جديد حداد

خاص بـ"سينماتك"

حول الموقع

خارطة الموقع

جديد الموقع

سينما الدنيا

اشتعال الحوار

أرشيف

إبحث في سينماتك

إحصائيات استخدام الموقع

 

"السر".. الخيميائيون الجدد...

ودعوة لتعاليم جماعة البارا- ماسونية

رانيه عقلة حداد* خاص بـ"سينماتك"

تخيل نفسك مغناطيس يجذب اليه الاشياء... ان لكل فكرة ذبذبة خاصة، وعندما تفكر بافكار ايجابية وتتخيل الاشياء التي تحلم بها بعقلك، وتعيش الحالة، بهذا ترسل الى الكون اشارات او ذبذبات ايجابية وهو بدوره يتجاوب معها، فتجذب كالمغناطيس من الكون ما كنت تحلم به، هذا هو السر الذي يقدمه صناع الفيلم الاميريكي الديكودرامي "السر" انتاج 2006، اخراج (درو هيروت) الى جميع المشاهدين في العالم.

اسلوب غير علمي

اذن وفق صناع الفيلم السر هو قانون علمي (قانون الجذب)، لم يعرفه سوى قلة قليلة من الناس عبر التاريخ ومعرفتهم به جلبت لهم النجاح، الابداع، والسعادة في الحياة لهذا حجبوه عن العامة، لكن صناع الفيلم ارادوا الان ان يكشفوا عبر الفيلم هذا السر العظيم الذي كان محاطا بالكتمان للبشرية جمعاء، لتنعم بالمال والنجاح والسعادة بعد ان كانت مقتصرة على الاقلية التي حرمتهم منه، ومن هؤلاء الاقلية عبر التاريخ –كما يذكر الفيلم - شكسبير، نيوتن، انشتاين،هوغو...

فيجب ان نكون ممتنين انه وجد من يقدم لنا السر العظيم على طبق من ذهب، ويكشف لنا هذا القانون العلمي ونحن في بيوتنا، لانه ان آمنا به وطبقناه ستكون حياتنا في غاية الروعة، فاذا حلمنا بسيارة مثلا، فقط كل ما علينا عمله هو ان نفكر فيها بعقلنا مررا وتكررا، ونتخيل انفسنا نركبها ونعيش الحالة الشعورية والفرح عند تخيل ركوبها، لاننا بهذه الفكرة والحالة التي نعيشها نرسل اشارة الى الكون، فيقول عندها الكون لنا امرك مطاع وامنيتك متحققة.

اللافت في "السر" انه يقدم قانون علمي بشكل واسلوب غير علميين، فلتقديم اي قانون علمي، يجب ان يكون قد تم اثباته بعد خضوعه للبحث والتجربة من قبل علماء لمدة من الزمن، ثم الاعتراف بها من قبل هيئات متخصصة ومخولة لذلك، لكنهم في "السر" يعتمدوا على شهادات بعض الاشخاص من تجاربهم الحياتية غير الخاضعة للدراسة، والاستفادة من الصفة الوظيفية للمتحدثين للايحاء بان ما يتحدثون به علمي، ويمكن تصديق هذا لحد ما عندما نقرأ تحت اسم بعض المتحدثين الذين يشرحون الفكرة كلمة طبيب، او عالم فيزياء كمية، لكن البعض الاخر مقاول، كاتب او مؤلف كتاب حساء الدجاج من اجل الروح، او معلم، معالج طبيعي، هذا مؤشر ان الاشياء التي يتم شرحها غير علمية، وعندما نواصل متابعة مهن باقي الشارحين للقانون العلمي فهم ايضا بعيدون عن الاختصاص؛ فيلسوف، ميتافيزيقي، عالم نفس، مستشارة فونغ شوي، كاهن، مؤمنة بالتعاليم الابراهيمية، مما يجعل الحديث اقرب الى الفلسفة او الدعوة الدينية من الحديث العلمي واثبات الحقائق العلمية، وخصوصا عند ورود على لسان اغلبهم كلمات تدعم هذه الفكرة، مثل "عليك ان تعتقد"، "ان تؤمن"، "نريدك ان تذهب الى مكان تمتلك فيه افكارك"، فيتحدث الينا هؤلاء الاشخاص بلقطة متوسطة مباشرة وهم ينظرون الى الكاميرا تنم عن اسلوب وعظي مباشر، ويستخدم بعضهم تشبيهات علمية وتارة خرافية مثل: "تخيل نفسك مغناطيس"، ومن ثم " الامر كما لو انك تفرك مصباح علاء الدين فيظهر المارد (الذي هو بمثابة الكون) ويقول لك طلباتك اوامر".

