لانتاجها، ولايكتمل إلا برصد البصمات التي تركتها والتأثير الذي مارسته علي الأفلام اللاحقة لها. حتي نهاية الأربعينيات، كان يوسف وهبي بطلا سينمائيا قادرا علي التوافق مع العصر، وفي العقود التالية تنازل عن البطولة، وقنع بأدوار ثانية أو ثانوية، لكنه ازداد لمعانا وتألقا وتوهجا.

نتوقف في السطور التالية أمام فيلمين من أفلام يوسف وهبي، يكشفان عن دراسته ومنهجه، وينبئان عن الملامح العامة لأسلوبه الفني وتوجهه الفكري.

غرام وانتقام

الفيلم من انتاج سنة ٤٤٩١، والسيناريو والاخراج والبطولة من نصيب يوسف وهبي. البداية تنبيء عن موضوع مختلف: مشهد في مصحة نفسية، ويوسف منهمك في العزف علي الكمان بما ينم جذور المأساة، ذلك أن النزيل المريض كانا فنانا متألقا ناجحا قبل أن يعاني من أزمة عاطفية طاحنة، ويتعرض لانتقام امرأة أحسنت التدبير، ومع »الفلاش باك« يعود الفيلم إلي التاريخ القريب الذي أفضي إلي النهاية الأليمة. أنور وجدي »دون جوان« وغد لايراعي حقوق الصداقة الوثيقة التي تربطه بيوسف، ويغتصب شقيقته. يثأر يوسف لشرفه فيشتبك مع صديقه في معركة عنيفة، ويقتله دون أن يقصد. تقرر عروس القتيل، أسمهان، أن تثأر من القاتل علي طريقتها، فتوقعه في شباكها، وسرعان، ما يتحول حبها التمثيلي المصنوع إلي حب حقيقي. وبدلا من النهاية السعيدة، تتدخل الشرطة للقبض علي يوسف، وبعد ظفره بالبراءة، واكتشافه أن أسمهان لم تبلغ عنه، تموت الحبيبة في حادث سيارة، ولايقوي العاشق الولهان علي تحمل الصدمة فيجن وتستقبله المستشفي، حيث تبدأ أحداث الفيلم وتنتهي!

لاجدوي من البحث عن منطق فني أو فكري يحكم البناء العام للفيلم، ولايمكن تفسير النجاح التجاري غير المسبوق إلا بالإشارة إلي »صدفة« أفادت الفيلم، فقد رحلت أسمهان قبل العرض، واستغل يوسف موتها ليجعل مصيرها في الفيلم مشابها لما حدث في الواقع، وكان الإقبال الهائل نتيجة منطقية، فقد تدافع الآلاف من عشاق الصوت الساحر لإلقاء النظرة الأخيرة علي الموهبة الخارقة، التي توارت مبكرا في حادث مأسوي.

مهد الفيلم لعشرات من الأفلام المماثلة، حيث تختلط الفواجع بالأحداث غير المعقولة لتصنع عالما غرئبيا يجد من يتحمس له ويقبل عليه!

ملاك الرحمة

من انتاج سنة ٦٤٩١، وفيه يتكرر انفراد يوسف وهبي بالتمثيل والإخراج وكتابة السيناريو، ويتكرر البناء الذي يعقد علي المصادفات والفواجع والاختلاط الميلودرامي. يقدم يوسف عالما أرستقراطيا فخما، وتظهر فاتن حمامة للمرة الأولي بعد أن تجاوزت مرحلة الطفولة. تعود من تركيا لتعيش مع أمها راقية ابراهيم وأبيها يوسف وهبي، والمشكلة المصنوعة بالغة الافتعال أن الجدة العجوز، نجمة ابراهيم، أنجبت ابنا غير شرعي، فاخر فاخر، ولابد من البحث عنه والعثور عليه وتقديم المساعدات له! ولأنه شرير فاسد لايعرف الشبع، فإنه يعرض شقيقته لشكوك زوجها، ويضطر الزوج إلي قتله ظنا أنه عشيق الزوجة! وسرعان ما يقع الزوج في شباك امرأة أخري، زوزو شكيب، وعشيقها الذي تدعي أنه شقيقها، الزوجة الشريفة البريئة لاتدافع عن نفسها، حفاظا علي سمعة أمها، والأن تعترفت بخطيئتها لتنقذ ابنتها، والبوليس الدولي يتدخل ليزيح الأشرار جميعا وتخلو المساحة للنهاية السعيدة!

هل تتناسب مثل هذه الأحداث الساذجة المفتعلة مع واقع ملتهب؟! الاجابة بالنفي، لكن صانعي السينما المصرية، عبر تاريخها الطويل، لايعبأون كثيرا بالواقع، ويملكون القدرة علي التحايل عليه وتشويه ملامحه. في المقابل، لايقوي أحد علي مواجهة الزمن، فعلي عتبات الخمسين من عمره لايملك يوسف وهبي أن يستمر في تقديم أدواره المعهودة، فلا يتيح له الواقع الجديد أن يعالج القضايا المستهلكة. كان دوره القصير في فيلم »غزل البنات«، حيث ظهر الفنان الكبير بشخصيته الحقيقية، في مشهد لاينسي مع نجيب الريحاني وأنور وجدي وليلي مراد ومحمد عبدالوهاب، بداية النهاية لمرحلة البطولات المطلقة والمعالجات الميلودرامية الزاعقة ـ بعدها بدأت رحلة الأدوار القصيرة، ويطغي الحضور المتوهج والأداء الكوميدي العبقري.

لم يكن فيلم »الأفوكاتو مديحة«، سنة ٠٥٩١ إلا معالجة مكررة لقضية أثارها يوسف وهبي مرات من قبل، ورؤية تقليدية للمرأة وما ينبغي أن تقوم به من عمل. وجاءت شخصية الحكمدار في فيلم »حياة أو موت«، الذي أخرجه كمال الشيخ سنة ٤٥٩١، لتمهد الطريق أمام ظهور يوسف وهبي في أفلام متنوعة، يتميز فيها الجانب الكوميدي الذي تعرض لطغيان الأداء التراجيدي والميلودرامي في أفلامه السابقة.

سنة ٠٦٩١، قدم يوسف وهبي »الناس اللي تحت« و»إشاعة حب«، وبعد سنوات قليلة قدم »اعترافات زوج«، ووصل إلي الذروة في فيلم »ميرامار«، حيث جسد ببراعة شخصية طلبة مرزوق، الإقطاعي الساخر الكاره لثورة يوليو. كان الدور جديدا شجاعا، وتفوق الفنان القدير بحضوره الطاغي وجاذبيته السحرية وفكاهته الموجعة. تجاوب معه المشاهدون بلا حدود، فقد اكتشفوا أن فنانهم الكبير يعبر عن واقعهم، وأنه لايخطب ولايقدم المواعظ!

أخبار النجوم المصرية في

12/09/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)