جديد الموقع

 
 
 
 
عنوان الصفحة:

«بمناسبة احتفال «سينماتوغراف» بمئوية ميلاده: ملف خاص عن «صلاح أبوسيف»»

 
 
 
 
   
 

بمناسبة الاحتفال بمئوية ميلاده:

ملف خاص عن

«صلاح أبوسيف»

في «سينماتوغراف»

 

«سينماتوغراف»

مجلة عربية متخصصة تصدر من دبي

 
 
 
 

الإفتتاحية:

 
 
 

مئوية صلاح أبوسيف

 
 

مائة عام تمر على ميلاد المخرج الكبير رائد الواقعية فى السينما المصرية صلاح أبوسيف (10 مايو 1915- 22 يونية 1996) أحد أهم المخرجين المصريين الذين عبروا بصدق وشفافية عن واقع المجتمع المصرى على مدى نصف قرن التحم خلاله بالناس وبالواقع، وامتلك رؤية نقدية له، وساهمت أفلامه فى تشكيل وعى أجيال عديدة أثرت فيها وتأثرت بها فى مصر وكافة الأقطار العربية، ومثلت تأريخا واقعيا للمجتمع، وتميزت بالتنوع والثراء والرؤية الثاقبة، والمتعة الفنية الراقية.

وفعلا لا يستطيع أحد أن ينسى أو يتجاهل أفلامه: «الزوجة الثانية، بداية ونهاية، القاهرة 30، السقا مات، الوسادة الخالية، الفتوة، شباب امرأة، لك يوم يا ظالم، الوحش، بين السما والأرض، أنا حرة، المواطن مصرى»، وغيرها من الأفلام، والتى قدم خلالها نماذج شديدة الانسانية بمعالجة صادقة فى التعبير عن الواقع، وهو ما أكده كبار نقاد السينما فى العالم ومنهم الناقد الفرنسى جورج سادول الذى أدهشه ما تحمله أفلام أبوسيف من إلحاح على التناقضات الاجتماعية الصارخة، ومشكلات الأوساط الشعبية مؤكدا أنه مخرج عالمى بكل المقاييس وأحد أهم عشرة مخرجين على مستوى العالم، وقد خلقت أفلامه تيارا لايقل أهمية عن تيار الواقعية الجديدة فى ايطاليا، فيما كتبت الناقدة الألمانية أريكا ريتشر: أنه أستاذ الواقعية فى مصر وأفلامه تعد بمثابة العمود الفقرى لهذا الاتجاه

لقد استطاع أبو سيف أن ينهض بالسينما العربية إلى آفاق عالمية فكانت أول مشاركة مصرية فى مهرجان كان من خلال فيلمه «شباب امرأة» وظهرت بطلته تحية كاريوكا فى المهرجان وهى ترتدى «الملاية اللف» مثل شفاعات بطلة الفيلم فآثارت عاصفة من الاعجاب حولها.

اليوم ما أحوجنا الى صلاح أبوسيف ليعيد قراءة المجتمع المصرى من جديد ويحاول أن يفك طلاسم الشخصية المصرية والعربية التى صارت على النقيض وفقدت فى السنوات الأخيرة روح التسامح والمحبة والايثار، نفتقد صلاح أبو سيف، العين الناقدة التى كانت ترصد سلبيات المجتمع وتحاول أن تعالجها، فقد كان صاحب رؤية وموقف وطني، ولم يشوه مجتمعنا مثل مقاولى الهدم الذين ارتكبوا جرائمهم فى السينما المصرية تحت دعوى الواقعية.

نفتقد صلاح أبوسيف أحد النماذج العصامية التى صنعت نفسها بنفسها، فهو عامل النسيج ابن حى بولاق الشعبى الفقير الذى فقد والده فى سن مبكرة وعاش يتيما مع أمه التى ربته تربية صارمة، حصل على شهادة التجارة المتوسطة وتعلق بالأدب والموسيقى ووقع فى غرام السينما وتمسك بحلمه، وصار يقرأ بنهم شديد كل ما يتعلق بالثقافة، ودرس السينما فى فرنسا وكان فى كل حياته نموذجا للأخلاق والتواضع

يستحق أبو سيف أن نحتفى بمئويته، طوال هذا العام رغم أنها ستكون تحديدا في شهر مايو المقبل، إلا أن تكريمه في مهرجان الأقصر للسينما الأوروبية المقام حاليا دفعنا في «سينماتوغراف» إلى مواكبة الحدث وتقديم هذا الملف تكريما له ولاعماله، لأنه لا يمكننا القول إنه كان مخرجا فحسب بل يُعد صلاح أبوسيف مدرسة إخراجية متكاملة أرست لقواعد الواقعية في السينما المصرية حتى لقب عن جدارة بأبو الواقعية. «سينماتوغراف»

 
 
 
   

صور:

 

 

 

 

 

   
 
 
   

محمود درويش

في يناير 25, 2015

 

 

«أبو سيف».. 41 فيلما على مدى 50 عاما

 

قليلون من المخرجين الذي عملوا بالسينما المصرية استطاعو أن يتركوا علامة مؤثرة فيها، وأن تكون لهم بصمة خاصة تكتشفها بمجرد مشاهدة أعمالهم. وفي هذا الإطار، يجمع الكثير من النقاد المصريين والعالميين على أن المخرج الراحل صلاح أبو سيف كان صاحب أسلوب مميز وواضح ووضع أكبر بصمة تركها مخرج على السينما المصرية من خلال 41 فيلما قدمها على مدى 50 عاما.

ويرجع هؤلاء ذلك إلى اعتبار ابوسيف رائد الواقعية في السينما المصرية الذي دخلها بالصدفة قبل أن يبدأ حتى دراستها

ولذلك لم يكن غريبا أن يأتي 11 فيلما من أفلامه ضمن أهم 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، من بينها 3 أفلام بين العشرة الأول، وهي أفلام «شباب إمرأة» 1965، وجاء في المركز السادس، و«بداية ونهاية» 1960، وجاء في المركز السابع، و«الفتوة» 1957، وجاء في المركز العاشر.

وإلى جانب الأفلام الثلاثة التي صنفت ضمن افضل 10 أفلام مصرية، اختيرت ثمانية أفلام أخرى من أفلام صلاح أبوسيف ضمن افضل 100 فيلم مصري، وهذه الأفلام هي: «الزوجة الثانية» 1967، وجاء في المركز السادس عشر، و«القاهرة 30» 1966، وجاء في المركز الثامن عشر، و«ريا وسكينة» 1953، وجاء في المركز السابع والعشرين، و«السقا مات» 1977، وجاء في المركز الحادي والثلاثين، و«لك يوم يا ظالم» 1951، وجاء في المركز السابع والأربعين، و«بين السماء والأرض» 1959، وجاء في المركز الثامن والخمسين، و«الوحش» 1954، وجاء في المركز السبعين، و«أنا حرة» 1959، وجاء في المركز السابع والتسعين.

وتحمل وجهة النظر تلك قدرا كبيرا من الحقيقة حيث حرص المخرج الراحل على تجسيد فلسفته الخاصة في عمله والتي مفادها أن: «الواقعية تعني أن ترى الواقع وأن تنفذ ببصرك وبصيرتك في أعماقه وأن تدرك وتعي جذور الظاهرة، لا أن تكتفي برصد ملامحها فقط». وهذا بالضبط ما طبقه في أفلامه.

وقد يرجع ذلك إلى بداية عمل صلاح أبوسيف كمونتير في ستوديو مصر، ثم رئيساً لقسم المونتاج بالأستوديو لمدة عشر سنوات حيث تتلمذ على يده الكثيرون في فن المونتاج. وهناك التقى بكمال سليم مخرج فيلم العزيمة، وعمل مساعدا لها في إخراج هذا الفيلم الذي ينظر إليه على أنه أول فيلم واقعي مصري.

ولعل هذه البداية الجادة في مجال الإخراج هي التي صاغت فلسفة ابوسيف وعززها تأثره بتيار الواقعية الجديدة في السينما الإيطالية حين قضى بعضا من الوقت لدراسة السينما في إيطاليا.

فقد كان إطار حرصه على التأكيد على أسلوبه الخاص في الإخراح، يحرص على الاشتراك في كتابة السيناريو لجميع أفلامه، حيث كان يعتبر أن كتابة السيناريو أهم مراحل إعداد الفيلم إنطلاقا من إيمانه «بأنه من الممكن عمل فيلم جيد بسيناريو جيد وإخراج سيء ولكن العكس غير ممكن». لذا فقد كان يشارك في كتابة السيناريو لكي يضمن أن يكون كل ما كتبه السيناريست متفقاً مع لغته السينمائية.

لذلك لم يكن غريبا أن تعتبره الناقدة الألمانية «اريكا ريشتر» استاذ الأفلام الواقعية في مصر. كما اعتبرت أفلامه بمثابة العمود الفقري لهذا الإتجاه. وقالت إن تلك الأفلام يمكن من خلالها دراسة أهم الموضوعات والأساليب والحلول الفنية التي يلجأ إليها الفيلم الواقعي في مصر للقضايا التي يواجهها ويتصدي لها

كما كتب الناقد والمؤرخ السينمائي الفرنسي «جورج سادول» عن أفلامه بقوله: «لقد خلقت أفلام صلاح أبو سيف في مصر تيارا لا تقل فاعليته عن تيار الواقعية الجديدة الذي نشأ في ايطاليا، وأدى إلى خلق موجات جديدة في سينما فرنسا وانجلترا وأميركا». 

وقد عين صلاح أبوسيف رئيساً لأول شركة سينمائية تابعة للقطاع العام في الفترة من 1961 وحتى 1965، وأستاذاً في المعهد العالي للسينما، وعميداً لمعهد السيناريو في القاهرة. كما ورأس مهرجان قرطاج السينمائي الدولي عام 1976.

شغف سينمائي مبكر

ولد صلاح أبو سيف في يوم 10 مايو عام 1915 في محافظة بنى سويف مركز الواسطى قرية الحومة، وتوفي في 22 يونيو 1996.

بدأ شغفه بالسينما منذ وقت مبكر، وكان في طفولتة مأخوذا مسحورا بالسينما الي اقصي حد، حيث كان لا يكتفي بالذهاب الي سينما واحدة في الأسبوع. ولذلك كان يقسم مصروفة الأسبوعي بين أكثر من سينما

وكان اهم حدث في حياة صلاح أبوسيف في تلك الفترة عثورة علي كتاب عن السينما اسمة «كيف تكون ممثلا سينمائيا» بقلم شفيق حنين وبه مقدمة بقلم جمال الدين حافظ عوض. وكان هذا هو أول كتاب قرأة صلاح أبوسيف عن السينما. وقد اشتري الكتاب بقرشين فقط، لانه كان كتابا مستعملاً.

وقد أثر هذا الكتاب علي صلاح ابوسيف تأثيرا كبيرا. فقد كان حتي ذلك الحين يتصور ان الممثل هو كل شئ في الفيلم. الا انه عندما قرأ هذا الكتاب اكتشف ان هناك شخصا آخر اهم من الممثل. وكانت هذه هي أول مرة يعرف فيها أبوسيف معني كلمة «مخرج»، وفهم من الكتاب الدور الذي يقوم به المخرج في السينما.

فقد جاء في الكتاب تعريف لطيف لوظيفة المخرج كما يلي: «في الاستديو ستجد شخصا يجلس صامتاً، لا تقترب منه، ولا تحاول ان تكلمه، لان في مخه كل الفيلم».

فتح هذا الكتاب أمام ابوسيف آفاقا جديدة جعلته يحلم بان يصبح في يوم من الايام صانع افلام، ذلك الرجل الذي يجلس علي كرسي ويظل صامتا وفي مخه كل الفيلم.

متابعة ودراسة السينما

انكب صلاح أبوسيف على متابعة أخبار السينما عن طريق المجلات الفنية التي كان يحصل عليه بشتى الطرق، بل إنه اشتغل بالصحافة الفنية ثم درس فروع السينما المختلفة والعلوم المتعلقة بها مثل الموسيقى وعلم النفس والمنطق خلال فترة عمله بشركة الغزل والنسيج بمدينة المحلة لمدة ثلاث سنوات من 1933 إلي 1936 والتي كانت فترة تحصيل مهمة في حياته وقام خلالها بإخراج بعض المسرحيات لفريق مكون من هواة العاملين بالشركة

ولعبت الصدفة دورها حين التقى بالمخرج «نيازي مصطفى» الذي ذهب الى المحلة ليصور فيلما تسجيليا عن شركة الغزل والنسيج، ودهش نيازي مصطفى من ثقافة أبو سيف ودرايته بأصول الفن السينمائي ووعده بأن يعمل علي نقله إلي استوديو مصر، وتم ذلك بالفعل ليبدأ صلاح أبو سيف العمل بالمونتاج في ستوديو مصر، ومن ثم يصبح رئيساً لقسم المونتاج بالأستوديو لمدة عشر سنوات حيث تتلمذ على يده الكثيرون في فن المونتاج. كذلك التقي في استوديو مصر بزوجته فيما بعد «رفيقة أبو جبل» وبـ« كمال سليم» مخرج فيلم العزيمة، الذي يعتبر الفيلم الواقعي الأول في السينما المصرية، وعمل مساعدا له في ذلك الفيلم في بداية العام 1939 وقبل سفره إلى فرنسا لدراسة السينما

وفي أواخر العام ذاته عاد أبو سيف من فرنسا بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1946 قام بتجربته الأولى في الإخراج السينمائي الروائي بفيلم «دائماً في قلبي» المقتبس عن الفيلم الأجنبي جسر واترلو، وكان من بطولة عقيلة راتب وعماد حمدي ودولت أبيض

وفي العام 1950 عندما عاد صلاح أبو سيف من إيطاليا حيث كان يخرج النسخة العربية من فيلم «الصقر» بطولة عماد حمدي وسامية جمال وفريد شوقي كان قد تأثر بتيار الواقعية الجديدة في السينما الإيطالية وأصر على أن يخوض هذه التجربة من خلال السينما المصرية.

بدء المغامرة

في عام 1950، أعد صلاح أبو سيف سيناريو لفيلم باسم «لك يوم يا ظالم» بالتعاون مع كل من نجيب محفوظ والسيد بدير. وكان فيلما إجتماعيا، يلقي الضوء على حياة إمراة تنقلب حياتها رأسا على عقب بسبب صديق زوجها المنحرف الذي يطمع فيها فيها وفي ماله، فيحاول إغراءها وإبتزازها، ثم يقتل صديقه حتى يخلو له الجو، ويتزوج من الأرملة الشابة، ويسرق أموالها وحليها، ومع الأيام يكتشف أمره ويدخل السجن

وعرض ابوسيف السيناريو علي المنتجين لتمويل انتاجه فرفضوا مغامرته، لكن أحدهم بادره بالقول: «عليك بإنتاج الفيلم بنفسك وسأعطيك سلفة توزيع، مما اضطر أبو سيف إلي إنتاج الفيلم بالفعل، معتزما أن تكون هذه نقطة فاصلة في ممارسته السينمائية، فإما النجاح وإثبات صحة قناعاته والاستمرار وفقها، وإما الفشل والنهاية». 

وقد حقق أبو سيف بأسلوبه الواقعي واقترابه من الجمهور، ما كان يصبو إليه من نجاح، ولاقي الفيلم إقبالاً جماهيرياً ونقدياً كبيراً، وكان من بطولة فاتن حمامة ومحسن سرحان، ومحمود المليجي، ومحمد توفيق

ويقول أبو سيف عن هذا الفيلم: «كان علي أن أدخل مرحلة أخري، فقررت إنتاج فيلم مأخوذ عن رواية إميل زولا «تيريزرا كان»، ولكن استديو مصر رفض إنتاج الفيلم، وكذلك كل المنتجين الذين عرضت عليهم السيناريو. مما دفعني للوقوف أمام نفسي، فهل أنا علي حق أم لا؟ وقررت الإنتاج. فبعت سيارتي، ومصاغ زوجتي وأنتجت فيلم «لك يوم يا ظالم»، وقبل عرض الفيلم بأسبوع، لم أكن أملك قوت يومي، حتي أن الخادم في المنزل كان يرثي لحالي. ». وكان «لك يوم يا ظالم» (1951) فاتحة التفكير في اجتذاب نجيب محفوظ للعمل في السينما، وفاتحة أفلام أبي سيف الواقعية، التي شكلت نقلة فنية مهمة، ليس في مشوار صلاح فحسب، وإنما في مسيرة السينما المصرية بشكل عام.

مشاكل مع الرقابة

في عام 1942، منعت الرقابة فيلمه «العمر واحد» بدعوى انه يثير غضب الأطباء فتم تغيير عنوان الفيلم الى «نمرة 6» لإقناع الرقابة بعرضه

ويدور الفيلم حول أربعة أشخاص ينصبون على الناس عن طريق تمثيلهم أن أحدهم مات بسبب مرضه وأثناء إحد تمثيلياتهم يصر أحد المارة على دفن الميت على حسابه الشخصى فى مقابر عائلته ويصطحب عصابة النصابين لبيته وهناك يفتضح أمرهم ويتم القبض عليهم. والفيلم مجهول فى تاريخ السينما المصرية وتاريخ فنانيه وفنييه، وكان من بطولة اسماعيل ياسين، وحسن كامل، ولطفي الحكيم، وفؤاد منيب، أحمد الحداد، ومحمد راغب

وتعرض ابوسيف لهجوم عنيف من رجال الاتحاد الاشتراكي بعد عرض فيلمه «القضية 68» لانتقاده للنظام السياسي بعد هزيمة يونيو 1967 وكاد أن يضرب خلال العرض الاول.

وفي الفيلم، يكون سكان الحارة من بينهم لجنة لخدمة أهالى الحى الذى يعيشون فيه يرأسها السيد منجد عبدالسلام صاحب منزل فى الحارة، وهو رجل طيب القلب يرى أن حل المشكلات يجب أن يكون بالمصالحة، بينما يرى أحد أعضاء اللجنة المحامى حنفى أن يكون المرجع هو القانون لأن للقانون احترامه وقدسيته، ويعارض الرأى عادل طالب الطب الذى يرى أن القانون يجب تغييره جذريا. وتتفق معه فى الرأى نبيله زميلته فى الحى وتصبح بينهما قصة حب، وتتدخل بينهما الست سنية الخاطبة التى تجرى وراء الرجال الأثرياء كبار السن كى تزوجهم من الفتيات الصغيرات طمعا فى المال، ويتصدع منزل فى الحارة، لذا يحاول الانتهازيون داخل اللجنة أن يصلحوه بينما يزداد الشرخ فى جدار المنزل ويسقط فعلاً ويموت الانتهازيون أسفل أنقاضه.

والفيلم من بطولة صلاح منصور ونعيمة وصفي ومحمود العراقي وحسن مصطفى وعزت عبدالجواد

أيضا تعرض صلاح ابو سيف لهجوم واسع لم يعهده من قبل بسبب فيلم «حمام الملاطيلي» الذي تعرض للايقاف وعدم العرض ثم سمح بعرضه بعد تخفيف بعض المشاهد قليلا. الفيلم رغم انه من انجح افلام صلاح ابوسيف واشهرها إلا أنه كان مليئا بالمشاهد الجريئه والعري الذي تعدي الحدود وقتها وكان له مشاكل مع الرقابة. وتعد قصة الفيلم من أوائل الروايات التي ناقش فيها حياة مثليي الجنس عن قرب، واحتوى الفيلم على بعض المشاهد العارية داخل الحمام الشعبي، وبعض القبلات الساخنة والإيماءات التي تعبر عن إعجاب الرجال بالرجال. ولايزال الفيلم ممنوعا تلفزيونياً حتى الآن،

محطات مهمة

مثل أبو سيف مرحلة مهمة في تاريخ السينما العربية عامة بأفلامه ذات المواضيع المختلفة. ففي فيلم «الوسادة الخالية» الذي أخرجه عام 1957م من بطولة عبدالحليم حافظ ولبنى عبدالعزيز وأحمد رمزي، يصور السعادة المستحيلة في إطار رومانسي راقٍ، مما يجعل هذا الفيلم من أكثر أفلامه رقة وجماهيرية. وفي فيلمه «الفتوة» 1957، بطولة فريد شوقي وتحية كاريوكا وزكي رستم، يبرع في التقاط مناخات السوق الشعبية وصراعاتها المحتدمة مصوراً، بطريقة قريبة من الملحمية، شخصيات تسعى لتجاوز الضيق الذي يطوقها

وقد نجح صلاح ابوسيف في تقديم أفلام ذات مضمون شعبي وإنساني وحتى «اشتراكي»، محرضا بها وممهدا للسينما المصرية التقدمية، مثل «الأسطى حسن»، «شباب إمرأة»، «أنا حرة»، «الوحش»، «بداية ونهاية»، «القاهرة 30»، »لا تطفيء الشمس»، «الزوجة الثانية»، «البداية»، وحتى آخر أفلامه »المواطن مصري».