لمحة من سر عظيم

الاسلوب المتبع في المشهد الاول من الفيلم، حيث تفتح فتاة يائسة من حياتها كتاب مهمل في حقيبتها، وتبدأ رحلة اكتشاف السر الذي ينطوي عليه الكتاب، وعندما تفتحه ينبعث نور، ثم تتوالى مجموعة لقطات سريعة تظهر كيف سُرق السر كلمحة خاطفة، فتأخذ المرأة نفَسَها وهي تُغلق الكتاب، وتترك المشاهد في حالة من الترقب والفضول لمعرفة هذا السر، بعدها تعطيه قدرا من الراحة، عندما تقرر ان تنعم عليه وتطلعه على هذا السر الذي كان مقصورا على القلة، وتم اخفاؤه منذ عهد الفراعنة، لتبدأ رحلة المعرفة، واستخدام هذا الاسلوب يضعه ضمن زمرة افلام الاثارة والتشويق وليس الافلام الوثائقية العلمية.

المدخل الذي استخدمه صناع الفيلم لتقديم  الفكرة يدعونا للتفكير، فبعد المقدمة السريعة والمثيرة التي تحدثنا عنها، يهدأ الايقاع وتبدأ الشخصيات بالتحدث الى المشاهد بأسئلة تضرب على وتر حساس عند كل انسان مثل: ما نوع البيت الذي تريد العيش فيه؟ هل تريد نجاحا في حياتك؟ هل تريد معجزات الشفاء او معجزات مالية؟ ومن منا لا يرغب ان يحقق احلامه بالثراء والحب والصحة... فكيف اذا كانت مختلف الشخصيات المتحدثة في الفيلم تعده بالحل الاكيد، فالسبيل سهل والطريقة بسيطة ما على المرء سوى ان يجلس في مكانه، وبافكاره فقط سيتمكن من تغيير شكل حياته ولكن على افكاره ان تكون ايجابية كي تتحقق، هنا مربط الفرس في الظاهر يريد صناع الفيلم ان يمتلك المشاهد معرفة كيفية تحقيق الاماني وهم يقدمون سر الطريقة، لكنهم من خلال العمل يبثوا بافكار من بين السطور... ان كنت لا تملك المال وعاطل عن العمل وهناك بطالة مثلا، هذا ليس عيبا في الحكومة، انما انت المسؤول لانك جاهل بقانون الجذب، وان يكون هناك قلة قليلة ثرية وغالبية فقيرة، ذلك ليس لان هؤلاء يبنون ثروتهم على حساب الفقراء، او لانهم فاسدون، بل لانك لم تتخيل في عقلك  - حسب قانون الجذب -انك غني، لذلك الكون لم يستجب لك... اذن عليك بالجلوس والتفكير، من غير عمل تستطيع ان تغير  واقعك ... وغير ذلك الكثير.

في النهاية  فيلم "السر" على الرغم من كونه فيلم فيديو وليس سينما، باع في امريكا وحدها اكثر من 2 مليون نسخة، حققت اكثر من ستين مليون دولار عائدات لصناعها، ولنا ان نتصور سرعة انتشار الافكار التي تم تمريرها من بين سطور الفيلم.

حقيقة السر

من البداية الاولى حيث اللقطات الخاطفة التي لا تكاد تُدرَك عندما تفتح الفتاة الكتاب، واستخدام اسلوب الاثارة والتشويق الذي لا يتلاءم مع طرح فكرة علمية، قادني للتدقيق والبحث مطولا عن حقيقة السر، وعما يكمن في ثنايا الفيلم، وبالمشاهدة البطيئة كادر كادر لللقطات السريعة تبدأ الحكاية، فعندما تفتح الفتاة الكتاب فلاش ثم نرى شاب يقوم بنسخ السر من احد غرف اهرامات الفراعنة المحصنة، وفي عمق الغرفة على الجدار يظهر حورس حاملا بذراعه مفتاح الحياة، وعلى كفه تستقر نجمة داوود السداسية وبداخلها دائرة مقسمة، هذه الرموز تكاد لا تُلمح مع الاضاءة الخافتة وسرعة اللقطة، ومن هنا يبدأ صناع الفيلم بالتأسيس لدعوتهم وللتأثير على المشاهد، لان حتى اللقطات التي لا يدرك رؤيتها المشاهد ظاهريا، علميا يتم تخزينها في الدماغ – كما هو الامر مع  القراءة التصويرية، ولهذه الرموز مرجعيات فمن المعروف ان نجمة داوود هي من الرموز الماسونية، اما الدائرة المقسمة - بعد البحث الموسع - هي عجلة الروح التي ترمز للخالق عند جماعة الروزاكروشن، ووجودها داخل نجمة داوود يشير الى احد الجماعات التي تزاوج ما بين الماسونية والروزاكروشن، وهم الجماعة يطلق عليها اسم (البارا- ماسونية)، هذه هي هوية صناع الفيلم، والدعوة الى تعاليمهم ورؤيتهم هي ما يتم تقديمه من خلال الفيلم، على اساس ان لهم جذورا وتواجد يعود لايام الفراعنة، وهذا ما يشير اليه محتوى تلك اللقطات السريعة.

