تعرف على صاحب "سينماتك"  وعلى كل ما كتبه في السينما

Our Logo

  حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقعسجل الزوار 

مرزاق علواش لـ"النهار": انه بزنس... مأساة... انتحار!

"حراقة" تأخذ الجزائريين من منفى داخل الوطن الى منفى داخل العالم

هوفيك حبشيان

بعد خمس سنوات من الصمت، يعود مرزاق علواش الى البندقية ومعه فيلمه "حراقة"، المعروض في قسم "أيام البندقية". من ظاهرة الهجرة غير القانونية التي ضربت بلاده الجزائر بسبب الاهمال الرسمي للناس وهمومهم، في نظام فاسد يأخذ من الفقير ليعطي الغنيّ، يقتبس علواش فيلماً شاعرياً مرهفاً تدور حوادثه في مدينة مستغانم البعيدة نحو مئتي كلم من العاصمة. لا أبطال في نصّ علواش. فقط ضحايا لا يحلمون الا بالرحيل الى بلدان تفتح أمامهم الآفاق المسدودة. حتى لو دفعوا من اللحم الحيّ ثمن الرحيل هذا. الفيلم يقدم رؤية قاتمة جداً، لا متنفس فيه ولا أمل، عن المغرب العربي وظاهرة قوارب الموت التي تأخذ الجزائري اللامنتمي من منفى داخل الوطن الى منفى داخل العالم. لذا، فرض الحوار مع علواش نفسه، بغية توضيح بعض الجوانب.

·         منذ متى تحمل هذه القصة في داخلك؟

ـــ انها ظاهرة غير موجودة عندكم، وهي تأسست مع الوقت، مع اقفال الحدود بعضها على البعض. اليوم، من يعيش في بلدان الجنوب يصعب عليه الخروج من بلاده والسفر الى حيث يريد. الحصول على تأشيرة ليس سهلاً. هناك نوع من حاجز بين العالم والمغرب العربي...

·         ما يزيد الطين بلة أن القارة الأوروبية على رمية حجر من تلك البلدان! انها القدرية الجغرافية!

- الأفظع بين الأماكن، مدينة طنجة في المغرب التي تقع قرب جبل طارق، حيث الناس يستطيعون رؤية الشواطئ الاسبانية. صورت الفيلم في مستغانم التي تبتعد 150 كلم من نقطة المريّة الاسبانية. يوماً بعد يوم يصبح الرحيل أشد صعوبة. هذه ظاهرة شبابية على شكل الخصوص. هناك أيضاً صعوبة العيش في هذه البلدان، لذلك ازدادت هذه المعاناة وأسست لنوع من بزنس يسترزق منه البعض، اذ يتاجرون بمأساة الناس عبر ترحيلهم في قوارب يصنعونها. انه بزنس... مأساة... انتحار! ولا حلّ حتى الآن الاّ القمع! هذا القمع يمارس بالتعاون مع بلدان الحوض المتوسط. الجميع متفق على وضع حدّ لهذه الظاهرة، عبر الزج بالشباب في السجن ومحاكمتهم ومقاضاتهم وجرّهم أمام المحاكم، بدلاً من معالجة المشكلة في جوهرها وأساسها. في أفلامي، غالباً ما عملت على ظروف الشباب في كل من الجزائر وفرنسا. وهنا اردت أن أصوّر هذه القصة ميدانياً.

·         هذه مشكلة قديمة. لكن الأفلام عنها ازدادت في المرحلة الأخيرة.

ـــ حجم الظاهرة يزداد. لا يمرّ يوم من دون أن تتكلم الصحافة الجزائرية عن أشخاص يموتون وهم يحاولون المرور الى الضفة الأخرى. لا يمر يوم من دون أن يأتي خبر عن أفريقي مرّ عبر جزر الكاناري أو عن آخرين مروا من ليبيا. أخيراً، عقد اتفاق بين ليبيا وايطاليا ينصّ على عدم السماح الى القوارب الآتية من افريقيا بالاقتراب الى الشواطئ الايطالية. في السابق، عندما كان يلقى القبض على المخالفين، كان يرمى بهم في مراكز الترانزيت في انتظار إعادتهم الى بلادهم. اليوم، بعد الاتفاق بين القذافي وبرلوسكوني، عندما يُلقى القبض على قارب يحاول التسلل الى المياه الايطالية، تجرى اعادته على الفور من حيث جاء. اذاً، هذه الظاهرة موجودة بقوة في الجزائر، وهي نتيجة الوضع السياسي والاقتصادي القائم.

·         القصة في طبيعتها تحمل كل العناصر الشائقة التي تسهل أفلمتها.