أما فيلمه «بين السماء والأرض» الذي قدمه عام 1959 فقد كان سابقا لعصره مقدما أسلوبا جديدا للإخراج السينمائي داخل مكان واحد مغلق (المصعد) يضم جميع شخوص الفيلم. ونال الفيلم تقديرا كبيرا من النقاد ولايزال ينال الشئ ذاته حتى اليوم.

وتبدو علاقة أبو سيف مع الريف في فيلم «الزوجة الثانية» الذي أخرجه عام 1967، من بطولة سعاد حسني وشكري سرحان وصلاح منصور وسناء جميل، مختلفة عن الأفلام التي اتخذت الأجواء الريفية مسرحاً لأحداثها، ففي هذا الفيلم يصبح الموضوع وثيق الصلة بقضية الفلاح والصراع الطبقي فضلاً عن روح المرح والسخرية اللتين غلفتا البناء السينمائي الذي يتناول فيه القهر الإنساني ساعياً إلى تقديم صورة واقعية صادقة لما يعانيه الريف المصري من بؤس وتخلّف وإهمال.

ويتناول فيلم «أنا حرة» الذي أخرجه في عام 1959، من بطولة لبنى عبدالعزيز وشكري سرحان وحسن يوسف، موضوع المرأة ونضالها لإثبات وجودها في عالم تكبله القيود والتقاليد الموروثة في صراعها الحضاري ليقدم واقعا وصف بجرأته حين عرض الفيلم أول مرة

وفي عام 1986، قدم فيلم «البداية»، بطولة أحمد زكي ويسرا وجميل راتب، واختار لـه درب الضحك للتعبير عن صراعات الديمقراطية والدكتاتورية، في القصة التي تدور حول هبوط طائرة ركاب اضطرارياً وسط الصحراء وعلى متنها حفنة من الرجال والنساء وطفل في مغامرة طريفة تضج بروح المرح والنقد اللاذعين.

وناقش ابوسيف في هذا الفيلم فكرة أن التسلط صفة أساسية في الجنس البشرى حيث بدأ الفيلم بمقولة: «حاولت أن أقدم فيلما خياليا ولكني وجدته يأخذ شكلا من واقع الحياة يظهر ذلك التسلط في مجموعة بشرية سقطت بهم طائرة في واحة صحراء مصر، بينهم الفلاح والعامل والمثقف والعالم ورجل الأعمال الانتهازي الذي يفرض سلطة على موارد الواحة ممارسا حكما شموليا على هذه المجموعة من البشر مرتكزا على سلاحه وذكائه وجبروته».

أفلام متطورة تسبق عصرها

قدم صلاح أبوسيف للسينما العربية كثيراً من الأفلام المتطورة عن قصص كتبها كتاب مصريين مثل نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي. وأتاحت له هذه الأفلام إبراز سينما الواقع والإنسان في أزماته الحياتية، ونجحت في فرض مناخ حميم أكده حنانه وقلقه وتعامله الحسي الصادق مع آلة التصوير التي عبر بها عن الشوارع والحارات الشعبية في مواضيع مستمدة من واقع الحياة المصرية ومشكلاتها فأثراها بالبعد الإنساني بأسلوب فني لايتحقق

ويرى صلاح أبو سيف أن أي فن لا بد أن يكون له انتماء طبقي سابق. ويعد السينما أقدر الوسائل الإعلامية على صياغة أحلام المجتمع، وإحدى الوسائل الناجعة التي تعبر عن تصورات كل طبقة في مواجهة الطبقة الأخرى. ويقول في هذا الصدد: «لا أستطيع أنا أو أي فنان آخر البدء من فراغ سياسي أو اجتماعي، فالموقف السياسي والاستراتيجي هما جزءان أساسيان من مكونات الفنان سواء كان هذا الفنان رجعياً أم تقدمياً، ذلك أن العمل الفني نشاط اجتماعي خلاق ضمن علاقات جدلية مع المجتمع بغية التأثر والتأثير. والعمل الفني هو بناء اجتماعي أو تحقيق موضوعي لفكرة المثل الأعلى الاجتماعي. ولا أزعم لنفسي موقفاً محدداً من القضايا الاجتماعية المطروحة بل أطمح للمشاركة في حل هذه المعضلات الاجتماعية التي تواجهنا كبشر نعيش في هذا المجتمع عن طريق الفن السينمائي لما له من قوة تأثير جماهيرية كبيرة». وهذا ما سحبه على فيلمه «المجرم» (1979) المقتبس عن الفيلم الأمريكي الشهير Sin «الخطيئة»، بطولة حسن يوسف وشمس البارودي ومحمد عوض، إذ يعيش رجل وامرأة قصة حب خاطئة تؤدي إلى جريمة قتل

كما تضمن فيلم «حمام الملاطيلي» 1973، خلفية شعبية ملحمية بأجوائها وأشخاصها وديكوراتها، حيث يحكي قصة شاب مهجر من الإسماعيليه ويقيم مع اسرته في الشرقية يأتي إلى القاهرة من اجل الحصول علي وظيفه ولاستكمال تعليمه بكليه الحقوق ولكنه يتعثر في كلاهما ويسكن في «حمام الملاطيلي» بسبب انخفاض أجرة المبيت فيه. يحب الشاب فتاة ليل هاربة وتحبه ثم تحاول التوبة، إلا أن عمها وابنه يقومون بقتلها انتقاما لشرفهم.

والفيلم من بطولة شمس البارودي ومحمد العربي ويوسف شعبان

وعرف أبو سيف بعشقه للتاريخ وتوليه إخراج أفلام تاريخية ملأى بالأحداث التي تمكنه من تسليط الأضواء على تاريخ الأمة العربية ومنها: «مغامرات عنتر وعبلة» (1948)، حيث تعلن مربية عبلة في ليلة زفافها على عنتر أنه أخوها بالرضاعة فيهيم عنتر بالصحراء ويجد قبيلة عربية أغار عليها الرومان فيقرر الانتقام لها فتهرع القبائل العربية الأخرى للانضمام إليه. والفيلم من بطولة كوكا وسراج منير وزكي طليمات ونجمة ابراهيم.

و«فجر الإسلام» (1971)، من بطولة محمود مرسي ونجوى، إبراهيم ويحيى شاهين وعبد الرحمن علي وسميحة أيوب

و«القادسية» (1982) الذي اشترك فيه العديد من الفنانين العرب من مختلف اقطار الوطن العربيمن العراق ومصر والكويت وسوريا والمغرب وغيرهم مثل سعاد حسني وعزت العلايلي وشذى سالم وليلى طاهر ومحمد حسن الجندي وهالة شوكت وكنعان وصفي .

ويرى أبو سيف أن البيئة، بمدلولاتها الصادقة، هي التي تسمو بالعمل الفني أياً كان طموحه ونوعه، ومن هذا المنطلق كان سر نجاحه في نقل قصص الأديب نجيب محفوظ إلى الشاشة الكبيرة واعترف هذا الأخير بأن أعماله الأدبية لم تنجح كما يشتهي لها إلا عندما تولى إخراجها صلاح أبو سيف الذي استطاع إقناع محفوظ بكتابة سيناريوهات لأفلام أخرى قام أبو سيف بإخراجها لاحقاً.

الرمز في أفلامه 

مال ابوسيف إلى استخدام الرمز للدلالة على وصف شخصيات محددة في أفلامه.

ففي فيلم «بداية ونهاية»، 1960، بطولة فريد شوقي وعمر الشريف وأمينة رزق وسناء جميل وصلاج منصور، ومأخوذ من رواية لنجيب محفوظ بنفس الإسم، وبعد أن أبلغ صلاح منصور نفيسة (سناء جميل) صراحة بقراره البعد عنها بعد أن نال منها مراده، ظهر في الكادر بائع روبابيكيا يصيح «روبايكيا» في إشارة إلى الحال التي آلت إليها البطلة التي لم تعد سوى "روبابيكيا" أي لا تسوى شيئا.

وفي فيلم «روعة الحب»، 1960، بطولة شادية وعمر الشريف وأحمد مظهر، استخدم صلاح ابوسيف (القطة) كدلالة على تأكيد الأحداث، فالقطة مجرد تابع للزوجة آمال (شادية) تنقلها معها من بيتها وتكشف عن وجه المرأة الرومانسي الذي يتعامل مع الحيوانات الأليفة بمنتهى الرقة، في الوقت نفسه نجد أن الزوج (احمد مظهر) أخرج هذه القطة من الغرفة بكل خشونة منذ الليلة الأولى وبالتالي لم تستخدم هذه القطة لترسيخ فكرة السيطرة بالتخلص منها أو قتلها ولكن بالتعامل معها فقط في اطار بعيد عن الرقة وهو ما يتناسب مع طبيعة الزوج المخمور دائما.

وفي فيلم «القاهرة 30»، 1966، وضع ابوسيف بطل العمل محجوب عبدالدايم (حمدي أحمد) في كادر وخلفه قرنين في مشهد خالد في السينما المصرية للدلالة على أنه صار قوادا، حسبما هو معروف في الثقافة المصرية.

علاقته مع نجيب محفوظ

يمكن القول إن دخول نجيب محفوظ للإستديو، كاتباً للسيناريو قد أدخل السينما المصرية في طريق جديد، مغاير تماماً لما كانت قد ألفته قبلاً. وكان مما له مغزاه حقا، أن هذا الفتح الفني، البالغ الأهمية قد إرتبط بالمخرج صلاح أبو سيف، الذي كان قد فتح باب ذلك الإستديو لرفيق الإبداع. وعن اللقاء الأول مع محفوظ، الذي جرى عام 1945، يقول أبو سيف في حديث صحفي : قال صلاح أبوسيف إنه هو الذي الذي اكتشفت نجيب محفوظ ككاتب للسيناريو وكان ذلك في عام (1945)، مشيرا إلى أن نجيب محفوظ اشترك معه في كتابة (15) سيناريو، كانت من أفضل ما أخرج من أعمال سينمائية

وأوضح أنه كان له صديقان عزيزان جداً هما عبد الحليم نويرة الموسيقي المعروف، وشقيقه فؤاد نويرة، وكانا كثيراً ما يتحدثان عن كاتب اسمه نجيب محفوظ، ثم أعطيانه روايتيه اللتين كتبهما عن تاريخ مصر القديمة وهما «كفاح طيبة»، و«رادوبيس». 

وأشار إلى أن الذي أعجبه فيهما أن نجيب محفوظ يكتب بالصورة، وليس بالاسلوب اللغوي، وعندما التقاه، قال له: «استاذ نجيب أنا أريد أن تشاركني في كتابة السيناريو السينمائي.. »، فقال: «ليست عندي معرفة أو خبرة في هذا المجال.. »، فشرح له وقال: «أنت عندك المبادئ الأساسية الخاصة بالسيناريو، لأنك تكتب بأسلوب درامي، وما ينقصك هو معرفة خصائص الكتابة للسينما، وهذه مسألة ممكن التغلب عليها.. وجلب له عدة كتب عن حرفية السيناريو، وتمخض أول تعاون بينهما عن فيلم «مغامرات عنتر وعبلة» من بطولة كوكا، وسراج منير، واخراج نيازي مصطفى «لك يوم يا ظالم»- «الوحش»- «الفتوة»- «ريا وسكينة»- «بين السماء والأرض»- «الطريق المسدود»- «أنا حرة». 

وبدوره، قال نجيب محفوظ عن ذلك إنه حين انتهي من سيناريو أول فيلم من إخراج صلا أبوسيف «غراميات عنتر وعبلة» اعتذر عن أن يتلقي مكافاة عن عمله لأنه تعلم من صلاح ابو سيف كتابة السيناريو.

لماذا تمسك أبوسيف بفيلم «السقا مات»؟

أن يصر مخرج على تقديم فيلم عن الموت وفلسفته في مجتمع ينبذ الموت ويهرب منه لهو شئ غريب جدا. فهي في رأي الكثيرين مغامرة قد تفقد صاحبها الكثير من المال والرصيد الجماهيري أيضا. لكن اصرار صلاح ابو سيف على تحويل رواية «السقا مات» التي كتبها الأديب الراحل يوسف السباعي عام 1952 إلى فيلم كان تحديا كبيرا واجهه وانتصر فيه في النهاية.

ويعتبر الكثير من النقاد أن رواية «السقا مات» أهم روايات يوسف السباعي. وتدور أحداث الرواية في عام العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي في القاهرة حيث كان للسقا دور كبير في تلبية احتياجات المنازل من مياه النيل.

والفكرة الرئيسية فيها حول فلسفة الموت من خلال شخصيتين متضادتين هما المعلم شوشة «السقا» الذي يحاول الهروب من ذكرى وفاة زوجته الشابة، والشخصية الثانية «شحاته افندي» عامل الجانزات الذي ينهل من كل متع الحياة دون قيود

وتحدث المفارقة عندما ينقذ المعلم شوشة شحاته افندي من الضرب في أحد المطاعم ثم تتوثق علاقته به ويدعوه للإقامه معه في بيته مع حماته وابنه سيد، وهو لا يعلم ان هذا الشخص يعمل في مجال متعلق بدفن الموتى. (يسير في الجنازات مرتديا بذلة سوداء ليبدو كشخصية هامة تشيع الميت).

ينفر المعلم شوشة من ضيفه في البداية إلا إن الضيف سرعان ما يتمكن من إقناع المعلم شوشة بمواصلة حياتة ونبذ الخوف من الموت، إلا أن أكبر مفارقة تحدث عندما يموت الضيف نفسه فجأة في بيت شوشة فينهار المعلم بسبب ذلك.

بعد فترة يستعيد المعلم شوشة عافيته ويأتيه خبر سار بتعيينه شيخاً للساقيين في المنطقة، إلا أن البيت ينهار فوق رأس المعلم وتنتهي حياته في مشهد قوي ومؤثر. (هكذا كانت الرواية الأصلية).

وقد حاول المخرج الراحل صلاح أبوسيف تحويل الرواية إلى عمل سينمائي في السبيعينيات إلا إن جميع المنتجين رفضوا المغامرة بإنتاج فيلم يتحدث عن الموت، لكنه واظب على المحاولة إيمانا بأهمية الرواية وثقته في أن تحويلها إلى فيلم سوف يلقى قبولا من الأوساط الفنية لاسيما من النقاد.

وتمكن صلاح أبو سيف في النهاية من الحصول على موافقة المنتج والمخرج يوسف شاهين على إنتاج الفيلم بالاشتراك مع شركة ساتبيك التونسية سنة 1977، حيث قام بكتابة السيناريو محسن زايد بالاشتراك مع صلاح أبو سيف.

وقام بالتمثيل فيه عزت العلايلي في دور شوشة، فريد شوقي في دور شحاته افندي، أمينة رزق ام الزوجة، ناهد جبر الزوجة، شويكار فتاة الليل الجميلة.

إلا إن نهاية الفيلم مختلفة عن نهاية الرواية، حيث تعمد كاتبا السيناريو أن تكون النهاية فيها قدر من التفاؤل، حيث لا يفلح شوشة في نسيان احزانه الدائمة المتعلقة بوفاة زوجته ولكن يجد سلواه في متابعة الجنازات وذلك بعد وفاة شحاتة افندى، وذلك عوضا عن ما كتبه المؤلف يوسف السباعي عن انهيار منزل شوشه وموته تحت الأنقاض. في الفيلم لا يموت شوشة بل يصبح شيخا للسقايين ويوصي ابنه سيد أن يهتم بشجرة التمر حنا التي شهدت بدايات حبه لامه آمنة ولطالما اهتم بها منذ ذاك.

مرارة في القلب على حال السينما المصرية

في حديث أجراه الكاتب والإعلامي العربي الدكتور نجم عبدالكريم مع المخرج صلاح أبوسيف قبل وفاته، وأعادت نشره روزاليوسف اليومية يوم 07 - 10 2011 ، عبر صلاح أبوسيف عن ما في قلبه من مرارة وقلق كبير على السينما المصرية وحالها

فردا على سؤال عن الكيفية التي يرى بها ابوسيف صناعة السينما المصرية في ذاك الوقت، قال: «بكل أسف إن صناعة السينما في مصر متخلفة جداً، جداً، والسبب أن هناك من يسعون لتدمير وفشل هذه الصناعة، وهم أنفسهم ما زالوا يقفون ضد صناعة سينما مصرية نظيفة. انهم من السينمائيين، أو بالأحري من جماعة سينما المقاولات، لأنهم ينظرون اليها من زاوية تجارية بحتة، حتي وإن قدمت للجمهور كل ما هو مبتذل ورخيص، فوقفوا بكل ما يملكون من قوة لافشال القطاع العام في مجال السينما، واستغلوا مرحلة الانفتاح الساداتية، لتصل السينما المصرية الي احط مراحل تاريخها في عقود ما بعد القطاع العام، فأصبحت شاشة السينما المصرية مليئة بالمشاهد الاباحية والفجور، والاغراء والانحلال. فالبطلة تخرج من مشهد جنس الي مشهد جنس آخر، والحوار بذيء والألفاظ رخيصة مكشوفة. أما الرقابة فكأنها تعبر عن مجتمع أمريكي، عن الليبرالية التي يمارسونها هناك، عن حضارة غسل المخ بالجنس والعنف، والمخدرات، وكرة القدم، والاعلانات، والسلع الاستهلاكية لأنهم لا ينظرون الا لحصيلة الشباك، وهذا تقليد في ابتذال السينما الأمريكية ولكن علي مستوي أقذر وأتفه.. والجيد من أفلام المقاولات هذه، وهو نادر جداً، لايزيد علي فيلم أو فيلمين من كل مئة فيلم». 

وعندما سئل أليس هذا حكماً قاسياً علي السينما المصرية المعاصرة؟ أجاب: «ما أقوله هو ما يحدث الآن بالفعل، لدرجة أن السينما قد ربت نوعاً من الجمهور أكثره من الغوغاء. بل إن المحترمين من الناس اذا ذهب الواحد منهم الي دار السينما ليشاهد فيلماً، فإنه لا يكررها ثانيةً، لما يسمعه من تعليقات منحطة داخل دور العرض. فهذا الفن السينمائي الرديء هو العملة الرابحة في السينما المصرية المعاصرة».

ورأى صلاح ابوسيف أن «الحل لعلاج ذلك يكون بإنشاء ادارة مكافحة الأعمال السينمائية المبتذلة، شبيهة بإدارة مكافحة تجارة المخدرات. وأن يحاكم من يخرجون هذه النوعية من الافلام الرديئة».

وأضاف: «أنا أعرف أحد المخرجين، يقوم بانتاج واخراج سبعة افلام في السنة. هل تعرف ماذا يعني هذا؟ سبعة أفلام!!.. متي يقرأ السيناريوهات الخاصة بها؟!.. متي يقوم بتقطيع المشاهد لكل سيناريو؟!.. متي يعقد اجتماعاته مع المساعدين، وجهاز التصوير، وجهاز الديكور، بل متي يلتقي بالممثلين، هذا النوع من المخرجين يجب أن يقدم للمحاكمة».

وأوضح أن الإدارة المقترحة سيكون من مهامها مكافحة الأضرار الاجتماعية، شبيهة بادارة مكافحة المخدرات، ومثل ادارة شرطة الآداب التي مهمتها الحفاظ علي السلوك العام، والحياء العام. والمحافظة علي سلامة الذوق العام في المجتمع.

