Our Logo

 جديدكتب في السينماجريدة الأيامجريدة الوطنالقديم.. الجديدملفات خاصة  

 

كتب أمين صالح في السينما

صدر هذا الكتاب عام 2002، عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" في بيروت ـ بالتعاون مع إدارة الثقافة والتراث الوطني في مملكة البحرين......

كتب في السينما

 
اضغط لتحميل الكتاب والتمتع بقراءته

أندريه تاركوفسكي

النحت في الزمن

ترجمة: أمين صالح

الفنان لا يبحث عن التجربة بل يخلقها

تاركوفسكي يجمع بين المذكرات والتجربة الفكرية والرؤية الشعرية.. والنقد في «النحت في الزمن»

امستردام (هولندا): ياسين النصيِّر

قارىء هذا الكتاب يجد أن ميدان المخرج السينمائي اندريه تاركوفسكي، هو الحياة، والشعر والموسيقى، وملاحظاته عن أفلام الآخرين تصب في هذه الثلاثية. ففن السينما عنده خبرة وبحث، ومن يراجع المفردات التي يتعامل بها، يجدها مشاريع فلسفية كبرى، قبل أن تكون أفكاراً لفنان يعالج في ضوئها مسيرته. فهو يولي أهمية قصوى لخبرة الإرادة في الإنسان

هذا ليس عنوانا لقصيدة، أو قطعة موسيقية، بل هو عنوان لكتاب مهم في السينما، مؤلفه المخرج الروسي أندرية تاركوفسكي، الذي توفي في المانيا عام 1986، وترجمه القاص أمين صالح للعربية بطريقة كما لو كان هو مؤلف الكتاب.

قبل الدخول في مادة الكتاب، نوضح معنى الزمن ومعنى النحت في الزمن. الفيلم هو المونتاج - هكذا تقول سينما المونتاج - بمعنى ان المونتاج «هو العنصر المكون والأساسي للفيلم، هكذا كان يفعل انشتاين، كما لو ان الفيلم يتحقق على طاولة الإنتاج، فالمونتاج في السينما يعني، «الانتقاء والموازنة، أو ضبط الأجزاء والقطع». أما مادة المونتاج فهي الصورة، والصورة السينمائية تنشأ أثناء التصوير، وتوجد ضمن الكادر. يأتي للمونتاج بها لطاولة التشريح، وعليها يبدأ العمل، فمن أجل إعادة إنتاج الزمن في تلك الأجزاء والقطع التي يجلبها المونتاج من القطات المليئة بالزمن والتي تنظم البناء الموحد و تجعل الزمن يجري عبر شرايين الفيلم بسهولة، يبدأ انتقاء وموازنة اللقطات وضبط الأجزاء والقطع بوحدة شعرية ليس فيها ما يخل بسياق الفيلم أو يغير من مساره او يجعل جانبا اغنى من الآخر، فالزمن هو توازن بين القطع والأجزاء، هو شعرية اللقطات المعروضة، هو السياق الفني الذي ينظم كل بناء الفيلم. هذا الجريان، هو الذي يجعل الفيلم، حيا ومتقداً، وذا ثقل إيقاعي متنوع.

كيف نقرأ هذا الكتاب المهم في النقد السينمائي؟ لا شك ان القراءة لوحدها لا تكفي دون مشاهدة الافلام التي اخرجها ومن بينها فيلم «المرآة» الذي يكرس تاركوفسكي حديثا واسعا عن تجربته فيه. الكتاب يجمع بين المذكرات، والعمل، والتجربة الفكرية، والرؤية الشعرية، والنقد لتجارب مجايليه، وما سبقه من المخرجين. لذا فهو كتاب نقدي بسياق اليوميات، والفصول التي احتواها تشير إلى جملة مسائل فنية منها العلاقة بين الأدب والسينما، وهي علاقة ما زالت غامضة، وكيف تتحول الكلمات إلى صور، وكيف يكون المونتاج فاعلا في المزاوجة بين الاثنين. الكتاب يبحث مثل هذه العلاقة التي بدأت بالتجارب السينمائية الجديدة وهي تنفصل عن الأدب، خاصة حينما وجد فن السينما أن عوامل قيامه فنا مستقلا قد نضجت في تجارب المخرجين العباقرة في القرن العشرين، التي اعتمدت على تكوين وبنية ثيمات سينمائية خاصة بفن السينما بعيدة عن الأدب. ومن المسائل التي يطرحها الكتاب الابتعاد عن الحكاية، أو الحدوتة، واعتماد بينة الصورة والتقطيع، وهو منحى فني يخلص السينما من الحكاية وتتابعها، ولذا يولي الكتاب المونتاج أهمية استثنائية فيحسب المونتاج شعرا. وفي الكتاب تفاصيل كثيرة عن علاقة السينما بالشعر، حتى أنه يستشهد بشعر الكثيرين ومن بينهم والده الذي يدخل غالباً اشعاره في افلامه. إن تاركوفسكي يجعل من فن السينما ملحمة بديلة عن الرواية والشعر.

