حول الموقعخارطة الموقعجديد الموقعما كـتـبـتـهسينما الدنيااشتعال الحوارأرشيف الموقع 

مسلسل 'الجماعة' ومباركة التصرف القمعي للدولة

عبدالسلام بنعيسى 

الانطباع الذي خرج به العديد من المشاهدين لحلقات المسلسل الذي عرض في شهر رمضان تحت عنوان (الجماعة) يتلخص في أن الهاجس الذي كان يسكن وحيد حامد، وهو يكتب حلقاته، كان هاجس الإدانة. كاتب (الجماعة) ظل شغله الشاغل، في أغلب حلقات المسلسل، إدانة حركة الإخوان المسلمين منذ نشأتها، وعلى امتداد تاريخها، إلى اللحظة الراهنة.

لقد كان المسلسل مكتوبا بلغة، أقرب في العمق، إلى لغة البيانات السياسية التي تستعمل في المناكفات، والنزاعات بين الأحزاب والهيئات السياسية، عندما تتبادل الاتهامات، حول وقوع اضطرابات اجتماعية، أو اصطدامات بين عناصرها، بحيث يلقي كل طرف اللوم على الطرف الآخر، ويحمله تبعات ما وقع من خسائر وما سقط من جرحى. لقد كان المسلسل أقرب في الكتابة التي احتوته إلى نص توثيقي منه إلى عمل درامي..

لم يُكثف وحيد حامد جهده في الكشف عن الدوافع الموضوعية التي كانت وراء ظهور جماعة الإخوان المسلمين، وما هي الأسباب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي أدت إلى بروزها وانتشارها بسرعة مهولة، واكتساحها لقطاعات واسعة جدا من طبقات المجتمع المصري، وكيف استحوذت على عقول الناس وقلوبهم وانخرطوا فيها، ثم انتشرت لاحقا في عموم العالم العربي والإسلامي. لم يفعل ذلك بلغة درامية تنهل من الواقع الاجتماعي حكايتها الأساسية، لتطل منها بطريقة غير مباشرة على حركة الإخوان المسلمين لحظة تأسيسها، وما أعقب التأسيس من أحداث مؤلمة ومفجعة.

لقد تجاوز الكاتب هذا الأمر، لأنه ربما كان يفكر بمنطق إصدار حكم قيمة على الإخوان المسلمين، حكم لا يكتفي بتجريدهم كجماعة من أي قيمة إضافية يمكن أن يكونوا قد ساهموا بها في مجتمعهم، بل إن المشاهد يشعر بأن وحيد حامد لا يخفي في سياق سرده لتاريخ الجماعة تأييده ودعمه لكل الأساليب القمعية والبوليسية التي تعاملت بها الدولة مع جماعة الإخوان المسلمين في لحظات المواجهة بينها وبين الدولة.

نص المسلسل مكتوب بنزعة فيها استلذاذ بالقمع والاضطهاد وتجاوز كل القوانين التي وضعتها الدولة حين كانت تحارب الجماعة. فطرد الطالب من المعهد، أو الكلية، والموظف من العمل، والعامل من المصنع، لأنه عضو في حركة الإخوان المسلمين، رغم أن العضو ليست له أي علاقة بالتفجيرات، والأفعال الإرهابية المرتكبة، والاعتقال الجماعي، والتعذيب القاسي والمؤذي الذي يلحق حتى أقرباء الأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين.. هذه الممارسات المرفوضة قانونا وأخلاقا، لم نشعر كمشاهدين أن الكاتب كان يوحي لنا، بطريقة ما، أنه يعترض عليها، ويرفضها.

في خضم الحديث عن تلك الممارسات الفظيعة، وفي أوجها، كان تركيز الكاميرا يصوب على مرشد الجماعة، في مسعى واضح للقول إن كل ما يتعرض له أعضاؤها على أيدي أجهزة الدولة، من قمع واستباحة لكافة حقوقهم الآدمية، تقع المسؤولية فيه على كاهل مرشدها الذي كان يُقدم للجمهور في أقصى درجات ضعفه الإنساني..