واسترسل ابوسيف قائلا: «تصور أن هناك مسابقة تجري في الوقت الحاضر، تقوم علي أساس: من يقوم باخراج فيلم خلال اسبوعين؟!.. وأصبحت للأسف الآن عشرة أيام..؟! وأنا أعرف أحدهم أخرج فيلماً كاملاً في اسبوع واحد !!وعندما أسافر الي الاسكندرية في الاتوبيس أشاهد أفلاماً غريبة، عمري ما سمعت عنها!! وهي أفلام مصرية!! بممثلين معروفين».

وأكد أن للسينما رسالة ثقافية ترفيهية، ولا يجب أن يقوم علي صناعتها إلا من كان جديراً بها، أما حكاية «الجمهور عايز كده» التي أصبحت كلمة يشار بها الي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مصر بسبب الجهلة الذين اخترقوا صناعة السينما!! فهي تدل علي الرخص والابتذال.. وأن هذه الكلمة يجب أن تُمحي من قاموس السينما.

 

   
 
 
   

صور:

 

 

 

 

 

   
 
 
   

رغدة صفوت

في يناير 25, 2015

 

 

«الأقصر للسينما» يعرض ستة من أهم أفلامه

 

اختارت ادارة مهرجان الأقصر للسينما المصرية والأوروبية أن تحتفي بمئوية ميلاد المخرج صلاح أبو سيف في دورة المهرجان الثالثة التى تقام خلال الفترة من 24 الى 31 يناير، وقد وقع الاختيار على 6 من أهم الأفلام التي قدمها على مدار مشواره السينمائى لعرضها تباعا خلال أيام المهرجان ،

وتشيرالناقدة د. ماجدة واصف رئيس مهرجان الأقصر، الى أن الاحتفاء بأبو سيف لم يكن مجرد صدفة، بل إن المهرجان منذ شهور وهو يعد لدورته، كان يخطط لتكرار المبادرة التي طرحها الناقد سمير فريد في الدورة الأخيرة التي ترأسها من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، حيث طرح فريد فكرة الاحتفال بمئوية ميلاد كبارالسينمائيين صناع السينما القدامي واستهل تنفيذ تلك الفكرة ببركات الذي كرمه بأكثر من طريقة على مدى أيام المهرجان، وأن الأقصر يحتذي بالقاهرة في تلك المبادرة التي ستسهم بالتأكيد في تقديم كبار صناع الأفلام للجيل الحالي من المشاهدين الذين قد لا يكونون على علم بهوية من صنعوا تاريخ السينما المصرية. وأشارت واصف إلى أن اختيار الأفلام الستة التي سيعرضها المهرجان بداية من 25 الجاري في مدينة الأقصر، تم اختيارها بناءً على مدى تأثر الجمهور المصري والعربي بها، خاصةً وأن الأفلام الستة شكلت مساحة كبيرة فى وجدان الجمهور.

أول تلك الأفلام هو «الزوجة الثانية» الذي أنتجته شركة القاهرة للإنتاج السينمائي عام 1967، وكتبه محمد مصطفى سامي، سعد الدين وهبة، ولعب بطولته سعاد حسني، شكري سرحان، صلاح منصور، سناء جميل.

وهو أحد كلاسيكيات السينما المصرية وتدور أحداثه من خلال عمدة إحدى القرى في الريف المصري، والذى يحلم بإنجاب إبن يرثه ويحمل إسمه، لكنه يكتشف أن زوجته عاقر فيجبر زوج خادمته الولود على تطليقها ليتزوجها، ولكن الخادمة تستخدم الحيلة في إبعاده عنها وتستمر في علاقتها بزوجها، وهى تؤكد لزوجها الفلاح الأجير ان زواجها بالعمدة باطل وعندما يكتشف العمدة حمل زوجته الجديدة بدون أن يمسها يصاب بالشلل ويموت.

أما الفيلم الثاني فهو «القاهرة 30» الذي انتجته أيضاً شركة القاهرة 1966 و سيناريو: صلاح أبو سيف، علي الزرقاني، وفيه خيري، لطفي الخولي، وشارك في بطولته حمدي أحمد, سعاد حسني، عبد المنعم إبراهيم، أحمد مظهر، ويدور خلال ثلاثينيات القرن العشرين، حيث يعيش الشاب محجوب عبد الدايم الوافد من الصعيد حياة فقيرة في القاهرة، ويتعرف على إبن قريته ويطلب منه أن يساعده في الحصول على وظيفة، فيعرض عليه وظيفة مقابل أن يتزوج من إحسان، عشيقة قاسم بك، على أن تظل علاقتها بقاسم بك قائمة ، ويقبل عبد الدايم الصفقة الحقيرة.

«الوسادة الخالية» هو ثالث أفلام المئوية، وأنتجته شركة القاهرة عام 1957، فيما كتبه السيد بدير، ويشارك فى بطولته عبد الحليم حافظ، لبنى عبد العزيز، أحمد رمزي، عمر الحريري، ويدور حول الطالب الجامعي الشاب صلاح الذي يقع في الحب لأول مرة مع سميحة. يمضي لياليه في التفكير فيها والتطلع إلى وجهها في «الوسادة الخالية» بجانبه. وعندما تتزوج من شخص آخر، يشعر بأنه مدمر وتطارده ذكراها في كل مكان يذهب إليه.

كما يعرض الأقصر فيلم «أنا حرة» الذي انتجه رمسيس نجيب عام 1959، سيناريو نجيب محفوظ، السيد بدير، وشارك في بطولته لبنى عبد العزيز، شكري سرحان، حسن يوسف، زوزو نبيل، محمد عبدالقدوس، حسين رياض.

ويدور الفيلم حول أمينة التي تعيش مع عمتها التي تربيها لأن والديها منفصلان ولكنها ترى أن المرأه دائما مقهورة. تتمرد أمينة على هذا الوضع وتقوم بعمل أشياء يعتبرها المجتمع أخطاء. تحصل أمينة على حريتها كاملة عندما تذهب للعيش مع والدها الذي يعطيها حرية التصرف فتكتشف أن أمانيها في الحرية تختلف عن معنى الكلمة الحقيقى.

كما يعرض فيلم «بين السما والأرض» إنتاج دينار فيلم لعام 1959، والسيناريو لنجيب محفوظ، صلاح أبو سيف، السيد بدير، بطولة هند رستم،عبد السلام النابلسي، عبد المنعم إبراهيم، محمود المليجي، ويتناول الفيلم حادث تعطل المصعد الذي يتوقف بين السماء والأرض وبداخله الركاب فى احدى بنايات القاهرة. في المصعد مجموعة مختلفة من الناس لا يعرفون بعضهم البعض، ويبدو أن كل واحد منهم لديه قصة وهدف مختلف في الحياة، ومن بين ركاب المصعد ممثلة سينمائية وشخص مجنون.

وأخيراً يعرض فيلم «شباب امرأة» انتاج مشترك بين وحيد فريد، رمسيس نجيب عام 1956، وكتبه أمين يوسف غراب، صلاح أبو سيف، السيد بدير، ومثلت فيه تحية كاريوكا، شكري سرحان، شادية، فردوس محمد، سراج منير، ويدور حول إمام .. شاب حضر من الريف ليدرس في القاهرة، يستأجر إحدى الغرف بمنطقة القلعة تمتلكها إمرأة متسلطة تسمى شفاعات، تعجب به وتحاول غوايته وتنجح في ذلك، ويمضى معها في هذا الطريق وينغمس في الرذيلة ويتعثر في دراسته. وعلى الجانب الآخر تساعده شابة قريبة له يعرفها منذ الطفولة في الخروج من دوامة الفساد..

 

   
 
 
   

صور:

 

 

 

 

 

   
 
 
   

كمال رمزي

في يناير 25, 2015

 

 

الشعب .. وصلاح أبو سيف

 

لأن معظم أبطال مخرجنا من الناس العاديين، فان الأماكن التى يتحركون فيها، غالبا، تكون فى الحارة أو السوق، أو مكاتب صغار الموظفين، أو الحمامات الشعبية، وبالضرورة تظهر التجمعات البشرية فى لحظة ما، داخل أفلامهم

هنا نلمس واحدة من أفكار أبو سيف التى تكاد تصل الى حد الايمان، وتعد، عنصرا جوهريا فى رؤيته، ينتقل بها من فيلم لآخر، على نحو يؤكد قيمته كفنان لاتتناقض أو تتغير توجهاته، حسب اتجاهات السيناريويوهات التى يحققها، والتى يشارك فى صياغتها، حتى لو كانت لكبار كتابنا مثل نجيب محفوظ، فالواضح أن أبو سيف ابن حى بولاق العريق، صاحب التاريخ الحافل بالتآخى، ومقاومة الاحتلال، ترك أثرا فعالا فى تكوين مخرجنا، وجعله يدرك أن الحياة من الصعب تحملها، من دون تساند: لاحقا فى فترة الشباب وبفضل التجمعات اليسارية التى انضم لها خلال الأربعينيات تحول هذا الادراك الى وعى بقدرة الناس – اذا اتحدوا – على تحقيق العدالة، وتصفية الحساب مع الظالمين

بشئ من الانتباه الى نهاية «ريا وسكينة 1953» نكتشف أن الشرطة هنا، كما فى العديد من أفلامه، تأتى متأخرة، ذلك أن السكان المحيطين ببيت القاتلتين، تكاتفوا جميعا لانقاذ الضحايا فى الداخل، والامساك بالعصابة، وحين تقود قوى الأمن المرأتين المخيفتين - كما لو أن الشرطة هى صاحبة الفضل - يدرك المشاهد بالوقائع والصور، أن الناس هم الذين حسموا المعركة، فلولاهم لكان من المحتمل فرار مجموعة العتاة

قبل «ريا وسكينة» حقق صلاح أبوسيف فيلمه المبكر «مغامرات عنتر وعبلة 1948» حيث تندلع معارك بين القبائل وبعضها البعض، بينها من ناحية والرومان من ناحية أخرى، ينتصر فيها الرومان المرة تلو الأخرى، حتى أن عنتر يقع أسيرا فى قبضتهم .. لكن النصر للعرب لايأتى الا بعد توحد وتآزر القبائل العربية، ونجاحها فى أن تصبح شعبا واحدا، وبالتالى تتمكن من الوقوف فى وجه الغزاة

فى «لك يوم ياظالم 1951» يظل الصديق الخائن القاتل، - أداء محمود المليجى – حرا لاينكشف أمره، ويواصل آثامه، محاولا ازهاق روح عمة البطل محسن سرحان، فردوس محمد وزوجته فاتن حمامة، طامعا فى الاستيلاء على الحمام .. يكاد ينجح فى مسعاه، لولا تدخل الجيران، أهل الحارة بشهامة الى جانب الزوجة والعمة .. يطاردون الوغد، من مكان لآخر، حتى يسقط فى المياه المغلية بالغطس، ويلقى حتفه

بعيدا عن روح الصرامة، قريبا من أسلوب الكوميديا، تتجه عربات الكارو و«الحناطير» محملة بأهالى بولاق لانقاذ ابن حيهم، «الأسطى حسن 1952» من ورطاته المتتالية بعد انسلاخه عنهم، والقاء نفسه فى أحضان الطبقة المخملية العابثة التى كادت تقضى على حياته.

فى العام التالى لـ «ريا وسكينة» يقدم أبو سيف «الوحش 1954»، مؤكدا أن الخوف الفردى يقتل الارادة، ويتسبب فى بروز ظاهرة الطاغية، الذى يفرض الاتاوات على الآخرين، ويستخدمه الباشا الاقطاعى كمخلب اضافى ينفذ له أوامره مقابل حمايته .. لكن مع نهاية الفيلم يدرك الناس أنهم قوة لايستهان بها اذا تحلوا بالشجاعة والتعاون، خاصة حين تأتى لحظة تصفية الحسابات .. وها هى الجموع تواجه الوحش ورجاله، تطاردهم من حارة لحارة، ومن بيت لبيت، وتهزمهم، قبل وصول الشرطة، التى تصل كالعادة متأخرة

التأكيد على فكرة قوة الناس اذا اجتمعوا تكتسب المزيد من الأهمية فى الأفلام ذات الطابع الوطنى السياسى فى «لاتطفئ الشمس 1961» تكاد حبات الأسرة أن تنفرط، كل فرد فيها يعيش بعيدا – نفسيا – عن الآخرين، والأسرة أيضا معزولة، لاعلاقة لها بأحد .. لكن الأسرة وأفرادها جميعا ينصهرون فى بوتقة الشعب كله فى الدفاع عن أرض الوطن ابان معركة السويس 1956.

تتبلور ذات الفكرة على نحو آخر، فى «لاوقت للحب 1963» .. الفدائى المطارد – رشدى أباظة – تتربص له القوات البريطانية – فى مدافن احدى مدن القناة، ما ان يقترب الا ويسمع أغنية جماعية للأطفال، ذات طابع شعبى «خبى ديلك ياعصفور»، فيدرك أنها رسالة تحذير.

مرة أخرى، ليست أخيرة، تتأكد الفكرة فى «القاهرة 30، 1966» .. تجرى مطاردة الشاب الثائر – عبد العزيز مكيوى – وتطلق نحوه خمس رصاصات، لكنه، بخبرة ودراية، يذوب وسط الناس، يتلاشى تماما أمام عيون المطاردين.

ومن الأفلام الجميلة عميقة المغزى التى أخرجها أبوسيف «البداية 1986» الذى قد يبدو أقرب للفانتازيا الكوميدية، لكنه، جوهريا، تأمل واقعى عميق، فى كيفية صنع الطغاة واشتداد نفوذهم، وفهمهم لمقولة «فرق تسد»، فالطائرة التى وقعت أو هبطت اضطراريا فى واحة مهجورة تغدو مجتمعا، يهيمن عليه شيئا فشيئا الرجل اللئيم «نبيه بك» ويطلق عليه «نبهاليا» ويسيطر على الجميع، لكن مع آفاق الوعى التى تتفتح أمام الأفراد، يدركون أن توحدهم وتماسكهم مع بعضهم بعضا، سيضع نهاية للطاغية، ذلك أنهم الشعب، القادر بارادته، على تحطيم الطغاة وصنع مستقبل .. صدقت رؤية صلاح أبو سيف بعد مائة عام من مولده..

 

   
 
 
   

صور:

 

 

 

 

 

   
 
 
   

رغدة صفوت

في يناير 25, 2015

 

 

«الأقصر للسينما» يعرض ستة من أهم أفلامه

 

اختارت ادارة مهرجان الأقصر للسينما المصرية والأوروبية أن تحتفي بمئوية ميلاد المخرج صلاح أبو سيف في دورة المهرجان الثالثة التى تقام خلال الفترة من 24 الى 31 يناير، وقد وقع الاختيار على 6 من أهم الأفلام التي قدمها على مدار مشواره السينمائى لعرضها تباعا خلال أيام المهرجان ،

وتشيرالناقدة د. ماجدة واصف رئيس مهرجان الأقصر، الى أن الاحتفاء بأبو سيف لم يكن مجرد صدفة، بل إن المهرجان منذ شهور وهو يعد لدورته، كان يخطط لتكرار المبادرة التي طرحها الناقد سمير فريد في الدورة الأخيرة التي ترأسها من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، حيث طرح فريد فكرة الاحتفال بمئوية ميلاد كبارالسينمائيين صناع السينما القدامي واستهل تنفيذ تلك الفكرة ببركات الذي كرمه بأكثر من طريقة على مدى أيام المهرجان، وأن الأقصر يحتذي بالقاهرة في تلك المبادرة التي ستسهم بالتأكيد في تقديم كبار صناع الأفلام للجيل الحالي من المشاهدين الذين قد لا يكونون على علم بهوية من صنعوا تاريخ السينما المصرية. وأشارت واصف إلى أن اختيار الأفلام الستة التي سيعرضها المهرجان بداية من 25 الجاري في مدينة الأقصر، تم اختيارها بناءً على مدى تأثر الجمهور المصري والعربي بها، خاصةً وأن الأفلام الستة شكلت مساحة كبيرة فى وجدان الجمهور.

أول تلك الأفلام هو «الزوجة الثانية» الذي أنتجته شركة القاهرة للإنتاج السينمائي عام 1967، وكتبه محمد مصطفى سامي، سعد الدين وهبة، ولعب بطولته سعاد حسني، شكري سرحان، صلاح منصور، سناء جميل.

وهو أحد كلاسيكيات السينما المصرية وتدور أحداثه من خلال عمدة إحدى القرى في الريف المصري، والذى يحلم بإنجاب إبن يرثه ويحمل إسمه، لكنه يكتشف أن زوجته عاقر فيجبر زوج خادمته الولود على تطليقها ليتزوجها، ولكن الخادمة تستخدم الحيلة في إبعاده عنها وتستمر في علاقتها بزوجها، وهى تؤكد لزوجها الفلاح الأجير ان زواجها بالعمدة باطل وعندما يكتشف العمدة حمل زوجته الجديدة بدون أن يمسها يصاب بالشلل ويموت.

أما الفيلم الثاني فهو «القاهرة 30» الذي انتجته أيضاً شركة القاهرة 1966 و سيناريو: صلاح أبو سيف، علي الزرقاني، وفيه خيري، لطفي الخولي، وشارك في بطولته حمدي أحمد, سعاد حسني، عبد المنعم إبراهيم، أحمد مظهر، ويدور خلال ثلاثينيات القرن العشرين، حيث يعيش الشاب محجوب عبد الدايم الوافد من الصعيد حياة فقيرة في القاهرة، ويتعرف على إبن قريته ويطلب منه أن يساعده في الحصول على وظيفة، فيعرض عليه وظيفة مقابل أن يتزوج من إحسان، عشيقة قاسم بك، على أن تظل علاقتها بقاسم بك قائمة ، ويقبل عبد الدايم الصفقة الحقيرة.

«الوسادة الخالية» هو ثالث أفلام المئوية، وأنتجته شركة القاهرة عام 1957، فيما كتبه السيد بدير، ويشارك فى بطولته عبد الحليم حافظ، لبنى عبد العزيز، أحمد رمزي، عمر الحريري، ويدور حول الطالب الجامعي الشاب صلاح الذي يقع في الحب لأول مرة مع سميحة. يمضي لياليه في التفكير فيها والتطلع إلى وجهها في «الوسادة الخالية» بجانبه. وعندما تتزوج من شخص آخر، يشعر بأنه مدمر وتطارده ذكراها في كل مكان يذهب إليه.

كما يعرض الأقصر فيلم «أنا حرة» الذي انتجه رمسيس نجيب عام 1959، سيناريو نجيب محفوظ، السيد بدير، وشارك في بطولته لبنى عبد العزيز، شكري سرحان، حسن يوسف، زوزو نبيل، محمد عبدالقدوس، حسين رياض.

ويدور الفيلم حول أمينة التي تعيش مع عمتها التي تربيها لأن والديها منفصلان ولكنها ترى أن المرأه دائما مقهورة. تتمرد أمينة على هذا الوضع وتقوم بعمل أشياء يعتبرها المجتمع أخطاء. تحصل أمينة على حريتها كاملة عندما تذهب للعيش مع والدها الذي يعطيها حرية التصرف فتكتشف أن أمانيها في الحرية تختلف عن معنى الكلمة الحقيقى.

كما يعرض فيلم «بين السما والأرض» إنتاج دينار فيلم لعام 1959، والسيناريو لنجيب محفوظ، صلاح أبو سيف، السيد بدير، بطولة هند رستم،عبد السلام النابلسي، عبد المنعم إبراهيم، محمود المليجي، ويتناول الفيلم حادث تعطل المصعد الذي يتوقف بين السماء والأرض وبداخله الركاب فى احدى بنايات القاهرة. في المصعد مجموعة مختلفة من الناس لا يعرفون بعضهم البعض، ويبدو أن كل واحد منهم لديه قصة وهدف مختلف في الحياة، ومن بين ركاب المصعد ممثلة سينمائية وشخص مجنون.