ما يلاحظ على تاركوفسكي أنه يبتدئ بتحليله في المنطقة التي انتهت إليها حادثة ما في تجربته أو تجارب الآخرين. أنه لا يحفل بالبدايات بل بالنهايات، النهايات هي الموقف المهم له، ومنها يبدأ العودة إلى العمل، بمعنى ان تحليلة مرتبط برؤيته وتجربته فهو يمزج بين رؤى وأفكار المخرجين برؤيته، كي لا يبدو أنه يعمل بمعزل عن تجارب سينمائية مهمة، ولا يخرج عن دوائر سبق وان تطرق إليها مخرجون لمجرد الخروج عن سياقهم، فهو يكمل ما بدأوه ولكنه يغير من مسار السينما فنياً باتجاه أن تصبح السينما عنده رؤية حلمية وشاعرية، ترتبط بأهم منجزات الشعرية العالمية، وتلامس قضايا فكرية تجريبية. فالنهاية في أي فن هي خلاصة، لها نواة في استهلال العمل، لكنها تنمو داخل النص وتشترك بلغة وبنية في كل مفردة خلال السياق، وعندما يصل لمرحلة النهاية، تكون قد اكتملت صورتها قبل أن نقرأ آخر لفظة لها. تاركوفسكي لا يحلل، بل يعيد تركيب التجربة له وللآخرين، منطلقاً من فهمه الشعري للسينما، من أنها ليس فناً واحدياً، بل مجموعة فنون متجاورة. لذا فهو لا يستشرف مستقبلاً ما، له أو لغيره، بل يعيد تكوين الزمن كنص مشترك بين كل التجارب، ويعيد تشكيل ذائقة المشاهد لما بعد الحداثة، لأنه يشعر أن السينما فن محفز، وليس فنا مخدراً، تجلس لتشاهده فقط.ومن هنا جاء عنوان مذكراته ويومياته وكتاباته «النحت في الزمن». وقد يعني، وهو كذلك، زمن الفيلم وإيقاع اللقطات، لكن زمن النهايات معني ايضاً إن لم يكن هو السياق الذي يتعامل معه.

قارىء هذه التجربة يجد أن ميدان تاركوفسكي، هو الحياة، والشعر والموسيقى، وملاحظاته عن أفلام الآخرين تصب في هذه الثلاثية. ففن السينما عنده خبرة وبحث، ومن يراجع المفردات التي يتعامل بها، يجدها مشاريع فلسفية كبرى، قبل أن تكون أفكاراً لفنان يعالج في ضوئها مسيرته. فهو يولي أهمية قصوى لخبرة الإرادة في الإنسان، هذه الخبرة في نظره هي: القدرة على تقييم الظواهر الاجتماعية، وهذا يعني أن الإرادة موقف من المجتمع والسلطة والخطط التنموية، كما يؤمن بالتضحية التي تشكل الطريقة الطبيعية والأساسية لكل كائن بشري، ففيها خدمة للآخرين، وبحث عن الوجود، ويرى أيضاً ان الانسان أن لايكون ضعيفاً، بل عليه أن يفعّل وجوده بالإرادة، وأن يُشعر الآخرين أن للفرد طاقة الجماعة أيضاً، لان السينما تعتمد على الحياة، لذا تستدعي كل أخضرار العالم وديمومة حركته، ففن السينما ليس فنا يحكي، بل فن يخلق، ويكون، فهو ممارسة وجودية، وليس مجرد خبرة لفنان رأى في هذه الحادثة أو تلك ما يستطيع قوله.