إذا كانت قراءة الوقائع التاريخية تستهدف، من ضمن ما تستهدفه، استخلاص العبر والدروس من هذه الوقائع، لكي لا تتكرر ولا يعاد إنتاجها من جديد، فإن الطريقة التي قدم بها مسلسل ( الجماعة)، تبدو وكأنها طريقة كانت ترنو صوب تزكية ومباركة التصرف القمعي للدولة المصرية.

إذا تجاوز الإسلاميون أو غير الإسلاميين القوانين، وارتكبوا أعمالا إرهابية، فإن الدولة الساهرة على تطبيق القانون يتوجب عليها ألا تجاريهم في أفعالهم بممارسات تبزهم في تجاوز القانون، إن عليها مهمة التصدي لهم في إطار القانون، وبما لا يتنافى مع قيم حقوق الإنسان.

حين تضع الدولة النصوص القانونية التي سنتها بأيديها على الرف، وتوغل في تجاوزاتها على حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها كونيا، فإن وظيفة الفن والكتابة والإبداع تتجسد في التأكيد على هذه القيم النبيلة والحث على التقيد بها، لا تجاهل الأمر، كما فعل وحيد حامد، وكأن التجاهل تشجيع للسلطات على الضرب بحقوق الإنسان عرض الحائط، وعدم الاكتراث للدوس عليها.

الفنان الحقيقي يتعين عليه أن يكون ضميرا للأمة، ويشكل جهازا أعلى للرقابة على السلطة، يحرص على إعادة بوصلتها إلى الوجهة السوية حين تكون قد انحرفت عنها. الفنان يفترض أنه يعبر عن الوجدان الأسمى للشعب، ويترجم الحاجة في أن تكون له سلطة تحكمه وهي تقدم المثل الأعلى في الانصياع إلى القانون والالتزام ببنوده.

وحيد حامد تصرف بخلاف ذلك في مسلسل (الجماعة)، لقد سرد علينا بدم بارد تاريخ قمع الحركات الإسلامية من طرف السلطات في العشرينيات والثلاثينات والأربعينيات من القرن الماضي، وكأن قمعهم خارج القانون أمر لا يعنيه.

الأكثر من هذا هو أن وحيد يتحدث في مسلسل (الجماعة) عن جهاز البوليس المصري في الوقت الراهن وتعامله مع الإسلاميين حاليا، وكأنه جهاز سويدي أو سويسري أو فنلندي، جهاز لا يبادر، لا إلى القمع، ولا إلى التعذيب، ولا إلى انتزاع الاعترافات بالقوة والإكراه من المتهمين بارتكاب أعمال إرهابية..

كل شيء في مصر، وفقا للمسلسل المذكور، كان في تلك المرحلة البعيدة يمضي على أكمل وجه، مصر في حركية سياسية طبيعية، النزاعات والخلافات السياسية بين القصر وحزب الوفد تُحل في الأطر الدستورية، المواطنون يعيشون دون أي مشاكل. ينعمون بحياة هادئة مستقرة، تتوفر لهم كل مستلزمات العيش الكريم، لا وجود لأي شيء يعكر صفو عيشهم، ويشوش عليهم حياتهم الطبيعية والتلقائية، بما في ذلك الاحتلال الجاثم على صدورهم. تدخلُ السفارة الإنكليزية في كيفية تشكيل الحكومات المصرية وكيفية إدارتها للشأن العام، يقدَم في سياق كأنه أمر مقبول واعتيادي.

المشاكل والهموم والتفجيرات والموت الزؤام بزغ فجأة على أيدي حسن البنا، وتحديدا حين اشتد عود جماعة الإخوان المسلمين، وصارت قوية. طيب، أين كانت الدولة المصرية غائبة بكافة أجهزتها المخابراتية الأمر الذي سمح لجماعة لإخوان المسلمين بالكبر، والنمو، والتعملق، والحصول على المسدسات، وعلى القنابل والديناميت، وكل أدوات العنف التي يفترض أنها محتكرة من طرف الدولة؟

ألا تقع على الحكومات المصرية المتعاقبة وقتها هي أيضا مسؤولية التقصير في مراقبة الوضع الأمني وضبطه، ومنعه من الانفلات إلى تفجيرات ذهب ضحيتها مواطنون أبرياء؟ أسئلة من هذا النوع لم يستفزها في المشاهد مسلسل الجماعة.