وأخيراً يعرض فيلم «شباب امرأة» انتاج مشترك بين وحيد فريد، رمسيس نجيب عام 1956، وكتبه أمين يوسف غراب، صلاح أبو سيف، السيد بدير، ومثلت فيه تحية كاريوكا، شكري سرحان، شادية، فردوس محمد، سراج منير، ويدور حول إمام .. شاب حضر من الريف ليدرس في القاهرة، يستأجر إحدى الغرف بمنطقة القلعة تمتلكها إمرأة متسلطة تسمى شفاعات، تعجب به وتحاول غوايته وتنجح في ذلك، ويمضى معها في هذا الطريق وينغمس في الرذيلة ويتعثر في دراسته. وعلى الجانب الآخر تساعده شابة قريبة له يعرفها منذ الطفولة في الخروج من دوامة الفساد..

 

   
 
 
   

صور:

 

 

 

 

 

   
 
 
   

ناصر عراق

في يناير 25, 2015

 

 

صلاح أبوسيف.. قناص الروايات

 

من أهم الحقائق عن السينما المصرية أنها نشأت على أكتاف المسرح، وظلت مرتبطة به فترة طويلة حتى استطاعت أن تتحرر من جبروته وتشق لها طريقا خاصة. هذه النشأة جعلتها في البداية تتكئ على فنون المسرح في الأداء والحركة، بعد أن استعارت من دنياه القصص الفاجعة التي كان يوسف وهبي يقتبسها ويعرضها على مسرح رمسيس، أو تتحايل على حكاية من القصص الفكاهية التي كان يقدمها نجيب الريحاني وعلي الكسار على مسارح عماد الدين وروض الفرج.

زينب وماجدولين وغادة الكاميليا

لم تعرف السينما طريقها إلى فنون الرواية إلا عام 1930 عندما تصدى المخرج الرائد محمد كريم «1896/ 1972» لإخراج فيلم مأخوذ عن أول رواية مصرية وهي «زينب» الصادرة عام 1914 لمحمد حسين هيكل باشا، وقد عرض الفيلم عام 1930 قبل أن ينطق الفيلم المصري إذ ظل طوال عقد تقريبا يدور في فلك الصمت الكثيف!

بعد ذلك استعار المخرج نفسه رواية «ماجدولين أو تحت ظلال الزيزفون» للكاتب الفرنسي ألفونس كارل، وقد تولى مصطفى لطفي المنفلوطي تعريبها، ليقدمها محمد كريم للسينما بعنوان «دموع الحب» عام 1935، وهو ثالث أفلام محمد عبد الوهاب. وفي سنة 1942 يقتبس المخرج المصري اليهودي توجو مزراحي الرواية موفورة الصيت «غادة الكاميليا» للأديب الفرنسي إلكسندر ديماس الابن، ويقدمها في فيلم يحمل اسم «ليلى» لحسين صدقي وليلى مراد.

أما رواية «البؤساء» لفيكتور هوجو فقد حققها المخرج كمال سليم للسينما في عام 1943، وهي رواية مهمة تفضح الظلم الاجتماعي، وتنحاز إلى فقراء الناس، وكمال سليم كما تعرف هو من حقق فيلم «العزيمة/ 1939» الذي عمل فيه صلاح أبوسيف مونتيرا مع المخرج، الأمر الذي أفاده كثيرا في مسألة ضبط إيقاع الفيلم، فلا يمكن أن تشاهد فيلمًا للرجل وقد اضطرب منه الإيقاع أو تباطأ أو تجاوز الحدود المنطقية.

دائما في قلبي

اقتحم صلاح أبوسيف عالم الإخراج للمرة الأولى بفيلم «دايما في قلبي» الذي عرض في 26 ديسمبر 1946، والفيلم مقتبس من الفيلم الأمريكي الشهير «جسر ووترلو/ 1940»، والفيلم بعد - تمصيره - مزوّد بالفواجع التي اعتادت عليها السينما المصرية منذ نشأتها، لكنه ينطوي على أمر مهم جدا ظل ملازما لكل الأفلام التي حققها أبوسيف، وهو الاهتمام بالغناء بشكل عام، والإيقاعات الشعبية الموسيقية بشكل خاص، إذ استعان أبوسيف بموسيقى «آه يا زين العابدين» في هذا الفيلم.

بلغ عمر صلاح أبوسيف آنذاك 31 عاما - هو من مواليد 1915 - وكانت مصر في مرحلة الأربعينيات تفور بآراء وأفكار ثورية ترفعها أحزاب وقوى سياسية متباينة، وكان الحديث ينهمر عن مقاومة الاحتلال الإنجليزي، وعن ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية، ولا شك عندي أن صلاح أبوسيف تأثر بالمناخ الفكري السياسي الذي كان سائدا في ذلك الزمن، ولعل النقطة الفاصلة في حياته هي لقاؤه بنجيب محفوظ، هذا الروائي الفذ المؤمن بالحرية والعدل، والذي تتكئ جميع رواياته حول هذين المطلبين.

لا نعرف كيف تم اللقاء الذي أفاد السينما إفادة عظمى، لكن المؤكد أن كلا منهما تعلم من الآخر، ولعل كثيرين لا يعرفون أن ثاني أفلام صلاح أبوسيف وهو «المنتقم/ 11 أغسطس 1947» قد اشترك نجيب محفوظ في كتابة السيناريو مع صلاح، الأمر الذي يفسر لنا النقلات النوعية التي قفزها صلاح في أفلامه بعد ذلك.

عنتر وعبلة وريا وسكينة

في عام 1948 اقترب أبوسيف كثيرا من نجيب محفوظ الذي كتب قصة فيلم «مغامرات عنتر وعبلة»، وهو يستوحي نضال العرب ضد الرومان في إشارة إلى كفاحهم ضد إسرائيل كما لاحظ بحق الناقد السينمائي الكبير محمود قاسم في موسوعته المهمة «دليل الأفلام في القرن العشرين». وفي عام 1951 اجتمع الروائي والمخرج لتحقيق فيلم «لك يوم يا ظالم»، فنجيب كتب السيناريو، وقد أسهمت هذه العلاقة المتينة في انحياز صلاح إلى عالم الفقراء المظلومين، وها هو يقدم «الأسطى حسن» قبل اندلاع ثورة يوليو 1952 بشهر واحد فقط!

عندما حل عام 1953 عاد التعاون بين نجيب وصلاح، فكتب الأول قصة وسيناريو فيلم «ريا وسكينة» مستلهما قصتهما من تحقيق صحفي عن الحكاية الشهيرة، وبعد ذلك بعام قدما معا فيلم «الوحش/ 1954»، وقد كتب محفوظ قصة الفيلم وشارك في السيناريو.

غراب وإحسان

لم تكن مفاجأة أن يبحر أبوسيف في نهر الرواية كي ينهل منه ما يشاء ليحقق أفلامه، فقد «تربى» على يد سيد الروائيين محفوظ العظيم، لكن المفاجأة أن أول رواية قدمها للسينما لم تكن لصديقه الحميم، وإنما كانت لأمين يوسف غراب، وهي رواية «شباب امرأة» التي حولها إلى فيلم عرض للمرة الأولى في 6 يناير 1956، وفي العام التالي لم يلتفت إلى أي من روايات نجيب محفوظ، وإنما استعان برواية إحسان عبد القدوس «الوسادة الخالية/ 1957» ليقدمها في فيلم شهير في أول تعاون مع عبد الحليم حافظ وأول ظهور للبنى عبد العزيز!

وقرب نهاية العام - 31 أكتوبر 1957 - عرض فيلم «لا أنام» عن رواية لإحسان أيضا، لكنه عاد إلى محفوظ بوصفه كاتب سيناريو في عام 1958 عندما اشتركا معا في تحقيق فيلم «مجرم في إجازة» المأخوذ عن رواية «النمر النائم» لجوزيف لوزي. وبعد شهر واحد فقط عرض فيلم «الطريق المسدود» المأخوذ عن رواية لإحسان، والمفارقة أن محفوظ هو من كتب السيناريو! ويبدو أن نجاح الثلاثي أبوسيف وإحسان ومحفوظ أغراهم لتقديم رواية «أنا حرة» في مطلع عام 1959!

أما فيلم «لوعة الحب/ 1960»، فقد قدمه أبوسيف مستلهما رواية «الوحش الآدمي» لإميل زولا، ثم قدم قصة من ثلاثة ضمتها حكاية «البنات والصيف» لإحسان عبد القدوس.

روايات محفوظ

أخيرا وبعد علاقة فنية دامت نحو 13 عاما، انتبه صلاح أبوسيف إلى روايات نجيب محفوظ، وهكذا أقدم على إخراج أول رواية تعرضها السينما لصاحب نوبل 1988، وكانت «بداية ونهاية» التي حولها أبوسيف إلى فيلم عرض في 31 أكتوبر 1960، ومن غرائب الحياة والفن أن هذه الرواية منشورة منذ عام 1946، كما نشر نجيب أكثر من عشر روايات قبل أن تلتفت السينما إلى عظمة هذه الروايات، وهكذا يحسب لصلاح أبوسيف أنه أول من تجرأ وحول أعمال محفوظ إلى أفلام، الأمر الذي شجع المخرجين الآخرين على اقتحام الكنز الروائي المحفوظي.

«لا تطفئ الشمس» هي الرواية الرابعة لإحسان عبد القدوس التي يستعيرها أبوسيف ويجسدها على الشاشة لتعرض في 1961، وبعد ذلك بعامين يستلهم رواية يوسف إدريس «لا وقت للحب» ويحققها في فيلم جميل عام 1963.

لا أحد يعرف لماذا انقطع أبوسيف عن السينما ثلاثة أعوام كاملة حتى عاد إليها في 1966 من خلال رواية محفوظ «القاهرة الجديدة»، لكن المخرج الحصيف بدل الاسم إلى «القاهرة 30»، وكان قد مر نحو عشرين عاما على صدور الرواية للمرة الأولى! وفي العام الذي يليه حقق القصة الصغيرة لأحمد رشدي صالح إلى فيلم ساحر هو «الزوجة الثانية».

خلاصة الرحلة

باختصار.. اعتمد صلاح أبوسيف في معظم أعماله على الروايات، وقد استعان بروايات لعبد الحميد جودة السحار «فجر الإسلام/ 1971»، و«حمام الملاطيلي/ 1973» لإسماعيل ولي الدين، و«سنة أولى حب/ 1976» لمصطفى أمين وهو الفيلم الوحيد الذي اشترك في إنجازه خمسة مخرجين هم نيازي مصطفى وحلمي رفلة وعاطف سالم وكمال الشيخ بالإضافة إلى أبوسيف، و«سقطت في بحر العسل/ 1977» لإحسان، و«السقا مات/ 1977» ليوسف السباعي، و«المجرم/ 1978» عن رواية إميل زولا وكتب له السيناريو مع نجيب محفوظ.

أما آخر أعماله المأخوذة عن روايات، فكان فيلم «المواطن مصري» المستوحى من رواية يوسف القعيد «الحرب في بر مصر». وقد عرض في 23 ديسمبر 1991.

أجل.. كان صلاح أبوسيف فنانا منحازا لأفكار تناصر الضعفاء وتنصفهم، وقد وجد في فن الرواية ما ييسر له مهمته الإخراجية الصعبة.. والجميلة، فترك لنا مجموعة من الأفلام الفاتنة التي اتكأت على روايات آسرة.

 

   
 
 
   

صور:

 

 

 

 

 

   
 
 
   
محمد حمودة

في يناير 25, 2015

 

 

واقعية صلاح ابو سيف

 

عندما نتحدث أو نذكر المخرج الراحل صلاح أبوسيف نقرنه دائماً بالواقعية أو بالسينما الواقعية، وللدخول إلى عالم صلاح أبوسيف أو واقعية صلاح ابوسيف علينا فى البداية ان نطرح هذا السؤال.. ما هو المقصود بالواقعية.. هل هى نقل الواقع .. أم هى وجهة نظر فى هذا الواقع.. هل هى واقعية الشكل أم المضمون.. هل الواقعية تعنى فقط تناول مشاكل وحياة الطبقات الشعبية والدنيا أو حتى الوسطى.. أم انها أشمل من ذلك وأكثر رحابة، وهل الواقعية ترتبط بزمنها وهى تعبير عن زمنها.. أم انها تتجاوز الزمن؟ الاجابة عن هذه الاسئلة أو التساؤلات تفتح لنا الطريق إلى عالم صلاح ابو سيف السينمائى وتضع ايدينا على واقعية صلاح أبوسيف..
والواقعية لا تعنى نقل الواقع كما هو.. فالسينما التسجيلية تقوم بهذا الدور خير قيام .. بل تعنى اقتحام هذا الواقع وتحليله من خلال تفاصيلة الدقيقة العادية وشخوصة الحقيقيين البسطاء دون تجميل ولكن من خلال وجهة نظر .. والواقعية لا ترتبط بطبقة بل ترتبط بتفاصيل الحياة بكل ما فيها ومن فيها .. وهى أيضاً لا ترتبط بزمن وإن كانت تنطلق منه فهى وإن صح التعبير عابرة للزمن .. لأن المشاكل الاجتماعية والانسانية لا ترتبط بزمن بل بظروف تصنعها وتعيد صنعها بشكل أو بآخر كلما تكررت الظروف نفسها .. 

ظهرت الواقعية فى السينما.. أو الواقعية الايطالية مع بدايات الاربعينيات من القرن العشرين فى فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها حيث خيمت على المجتمع أجواء الفقر والبطالة.. وتميزت هذه السينما بالخروج من حيز الاستديوهات والتصوير الخارجي في الشوارع والأسواق والتجمعات السكنية الفقيرة بصورة تقترب من الأفلام الوثائقية واعتمدت على التصوير المباشر والبسيط لمعاناة الطبقات الفقيرة في المجتمع.. كان هدفها تقديم الواقع كما هو بلا رتوش.. وتناول الحياة بمفردات الحقيقية دون إخلال .. وطرح القضايا الاجتماعية بدلا من الهروب منها .. وقد تأثر بهذه الموجة السنيمائية كثير من السينمائيين فى العالم كله .. 

وتأثر بهذه الموجة أو بهذه السينما المخرج الكبير صلاح أبوسيف .. بل وتميزت اعماله ببصمته ورؤيته الواقعية .. وتعتبر أفلامه فى السينما المصرية (بمثابة العمود الفقري لهذا الإتجاه كما تقول الناقدة الألمانية) «اريكا ريشتر».. وتصفه أيضاً بـ«استاذ الأفلام الواقعية في مصر».. 

وللحق وللتاريخ، فإن فيلم «العزيمة» عام 1939 للمخرج الراحل كمال سليم هو أول الأفلام الواقعية تاريخ السينما المصرية – وإن كان تم تصويره داخل الاستديو - وقد عمل صلاح أبوسيف مساعد مخرج أول فى هذا الفيلم.. ويعتبر فيلم «السوق السوداء» لكامل التلمسانى عام 1945 إستمراراً لمدرسـة «كمال سـليم» الـواقعية .. غير انه ايضاً تم تصويره داخل الاستديو ..

لقد كانت الأفلام الواقعية قبل صلاح ابوسيف تعتمد على المضمون والشخصيات غير انها لم تخرج إلى الشارع بل نقلت الشارع إلى الاستديو .. وهى هنا تختلف عن الواقعية الجديده فى السينما المصرية والتى ظهرت مع مطلع الثمانينيات على يد مجموعة من شباب المخرجين والكُتاب فى ذلك الوقت أمثال «عاطف الطيب»، «محمد خان»، «بشير الديك»، «خيرى بشارة»، وغيرهم .. فهؤلاء خرجوا بالكاميرات خارج اسوار الاستديوهات .. ونقلت اعمالهم نبض الحياة كما هى فى الشوارع والحوارى .. تعاملت مع المهمشين .. كما تعاملت مع ابناء الطبقة الوسطى .. بل نستطيع القول إن كل الطبقات وجدت نفسها دون رتوش من خلال اعمالهم على الشاشة .. 

لقد اقتحم صلاح ابوسيف فى اعماله السينمائية .. مشاكل الحياة .. وطرح هموم وقضايا البسطاء والمهمشين على الشاشة .. غير انه ايضاً لم يخرج بالكاميرا خارج اطار الاستديوهات انه نقل الواقع إلى داخل الاستديوهات بالديكور وبالاجواء وبالمضمون والشخصيات .. 

كان صلاح ابو سيف يرى أن المخرجين ثلاثة أنواع .. المخرج الهروبي..الذي يُجمل صورة العالم والمجتمع.. فيصنع أفلاماً مزورة قائمة على الكذب مظهراً الحياة شديدة الجمال .. فهو يهرب من الواقع .. والمخرج الوصولي.. الذى يتلون تبعاً لتغير الظروف فهو اشتراكي اذا ما دعت السلطة السياسية الى الاشتراكية… أو فاشي إذا دعت الضرورة .. وهكذا .. والمخرج الايجابي الذي يؤمن بوطنه.. الذى يؤمن بأن للفن غاية محددة وأنه يخدم قضية بعينها.. هذا المخرج يهتم بالقضايا التي تهم الناس.. صحيح انه قد يكون عاجزاً عن اقتراح الحلول… لكنه قادر على طرح الاسئلة.. والحال ان طرح السؤال هو الوصول الى نصف الجواب على الأقل .. وهكذا كان صلاح ابوسيف .. وهكذا كانت واقعيته .. «رؤية ووجهة نظر فى الحياة» .. واقعية تنفذ بالبصر والبصيرة إلى أعماق الواقع .. واقعية تُدرك وتعي جذور المشاكل او الظواهر التى تتناولها ولا تكتفي برصد ملامحها فقط .. وقد جسد هذا المفهوم في أفلامه الكثيرة والمهمة مثل «الاسطى حسن» 1952 .. «شباب امرأة» 1956 .. «الفتوة» 1957 .. «انا حرة» 1959 .. «بداية ونهاية» 1960 .. «القاهرة 30» 1966 .. «الزوجة الثانية» 1967 .. «القضية 68» 1969 .. «السقا مات» 1977 .. «البداية» 1986 .. وغيرها .. 

لقد تبنى صلاح أبو سيف في معظم أفلامه مشاكل واحوال بسطاء ومهمشى عصره .. فاستعرض مشاكل المرأة .. وقهر المرأة في عدد من الأفلام منها «أنا حرة».. «الطريق المسدود».. «بداية ونهاية» .. «الزوجة التانية» .. وتناول مشاكل الطبقة الوسطى .. الطبقة الغالبة على المجتمع في أفلام مثل «القاهرة 30» و«بداية ونهاية» و«القضية 68» والذي تناول ايضا اضطهاد السلطة للمواطن وبجرأة .. ولم ينس مشاكل الفلاح المصرى وما يتعرض له من ظلم وقهر فقدم «الزوجة الثانية» و«المواطن مصري» .. كانت رؤيتة للواقع بمشاكله وتفاصيله الحياتية البسيطة .. ولوقعها على الانسان العادى البسيط الذى تلتقيه فى اى مكان .. رؤية بانورامية إن صح التعبير.

 

   
 
 
   

صور:

 

 

 

 

 

   
 
 
   

انتصار دردير

في يناير 25, 2015

 

 

رائد الواقعية يغرق فى بحر الرومانسية

 

اذا كان المخرج الكبير صلاح أبوسيف قد استحق عن جدارة لقب رائد الواقعية فى السينما المصرية بأفلامه التى توغلت فى قضايا المجتمع، وكشفت كثيرا من عوراته، فان ذلك لايعنى أن تقتصر أفلامه على الاتجاه الواقعى، بل إنه قدم أفلاما شديدة الرومانسية، تقطر عذوبة وتفيض بمشاهد الحب، ولوعة الفراق، ودموع العشاق. نلحظ لمحات من تلك الرومانسية تتجلى بوضوح فى أغلب أفلامه، تجدها فى مشهد أو لقطة - ليست عابرة - أو فى جملة حوار ناعمة، لكن يبقى فيلم «الوسادة الخالية» نموذجا للاتجاه الرومانسى فى أفلام صلاح أبوسيف الذى لو قدر له الاستمرار فيه لحقق نجاحا كبيرا، أنه جزء أصيل فى شخصية أبوسيف نفسه.