في سياق البنية الفنية، يتعامل تاركوفسكي مع الفيلم كلوحة فنية،كوحدة متكاملة يتعذر تقطيع اوصالها، ويأخذ لوحة المونوليزا لدافنشي مثالا، فعندما تجزؤها برؤيتك لها، لا تحصل على لوحة فنية، بل على اجزاء ميتة. إن كل فاصلة في اللوحة هي كل اللوحة «ذلك لأن الوظيفة الرفيعة للصورة الفنية هي أن تكون نوعاً من الكاشف اللامتناهي الذي نحوه تمضي اسبابنا ومشاعرنا محلقة «فالصورة الفنية الحقيقية تمنح الناظر تجربة متزامنة من المشاعر الأكثر تعقيداً وتناقضاً» ففي كل لحظة ترى فيها لقطة عليك ان تعرف أنها مؤلف من التناقض، وعلى المخرج أن يضع العمل الفني دائما في سياق تجربة ذاتية، لأن خصوصية العملية الفنية تتطلب أحاسيس ذاتية وفي الوقت نفسه تكون ممتلئة بالفنية الجماعية. هذا الفعل هو اللامتناهي في التجربة وأبدا لا تغلق التجربة الفنية على بداية او نهاية إنها كما يرى تيارا جارفا متدفقا من الحب، لأن المشاهد سوف يضع العمل الفني وفق هذه الكيفية التي يراه فيها ضمن «مصلحته أو فائدته «أنه يضع العمل في سياق حياته».

وفي الوقت نفسه يجد تاركوفسكي ان دراسة فن السينما لا تخرج سينمائيين، قد يشعر طالب الفن بعد أن يقضي سنوات الدراسة أنه اصبح، ومن حقه، أن يكون ممثلاً او مخرجاً، لكن الشهادة لا تصنع فناناً، بل الخبرة والرؤية والموقف والمشروع وابتداع الموضوعات التي تغني المشروع الفني والفكري، ثم الموهبة المستخلصة من معايشة الفن، ومتابعة تطوراته، ووجود ظروف مؤهلة لصقل التجربة، اضافة إلى الدراسة التي تشكل الأساس، ثم وهذا الاهم هو أن يكون لديك مشروعك الخاص، الذي تفهم به مفردات السينما بطريقة غير مدرسية وبرؤية شاعر وبقدرة فنان وبتجربة ذاتية عميقة الصلة بالوجود.

ويستخلص تاركوفسكي من تجربته آراء مهمة، حين يكون الحديث عن الحياة أهم من الحديث عن الفن، فالفن يعكس الحياة ويعكس رؤيتك لهذه الحياة، لذا فهي المعين والمصدر والحقل المنتج، أما المخرجون، فيقطفون ثمار التجارب الحياتية لكل البشر.

يفرق تاركوفسكي بين المهني المحترف والمخرج الفنان، المحترف يمكن أن يبحث عن حادثة ويصوغها لك تجربة مكتوبة على الورق، ويقول لك هذه التجربة حياتية، سبق وأن حدثت، وعاشها ناس، وتمثلت في هذه الشريحة من المجتمع أوتلك، ولها قضية اجتماعية أو شخصية، ويمكن أن تعود لتاريخها وما هو مدون عنها، وثمة بقية لها ممثلة بناس عاشوا تلك الفترة وشهدوا أحداثها، ولذا يمكن أن تأتي بهم للمحاكم كي يشهدوا على ما جرى، هذه الكتابة على الورق مشابهة لما جرى في الحياة. مثل هذه الخبرة البحثية تصنع سينما، يقوم بها متحرفون، ويستطيعون أن ينتجوا أفلاما سريعة، ومقبولة لدى شرائح عريضة من الناس. لكن عمل المخرج الفنان هو «الرصد الدقيق للحياة، وقد انتقل في صور مجازية فنية.وعلى المخرج الفنان أن يجد، لا أن يبحث، هذا هو جواب بيكاسو أيضاً عن تجربته عندما سئل: هل تبحث؟ قال لا أنا لا ابحث ، أنما أجد».

الشرق الأوسط في 26 ديسمبر 2007

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2012)