العيب الكبير الذي عانى منه المسلسل يتحدد في كون مؤلفه وحيد حامد لم يترك أي مسافة بينه وبين الموضوع، لقد كُتب المسلسل بصيغة تتضمن انحيازا واضحا، وحماسا بينا ضد الإخوان المسلمين. كان من الأفضل لو أن الكاتب سعى لأن يكون محايدا، وموضوعيا، وغير متحامل، وأن يدفع الجمهور للوصول بشكل تلقائي إلى الأفكار والقناعات المراد تمريرها عن الإخوان المسلمين في المرحلة المتناولة. أما الإلحاح من طرف الكاتب على مناهضة الإسلاميين، والوصول في بعض الفقرات من المسلسل إلى حد المباشرة والتحريض عليهم، فإن ذلك أخل بالقيمة الفنية لخطاب المسلسل وأضعفها بشكل واضح. ونتج عن ذلك تعاطف مع الجماعة..

نحن مع وحيد حامد في ضرورة التصدي للإرهاب ومحاربته، ولكن التصدي للإرهاب يتعين أن يتم في إطار القانون، ودون التجاوز والتعدي على حقوق المتهمين، خصوصا من جانب أجهزة الدولة. كما أننا معه في ما يخص رفضه لاستغلال الدين في السياسة، ونحن جميعا ضد الأصولية، والتطرف، والتعصب، ومع الديمقراطية، والتعددية، والتداول السلمي على السلطة، والحق في الاختلاف، وحرية الصحافة والتعبير، وأن نعيش في قلب مستجدات عصرنا، وننعم بالتقدم الذي أنجزته البشرية في مختلف المجالات والأصعدة..

إلا أن وصولنا إلى هذا الهدف الإنساني النبيل والسامي ينبغي أن يتم بالطرق المشروعة، وأن يكون نتيجة لصراع ديمقراطي نعتمد فيه على طاقاتنا النضالية الخاصة بنا التي يجب أن نستمدها من قدرتنا على حشد جماهير شعوبنا خلف برنامجنا الديمقراطي والحداثي، لكي ننتصر بها ومعها، وبإمكانياتنا الذاتية المستقلة، على القوى الرجعية، ننتصر بالديمقراطية، وليس اعتمادا على وسائل الإكراه، والعنف، والاغتصاب التي تمدنا بها السلطة.

العنف السلطوي الممارس منذ عقود طويلة من الزمن ضد الحركات الإسلامية أبان عن عجزه وفشله في الحد من الانتشار المهول لهذه الجماعات واكتساحها واستقطابها لقطاعات واسعة من الرأي العام، إذ بقدر ما تتضخم عصا السلطة، وتضرب دون هوادة ولا تمييز، بقدر ما ينمو في مقابلها التطرف، وتزدهر الأصولية.

للأسف وحيد حامد بدا في مسلسل (الجماعة) في موقف المؤيد للسلطة والمتحالف معها والمحتمي بها، حتى في تجاوزها للقانون، وفي استعمالها للعصا الغليظة، وذلك درءا على ما يبدو، لما يعتبره خطرا للجماعات الإسلامية. لا شك أنه ككاتب كبير ينتقد في لقطات محددة من أعماله ممارسات السلطة غير السوية وفسادها، ولكن نقده هذا يكون في الغالب نقدا هامشيا يتم على حواشي الموضوع الذي يتناوله، حيث ينتقد بشكل ممنهج، وأساسي ورئيسي الإسلاميين.