كانت رواية «الوسادة الخالية» لاحسان عبد القدوس قد آثارت ضجة كبيرة عند صدورها اذ طرحت قضية الحب الأول الذى رأى فيه احسان وهما كبيرا، وخرافة تعذب صاحبها، وأطلال ماضى يطارده، فيستسلم له ويعيش معذبا به. وكما يقول فى مقدمة الرواية «فى حياة كل منا وهم كبير اسمه الحب الأول»، وتحمس أبو سيف للرواية وكتب لها السيناريو مع الفنان السيد بدير، واختار لبطولة الفيلم المطرب عبد الحليم حافظ الذى كان فى قمة نجوميته ونجاحه الجماهيرى، بينما أسند دور سميحة للوجه الجديد حينذاك لبنى عبد العزيز لتلعب دور البطولة أمامه مع زهرة العلا وأحمد رمزى وعبد المنعم ابراهيم وعمر الحريرى وعبد الوارث عسر

وفى 7 يناير 1957 عرض فيلم «الوسادة الخالية» ليستقبله الجمهور بحفاوة كبيرة، فقد ضمنه أبو سيف كافة عناصر النجاح باختياره موضوعا مثيرا للجدل بين من يبقى أسيرا لذلك الحب الأول ويراه الأصدق الذى يبقى حيا فى القلب مهما مرت السنون، ومن يراه خرافة تستبد بالقلوب البريئة ثم ترحل مع حب جديد، كما برع أبوسيف فى اختيار فريق الممثلين، ثم الحوار الذى خرج الجمهور يردده لصدقه وبساطته، والأغنيات التى عبرت بقوة عن الموقف الدرامى وعن أزمة البطل الذى يعيش وهم الحب الأول.

فى الفيلم يقع «صلاح» طالب التجارة فى حب «سميحة» وتشتعل قصة الحب بينهما ويلتقيان خارج المنزل، يتعاهدان على الحب والزواج، لكن حرارة مشاعرهما تصطدم برفض الأسرة ويقف الأب عبد الوارث عسر ساخرا من رغبة ابنه الطالب الجامعى فيقول «خلاص أبقى أديك مصروفك ومصروفها»، كما يرفض والدها أيضا ويرحب بزواجها من الطبيب الشاب عمر الحريرى، يعيش صلاح صدمة نفسية كبيرة ويتنقل بين الملاهى الليلية وينخرط فى علاقة مع راقصة حتى يصاب بأزمة صحية، وينقل الى المستشفى ليفاجأ بأن زوج سميحة هو من يجرى له الجراحة، ووسط اشادة الأب والأم بالطبيب النابه، يقرر صلاح أن يشق طريقه بنجاح وتسكنه روح التحدى فهو يتمنى أن تندم سميحة على تركها له، وبالفعل ينجح فى دراسته ويبدأ عمله ويترقى، وتقع درية ابنة صاحب الشركة فى حبه ويتزوجها، لكنها تكتشف حبه لسميحة بعد أن ظلت دبلتها فى يده، وظل هو يحتضن الوسادة الخالية التى يرى فيها صورة حبه الأول، وبينما تفقد زوجته طفلها الأول يفيق صلاح من أوهامه ويكتشف أنه يحب درية وفى آخر مشاهد الفيلم يحتضن الوسادة وقد رأى فيها صورة زوجته.

يستغل أبوسيف موهبة بطله العندليب ليقدم باقة من الأغنيات التى تعبر عن مواقف درامية يمر بها البطل والتى تميزت بتفوق عناصرها وأسلوب تصويرها - بفضل بموهبة مدير التصوير الفنان محمود نصر- لتظهر، كما لو كانت «فيديو كليب» مثل «مشغول وحياتك مشغول»، «تخونوه»، «فى يوم من الأيام»، 

لقد استطاع أبو سيف فى «الوسادة الخالية» أن يعلم أجيالا عديدة معنى الحب، وصار المحبون على درب حليم، تشابكت أيديهم، وارتدوا «الدبل الفضة»، وباتوا لياليهم وهم يحتضنون تلك الوسادة .. الخالية 

بعدها بعام قدم أبوسيف فيلما آخر لايقل عذوبة عن «الوسادة الخالية» وأعنى فيلم «هذا هو الحب 1958» ويختار لبطولته البريئة، الحالمة، لبنى عبد العزيز أمام يحى شاهين والعملاقتين فردوس محمد ومارى منيب، والراسخ أداءا وموهبة حسين رياض، الفيلم عن قصة محمد كامل، وقد شارك أبو سيف – كعادته – فى كتابة السيناريو، بينما أسند الحوار للفنان سيد بدير، وقام بانتاجه رمسيس نجيب

فى «هذا هو الحب» يدور الصراع بين الحب والغيرة وتسلط الرجل ورغبته فى تملك زوجته، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، ومشاعر الأنانية وشكه وتردده، البطل هنا مهندس شديد التزمت والشك يراقب شريفة ابنة الجيران ويتأكد من التزامها وتدينها، وتكتمل المعاينة بزيارة أمه لخطبتها فى مشهد خالد فى الذاكرة، يفجر الضحك ويكشف عن شخصية البطل حين تطلب الأم من العروس أن تقوم بكسر البندق حتى تتأكد من سلامة أسنانها، وتشد شعرها حتى تتأكد أنه ليس مستعارا، يتزوج العروسان ويسافران للفيوم لقضاء شهر العسل، وينعمان بالسعادة، وأثناء خروجهما للتنزه تلتقى مصادفة مع صديق شقيقها الذى يلقى التحية عليهما، فيجن جنون الزوج، يحاصرها بالأسئله، يقطع شهر العسل ويطلقها بعد أن تملكت الغيرة والظنون منه، وتعود الزوجة المهزومة، فتسارع الأسرة بتزويجها خوفا من الفضيحة، ويشعر الزوج بفداحة ما فعله ويحاول استردادها، فتهرب من الفرح لتعود اليه

وفى «لوعة الحب 1960» الذى كتبه جليل البندارى وشارك فى بطولته عمر الشريف وأحمد مظهر أمام شادية، تعيش الزوجة الشابة الجميلة حياة تعيسة مع زوجها «أحمد مظهر» سائق القطار الذى يعاملها بغلظة وقسوة تجعلها تنفر منه، ويحدث أن يسافر لمهمة عمل وياتى زميله «العطشجى - عمر الشريف – لتوصيل بعض الطلبات اليها»، ويعاملها برقة وحنان بالغ، فتقع أسيرة لهواه، ويتفقان على أن تطلب الطلاق من زوجها ليتزوجا، لكنها تكتشف أنها حامل، وحين يعلم الزوج بذلك يتحول عن شراسته ويصبح أكثر رقة معها، لتعود المياه الى مجاريها بينهما.

 

   
 
 
   

صور:

 

 

 

 

 

   
 
 
   

نعمة الله حسين

في يناير 25, 2015

 

 

نساء صلاح أبوسيف .. عجز وقهر ورغبة وتحدي

 

مع لحظة الميلاد .. وخروجه من رحم الأم لحضنها الدافئ .. ومع الرشفات الأولى من سرسوب اللبن من ثدييها .. كانت بداية وعى الرضيع الذى يتشكل فى عقله الباطن بأهمية الأم .. والمرأة .. عرفه بالاحساس قبل أن يعرف الكلام معنى التضاد فى المشاعر الانسانية، التى جسدتها تلك السيدة الفريدة فى حياته «والدته تفيدة» والتى تلخصت فيها واختزلت كل نساء الأرض، ومن بينها فيما بعد، نماذج وشخصيات النساء فى أفلام صلاح أبو سيف، الرضيع الذى ذاق مرارة الاهمال من والده العمدة الثرى الذى رفض أن يتكفله ماليا، فكان على الأم، أن تجعل من الخال «أبا ثانيا» تطابقا مع المثل أن «الخال والد».

الأم «تفيدة» فى حياة صلاح أبوسيف هى القوة والضعف.. الصمود والانهيار.. المقاومة والقهر.. الغنى والثراء، هى كل الشخصيات والمجتمع، أو بمعنى أدق العامود الفقرى للحياة، تلك الحياة المتقشفة التى عاشها صلاح أبو سيف، فجعلته منحازا للطبقة الفقيرة والمتوسطة.

بداية ونهاية 

فى حى بولاق الذى يحدوه نهر النيل كان يتطلع للضفة الأخرى من النيل، يتأمل حياة ارستقراطية تسحق الفقراء، تأمله للنهر الخالد صغيرا والذى كان يعتبره المنتهى، دفع الأخ الضابط بشقيقته «نفيسة» ـ حتى لايعايره أحد بها ـ لأن تلقى نفسها فى النيل قربانا لحياة جديدة، ينسلخ بها عن حياته القديمة، ناسيا أن نفيسة «العظيمة سناء جميل» هى من كانت تمده بالنقود، فقد كانت تعمل هى والأم لتعولا الأسرة

نفيسة فى «بداية ونهاية».. قهرتها الحياة فبجانب قسوة الفقر، كان هناك فقر أكثر قسوة .. لاتجوع فيه البطون .. لكن «تقتل وتنتحر» بسببه المشاعر والأحاسيس وهو «فقر الجمال»، الدمامة أو «الوحاشة» التى لا تملك صاحبتها أن تغير منها شيئا فتظل «البومة» العاجزة عن تحقيق المثل الشعبى «لبس البوصة تبقى عروسة». ولانها كانت تحلم مثل أى بنت أن تكون عروسا .. استسلمت وصدقت ابن البقال الذى أيقظ الاحساس الذى دمره الفقر، وكانت تعتقد أنه قد قضى عليه، وعليها أن تعيش فى حرمان دائم، لكنه استغلها واستغل فقرها وزادها قهرا على قهر ولم يرحمها أحد .. الى أن دفعها الشقيق لأن تلقى بنفسها فى النهر، عروسا متشحة بالسواد، بوجه ليس به مسحة من جمال .. لتستقر مع أجمل جميلات بنات الفراعنة، عرائس النهر، وياخوفى آلا يقبلها النهر هو أيضا مكتفيا بجميلاته اللاتى سبقنها.

الزوجة الثانية 

ومن نفيسة المقهورة فى «بداية ونهاية» تحولت سناء جميل الى «حفيظة»، زوجة العمدة الاولى التى حرمتها الطبيعة من نعمة الانجاب، دون أن تمارس الغريزة الأولى فى نفس كل امرأة «الأمومة»، القهر هنا أشد لانه ناتج عن احساس بالعجز لم يستطع حسبها ونسبها وزواجها من أكبر رجل فى البلد أن يحميها منه.. فكان أن تحولت الى شخصية جامدة، قاسية .. لكنها ترضخ للأمر الواقع، بأن يأتى اليها بزوجة ثانية «ضرة»، بنت غلبانة جميلة، بحجة أن تجئ له بالولد .. فى حين أن الحقيقة أن الرجل كان يشتهيها ويحلم بها، هى فاطمة «سعاد حسنى» التى تعيش مع زوجها وأبنائها وحماتها، وتعمل خادمة فى بيت العمدة .. وقد أجبروا زوجها «شكرى سرحان» أو «أبوالعلا» أن يطلقها لكى يتزوجها العمدة عتمان «صلاح منصور».

لكن هذه الفلاحة المحبة لزوجها لم ترضخ، وأمام ضريح «السيد البدوى» تسأل الامام الواعى المستنير عما تفعل .. لتدرك أن كل ما يتم بدون إرادتها وكأنه لم يكن .. لذا تستخدم المكر والحيلة والذكاء الفطرى، فلا تسلم نفسها للعجوز المتصابى .. وتقضى ليلتها مع زوجها .. خاصة وأن الغيرة دفعت بحفيظة لأن تجعل العمدة يبيت الليلة عندها، لتصبح واحدة من أشهر الجمل فى السينما المصرية «الليلة ياعمدة».

الفلاحة البسيطة ملكت من الوعى مالم يملكه آخرون جعلها ترد لشقيق العمدة ما يفترض أنها ورثته بحكم أنه زوجته وحملت منه لتجئ بالولد، بعد ان مات كمدا وحسرة بعد اصابته بالشلل عندما واجهته بأن الجنين الذى فى بطنها ليس ابنه لأنه ليس زوجها، وان زوجها الحقيقى وهو أبو العلا.

والله عليكى يافاطمة .. والله عليك ياعم صلاح أنت والراحل العظيم، أستاذى «رشدى صالح» صاحب القصة الحقيقية .. على الصياغة الجميلة لصورة الفلاحة البسسيطة، الايجابية فى الحياة.

حاولت «زليخة امرأة» عزيز مصر اغواء سيدنا يوسف عليه السلام لكنه رفض .. وان كان أصل البشرية «آدم» خضع لأمنا حواء واستمع اليها بعد أن وسوس لهما الشيطان .. ومنذ ذلك الوقت أصبحت حواء هى رمز الغواية، يتبعها الرجل منقادا اليها، تحركه غريزته وشهوته.

شباب امرأة 

ومن أجمل أفلام السينما المصرية والذى احتل المرتبة السادسة فى موسوعة أفضل فيلم مصرى، كان «شباب امرأة» والذى مثلنا فى مهرجان «كان» السينمائى، فحظى باعجاب العالم أجمع.

تحية كاريوكا أو شفاعات، صاحبة السرجة فى الحارة الشعبية، رمز الأنوثة والجبروت، الطاغية بجمالها، ورغبتها المتقدة فى الجنس، تجد فى «امام» ـ شكرى سرحان كبشا لرغبتها ـ شديد الفحولة والرجولة، لكنه ساذجا وخاما، قادما من الريف بعد ان اصطحبته أمه للمدينة القاهرة، بعد أن باعت «الجاموسة» ليتعلم .. من حضن الأم الطيبة الى أحضان هذه اللعوب شفاعات التى أبعدته عن «الصلاة» وغاب عن الجامعة .. وفى النهاية سحبته «كالخروف» لتتزوج منه بعد ان هددته بسجنه، شفاعات، الرغبة الحية التى يجن جنون رغباتها أمام قلة خبرة الفتى اليافع .. والذى لاينقذه منها الا مقتلها على يد من أحبته وأحبها يوما لأنها «رمته» بعد أن «هرم» وفقد صحته.

شفاعات هى نموذج صادق لبعض النساء فى الأحياء الشعبية، والغريب والمثير أنها بشكل أكبر فى الطبقات العليا الثرية.

البحث عن الحرية 

واذا كان الجنس والرغبة هما المحركان الرئيسيان لشخصية شفاعات، فان «الحرية» هى ما كانت تبحث عنها «لبنى عبد العزيز» فى «أنا حرة»، أمينة التى تعيش فى كنف عمتها منذ صغرها بعد انفصال والديها، وكانت متمردة على وضع عمتها الراضخة، المستسلمة، لزوج شديد القسوة عليها وعلى ابنها «حسن يوسف» ابن العمة، الفاقد لشخصيته تماما أمام والده، تمرد أمينة جعلها تتسلح بالعلم، فمن خلاله سوف تحصل على حريتها.. ولن تكون أبدا سلعة يشتريها من يتقدم اليها للزواج منها، وفى رحلة التمرد والبحث عن الحرية، تترك منزل العمة، من كانت تعتبرها أما، لتذهب وتعيش مع والدها الذى يتركها تدير حياتها بحرية تامة، لكن بالممارسة تدرك ان ماتبحث عنه وتسميه «حرية» كانت تتمثل فى أشياء بسيطة للغاية، انها لم تكن تريد أبدا «الانفلات الأخلاقى» .. وعندما تلتقى بـ «عباس»، وتشعر بالحب تجاهه، تجده مشغولا ومهموما مما يمر به بلده، حتى أنها تدخل السجن ايمانا بالقضية الحقيقية التى باتت تسعى اليها وتعتبر الحرية الحقيقية لنا جميعا.

 

   
 
 
   

صور:

 

 

 

 

 

   
 
 
   

محمد بدر الدين

في يناير 25, 2015

 

 

أبو سيف وتجربته الدينيّة.. فجر الإسلام والقادسية

 

«فجر الإسلام» (1971)، «القادسية» (1981)، من بين الأفلام المختلفة عن المعهود في سينما صلاح أبو سيف زماناً ومكاناً وطابعاً، فهما يدوران في زمان غير زماننا وفي أمكنة بعيدة عن الواقع المصري الذي تتمحور حوله مجمل أعماله. لكليهما طابع ديني تاريخي ملحمي، إلا أنهما يتكاملان.

يعرض «فجر الإسلام» لبداية ظهور الإسلام وجهاد المؤمنين الأوائل لنشر رسالته، إلى أن ترسخت وأسست واقعاً جديداً انطلق من مكة والمدينة وتقدم نحو بلاد الحجاز وأحرز، عبر الفتوحات الإسلامية، مساحات أوسع لنشر الدعوة وتحقيق دولة كبرى تضمّ قوميات عدة تستظلّ براية الإسلام وهديه.

أما «القادسية» فيركز على أحد أكبر الفتوحات الإسلامية وأخطرها أثراً، وكان في عهد الخليفة الثاني العظيم عمر بن الخطاب وبقيادة الصحابي الجسور سعد بن أبي وقاص.

كتب سيناريو «فجر الإسلام» عبد الحميد جودة السحار بالتعاون مع المخرج أبو سيف وأدى بطولته كل من محمود مرسي، سميحة أيوب، يحيى شاهين، نجوى إبراهيم... وكان السحار دارساً ومحللاً للسيرة النبوية، ما أكسب الفيلم تميزاً ليس على المستوى الروائي فحسب، وإنما على مستوى الدراسة العلمية التاريخية السليمة.

وقد وفق معظم العناصر في الفيلمين، سواء في تصوير عبد العزيز فهمي الفذ في «فجر الإسلام»، أو في التمثيل: عزت العلايلي وشذى سالم في «القادسية»، أما سعاد حسني فلاحظ الجميع أن موهبتها أكبر من دورها بوضوح.

ربما كان المأخذ المشترك على الفيلمين تقديم الطرف، الذي يحارب ضده المجاهدون المسلمون، أقل شأناً مما يجب تقديمه عليه، ونعني المشركين في «فجر الإسلام» والفرس في «القادسية»، ما يقلل بالتالي من قيمة الانتصار عليهما، من دون أن يقصد صناع الفيلمين ذلك، إلى جانب الطابع الخطابي في الحوار، خصوصاً في «فجر الإسلام».

«فجر الإسلام» أحد الأفلام الدينية المهمة في السينما المصرية ويتكرر عرضه في المناسبات الدينية، وهو أول فيلم ديني للمخرج الكبير أبو سيف، الذي عرفناه رائد الواقعية في السينما المصرية، يقدم فيه موضوعاً جديداً عليه حول ظهور الإسلام والصراع بين المسلمين والمشركين.

صحيح أننا شاهدنا هذا الصراع في أفلام سينمائية ودراما تلفزيونية كثيرة، إلا أن أبو سيف تناوله بأسلوب جديد، إذ جعله رمزاً للصراع بين التخلّف والتقدّم، وركّز فيه على المعاني الإنسانية والاجتماعية.

يصوّر الفيلم ما كان عليه الناس في الجاهلية من انحلال خلقي وسيطرة للخرافات، إلى أن ظهر الدين الإسلامي في مكة، وكان من بين الذين آمنوا به ابن شيخ قبيلة موجودة بين مكة والمدينة، فراح يدعو قبيلته إلى هذا الدين الجديد، ما أدى إلى اندلاع صراع بين جيلين: الجديد الذي يتطلع إلى النهوض بالحق والقديم الذي يتمسك بالقديم الباطل.

انتجت «المؤسسة العامة للسينما» هذا الفيلم ورصدت له موازنة قدرها 120 ألف جنيه، وأسندت إخراجه في البداية إلى المخرج عاطف سالم وبدأ التصوير، إلا أن حادثاً وقع له أجبره على التوقف عن التصوير، فأسندت المؤسسة الإخراج إلى صلاح أبو سيف الذي ارتأى إعادة النظر في بعض الأدوار وإدخال تعديلات على السيناريو.

أما «القادسية» الذي أنتجته مؤسسة السينما والمسرح العراقية، فهو أحد الأفلام الضخمة في السينما العربية، بلغت موازنته 4 ملايين دينار عراقي وشارك فيه أكثر من300 ممثل عربي. وقد انتدبت المؤسسة خبيراً إسبانياً متخصصاً بالمعارك، فاختار الخيام والديكورات والأرض المشابهة للأرض التي حدثت عليها المعارك الحقيقية. وشارك الفيلم في مهرجانات عالمية من بينها مهرجان «كان» السينمائي..