ـــ ربما، لكني لم أرد اقتباسها كما لو كنت اقتبس فيلم مغامرة على الطريقة الأميركية. هذا فيلم يُري حقيقة الواقع. هناك بعض المغامرة في الجزء الثاني. كون الشخصيات على قارب يبحر على المتوسط، فهذا منح الفيلم جانباً مغامراً. لكني لا امتدح هذه الظاهرة وأحولها بطولة كما يفعل غيري. أريد أن اطرح الاشكالية على حقيقتها. أولاً وأخيراً عبر القول أن الأمر يتعلق بانتحار وليس برحيل. ما كان يهمني هو أن نرى يأس هؤلاء الشباب وصعوبة أن يكونوا. هذا اليأس الذي يجعلهم يقولون إنهم يفضلون الموت في مياه البحر على الموت في بلادهم على نار خفيفة. عندما كنت شاباً، كان يقال لي إن السفر ينحت الانسان. في وقت من الأوقات، يخطر على بالنا أن نسافر ونرى آفاقا أخرى. كان السفر أكثر حرية في زمننا. اليوم، العالم مقسوم بين الذين يملكون حرية التحرك والانتقال متى وأين يشاؤون، وأولئك المسجونين في بلدانهم الذين لا يملكون الاّ الذهاب الى بلدان تشبههم وتقبلهم. نحن اليوم في ما يسمّى القرية الكونية. الكل يستطيع أن يرى ماذا في امكنة أخرى عبر محطات التلفزة الفضائية والانترنت. مع ذلك، عندما اذهب الى الجزائر ينتابني شعور بأن الناس يعيشون واقعاً افتراضياً. حتى من دون ان يذهبوا الى باريس فهؤلاء يعلمون ماذا يحدث في باريس. عندهم كبت وحرمان وغضب. مثلاً، أنا جئت الى البندقية لأقدّم "حراقة"، واردت أن يأتي معي أربعة من ممثلي الفيلم. ثلاثة منهم لم يستطيعوا الحصول على تأشيرة على رغم تسليمهم كل الأوراق المطلوبة منهم. وهم الآن غاضبون ويجتاحهم الحزن. ليس هؤلاء من الشباب الذين يريدون العيش والاستقرار في أوروبا. رافقوني الى فرنسا لتصوير جزء من الفيلم ثم عادوا الى بلادهم. لكن الواقع لا يميز بين شخص وآخر. انه حاجز. لا أحد يبرر لك أو يشرح سبب الرفض. تدفع رسوم التأشيرة ليقال لك "لا".

·         لكن للجزائر مبادرة لافتة في هذا المجال، اذ تتعامل بالمثل عبر طلب تأشيرة من الأجانب...

ـــ  هذا شيء جيد ولكن ليس هو الذي يهمني. لا نستطيع أن نطلب من الأوروبيين أن يمتنعوا عن حلّ مشكلة الهجرة غير القانونية. في المقابل ما نحن في حاجة اليه هو حلّ مشكلة الشباب في بلداننا. يجب أن نجد لهم حوافز جديدة تجعلهم يتعلقون بالمكان، ويجب ايجاد عمل لهم. علينا الخروج من اليأس والحزن. ليس عندنا حياة ثقافية ووسائل تسلية. هذه الحياة البائسة لمجتمعاتنا وهذه النظرة الحاسدة على ما يحصل في الغرب من جانبنا، هما اللتان تدفعان الشباب الى طلب الرحيل.

·         هذا الاطلاع المخيف الذي تتيحه الانترنت هو أيضاً سبب الكبت في المجتمعات التي تعيش الحرمان، أليس كذلك؟

ـــ بالتأكيد.لا اعرف كيف هي الحال عندكم. ولا اعرف اذا كانوا راغبين في الرحيل. عندما كنت في بيروت كنت المس فيها الحياة. لطالما كانت بيروت المدينة العربية الاجمل، خلافاً لبلداننا حيث اليأس والحزن هما المهيمنان. حياتنا اليومية متشكلة من لا شيء. عندما أذهب "الى هناك"، يمتلكني الحزن، لأنني لا أجد شيئاً يستحق أن يعاش من أجله.

·         فكرة الرحيل مرتبطة عندك بنظرة رومنطيقية. كما لو كان السفر ذهاباً من دون أياب!