على مدار الفيلم يستمر دماغ المشاهد بتلقي مجموعة اشارات ورموز بصرية وفكرية ماسونية وروزاكروشنية، فضمن تلك اللقطات السريعة التي تزيد عن الدقيقة، يتم ادراج لقطة لورقة الدولار الامريكي التي لا علاقة لها في سياق الحدث، والمطلع ولو قليلا على الحركة الماسونية يعلم ان خلفية ورقة الدولار تحمل رموزا ماسونية؛ كالهرم الذي تتوسطه العين وهي رمز للعين الكلية، او الرؤية للكون، او الخالق، ثم يتكرر ظهور العين البشرية بلقطة كبيرة جدا للتأكيد على هذا الرمز من حين الى اخر، ثم تتابع اللقطات السريعة انتقال السر عبر العصور، فتظهره بيد كاهن يضع في صدره صليبا على تقاطعه توجد جوهرة وردية، وهذا هو الرمز الذي تتخذه جماعة الروزاكروشن دون ان تكون لها علاقة بالمسيحية، ثم ينتقل السر لزمن اخر فتظهر النجمة الفلكية (المندالا)؛ التي هي احد رموز اهل الخيمياء والسحر والتنجيم، الذين يشكولون الجذور الايمانية للروزاكروشن، وتنتهي هذه اللقطات بلقطة مطبوعة فوق لقطة اخرى تحمل جزء من اسم الجماعة (الروزاكروشن) بشكل شفاف وغير واضح تماما، يمر سريعا دون ان يُلمح او يفهم، لكن بالتأكيد يؤدي الوظيفة المبتغاة، وهو ترسيخ وجودها في دماغ المشاهد، حيث تعاود هذه للقطة للظهور - مثل رمز العين - من حين لاخر، كفلاش سريع تشكل فواصل للفيلم.

من هم الروزاكروشن

بحسب موسوعة الويكبيديا (الروزاكروشن) هم جماعة سرية تعود بجذورها الى تعاليم غربية غامضة، وتتعامل بالخيمياء والسحر وتتبنى بعض رموزها، هناك رواية تقول انها نشأت في بداية ظهور المسيحية لتقضي عليها بالاعتماد على الغموض الفرعوني، وتنسب الى مؤسسها الرحالة الالماني كريستيان روزاكروش، الذي جاب في تجواله بلاد المشرق كالمغرب وفلسطين، وتلقى تعليمه على يد اساتذة السحر والتنجيم والخيمياء فيها، واصبحت الجماعة معروفة في مطلع القرن السابع عشر ميلادي بعد ان تم كشف ونشر ثلاث وثائق مجهولة تشكل بيان الجماعة التأسيسي منها وثيقة الزواج الكيميائي، واخويات الفاما، ويطلق عليهم ايضا اخوية الصليب الوردة (الروز كروس) نسبة للشعار الذي يتبنوه وهو صليب يتوسط نقطة التقاطع فيه وردة حمراء، على الرغم من انهم لا يتبعون التعاليم المسيحية انما السحر والتنجيم.

تأثرت بعض جماعات الماسونية في الروزاكروشن كما اسلفت، فاصبحت تجمع بين الاثنتين ودمجت رموزهما، وهم من يطلق عليهم (البارا- ماسونية)، اذ انه من الممكن لاي شخص ان ينتمي الى الروزاكروشن، فهم ليسوا بجماعة دينية وفقا لموقعهم الالكتروني، انما هم طريقة لتطوير قوة عقل الانسان والانجازات الشخصية.

الخميائيون الجديد

اما الاشارات الفكرية فهي تقديم احد تعاليم جماعة الروزاكروشن الذي يُدعى (قانون الجذب)، ويتم شرحه على امتداد الفيلم من خلال المتحدثين، بالاضافة الى مشاهد تمثيلية توضيحية تعلم المشاهد تقنيات تحكم الانسان بقوة عقله، من اجل تغيير الاشياء باتجاه ما يرغب عبر هذا القانون، ومن اهم ما تؤمن به الجماعة ان كل شيء في الكون هو طاقة، وكل شيء فيه يمكن تغييره بالقوة الخلاقة للعقل، فتقدم الجماعة تعليم تطبيقات عملية على كيفية التحكم بقوة العقل، من خلال برمجته ببرمجة ايجابية كما لو انه كمبيوتر، فاي خطأ في البرمجة ينتج عنه خلل ما مرض، فقر، تعاسة، وامّا البرمجة الايجابية تنتج شفاء من الامراض، سعادة، ومال، وهذا ما يسمى بالخيمياء العقلية او الروحية.

اذا كان الخيميائيون القدماء يدعون القدرة على تحويل المعدن الى ذهب، فالخيميائيون الجدد يدعون القدرة على تحويل المرض الى صحة وقلة المال الى غنى، والحزن الى فرح، فهم يؤمنون بقوة الشفاء الروحي التي تشرح من خلال اسرار الفراعنة وجماعات التنجيم والسحر، وبالبرمجة الايجابية للعقل الانساني المؤثرة في العقل الكوني الكلي.

كاتبة في الصحافة السينمائية -الاردن

raniahaddadus@yahoo.com

سينماتك في 12 يناير 2008

 

 

خاص بـ"سينماتك"