 

   
 
 
   

صور:

 

 

 

 

 

   
 
 
   

د. أمل الجمل

في يناير 25, 2015

 

 

صلاح أبو سيف ومحطات شائكة مع الرقابة

 

من الأقوال الشائعة – والتي تقترب من الحقيقة إلى حد كبير - في الوسط السينمائي أن المخرجين الكبار، وربما بعض الكتاب الكبار أيضاً، إلى جانب المنتجين ذوي النفوذ بالطبع، يظهر الدور الكبير لمكانتهم ووضعهم الخاص عندما تتعامل معهم الرقابة. وتلك المقولة ليست حديثة العهد ولكنها ترجع لسنوات طويلة مضت، وقد طُرحت ذات يوم عندما هاجم النقاد والصحفيون فيلم «حمام الملاطيلي» 1972 للمخرج الراحل صلاح أبو سيف، إذا اعتبروا أن الرقابة تساهلت معه وسمحت بعرض الفيلم بسبب اسمه ومكانته. لكن تلك الجملة لم تصمد طويلاً فمخاوف وتصرفات الرقابة التالية لرد فعل النقاد – والتي سوف نسردها في متن النص - أكدت أن الاسم الكبير وحده لا يكفي دائماً، وهو الأمر الذي تكرر مرات عدة فيما بعد مع رائد الواقعية في السينما المصرية

خاض صلاح أبو سيف تجربة طويلة مع الرقابة منذ بدأ الإخراج في عام 1945، مرت في بعض الأفلام بسلام وهدوء رغم الرفض أحياناً منذ بداية السيناريو مثلما حدث مع مشروع «القاهرة الجديدة» أو «القاهرة 30» والذي ظلت ترفضه لسنوات تقترب من العشرين، وفي أحيان أخرى اقتصر الأمر على التدخل بالحذف والقطع مباشرة، وفي مرات ثالثة فوضت الرقابة تشكيل لجنة من مجلس الشعب للبت في أمر العمل

بدأت رحلة تدخل الرقابة في أفلام صلاح أبو سيف منذ فترة مبكرة جداً. فمثلاً في عام 1945 رفضوا له سيناريو «القاهرة الجديدة» وفي عام 1952 اشترطت الرقابة وضع عبارة «القناعة كنز لا يفنى» في أحد المشاهد لتمرير فيلم «الأسطى حسن». وفي عام 1954 اشترطت وضع جُملة: «قديماً.. في أقاصي الصعيد» في بداية فيلم «الوحش» وذلك لإجازته رقابياً. وفيما يلي نلقي الضوء على بعض محطات تلك الرحلة مع الرقابة.

شباب امرأة والقاهرة الجديدة

عندما فكر صناع فيلم «شباب امرأة» عام 1956 في إرسال الفيلم إلى مهرجان كان للمشاركة ضمن فعالياته اعترضت الرقابة بحجة أنه يُسيء إلى مصر لما تضمنه من مشاهد تكشف عن الفقر مثل «السرجة»، ووصل الأمر أن الرئيس عبد الناصر أمر بتشكيل لجنة هي التي أفرجت عن الفيلم.. وكان من ضمن أعضاء اللجنة الدكتور حسين فوزي الذي لم يعجبه نهاية الفيلم بموت البطلة - التي جسدت دورها الفنانة العملاقة تحية كاريوكا - وكأنه عقاب لها على علاقتها بالشاب، وكان رأيه "أنها لا تستحق هذه النهاية المأساوية، بينما كان لها الفضل في تعليمه جانبا مما يجهله عن الحياة." 

أما فيلمه «القاهرة 30» المأخوذ عن قصة نجيب محفوظ - والتي نُشرت باسم «القاهرة الجديدة» ثم أُعيد طبعها تحت عنوان «فضيحة في القاهرة» تفادياً للرقابة – فله حكاية امتدت لسنوات فمنذ وقوع صلاح أبو سيف في غرام رواية «القاهرة الجديدة» عندما قرأها عام 1945 قرر إخراجها سينمائيا لكن الرقابة رفضتها. وقتها وصفها أحد رجال العهد البائد بأنها «صرخة طائر تُنذر بالخطر» على حد وصف نجيب محفوظ. تكرر هذا الرفض أربع مرات، بسبب بشاعة تصرف الشخصيات ولأن الرواية تتحدث عن عفونة الوضع الاجتماعي وتُنذر بانهياره. في المرة الخامسة عام 1964 وافقت عليها الرقابة، أي بعد عشرين سنةً من صدور الرواية. وعن هذه التجربة يقول أبو سيف: كل سنتين ثلاثة كنت أعيد تقديم ملخص رواية «القاهرة الجديدة» للرقابة، وفي كل مرة ترفضها، وحدث أن جاء نجيب محفوظ رئيسا للرقابة وتصورت أنها فرصتي لتمرير الفيلم لكني فوجئت برفض نجيب محفوظ أيضاً للفيلم، وعندما سألته عن السبب قال إن أخلاقه لا تسمح له بالموافقة على موضوع يخصه سبق الاعتراض عليه من الرقابة، واقتنعت – هكذا يقول صلاح أبو سيف – لكني واصلت بعده تقديم الموضوع للرقابة، وعندما تولي عبد الرحيم سرور الرقابة سألني عن سبب الرفض السابق، فذكرت له أن الاعتراض بسبب التعرض لشخصية وزير يقيم علاقة مع زوجة موظف في مكتبه، ففوجئت بموافقته وسعدت بها.

القضية 68 وحكاية وأد فيلم 

يحكي صلاح أبو سيف عن تجربته القاسية في «القضية 68» فيقول: تعرض الفيلم للمصادرة السياسية قبل عرضه، أنقذه من المصادرة تدخل الكاتب الاشتراكي الكبير لطفي الخولي، وكان هو صاحب القصة.. وعندما عرض الفيلم فوجئت في الحفلة الصباحية بمجموعة من المشاهدين يهتفون ضد الفيلم، وفي حفل الافتتاح مساء زاد الشغب، وسمع ابني محمد حوارا بين اثنين فهم منهما التآمر لإحداث شغب فاشتبك معهما، لكننا حاولنا تهدئة الموقف، وفهمت أن الحزب غير راض عن الفيلم وقد دبر مع البوليس هذا الشغب، لمنع عرض الفيلم... لكن عندما حاول هاشم النحاس نقد وتحليل شخصيات الفيلم لتفسير لماذا انفض الجمهور عن الفيلم في دور العرض وذلك في اعتقاده لأن «فريق الشر كان أخف ظلا من فريق الخير بالعمل مما جعل المتفرج غير قادر على التعاطف معه»، لكن صلاح أبو سيف أصر بشدة على أن البوليس هو الذي أفسد العرض. وعندما قاطعه النحاس مؤكدا أن «النقاد أيضاً وقتها لم يعجبهم الفيلم» قال أبو سيف: لا.. المهم هو موقف البوليس في مصر وقد قوبل الفيلم بالخارج بترحاب شديد في الجزائر والمغرب، كما عرض بعد ذلك في فرنسا ولقي إقبالا كبيرا.. لكن في مصر تم التعتيم عليه فلم يعرض عرضاً ثانيا ولم يعرض بالتليفزيون ولو مرة واحدة، لقد تم إلغاؤه

وقد كتب الأستاذ الأمريكي ريموند وليم بيكر، كلية ويليامز تحت عنوان: «مصر في الأطياف- الأفلام والنظام السياسي» استهل بحثه بكلمات أبو سيف: «كانت السينما محاصرة برجال الشرطة ليلة العرض الأول... كانت الشرطة السرية منسلة بين صفوف المشاهدين، وبعد انتهاء العرض حاولت جاهدت أن تضربني.. أنا بشر.. كان كل يوم من أيام عرض الفيلم امتحانا قاسيا لي.. كان عندي الإحساس بأن أولادي هم الذين سيجري تحميلهم عبء أفعالي ».

يُذكر أن الفيلم عرض عام 1968 في أعقاب الهزيمة، لكن التفكير في انتاجه كان قبل نكسة 67. عرض الفيلم لمدة أسبوع واحد وبعدها رفع من السينما ولم يعرض أبدا، ثم عرض في لبنان 1970. اختاره الناقد اللبناني سمير نصري ضمن برنامج عن السينما المصرية، ثم عرض في باريس وهناك علق أحد الجزائريين قائلاً: «كيف تملك مصر من الجرأة ما يتيح إنتاج هذا الفيلم.. » وحضر أحد الفرنسيين إلى مصر لشراء حق العرض في فرنسا لكن الشركة رفضت بيعه بحجة الخوف من سوء استغلاله ضد مصر. وكان الفيلم يبدو وكأنه بمثابة محاول للإجابة عن تساؤل: «ما سبب هزيمة 1967؟ » وأثناء ذلك يتناول الفساد الذي ضرب الاتحاد الاشتراكي من الداخل. الفيلم مأخوذ عن مسرحية لطفي الخولي، لكن الفارق بينهما أن المسرحية تعالج التناقض بين القوانين، ومشكلة القوانين القديمة التي لم تعد تصلح لحياتنا المعاصرة، بينما يعالج شريط أبو سيف التناقض بين المبادئ الاشتراكية وبين مَنْ يطبقونها. عمد المخرج إلى توظيف العمارة في الفيلم كرمز للنظام القائم، إذ تتعرض للانهيار فيدب الخلاف بين أعضاء اللجنة، مجموعة منهم تقرر هدم العمارة وبناءها من جديد والمجموعة الثانية تنتصر لفكرة الترميم، ويقف الانتهازيون إلى جانب الترميم حفاظا على مصالحهم، وفي نهاية الفيلم تنهار العمارة.

حمام الملاطيلي 1973 

فيلم «حمام الملاطيلي» مأخوذ عن رواية إسماعيل ولي الدين والتي منع طبعها وتوزيعها فترة من الزمن في مصر، ثم أعيد السماح بها لتتحول على يد صلاح أبو سيف إلى فيلم سينمائي يعالج بجرأة وصراحة أكثر العيوب الاجتماعية بعد نكسة 1967

عندما كان صلاح أبو سيف يُسأل عن «حمام الملاطيلي» كان يبادر بأن النقاد كانوا أشد قسوة من الرقابة في التعامل مع هذا الفيلم: «فقد واجه العمل بعض الصعوبات الرقابية، ولما شاهدته لجنة من مجلس الشعب وصرحت بعرضه هاجمها بعض الصحفيين، كما لم يحظ الفيلم بتقدير النقاد، بل هاجموه بشده، وقد أثار الفيلم مخاوف الرقابة فراحت كل أسبوع تقطع منه».

شهد الفيلم انقساماً حاداً بين النقاد بسبب الجرأة في الموضوع والطرح، فالبعض هاجمه بضراوة والبعض الآخر دافع عنه، فمثلا كتب حسن إمام عمر مطالباً بمصادرة الفيلم، وتعجب من التصريح بتصديره في المرحلة الحاسمة التي تجتازها البلاد، وعبر عن دهشته وكيف تسرب الفيلم إلى الخارج وهو بهذه الصورة المؤذية، فالواجب يقضي بأن يعاد النظر فيه، وأن تُسحب النسخ التي صُدرت إلى البلاد العربية ليعلم الجميع أن مجتمع المواجهة الشاملة أكبر من أن يجامل مشهورا من أبنائه إذا خانه التوفيق.. أما إبراهيم الورداني: فكتب ينتقد اللجنة الخاصة من مجلس الشعب التي شاهدت الفيلم ولم تجد فيه ما يمنع عرضه على الجمهور، بل صرحت بعرضه كاملاً بلا أدنى قطع أو حذف.

رغم ما سبق لكن نزاهة الناقد السينمائي والمخرج هاشم النحاس جعلته يعترف أنه عندما شاهد الفيلم بعد فترة زمنية من الظرف التاريخي التي كانت مصر تمر به خرج بانطباع ومشاعر أفضل مما خرج بها في المرة الأولى 1972 حيث كان لايزال تحت الضغط النفسي للهزيمة، ولما كان الفيلم يُحلل أسبابها من فساد وتحلل اجتماعي، فقد غمره شعور بالإحباط والانقباض وقتها، لكن مشاهدة الفيلم بعد 73 جعلته يكتشف الكثير من مناطق القوة

أما اللبناني سمير نصري فكتب مدافعا عن الفيلم كاشفاً تفاصيل الهجوم عليه، بأن الفيلم شاهدته الرقابة وسمحت بعرضه وتصديره للعراق ولبنان والأردن، وخرجت إحدى الصحف العربية تهاجم الفيلم وتصفه بأنه يسيء إلى مصر، فأوقف المسئولون المصريون الفيلم وقاموا بمصادرة أفيشاته من جميع شوارع العاصمة، كما قامت حملة في الصحف والمجلات في اليوم التالي تهاجم الفيلم ومخرجه، وطلب المخرج تحكيم لجنة من مجلس الشعب فأقرت اللجنة عرض الفيلم بعد العمل على تخفيف المشاهد الجنسية، وفي اليوم التالي حضر الوزير يوسف السباعي عرض الفيلم وحدد المشاهد التي يجب أن يتم حذفها ثم أجاز السماح بعرضه مرة ثانية، وقد سبق ذلك أن عُرض الفيلم على الرئيس أنور السادات في منزله بناء على طلبه.

مدرسة الجنس 

كان صلاح أبو سيف على يقين بأن أخطر مشكلتين تواجهان المجتمع هي المشكلتان الجنسية والاقتصادية، ولذا نجد لهما دوما صدى في أفلامه بالطبع إن لم يكونا الأساس الجوهري الذي ينهض عليه البناء المعماري للعمل، ولذلك أيضاً قبل ما يقرب من30 سنة من رحيله، ظل يتقدم إلي الرقابة بسيناريو عنوانه «مدرسة الجنس»، ومرة ثانية لم يشفع اسم وتاريخ صلاح أبو سيف للسيناريو، فرفضته الرقابة،, واعتبرته عملا غير لائق، مناهضا للعادات والتقاليد.. وظل أبو سيف يتقدم بالسيناريو كلما تغير رئيس الرقابة، لكنه كان يتلقى نفس الرفض.. ورحل صلاح أبو سيف، وقرر ابنه محمد ابو سيف أن يتقدم بنفس العمل، فوافقت الرقابة دون تغيير. الشيء الوحيد الذي تغير في السيناريو هو عنوانه. أصبح «النعامة والطاووس».

المواطن مصري 

للمواطن مصري حكاية أخرى مختلفة عن أفلام أبو سيف السابقة، فعندما قرأ رواية يوسف القعيد «يحدث في مصر الآن» وأعجبته اتفق على إخراجها مع المنتج حسين القلا، لكن الرقابة لم تسمح بها، وإن سمحت بها بعد ذلك وأنتجت فيلماً تحت عنوان «زيارة السيد الرئيس». فاقترح عليه حسين القلا رواية أخرى ليوسف القعيد وهى «الحرب في بر مصر» التي وافقت عليها الرقابة بعد أن أجريا عليها بعض التعديلات، وكتب لها السيناريو الراحل القدير محسن زايد. ويعترف أبو سيف أن بعض المسئولين في الجيش شاهدوا الفيلم نظرا لموضوعه الذي يتعلق بالجيش ولم يعترضوا عليه، وقالوا إن مثل تلك الحالات سبق أن وقعت في الجيش، أي أن يحل شخص محل شخص آخر في العسكرية بالتزوير، ولكنهم اكدوا أن هذا الأمر لم يعد يحدث الآن.

 

   
 
 
   

صور:

 

 

 

 

 

   
 
 
   

انتصار دردير

في يناير 25, 2015

 

 

صلاح أبو سيف والنقاد

 

يوما ما سألت المخرج الكبير صلاح أبو سيف - خلال حوار طويل جمعنى به - عن موقف النقاد من أفلامه وهل اتسمت رؤياهم بالموضوعية ؟ 

فصمت قليلا ثم اتجه الى مكتبته وأحضر كتابا وهو يقول: الاجابة ستجدينها فى هذا الكتاب، وقدم لى كتابا ذا غلاف أحمر وقد تصدرته صورة كاريكاتورية له بريشة المبدع جورج بهجورى. وكان الكتاب بعنوان «صلاح أبو سيف والنقاد» وتحته بخط أصغر عنوان آخر«أربعون فيلما تؤرخ للسينما المصرية» وقد كتب مقدمته الناقد د. على شلش والاعداد للدكتور أحمد يوسف

وكتب لى المخرج الكبير اهداء أعتز به كثيرا، وتصفحت الكتاب فى ثوان وعدت اسأله، هل صدمتك بعض الأراء النقدية التى تناولت أفلامك ؟ فقال لى أقرأى الكتاب وستعرفين، ثم استطرد بصوته الهادئ : لقد قمت بتجميع كل المقالات التى كتبها النقاد عن أفلامى واكتشفت أنهم وقعوا فى تناقض كبير. ففى الوقت الذى رفع بعضهم أفلامى الى عنان السماء خسف بعضهم بها الأرض.

الكتاب الذى يحوى ستمائة صفحة من القطع الكبير يضم كافة المقالات التى تناولت الأربعين فيلما التى أخرجها على مدى مشواره السينمائى، والمثير أن أبوسيف كتب الاهداء للناقد سامى السلامونى قائلا: «الى الناقد الذى أفنى زهرة شبابه عاشقا لفن السينما، الى سامى السلامونى».

وفى تقديمه للكتاب، يستعرض د. على شلش قصة ابو سيف مع النقد فقد التقى بالمخرج الكبير فى مدينة أغادير وفوجئ به وقد أعد للنشر مجموعة كبيرة من ألوان النقد السينمائى وطلب منه كتابة مقدمة عنها لكنه شعر «أن صلاح أبو سيف ليس فى حاجة الى تقديمه ولا تقديم غيره ولكن طلبه هذا تعبير عن التواضع الحقيقى فأفلامه الطويلة التى تناهز الأربعين كفيلة بضمان مكانته المرموقة فى تاريخ السينما العربية».

ويكشف د. شلش جانبا مثيرا من حياة المخرج الكبير مؤكدا أنه بدأ حياته زجالا وأديبا، ومن هذا الباب دخل عالم السينما، وبدأ ينقد الأفلام فى المجلات حتى أصبح واحدا من نجوم النقاد الهواة فى مرحلة ازدهار الانتاج السينمائى من عام 1936 الى 1939. وكان ينشر مقالاته فى مجلات العروسة، الصباح، أبو الهول، وقد ظل عاشقا للأدب والموسيقى والمسرح والنقد، فاذا دخلت بيته وجدت مكتبة عامرة بأحدث الكتب العربية والانجليزية فى فن السينما الذى أغضب أسرته وجعله يتمرد عليها فى سبيل احترافه. والأهم من هذا كله أن حاسته النقدية التى رافقت شبابه الباكر لم تتخل عنه بعد ذلك، بل تطورت وصارت من خصائص أفلامه. فاذا كانت هذه الأفلام واقعية، فواقعيتها نقدية ، لاتكتفى بما يظهر على السطح، ولا تغرف من الواقع دون فهم لما يجب أن يكون عليه

ويضيف د.شلش قائلا: نحن نعرف أن الفيلم الجيد مثل القصيدة الجيدة أو الرواية الجيدة لايمكن نقده من مشاهدة أو قراءة واحدة، ولايمكن فهمه بمعزل عن السياق العام لأفلام صانعه، أما غير ذلك من نقد فهو انطباع ابن انطباع، واذا كان النقد يبدأ بالانطباع فلا يمكن أن يشكل نقدا جديرا بهذا الاسم، وسوف نكتشف أن معظم المقالات التى كتبها نقاد السينما الأبوسيفية هى بنت الانفعال الفورى والانطباع العام، فلازال النقد السينمائى عندنا يتخبط بين الانتقاد والمجاملة، أما التحليل والمقارنة فيبدو أنها مازالت أدوات أجنبية.