ـــ نعم، البعض يذهب ولا يعود. انه النفي. الذهاب الى مكان آخر لتحقيق الذات والنجاح أمر شرعي تماماً. فعل الرحيل هذا قائم منذ زمن بعيد. هناك لبنانيون في كندا، وجزائريون في فرنسا، وفرنسيون في أمكنة متفرقة. هذا هو العالم. الأشياء فيه لا تكف عن التحرك. فجأة يتقرر أن جزءا من العالم أطلقت عليه تسمية العالم الثالث، يصعب فيه على المرء أن ينهض صباحاً ويقول "ماذا لو ذهبت لعشرة أيام الى نيويورك؟". هذه الظاهرة هي السبب في جعل شبابنا راديكاليين. ظاهرة الاسلامية السياسية هي ظاهرة متأتية من الكبت والحرمان. البؤس هو الذي يصعّد التطرف.

·         في أحد المشاهد تقول الفتاة لصديقها "اذا لم تأخذني معك، فسأنضم الى الاسلاميين"...

ـــ هذا تهديد. الامر أشبه بأن تقول "استيائي من الاوضاع بلغ حداً لا مانع اخلاقيا عندي في أن أضع قنبلة".

·         هناك النفي الى الخارج، وهناك ايضاً من يشعرون بالنفي في داخل بلادهم.

ـــ أن تكون منفياً في بلادك يعني أن تشعر بالظلم. لا شك أن الجزائر تمثل الجنة على الأرض بالنسبة الى أولاد العائلات الميسورة الذين يتنقلون بسيارات الدفع الرباعي ويتشمسون في المسابح الخاصة حيث لا يحق لأي جزائري الدخول.

·         نشعر بنظرة شغف حيال شخصياتك، لكن نظرة الشفقة هي الأكثر حضوراً.

ـــ فكرة الشفقة مرتبطة بالنظرة الخارجية على الشيء. لست اوروبياً يصوّر فيلماً في الجزائر ويضع فيه أفكاره المسبقة. لكن وضعهم في الحقيقة يؤلمني الى ابعد حدّ. السبب الاساسي لهذا الغضب في داخلي، هو أن الجزائر ليست بلداً فقيراً. هناك ثروات طبيعية. الغاز والبترول ألخ. وهو بلد نسبة الشباب فيه تبلغ الـ70 في المئة. أشفق طبعاً على هؤلاء الشباب الذين نراهم واقفين وتطلق عليهم تسمية "الحيطيست". لم أر مثل هذا الشيء في بيروت، لأن الناس منشغلون بأعمالهم. اذا ذهبت الى الشوارع الداخلية، ترى هؤلاء الشبان. بالاضافة الى مشكلة فصل الجنسين، ترى في عيونهم اليأس. وهذا ما يؤلمني لأنني متحدر من هذا المكان. اتيح لي الرحيل، لكنني عشت هذا الوضع في مقتبل عمري. كنا نعتقد دائماً أن الامور ستتحسن وستتدبر وأن المسألة مسألة وقت. الأجيال الجديدة تقول لنا الآن إن زمننا كان جيداً. وأنا أقول إن زمننا لم يكن جيداً، لكن زمنكم أسوأ. على الاقل كان يمكن من لم يطب له العيش أن يصعد في الباخرة ويرحل. وقد ينجح في وطنه الجديد او لا ينجح، هذا موضوع آخر. اليوم، هؤلاء لا يستطيعون الرحيل، أو هم يسافرون في قوارب مهترئة، يبيعون مجوهرات الأهل كي يدفعوا ثمن هذا الرحيل. يشترون نوعاً ما، موتهم.

·         ما الاصعب في التصوير على المياه بدلاً من التصوير في البرّ؟

ـــ عندما نضع الكاميرا لتصوير القارب، لا نملك الكثير من الخيارات الجمالية. الخلفيات كلها متشابهة. ذهبنا للتصوير في البحر وكانت تلزمنا بنية حولها. التقطنا المشاهد في الشتاء، وكان الطقس باردا، والممثلون لم يكونوا في أفضل حالهم.

·         هل خيار التعليق الصوتي فرض نفسه منذ البداية؟

ـــ  التعليق الصوتي جاء لاحقاً. كان عندي الكثير من المواد، ثم وجب القطع لتركيز الأشياء، فتبيّن أن عندي بعض الشرح الذي يجب إمراره، فكان اللجوء الى التعليق بغية مرافقة الصور، لكن كان على هذا التعليق أن يكون متفاوتاً مع الصور. انه تعليق شاعري وساخر في آن واحد.

·         الفيلم لا يترك مكاناً للآمل. رؤيتك حالكة. هل أنت متشائم؟

ـــ  نعم أنا متشائم في ما يخص الاحوال في بلادي. ما حاولت تفسيره لك ان على هذه المشكلات أن تُحلّ في الجزائر وليس في أوروبا أو فرنسا. يجب أن نترك للشباب الجزائري فرصة الانفتاح. هذا هو ما أتمناه.

هـ. ح.

النهار اللبنانية في

10/09/2009

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2009)