تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

«القيامة» لكوستيل وكلارك على «فرانس 2»:

حين تتوغل التقنية الحديثة في تاريخ بعضه مستور

نديم جرجورة

هناك مسألتان أساسيتان يُمكن التوقّف عندهما، بعد عرض الحلقتين الأوليين من العمل الوثائقي التلفزيوني «القيامة» (أبوكاليبس) لدانيال كوستيل وإيزابيل كلارك، اللتين قدّمتهما المحطة التلفزيونية «فرانس 2» مساء الثلاثاء الفائت: علاقة المُشاهد بحقبات تاريخية قديمة؛ وقدرة هذا العمل، فنياً وتقنياً ودرامياً، على مضاهاة الإنتاج الوثائقي للمحطة التلفزيونية البريطانية «بي بي سي»، الرائدة في هذا المجال؛ وعلى إثارة الدهشة والشغف في ذات المشاهد، على الرغم من قسوة المرحلة وتمزّقاتها. فأن يبلغ عدد مشاهدي هاتين الحلقتين خمسة ملايين وسبعمئة ألف (أي بنسبة 22،3 في المئة من مجموع المشاهدين التلفزيونيين جميعهم)، في وقت يُعتبر أساسياً للمُشاهدة (الثامنة و35 دقيقة مساء، بالتوقيت الفرنسي)، يعني أن هناك رغبة شعبية في الاطّلاع على جديد الحرب العالمية الثانية، الذي لم يُعرف سابقاً. وأن يُقارن البعض تلك التجربة الوثائقية بإنتاج محطة تلفزيونية اعتادت تقديم الأفضل والأجرأ والأكثر إثارة للسجال النقدي في المجال الوثائقي (بي بي سي)، فهذا يكشف مدى قدرة البراعة الإبداعية على تحريض المتلقي على الاهتمام بنوعية الاشتغال الاحترافي، وبالتناول الدرامي السوي للمعالجة الفكرية. وأن يجد المشاهد نفسه مشدوداً إلى العمل الوثائقي، الذي أعاده إلى الموت والخراب والجنون، فهذا قد يلعب دوراً ما في حثّ الجميع على الاستفادة من تجارب مضت. وهذا كلّه دفع البعض إلى التعليق الإيجابي على «القيامة»، بالقول إن هناك ندرة كبيرة لهذا النمط من الاشتغال التوثيقي.

هناك مسألة ثالثة أيضاً: ليست أسرار الماضي حكراً على الوثائق والتقارير والمعطيات المكتوبة، لأن التصوير بات أساسيا في كشف خفايا وتفاصيل وقصص وحالات ومواقف. وإذا أحكمت السلطات الحاكمة قبضتها على هذه الأسرار المكتوبة والمصوَّرة، فإن كشفها أمام الجميع يُشكّل لحظة تأمّل في الشكل المعتمد في الكتابة والتصوير معاً. وإذا تطلّبت الكتابة تدقيقاً في المعلومات وتنقيباً في المضامين، لفصل المزوَّر عن الحقيقي مثلاً، أو لاعتماد النصّ الأقرب إلى الحقيقة أداة في كتابة التاريخ؛ فإن التصوير محتاجٌ إلى غربلة أقلّ، لأن الصورة المتحرّكة تبقى شهادة حيّة عن لحظة أو حالة أو تصرّف، وإن بلغ التطوّر التقني مرتبة مهمّة، تسمح بـ«تزوير» لقطة أو مشهد.

بالإضافة إلى هذا كلّه، لا يُمكن التغاضي عن الجهد المبذول لإنجاح العمل الوثائقي، الذي احتاج إلى أربعين شخصاً لإنجازه، وثلاثين شهراً من العمل (بين كتابة السيناريو، بالتعاون مع جان ـ لوي غيّيو وهنري دو توران، وتسليم الحلقات، في حين أن التعليق الصوتي للراوي عائدٌ إلى الممثل الفرنسي ماتيو كاسّوفيتز). علماً بأن فريق العمل صوّر 650 ساعة لتنفيذ ست حلقات فقط، بلغت مدّتها 312 دقيقة، أي بمعدل 52 دقيقة لكل حلقة؛ وأمضى ستة عشر شهراً في غرفة المونتاج. لكن الأهمّ من هذا كلّه، كامنٌ في تحويل الأسود والأبيض في الأفلام المختارة من تلك الحقبة إلى مشاهد ملوّنة، بفضل الجهود الجبّارة التي قام بها «الساحر» فرنسوا مونبيلييه: «أعدت للصُوَر ألوانها مجدّداً، بأقرب قدر ممكن من الواقع»، كما نقلت عنه المجلة الفرنسية الأسبوعية «إكسبرس» في عددها الصادر في الثالث من أيلول الجاري. أضاف مونبيلييه إن الناس حينها «لم يعيشوا بالأسود والأبيض».

إن متابعة الحلقتين الأوليين («الهجوم، 1933 ـ 1939» و»الانسحاق، 1939 ـ 1940») كفيلةٌ بطرح أسئلة كهذه، بهدف قراءة الوقائع بعينين مختلفتين. ذلك أن البرنامج الوثائقي هذا ارتكز على أفلام مصوَّرة من قبل المشاركين الفعليين في الحرب العالمية الثانية، جنوداً ومدنيين، ما جعل الأحداث تظهر على الشاشة محمّلة بشغف المصوّرين ورغبتهم في تأريخ تلك اللحظات المصيرية التي حوّلت مسارات ورسمت مصائر، وإن لم ينتبهوا إلى هذين التحوّل والرسم بوعي تام، حينها. والأفلام المصوَّرة ليست كلّها غير معروفة، فهناك نحو خمسين في المئة منها ظلّ أسير الخزائن المغلقة بإحكام، لأن سياسيين أو قادة عسكريين أو مسؤولين ارتأوا حجبها عن العيون لأسباب متفرّقة. مثلاً، هناك مشهد مثير جداً، كشف اللامبالاة «القاتلة» لستالين إزاء لائحة تضمّنت أسماء آلاف الضباط والجنود البولونيين الذين «اختفوا» في ربيع 1940، إذ بدا أمام الجنرال سيكورسكي (رئيس الحكومة البولونية في المنفى) كأنه لا يعرف شيئاً إطلاقاً عن هذه المسألة. فالمَشاهد المذكورة، المؤرّخة عام 1942، أُدرجت في خزائن سرّية خاصّة بأرشيف الجيش السوفياتي لنحو أربعين عاماً، إذ انتظر المهتمّون بالموضوع قيام ميخائيل غورباتشوف، عام 1990، بالإعلان عمّا عرفه ستالين وأخفاه: إن هؤلاء العسكريين البولونيين لم يختفوا، بل قُتلوا بوحشية في مجزرة «كاتين» بأمر صادر منه شخصياً، وبشكل مباشر.

إنها مغامرة جميلة، أن يعود المرء إلى حقبة لا تزال زاخرة بالأسرار. إنها مغامرة بديعة، أن يتحوّل الماضي إلى راهن قادر على إثارة «حشرية» شعبية كبيرة إزاء صُوَر جديدة تُقدّم لحظات كثيرة من المآسي والآلام والقهر والبؤس. إنها مغامرة جدّية، تتيح للمهتمّ الاطّلاع على نمط آخر من العمل الوثائقي، الذي يجمع الحسّ التلفزيوني بالأرشفة التاريخية والاشتغال البصري الإبداعي.  

السفير اللبنانية في

11/09/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)