وفى تقديم آخر للكتاب، يقول الناقد أحمد يوسف: ليست هناك وصفة جاهزة للنقد السينمائى ، وليس هناك فن أكثر ديمقرطية من السينما، هذا الفن الذى يفتح ذراعيه لكلمات النقد من كل اتجاه، بدءا من محررى الصحافة الفنية وأخبار النجوم الى أصحاب الأعمدة السياسية، يدلى كل منهم برأيه أو رؤيته، يختلفون أكثر مما يتفقون، فقد يرى أحدهم شيئا ويرى الآخر نقيضه، وقد يرى البعض فى هذا الأمر نوعا من الاضطراب لكنه فى جوهره يعكس الطبيعة الديمقراطية الأصيلة لفن السينما، بل هو دليل على حيوية السينما، لذا سوف يدهشك فى مقالات الكتاب أن ترى رؤية ثاقبة نافذة فى بعضها، كما سوف يدهشك أن يصدر ناقد حكما بالفشل على ممثل فى أفلامه الأولى ليحتل بعد ذلك ولسنوات طويلة مكانة الفتى الأول.

وقد يثير دهشتك أن يكتب ناقد عن فيلم فيرى فيه سلبيات، لكنه يعود ويكتب بعد عشرين عاما مقالا عن نفس الفيلم يعدد فيه الايجابيات، وهذا دليل آخر على حيوية فن السينما

وتحت عنوان «ضمير الرفض والواقعية فى السينما العربية»، كتب الناقد الكبير كمال رمزى تقديما ثالثا للكتاب يستعرض فيه مسيرة أبو سيف الانسانية والفنية مؤكدا أن العديد من أفلامه أصبحت من الكلاسيكيات، ليس بالمعنى المذهبى ولكن بمعنى أنها صارت من اللآلئ المضيئة، ليس فى تاريخ السينما فحسب، ولكن فى تاريخ الثقافة، وهى ليست لآلئ متحفية ولكنها تضج بالحياة.

دايما فى قلبى 

حرص أبو سيف أن يكتب بيانات كاملة عن كل فيلم قبل عرض المقالات وجاء فيلمه الأول «دايما فى قلبى» المأخوذ عن رواية جسر واترللو ليكون باكورة مقالات النقاد، وهو من انتاج 1945 وبطولة عماد حمدى وعقيلة راتب وسيناريو صلاح أبو سيف. والطريف أنه قام أيضا بعمل المونتاج مع زوجته السيدة وفيقة أبو جبل. وقد تناول الفيلم الاذاعى ضياء الدين بيبرس، وخليل منصور الرحيمى، قسم النقد والبحوث بمعهد التمثيل ونقد ثالث مجهول نشر بمجلة المصور. أما آخر مقال تضمنه الكتاب فكتبه الصحفى الكبير محمد عودة عن فيلم «المواطن مصرى» تحت عنوان «فيلم لكل المواطنين»، وبين المقالين عشرات المقالات التى تناول فيها كبار النقاد أفلامه.

وينهى المخرج الكبير صفحات الكتاب بتعليق يكشف عن ثقته بذاته وثقافته الواسعة وذكائه فيقول: «كان بودى أن أعلق على ما كتبه النقاد عن أفلامى الأربعين، لكننى فضلت أن أترك هذه المهمة للقارئ العزيز وهو خير حكم، ثم يذيلها بتوقيعه بتاريخ 1-6-1992».

 

   
 
 
   

صور:

 

 

 

 

 

   
 
 
   

هشام لاشين

في يناير 25, 2015

 

 

ابن صلاح ابو سيف

يبوح لـ«سينماتوغراف» بذكرياته عن والده في مئويته

 
 

الرقابة رفضت النعامة والطاووس عشرين عاما ولم أغير في السيناريو حرفا واحدا

احداث «شباب إمرأة» الحقيقية وقعت لأبي في الشانزليزيه

لأنه خزانة أسرار والده المخرج الكبير الراحل صلاح ابو سيف والذي يحتفل بمئويته منتصف هذا العام.. ولأنه بدوره مخرج سينمائي عمل مساعدا مع والده في بعض الافلام ناهيك عن ذكريات الطفولة، ثم أخيرا قام بإخراج واحد من أحلام صلاح ابو سيف علي مدار أكثر من عشرين عاما وهو فيلم «مدرسة الجنس» والذي تحول علي يديه الي «النعامة والطاووس» بعد ان ظلت الرقابة ترفض السيناريو كل هذه السنوات. كان لنا هذا الحوار مع محمد ابو سيف الذي يكشف فيه لـ«سينماتوغراف» الكثير من الكواليس والأسرار لهذا المخرج العظيم.

حدثنا عن حكايتك مع فيلم «النعامة والطاووس» ! 

- كان ابي رحمه الله يفكر في سلسلة من الأفلام التعليمية والتي تتناول مشاكل مصرية مختلفة والمفاهيم الخاطئة السائدة في هذا المجتمع. وكان معه إثنان من تلامذته في هذا الوقت وهما السيناريست محسن زايد والسيناريست لينين الرملي وكانا حديثي التخرج في معهد السينما وكلف كل منهما بكتابة موضوع مختلف حيث يكتب محسن زايد «حمام الملاطيلي» بينما يكتب لينين «مدرسة الجنس». والفيلم الثاني عن قصة لصلاح ابو سيف وكان يتابعهما اثناء مراحل الكتابة وقد حضرت معهم بعض هذه الجلسات في منزلنا بالزمالك وبعد انتهائهما من الكتابة تقدم للرقابة بالسيناريوهين وكان ذلك في عام 1971 واجازت الرقابة الفيلم الأول «حمام الملاطيلي» ورفضت التاني وكانت الرقيبة وقتها السيدة اعتدال ممتاز وكان الرفض باتا. وقام صلاح ابو سيف بالشكوي لكل الجهات التي من الممكن ان تتفهم ان الفيلم مفيد ومهم دون جدوي، ومن ضمن هذه الجهات الأزهر وأطباء اجتماع وعلم نفس وظل الأمر كذلك حيث يتغير الرقباء وفي كل مرة هناك رفض

- يضيف ابو سيف : البعض نصح ابي بتغيير إسم الفيلم فغيره فعلا لـ«تزوج وعش سعيدا» ثم غيره مرة ثالثة لـ«الزواج السعيد» وظل الرفض مستمرا حتي أعلن إعتزاله في أوائل التسعينيات، ليسألونه وقتها ما الذي يجعلك تعيد النظر في الإعتزال فقال إن يوافقوا علي مدرسة الجنس، وتوفي رحمه الله وهو يحلم بعمل الفيلم حتي تولي الدكتور مدكور ثابت الرقابة وكان احد تلامذة صلاح ابو سيف ووقتها كلف الرقيبة نبيلة صقر ان تحدثني ليبلغني بالموافقة بعد ان طلبت مني إرسال نسخة.. فقد كان يتابع المعركة وقتها ويعرف القصة، ولكنه استدعاني وقال لي هل تعدني بألا تقدم فيلما مبتذلا؟ فقلت له أعدك وبالفعل وقع بالموافقة ودخلت بعدها لأنفذ السيناريو الذي كتبه لينين الرملي وصلاح أبوسيف بالحرف

- يستطرد ابو سيف: أخذت علي عاتقي مهمة الإنتاج وبعت ممتلكات لتنفيذ حلم ابي فقد صنعت هذا الفيلم بروح الوفاء وليس بسبب حماسي للموضوع نفسه رغم اقتناعي بالفكرة ومدي أهميتها وقررت أن اقدمه بوجوه جديدة كما كان هو يحلم وقتها بتقديمه بوجوه جديدة وهما محمود ياسين ونجلاء فتحي آنذاك، وفي مرحلة تالية الوجهان الجديدان أحمد زكي وليلي علوي ثم في مرحلة ثالثة الوجه الجديد يحي الفخراني وهكذا، وكانت الطبيبة في المراحل الثلاث ليلي طاهر. وعندما قدمت الفيلم التزمت بنفس فكرة الوجوه الجديدة لأن ذلك يلائم الموضوع اكثر ناهيك عن تقليل التكلفة الإنتاجية وهكذا قدمت فيلمي بمصطفي شعبان وبسمة ولبلبة التي رفضت تقاضي اي اجر بعد تحمسها للموضوع .. والطريف ان النقاد اتهموني انني كنت أغازل الرقابة لأنني لم أقدم التوابل المتوقعة في مثل هذا النوع من الأفلام ورغم ذلك حقق نجاحا وعدة جوائز.

هل كان هذان المشروعان «الملاطيلي والجنس» فقط ضمن سلسلة الأفلام التوعوية لصلاح ابو سيف؟

_ كان هناك مشروع ثالث ونفذه بنفسه وهو فيلم «البداية» وكان يحاول به ان يطرح سؤال «ما هي الديمقراطية ». واذكر في بدايتي انه نصحني بقراءة السيناريو لأقدمه في اول أفلامي وقرأته ولم اتحمس له وتحمست لموضوع يشبهه هو «التفاحة والجمجمة» وقال لي «انت عبيط» وبعد إخراجه للفيلم أدركت انني كنت عبيطا فعلا ولكن اعتقد انني او غيري لم نكن لنري مارآه صلاح ابو سيف في هذا السيناريو قبل اخراجه فقد ولد علي يديه وشارك في كتابة السيناريو واشرف عليه مع لينين الرملي ولذلك ادرك قيمته.

هل تعتقد ان والدك كان ينوي اخراج «مدرسة الجنس» بطريقة أكثر جرأة ؟

_ لا أظن. فلو تابعت الجنس الذي قدمه في أفلامه الأخري ستجده متحفظا، كما في «شباب إمرأة» او حتي «الزوجة الثانية». فمحور العملين وموضوعهما هو الجنس وعندما قدم حمام الملاطيلي وقال النقاد وقتها انه فحش وجرأة غير متوقعة كان يركز علي قدم البطلة وفقط!

ماهي الذكريات السينمائية التي جمعتك بالاب صلاح ابو سيف ؟ وهل كان يأخذ رأيك في بعض افلامه؟

_ كل السيناريوهات التي كانت تأتي له كنت أقرأها منذ صغري، وكان لديه حجرة مكتبه ومكتبته لكنه لم يحب ان يكتب فيها او يقرأ وكان يجلس علي منضدة السفرة كما كان يستيقظ مبكرا، وقد تعلمت ما هو السيناريو من هذه القراءات وكانت أمي المونتيرة وفيقة أبو جبل وهي اول مونتيرة مصرية إمرأة وعندما انتقل ابي من شركة مصر للغزل والنسج إلي شركة مصر للسينما وكانت هي رئيسته وكلا الشركتين كانت لرائد الصناعة طلعت حرب ويبدو انها كانت ترهقه بالعمل فتزوجها ليتخلص من سطوتها وبعد ان انجبتنا أجلسها في المنزل .. وفي هذه الأجواء السينمائية تربيت

- يكمل ابو سيف: كان أول فيلم اعمل معه فيه «حمام الملاطيلي» وكان إسمي علي التترات مساعد ثاني تحت التمرين وادركت وقتها مدي مشقة فترة التصوير فقد كنت مدللا حتي عملت في السينما وكنت اذهب معه للإستديو قبل ذلك مثل باقي إخوتي يوما في التصوير لكل منا، وقد أحببت هذا العالم من أبي ومن بكرات خام الفيلم التي كانت تملأ منزلنا من شغل أمي وكنا نلهو بها علي طريقة العاب الميكانو للأطفال، وكانت نزهتنا يوم الجمعة من كل إسبوع أن يأخذنا أبي الي سينما مترو وكنا نذهب في التاسعة صباحا لحضور حفل افلام الكارتون قبل الفيلم الرئيسي وكان لابد ان نرتدي أفخم مالدينا .. كان طقس دخول السينما ورائحة السللوليد او الفيلم الخام في منزلنا ثم وجودي في الإستديو مع ابي مصدر سعادة كبيرة وذكريات حلوة. ورغم انني الإبن الثاني بعد اخي أشرف إلا انني كنت أكثر قربا من ابي وكانت ميولي الفنية أكثرهم .

وماذا عن ذكرياتك السينمائية الأخري مع أفلامه؟

_ اذكر فيلم «سنة أولي حب» وكان انتاج حلمي رفلة واخراج صلاح ابو سيف وعاطف سالم وحلمي رفلة وطبعا انا اعمل مساعد مع الثلاثة كل منهم بمدرسته وفكره واسلوبه وطريقة ادارة مختلفة وقد اصبت بلخبطة حيث اسير علي ثلاثة حبال وكنت اتشاجر مع ابي نتيجة هذا التشتت والإختلاف .. كانت تجربة غريبة وخرج الفيلم فعلا بثلاث حالات مزاجية مختلفة، وكنت معترضا علي ذلك منذ البداية وسألت ابي ما الذي يجبركم علي ذلك خصوصا ان الفيلم عن قصة واحدة لمصطفي امين وليس ثلاث قصص كما يحدث في بعض الأفلام فقال لي «نوع من التجريب» ولما لا.. وكانت وجهة نظره منحازة فعلا لفكرة التجربة لكن اتضح بعد ذلك أنني كنت محقا خصوصا ان العمل خرج بثلاثة اساليب مختلفة رغم وحدة الموضوع وكان سببا في تشتيت المتلقي .. كما واجه الفيلم مشاكل تقنية في مرحلة المونتاج بسبب هذا التباين بين مدارس المخرجين المختلفة، لكن الدرس الايجابي في هذا الموضوع أن هذا الجيل كان من العظمة وعدم الأنانية بحيث يتعاون في عمل فني، وليس ذلك فحسب وأنما طلبوا من كمال الشيخ مونتاج هذا الفيلم وهو ماحدث فعلا.

ماهي الأفلام الأخري التي تتذكر مواقف خلالها مع صلاح ابو سيف؟

_ كان أول انتاج للفنانة نبيلة عبيد فيلم «وسقطت في بحر العسل» وكنت معترضا علي الفيلم برمته من وجهة نظر أن عالم إحسان عبد القدوس لم يعد ملائما لوقت عمل الفيلم وقال لي «انا حابب الرواية» وهو بالمناسبة لم يكن يتحدث كثيرا وقدم الفيلم، كما عملت معه فيلم «الكداب»، وكان ينصحني ان اعمل مع مخرجين غيره حتي أتعلم ولا أتقولب وكان محقا وبالفعل عملت مع عاطف سالم وسعيد مرزوق وحلمي رفلة وغيرهم.

كل أفلامك تقريبا لا تحمل رائحة صلاح ابو سيف ماهو سبب ذلك؟

_ بصراحة لم أرد ان أعيش في جلباب ابي كنت أريد اثبات ذاتي حتي لا يقال انه يقلد ابيه خصوصا وأنني أمثل جيلا ثانيا مختلفا وقد عملت بالإعلانات لفترة ولها إيقاعها المختلف. كما أنني تربيت بطريقة مختلفة وتعلمت باسلوب مختلف، حتي أسلوب التربية فقد تربي ابي بطريقة متزمتة جدا ونحن تربينا بطريقة متحررة جدا وابي تعلم في المدارس الرسمية ولم يكمل وانا تعلمت في مدارس أجنبية وهو تربي في بيئة شعبية وانا تربيت في الزمالك، ومن المؤكد ان كل ذلك ساهم في تشكيل بيئة مختلفة وانعكس بالتالي علي افلامه او افلامي.

حدثنا عن رحلاتك مع أبيك وما استفدته منها سينمائيا؟

_ ابي كان يحب المشي جدا وكان حي الزمالك هادئا ويسمح بذلك وكنت أرافقه وكنا نسكن في ابو الفدا الذي يسكنه ايضا ام كلثوم وعبد الوهاب وكنت اقابلهما معه كما كنا نقابل فاتن حمامة واحمد مظهر واحمد رمزي كذلك هند رستم التي كانت تقطن بعدنا بعمارتين والمخرج حسام الدين مصطفي. واذكر يوم إلتقينا فيه بفاتن حمامة وقالت له «لأ ياصلاح.. الناس هتكرهني» كانت عصبية واندهشت بين نفسي كيف تجرأ ان تنفعل علي ابي بهذا الشكل ولايسبق نداءها له كلمة أستاذ ؟ وفوجئت بأبي يرد عليها قائلا لو كرهوكي تبقي نجحتي.. ويبدو انها شعرت بعبثية الإجابة مثلما شعرت أنا واكتشفت بعدما كبرت انها كانت تناقشه في دورها في فيلم «لا انام». واذكر يوم العرض الخاص للفيلم ان واحدا من الجمهور علق بصوت عال معلنا رفضه وكراهيته لشخصية فاتن في الفيلم وكانت فاتن تجلس بجواره بينما انا أجلس خلفه وسمعت حديثا دار بينهما قالت له فيه تعليقا علي رأي احد الجمهور «مش قلتلك» وهنا رد عليها مرة أخري وكدة تبقي نجحتي

- يواصل ابو سيف: واذكر في باريس حين أخذني معه وهناك اخذني الي منزل قريب من الشانزليزيه وقال لي هذا المنزل كنت اسكن فيه عندما كنت طالبا مبتعثا واضطر للبقاء هناك 6 أشهر بسبب قيام الحرب العالمية الثانية واخبرني أن القصة الأصلية لـ«شباب إمرأة» حدثت في هذا المكان معه وعندما عاد من هناك رواها للكاتب الكبير «أمين يوسف غراب» وكتبت خصيصا للسينما بعد تغيير الاجواء لتلائم الشاشة وبعدها بسنوات طويلة قدمها أمين يوسف غراب في رواية بنفس الاسم .. والملفت ان أبي خرج من حي بولاق الشعبي علي باريس ويبدو ان هذه النقلة الحضارية المفاجئة كانت سببا في مال حدث له خلال القصة الاصلية التي تشبه كثيرا ما قدم في الفيلم السينمائي لإمام البلتاجي .

هل كان يحدثك عن الحي الشعبي الذي تربي فيه وإنعكس في افلامه الواقعية؟

_ نعم خصوصا واننا كنا لابد وان نذهب كل يوم خميس لعمتنا في حي بولاق الشعبي الذي تربي فيه أبي وكنا نبيت هناك كما كانت جدتي تعيش معنا وبالتالي فقد شاهدت جزءا من طفولته هناك علي الطبيعة، وهكذا شاهدت الحارة والأماكن التي كان يلهو بها وشاهدت بالتالي بائع الزبادي والطرشجي والسرجة والمقاهي واكتشفت اثناء سيري معه هناك ان الناس يحبونه جدا، وقابلت شخصيات حقيقية مثل عم لطفي الحلاق الذي كان يحلق لنا ونحن أطفال وقد نقل بعض هذه الأجواء والشخصيات في بعض أفلامه مثل فيلم «لك يوم ياظالم» الذي ترجمته امي عن رواية لإيميل زولا وشاركته الكتابة للسيناريو وأخرجه بعد تمصيره، وقد وجدت العديد من الشخصيات والاماكن الحقيقية في حي بولاق في الفيلم مثل شخصية «عبد الوارث عسر» الذي يجلس علي مقعد بصدارة الحارة ويتابع كل شاردة وواردة فهو نشرة أخبار الحارة.

 

   
 
 
   

صور:

 

 

 

 

 

   
 
 
   

سامح فتحي

في يناير 25, 2015

 

 

«سينماتوغراف» تنشر 11 من أندر ملصقات أشهر أعماله

«أفيشات» أفلام صلاح ابو سيف..

هل عبرت عن مضمونها؟

 

ملصق الفيلم بلغة أهل الفن السابع يعني بالإنجليزية «بوستر»، وبالفرنسية «أفيش»، ويعمل من خلال مفردات التعبير والتأثير على تقريب جو العمل العام، ولفت نظر الجمهور ودفعه إلى الاهتمام به وجذبه لمشاهدته معتمدا في ذلك على عنوان الفيلم وصور وأسماء النجوم، في تصميم يميل إلى فن التشكيل مستخدما الألوان وأحيانا الرسوم الإيحائية التي تخاطب عين المتفرج وغرائزه، ومن ثم يكون الملصق السينمائي هو البوابة التي يمر من خلالها المشاهد إلى عالم الأفلام.