لو كنا في أعمالنا الدرامية، ومعنا السلطة القائمة، نخصص 10 في المائة من الجهد الذي نبذله في صراعنا مع الأصولية والحديث عنها، لمواجهة الفساد المالي الذي يضرب بأطنابه في مؤسسات دولنا، لو كنا في كل سنة نزيد مترا واحدا في حبل إشراك المواطن في اتخاذ القرار، وفي مراقبة السلطة ومحاسبتها على أفعالها، لاستطعنا تجفيف المنابع التي تتغذى منها مختلف الحركات الأصولية، ولما كنا نكتشف في كل يوم خلية إرهابية، ولما كان الإسلام السياسي يكبر ويكبر كل لحظة وحين، إلى أن كاد أن يصبح بحرا يوشك على ابتلاعنا جميعا..

كاتب وصحافي من المغرب

 

القدس العربي في

24/09/2010

 

أزمة جديدة في الدراما السورية.. عنوانها 'الحلقة الأخيرة'

يارا بدر / دمشق ـ 'القدس العربي'  

يرى بعض الدارسين أنه يمكن من وجهة البحث النظرية تقسيم العمل الأدبي أو الفني، وهو تقسيم غير مُلزِم لصاحب العمل بكل تأكيد، إلى ثلاثة مقاطع، المقدمة والعرض والخاتمة. على أن تحمل المقدمة تعريفاً بمحاور هذا العمل وشخوصه، وعلى أن تعرض الخاتمة لحل الأزمة الدرامية - إن وجدت- وكيف انتهى المطاف بأبطال'هذا العمل، وذلك ضمن نسقٍ زمني ودراميٍ متوازن. إلا أنّ الدراما السورية، كشفت لنا بوضوحٍ جلي في موسمها الرمضاني 2010 عن أزمتها الجديدة التي تبدأ من الخلل الزمني في هذا التقسيم - بعد اعتماده - وتمتد إلى جوهر معنى 'الحلقة الأخيرة'، مع استثناءات قليلة.

حيث نجحت بعض الأعمال الدرامية في كسب متابعة الجمهور، إمّا لجرأة القضية التي تطرحها للنقاش كما في مسلسلي 'ما ملكت أيمانكم' و'وراء الشمس'، أو لمتابعة تتمّة الجزء السابق الذي عُرِضَ في رمضان الماضي وكان ناجحاً كما في مسلسلات البيئة الشامية مثل 'أهل الراية' أو الكوميديا مثل 'ضيعة ضايعة'، أو لأسباب أخرى كما مع مسلسل 'أبو جانتي'. إلا أننا سنتوقف عند هذه المسلسلات التي فاجأت متابعيها في حلقتها الأخيرة، بشكلٍ أثار استياء الغالبية. وفي غمرة الاستياء هذا نبدأ بمسلسل 'ضيعة ضايعة' الذي شكّل استثناءً من القائمة السوداء- إن صحّ التعبير- على الرغم من أنّ صوت غضب متابعيه وصل حد التصريح عن مشاعرهم ضد مخرج العمل 'الليث حجو' على صفحات الموقع الإلكتروني الشهير 'الفيس بوك'، وهنا يعود الاستياء إلى النهاية المؤلمة التي قضت على قرية 'أم الطنافس الفوقا' وأبطالها جميعاً، إثر تعرّضهم للنفايات النووية. علماً أنّ مخرج العمل كان قد اقتطع الكثير من المشاهد التي صورها للنهاية في عمليات المونتاج للتخفيف من ألم وفاة أبطال العمل المحبوبين، وخاصة البطلين 'اسعد خرشوف- نضال سيجري' و'جودة أبو خميس- باسم ياخور'. إلا أنّ العمل الذي اشتغل على تفاصيل القرية وشخوصها حتى الامتلاء عبر جزءين وصل إلى حده الأقصى، وفي تفادٍ صحيح لسقوط العمل في مطب التكرار الذي يجتر اهتمام المشاهدين بهدف الكسب المادي كان لا بُد من هذه النهاية، التي يحتمل شرط العمل الفني أن تُختصر إلى حلقة واحدة انطلاقاً من كونه دراما تقوم على الحلقات المنفصلة- المتصلة.

في حين فاجأنا مسلسل كُتبت أحداثه بعد بحث طويل علمي واجتماعي مثل 'وراء الشمس' عن واقع ذوي الاحتياجات الخاصة من المصابين بطيف التوحد إلى متلازمة داون، وتمّ إخراجه بشفافية وحرفية راعت طبيعة العمل التي تبحث في المُتغيرات النفسية لشخوصه أكثر من التقلبات الدرامية السريعة، فاجأنا بنهاية ظهرت وكأنها مشاهد رُكِبَت في عملية مونتاج سريعة من أكثر من حلقة لتوضع في بوتقة واحدة تحت عنوان 'الحلقة الأخيرة'. ونخص بالتحديد حالة الأب 'عُبادة- باسل خياط' الذي تابعنا طوال 29 حلقة تطوّر حالته النفسية من الفرح بخبر الحمل إلى صدمة أنّ طفله القادم سيكون مريضاً بمتلازمة داون، وإصراره منذ البداية على إسقاط هذا الجنين بغض النظر عن رأي زوجته أو حالتها النفسية والصحيّة، حتى لو أدى الأمر إلى ارتكاب جريمة قتل زوجته«'فجأة تأتي الحلقة الأخيرة وعبر دقائقها المعدودة فنراه وهو يفقد عقله كلياً، ويدخل مصحة للعلاج، يتعافى ويعود إلى حياته وفي مشهد واحد يرى ابنه ويتقبله!! إنّ هذا التقبل للطفل كان يكفي وحده لو امتد إلى مساحة أطول لا تتوازى بالضرورة مع مساحة الحلقات الماضية، لكنها لا تُجتزأ إلى دقائق، خاصة وأنّ تقبل الأب لطفله من الأهميّة الدرامية بمستوى تقبله لخبر مرضه ورفضه لهذا الطفل.

هذا الخلل في التقسيم الزمني أكثر ما يبدو واضحاً في الحلقة الأخيرة من مسلسل 'أهل الراية' في جزئه الثاني، حيث حظيّ زفاف أحد شخصيات العمل بأكثر من ثلثي مساحة الحلقة، ليأتي الثلث الأخير مُثقلاً بجنون المرأة الشريرة 'دلال- كاريس بشار' وتعرضها لطلق ناري تموت على أثره ثمّ قيامها من الموت، هذا القيام الذي لم يكن بالإمكان فهمه سوى كفقعة فنية تُبشّر بالجزء القادم من العمل. هذا طبعاً إلى جانب مجموعة أخرى من الأحداث رُكِبَت جميعها في الدقائق الأخيرة من الحلقة الأخيرة. وفي ذات السياق القائم على عدم التوازن كان مسلسل 'أبو جانتي' الذي أحبّ أن يتوسّل مشاعر متابعيه إلى النفس الأخير، فسُحِبَت التكسي من بطلها 'أبو جانتي- سامر المصري' في انقلاب درامي مُفاجئ كاد أن يُبكي المشاهدين، ومن ملك نفسه لحظتها سالت دموعه إثر دموع ملك التاكسي البهيج بصخب زائد يُقارب الضجيج طوال الحلقات الـ29 الماضية.

أمّا أسوأ حلقة أخيرة، سياقاً على 'أوسكار' أفضل الأفلام، فكانت الجائزة من نصيب مسلسل 'ما ملكت أيمانكم' ومخرج العمل 'نجدت أنزور' الذي فاجأنا طوال حلقات العمل الثلاثين بأخطاء فنية لا تليق باسمه حقيقة، وخاصة المشاهد الطويلة جداً- بعضها امتد لقرابة الخمس دقائق مع قطعات مونتاج- والمتكررة لحوار الأطراف الدينية مع بعضها وبحثها في قضايا الجهاد الإسلامي والفرق بينه وبين الإرهاب على شكل ان اثنين يتبادلان الحوار على صفحات الانترنيت والكومبيوتر المحمول، وهذا الشكل في تقديم الطرح الفكري هو أضعف الأشكال الفنية على الإطلاق، حتى أنّ التقرير الإخباري يتفوق عليه درامياً، ونتساءل هنا عن لجوء مخرج مثل 'نجدت أنزور' إلى هذا الحل الإخراجي الواهن، فكيف وأنّ النهاية قامت في جزء منها على أنه كُتبَ للمشاهدين ما حدث للأبطال، حيث كُتبَ أنه ستتم إعادة فتح ملف إحدى القضايا التي كانت محوراً من محاور العمل الدرامي وهي قضية فصل أستاذ مدرسة إثر شكوى أحد طلبته بأنه تعرّض للاعتداء من قبل هذا الأستاذ، لنتابع طوال أكثر من عشر حلقات اللا تغيّر في حالة الأستاذ اليائس والمُحبط والمُنهار عاطفياً وفكرياً واجتماعياً بعد ردّه الضعيف والانفعالي غير العقلاني على التهمة الموجّهة إليه، ثم سنأمل نحن المشاهدين أن يكون في إعادة فتح القضية نهاية سعيدة لحياة هذا الأستاذ المهنية.

نورد أمثلتنا هذه كنماذج عن نجاح أو إخفاق الحلقة الأخيرة في عمل كسبَ حب المتابعين وحقق جماهيرية عالية وحضوراً نقدياً قد يكون إيجابياً وقد يكون سلبياً لكنه عمل فني أثار الجدل في النهاية، بأمل أن ينجح القائمون على هذه الأعمال وسواها ممّن عانت إشكالات فنية مماثلة في تجاوز هذه الإشكالات ومراعاة شروط الجزء الأخير من عملهم الفني بما يضمن للعمل الفني مزيداً من النجاح ولأصحابه مزيداً من التألق، وينفذ بالدراما السورية من مطبٍ جديد وهي التي تحاول تجاوز أزماتها الأخرى والبقاء على مستوى المنافسة والتفوّق مع الدراما العربية الأخرى.

القدس العربي في

24/09/2010

 

البساطة في مناقشة قضايا كبيرة

ضيعة ضايعة: السياسة حين ترتدي ثوب الكوميديا

دمشق – من راشد عيسى 

صناع المسلسل الناجي من عثرات الكتابة والإخراج عرفوا كيف يوظفون الكوميديا في نقد الفساد وبعث رسائل سياسية.

اختلف الجمهور والنقاد حول الأعمال التلفزيونية السورية التي عرضت أخيرا على الشاشات العربية، غير أنهم أجمعوا على أن الناجي الوحيد من عثرات الكتابة والإخراج هو المسلسل الكوميدي "ضيعة ضايعة" من تأليف ممدوح حمادة وإخراج الليث حجو. فهل كانت جرعة السياسة ونقد الفساد التي أحسن صناع العمل إخفاءها هي سر هذا النجاح؟

في حلقة حملت عنوان "زمور الخطر" راح سكان قرية "أم الطنافس الفوقا" وهي قرية مفترضة ورمزية، يتدربون على ما يجب فعله أثناء إطلاق الزمور. لكن عطلا أصاب الزمور جعل النفير معلنا طوال الوقت، كما جعل سكان القرية في حالة استنفار، فخطر للشرطي أن يأخذ قيلولة ويترك النفير مدويا. ويختم المشهد بكلمات على الشاشة تقول إن القيلولة استمرت إلى يومنا هذا.

مشاهدون كثر لم يروا في زمور الخطر سوى قانون الطوارئ، لكن المخرج الليث حجو في حديث لوكالة قال "إن زمور الخطر هو كل أشكال السيطرة على الناس، لكن القول إنه يرمز إلى قانون الطوارئ قد يكون تضييقا للمعنى".

وفي ما إذا كان يصنف مسلسله كوميديا سياسية قال حجو "نحن لا نسميها كذلك، ولا نريد أن نقحم العمل بما هو أكبر من حجمه. الناس تريد أن تراه كوميديا من دون أي مقولات".

أما الكاتب ممدوح حمادة، المقيم في بيلاروسيا فقد قال "الناس قيموه كذلك نتيجة للرسائل السياسية التي حملتها بعض حلقاته، ولكن بعض الحلقات كان بعيدا كل البعد عن السياسة واكتفى بصراع الطبائع والمعاناة الإنسانية العامة"، وأضاف "الرسائل السياسية كان المقصود منها الوضع العربي بشكل عام".

ولدى سؤاله إن كان واجه أي مشكلات مع الرقابة في الجزء الثاني من المسلسل الذي عرض حصريا على قناة "أورينت" السورية التي تبث من دبي، قال "على الإطلاق، ونحن الآن بصدد تقديم أوراق العمل للتلفزيون السوري".

وأضاف "لا نريد أن نجعل العمل عدائيا، علينا أن نترك قناة للتواصل، وليس مشروعنا التذاكي على الرقابة".

اللافت في هذا العمل، الذي حظي جزؤه الأول بمتابعة واسعة في سوريا، أنه محكم بمختلف عناصره، كتابة وإخراجا وتمثيلا وموسيقى، وبمقدار ما يبدو بسيطا بلا رسائل ولا يرمي إلا إلى الضحك البريء، يبدو محملا برسائل كبيرة.

يبحث المسلسل في واحدة من حلقاته عن "أم الطنافس التحتا"، فطالما أن هناك أم الطنافس الفوقا، فلا بد من وجود أخرى تحتها. ذلك يستدعي الآثاريين للبحث في طبقات الأرض، وحين يتم العثور على كنوز أثرية يقتحمها مجهولون ويسرقونها، وعندما تستنفر القرية لمواجهتهم، وعلى رأسها رئيس المخفر، يلاحظ الأخير أرقام سيارات اللصوص، فيتعرف فيها على جهات أكبر من أن يطالها، فينصح أهل القرية بالعودة إلى بيوتهم.

وفي حلقة "تملق" تأمر السلطة الناس بأن يكفوا عن التملق و"تمسيح الجوخ" والتعبير عن آرائهم بحرية، ولكن من لم يعرف في حياته سوى التملق، يعجز عن معرفة الطريق إلى غيره، تنتهي الحلقة بأن الناس يطالبون السلطة بسجنهم، ذلك أهون عليهم من حرية التعبير، ومن التخلي عن التملق.

أما الحلقة التي أثارت الحزن في النفوس، فتلك التي يصحو فيها أهل القرية وهم على حال من الكآبة واليأس، تسميها الحكومة "ظواهر مدهشة". تحاول الحكومة عبر مخفر الشرطة أن تدفعهم إلى الابتسام والخروج من حالتهم، فليس العبوس مناسبا للسياحة، وللأجانب الذين يلتقطون صورهم. لا تفلح الحكومة في بث الحياة، كل الاقتراحات تخيب، فلا الأعمال الكوميدية، ولا رفع الأدرينالين بالخطابات الرنانة، لا الإغراء ولا التهديد، يبدو أن القرية تمارس عصيانا عن الضحك.

الحلقة الأخيرة كانت الأكثر إثارة للجدل، لا لشيء، إلا لأنها تغلق الباب أمام جزء ثالث من العمل، فسكان القرية يعثرون على علب معدنية مدفونة في بئر قريبة، يتوازعونها بينهم على أنها دهان يطلون بها بيوتهم، لكن تلك لم تكن سوى نفايات نووية تصيب جميع من بالقرية بالمرض. نهاية تذكر بماكوندو، قرية "مئة عام من العزلة" التي يأخذها الطوفان في ختام رواية ماركيز الشهيرة.

المشاهدون غضبوا مرتين، أولا لأنهم انتظروا من هذه الكوميديا نهاية سعيدة غير هذه المأساة، ثم ان الجمهور لا يريد إقفال هذا الفصل الجميل من حياة الدراما السورية.

ميدل إيست أنلاين في

24/09/2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2010)