وهناك أسلوبان شائعان في تصميم معظم ملصقات الأفلام السينمائية، احدهما يعتمد مجموعة من الصور الفوتوغرافية من الفيلم يجري تقطيعها وتوزيعها في مساحة الملصق، أو تحديد صورة واحدة أو اثنتين تعبران عن مضمون العمل، مع استخدام لمسات فنية إليهما لإبرازهما، والأسلوب الثاني هو رسم صور بشكل واقعي عادة لوجوه الممثلين الرئيسيين في كتل كبيرة، وهو الأسلوب المألوف في معظم ملصقات الأفلام الأجنبية والمصرية قديما، وفيه عناية بدقة التشابه أكثر من الاهتمام بجمالية التعبير، ولذلك يحرص مخرجو الأفلام دائما على أن تعبر «الأفيشات» الخاصة بأفلامهم عن مضمونها، وتأتي بصورة محببة لدى الجمهور وتساهم في جذبه إلى مشاهدة تلك الأفلام

وهنا نعرض لأحد عشر «أفيش» لأفلام للمخرج الكبير صلاح أبو سيف، ونرى إلى أي مدى نجحت في التعبير عن مضمون هذه الأفلام، آخذين في الاعتبار أن صناعة «الأفيش» قديما كانت تتم باليد عن طريق الرسم اليدوي والخط اليدوي والطباعة البدائية ولم تكن قد تطورت إلى ما نشاهده اليوم

و«الأفيشات» هنا مرتبة زمنيا طبقا لسنة إنتاج الأفلام الخاصة بها.

ـ «دائماً في قلبي»، هو أول فيلم قدمه صلاح أبو سيف، وكان ذلك عام 1945. الفيلم سيناريو وحوار السيد بدير، ومن بطولة عقيلة راتب، وعماد حمدي، ومحمود المليجي، ودولت أبيض

ويحكي الفيلم قصة سنية عقيلة راتب، الفتاة اليتيمة التي تعمل مدرسة في دارٍ للأيتام، وتعاني من تعنت مديرة الدار. تلتقي بالضابط البحري عماد حمدي عادل وتنشأ بينهما قصة حب، وتتكرر اللقاءات، ويصل الأمر إلى مديرة الدار، فتفصل سنية من العمل، وتصبح بلا مورد رزق، في الوقت الذي كان فيه عادل حبيبها في مهمة على ظهر السفينة، تعمل في بنسيون لاتعلم أنه مكان مشبوه، ويتم الاعتداء عليها، تهاجم الشرطة المكان فيتم القبض عليها كواحدة من فتيات الليل، وتصلها أخبار عن غرق عادل. كان الفيلم هو ثاني أفلام عماد حمدي، بعد فيلم السوق السوداء. ويلاحظ ان أفلام تلك الفترة غلب عليها طابع الميلودراما والبطلة المنكسرة المظلومة التي يحاول الفيلم دائما كسب تعاطف الجمهور معها.

ـ «مغامرات عنتر وعبلة»، قدمه صلاح ابوسيف في عام 1947، وهو من بطولة إبراهيم حشمت «شداد»، علي رشدي «مالك»، وسراج منير «عنتر»، كوكا «عبلة». ويدور الفيلم حول مؤامرة فريد شوقي «ضرغام» لمنع زواج عنتر من عبلة، ثم حرب العرب مع الرومان والانتصار عليهم بقيادة عنتر. كتب قصة الفيلم عبد العزيز سلام، واعد له السيناريو نجيب محفوظ وفؤاد نويرة، والحوار بيم التونسي.

ـ «لك يوم يا ظالم» قدم في عام 1950، ويلقي الضوء على على حياة إمراة تنقلب حياتها رأسا على عقب بسبب صديق زوجها المنحرف. يطمع الصديق المنحرف بزوجة صديقه وبماله، فيحاول إغراءها وإبتزازها، ثم يقتل صديقه حتى يخلو له الجو. ثم يتزوج الصديق من الأرملة الشابة، ويسرق أموالها وحليها، ومع الأيام يكتشف أمره ويدخل السجن. والفيلم من بطولة فاتن حمامة، محسن سرحان، محمود المليجي. كتب القصة نجيب محفوظ، والسيناريو صلاح أبوسيف، والحوار السد بدير. وقد فشل صلاح أبو سيف في إيجاد منتج للفيلم فأنتجه هو بنفسه وخسر خسارة كبيرة بسببه.

ـ «الوحش»، قدمه صلاح ابوسيف عام 1954، وقام ببطولته كل من أنور وجدي، ومن محمود دالمليجي، وسامية جمال، وعباس فارس. وهو قصة وسيناريو وحوار نجيب محفوظ بالتعاون مع المخرج. وقد تمت كتابة سيناريو الفيلم بناء على يوميات البوليس الواقعية. وتناول الفيلم قصة مجرم خطير ظهر في الصعيد «عبدالصبور"، وقام بدوره محمو دالمليجي، وكانت تكمن خطورته في عدم استطاعة اهالي القريه التي ظهر فيها الإبلاغ عنه برغم معرفة الجميع بشخصيته، وفي نفس الوقت الذي كان البوليس لا يعلم عنه أي شىء بسبب عدم كفاية المعلومات وعدم توافر البيانات الشخصية أو الصور الفوتوغرافية في ذلك الوقت.

وقد تجسدت الواقعية في الفيلم من صورة القرية المصرية البسيطة التي تحمل بعض الموروثات السلبية من مثل الجبن وما يفعله بأصحابه مثل تجبر وتسلط غيرهم عليهم، رغم أن هؤلاء المتسلطين المتجبرين في حقيقتهم ضعفاء، لكنهم استمدوا قوتهم وجبروتهم من ضعف وخنوع الآخرين وخوفهم. فالقرية المصرية تحمل بطبيعتها الهدوء والراحة والجمال، لكنها في فترة من الفترات حملت المجرم الخطير عبد الصبور الذي يستمد قوته من عصابته، وخوف الأهالي منه، حيث أن من يفكر في الإبلاغ عنه يقتل، ومن لا يطيع أوامره تحرق أرضه، أو يصيبه بأنواع مختلفة من المصائب، وحتى البوليس غير قادر على السيطرة عليه، نظراً لعدم تقديم بلاغات رسمية ضده، على الرغم من أنه معروف بين الناس، وملقب بالوحش الذي يروع الآمنين، معتمداً كذلك على سلطة رضوان باشا «عباس فارس" الذي يسانده وله علاقاته الوثيقة بدوائر السلطة والحكم.

وقد استطاع صلاح أبو سيف أن يدير مشاهد الفيلم بطريقة متسلسلة ومعبرة عن الجو العام للقصة، ساعده على ذلك وضعه للسيناريو مع نجيب محفوظ، واختياره لأماكن التصوير الطبيعة، مع عينه اللماحة التي تسجل الموقع المناسب والزاوية الملائمة للتصوير التي توحي بإطار القصة وواقعيتها، الأمر الذي جعل وصف أبو سيف بالواقعية وصفا مناسبا، فهو قد عمل في كل مراحل العمل السينمائي، وتشرب دقائقها دون دراسة لكن بموهبة حقيقية، فمزج بين المشاهد العامة للطبيعة مثل الأرض الزراعية والطرق والمباني وبين الأماكن الداخلية في الأستوديو بطريقة فنية، تجعل المشاهد متصل بالبيئة الطبيعية للحوادث، وبالتالي يعايش تلك الحوادث معايشة فنية توصل عنصر الصدق للعقول. وقد وضع صلاح أبو سيف بعض اللمسات الفنية التي تثير الكوميديا بطريقة مبتكرة في ذلك الوقت، حيث جعل الكاميرا تركز على وجة الضابط عندما علم بأن الذي كان يجلس معه منذ لحظات ويرحب به هو نفسه الوحش المجرم الذي يبحث عنه، الأمر الذي ظهر على ملامحه الناطقة بالانخداع. وتأتى الكوميديا من صوت الأرجوز الضاحك خارج المركز، فكانت صورة الضابط وصوت الأرجوز الضاحك فيها من الكوميديا لمسة سحرية لصلاح أبو سيف. كما كان موقف عبد الصبور وهو يستمع إلى ابن الضابط وهو يقرأ عليه وأفراد عصابته الجريدة التي تتحدث عنه مصاغا بطريقة كوميدية تعكس رؤية واضحة لصلاح أبو سيف.

ـ «لا أنام»، قدمه صلاح ابوسيف عام 1956، عن قصة إحسان عبدالقدوس، سيناريو السيد بدير وصلاح عزالدين، وحوار صالح جودت. ومن بطولة فاتن حمامة، وعمر الشريف، ويحى شاهين، وعماد حمدي ومريم فخر الدين. وقد لازم التوفيق والبراعة صلاح أبو سيف في اختيار فاتن حمامة لدور «نادية» رغم أنه لم يكن يتلاءم مع طبيعة الأدوار التي تقدمها للسينما من قبله، حيث كانت أدوارها تنتظم في إطار الفتاة المسكينة المغلوبة على أمرها التي تستدر عطف المشاهدين، لكنها في «لا أنام" صارت فتاة شريرة تدبر المؤامرات ضد زوجة أبيها. لذلك كان رفض فاتن حمامة للدور في البداية حرصاً على حب الجمهور لها وخوفا من تغير نمط أدوارها، لكن صلاح أبو سيف أقنعها بأن نجاحها يتوقف على كراهية الجمهور لها في تلك الشخصية، وبالفعل في أثناء حضورهما العرض الأول قام أحد المشاهدين بسب فاتن حمامة فتوترت فاتن حمامة لكن أظهر لها صلاح أبو سيف والنقاد أن ذلك هو منتهى النجاح.وجاء نجاح فاتن حمامة من أنها تحمل كل مواصفات نادية بطلة إحسان عبد القدوس، فهي فتاة رقيقة جميلة من يراها يخدع بجمالها ورقتها الظاهرة ولا يظن أبداً أن تلك البراءة والرقة يحملان في داخلهما قمة الشر والقسوة، وغياب الضمير في بعض الفترات، فكانت هذه المفارقة سببا في براعة فاتن حمامة وقدرتها على التأثير في المشاهدين

ـ «الفتوة»، قدم عام 1956، وهو الفيلم الذي يرسخ معنى الواقعية عند أبو سيف ويمنحه لقب أبو الواقعية المصرية السينمائية. فعلى الرغم وجود أعمال سابقة أطلق عليها ذلك المصطلح لاتخاذها من البيئة الشعبية إطاراً لها ـ كالحارة وغيرها ـ لكن الحقيقة أن تلك الأعمال على الفتوة لم تعتنق الفكر الواقعي خالصا في كلية العمل، بل لجأت إلى الواقعية الخارجية التي يمثلها الديكور دون تلك الواقعية المنشودة، وهى واقعية الحوادث ودورانها في بيئتها المصرية الأصلية بحيث إنها لا يمكن تصورها حادثة في غير تلك البيئة كما يظهر في الفتوة

وجاء «الفتوة» ليجسد مصطلح الواقعية من الناحية الخارجية حيث يدور في بيئة مصرية خالصة هي سوق الخضار، ومن الناحية الداخلية حيث يعالج مشكلات مصرية خالصة تحدث في تلك البيئة، لذلك يعد ذلك العمل أساس الواقعية المصرية بمعناها العالمي. وقد أراد أبو سيف تحديد الإطار الزمني للعمل فجعله يدور في أيام الملك فاروق ليتجنب التأويلات السياسية التي صاحبت أعمال تلك الفترة والتي منعت أعمالاً لها ثقلها من العرض، بل وعرضت العاملين فيها للسجن والتشريد بحجة الرقابة. وجاء تحديد الإطار المكاني وهو سوق روض الفرج، ثم كانت القضية المعالجة وهى المشاحنات التي تتم بين التجار في سبيل الثراء السريع على حساب صغار التجار والمستهلكين. وقد أراد أبو سيف توسيع إطار المشكلة وجعلها تخرج من إطارها الزمني الذي حدده بصورة الملك فاروق خلف القائمين على أعمال أحد المزادات إلى جعلها حوادث من الممكن أن تقع في أي زمان ومكان، لذلك وضع لافتة في بداية الفيلم يذكر فيها: "وقعت حوادث هذه القصة أيام أن كانت فئة قليلة تتحكم في أرزاق الناس وأقواتهم».

وقد تمكن السيناريو الذي وضعه محمود صبحي، والسيد بدير، ونجيب محفوظ، وصلاح أبو سيف أن يعالج كل جوانب القصة التي ألفها محمود صبحي بالاشتراك مع فريد شوقي. وأبدع السيناريو في ذلك لصعوبة تقطيع المشاهد وتخيلها والتدوير الزمني للحوادث، فالقصة في هذا العمل ـ على وجه الخصوص ـ وضعت المشكلة مجملة وبصورة أقرب للحدوتة البسيطة وكان على السيناريو أن يدير المشاهدة، ويتخيل الحوادث المتخللة، ويضيف الشخصيات المناسبة، ويعرض للتقطيع الزمني للمشاهد وأماكنها الملائمة، الأمر الذي جعل أثنين من أفضل كتاب السيناريو هما محفوظ وبدير يشتركان مع المؤلف الأول للعمل محمود صبحي، والمخرج أبو سيف في وضع السيناريو الذي كان سببا رئيسيا من أسباب نجاح العمل الذي ينسج حول شخصيتين أساسيتين هما هريدى عمران «فريد شوقي» وأبو زيد «زكى رستم»، ومعهما تحية كاريوكا وزوزو شكيب

ـ «هذا هو الحب»، قدمه صلاح أبوسيف في عام 1958، ويحكي قصة حسين الذي يعمل مهندس فى بلدية القاهرة «يحيى شاهين»، محافظ، متزمت، يبحث عن عروس من طراز خاص، عروس لم تعرف أحدا سواه قبل الزواج، ومن شرفة منزله الجديد، يرى شريفة، ابنة الجيران الحلوة التى تصلى وتعاون أمها فى ادارة المنزل ولا تعرف الخروج ولا المكياج شريفة «لبنى عبدالعزيز»، فهل تكون شريفة تحقيقا لحلمه الخيالى القديم. أنه يعتقد ذلك، ويتزوج منها، ويبدأ شهر العسل فى أوبرج الفيوم. وهناك يكتشف حسين أن السعادة معناها أن يظل هو وزوجته طيلة النهار وطيلة الليل فى غرفة النوم ينعمان بمباهج الحب المتقد، لا حديث، ولا مناقشة، ولا أصدقاء، ولا خروج، لقد امتلك حسين حلما اسمه شريفة، وها هو ذا ينعم به، وبها، وبعد مرور عشرة أيام على زواجهما، يخرج العروسان للفسحة، فتلتقى شريفة بفؤاد، مهندس المساحة وصديق أخيها أيام الجامعة، وهو الذى أحبها وبادلته بدورها الحب لفترة من الزمن. يثور حسين، ويضرب فؤاد، ويعود الى القاهرة وحده، ثم يطلق شريفة لأنها لم تعد فى نظره حلما، وإنما امرأة ساقطة! وفى القاهرة، تحيط الفضيحة بشريفة من كل مكان، فتمرض، وتكاد تموت. ويذهب حسين الى الفيوم ويقابل فؤاد، ويعرف حقيقة الأمر وهناك يدرك أنه مخطى، فيهرع إلى القاهرة ليرد شريفة، ولكن شريفة على وشك الزواج من جديد انقاذا للمظاهر ولشرف العائلة !! تبدأ الزفة، وتهرب شريفة إلى جارها الحبيب، ويتم زواجهما من جديد وللأبد هذه المرة. والفيلم قصة وسيناريو وحوار محمد كامل حسن المحامي

ـ «بين السماء والأرض» قدمه صلاح أبوسيف عام 1959، وفيه يخرج من الأماكن الرحبة إلى تصوير في مكان غير معهود، تجري فيه حوادث الفيلم كاملة، وذلك المكان هو «المصعد»، وهو العمل الوحيد في السينما المصرية الذي تدور حوادثه كاملة بالمصعد، مما يدل على عبقرية نجيب محفوظ كاتب القصة في نسج قصة تامة تدور في مصعد، وذكاء صلاح أبو سيف في اختيار هذه القصة التي كتب لها السيناريو مع السيد بدير وإخراجها بصورة لا تقل براعة عن النص الأدبي المكتوب، بل تزيد البراعة عند أبو سيف في تقديم ذلك العمل سينمائيا، حيث الصعوبة في تقنيات العمل السينمائي عن العمل الأدبي، لأن العمل السينمائي يحتاج إلى إدارة مجموعة من الممثلين في ذلك الحيز الضيق، مع كاميرات التصوير، والتقاط المشاهد والصور، وتقطيعها تعبيريا، وإدارة الحركة للمجموعة الحبيسة داخل المصعد، تلك الحركة التي تتنوع فتكون تارة من الخلف للإمام والعكس، وتارة من اليمين لليسار والعكس، بصورة تظهر طبيعية الحوادث وعفويتها، وكل هذه المقتضيات ليست من متطلبات العمل الأدبي، ولا يجيد توظيفها غير العبقري صلاح أبو سيف.

الفيلم من بطولة هند رستم، وعبدالمنعم ابراهيم، وعبدالمنعم مدبولي، عبدالسلام النابلسي، ومحمود المليجي.

ـ «لوعة الحب» قدم في عام 1960، من بطولة ادية وعمر الشريف وأحمد مظهر. ولم يكن بوسع صلاح أبو سيف أن يصنع واقعية أكثر من تلك التي ظهر عليها هذا الفيلم ، حيث اختار قصة جليل البنداري التي تدور حوادثها حول شخصية نادرة في السينما المصرية وهى سائق القطار، وما يكتنف حياته ويشكلها ويعبث بها ويسلبها أو يضيف إليها، وبكل سلبياتها وإيجابياتها، ويضع السائق تحت عدسة السينما لتعطى صورة مصغرة ومقربة لحياته، خاصة ذلك السائق الشاب في بداية حياته الزوجية، وأسلوب تعامله مع زوجته، وتأثير مهنته في العلاقة الزوجية، وعلى أسلوب حديثه وطريقة حواره وتأقلمه مع الآخرين. لذلك، يعد «لوعه الحب» عملا منفرداً في السينما المصرية، لدوران حوادثه حول شخصية لم يسبق تناولها بالصورة الكافية، أو التعمق فيها وتجسيدها بتلك الطريقة التي أرادها صلاح أبو سيف، والذي اختار جليل البنداري ليشارك في وضع السيناريو والحوار، وظهرت ميزة البنداري عندما يضع لمساته في الحوار، حيث يأخذ المشاهدين إلى عالم الشخصية من خلال إتباع ألفاظها المميزة لها، أو لمهنتها، أو بيئتها، أو طبيعتها، أو مجتمعها، ويرصع الحوار بتلك الألفاظ، مما يعطى بعداً واقعياً سار على دربه بعض كتاب الحوار بعد ذلك

ففي «لوعة الحب» يضع البنداري لفظ «خشني» على لسان سائق القطار عندما يصف أحد زملائه، الذي لا يقسو على زوجته، ولا يعاملها المعاملة اللائقة بالرجولة من وجهة نظره

كما يشترك البنداري مع السيد بدير في تضمين الحوار الخاص بسائقي القطارات المصطلحات الخاصة بهم، لتكون الشخصية أقرب للواقع، فعندما تأتى ابنة أحدهم لتستأذن والدها في أن يحدث أمها بخارج الحانة التي يجلس بها مع رفقته يتأفف الأب، وهنا يتدخل أحد السائقين موجها حديثه للابنة قائلاً: « قولي لها هيوصل في ميعاده»، ويعلق أخر: «فرمل بأه ياسي خليل والحق نفسك ». كما يصف أحد السائقين صوت زميل لهم بقوله:"صوته حلو زي صوت الديزل". وعندما يصل سائق القطار لمنزله وهو في منتهى الجوع، ولم تكن زوجته قدا انتهت من الطعام بعد، يقول لها: «مش عارفه إني باجى في الحصة دي واقع من الجوع». فهذه المصطلحات وذلك الحوار الخاص بشخصيات سائقي القطارات يجعل من هذه الشخصيات حقيقة واقعة، يلمسها المشاهد، مما يؤكد واقعية صلاح أبو سيف اللفظية، والتي لم يقتصر عليها في هذا العمل بل أضاف إليها نوعاً آخر هو الواقعية المكانية، حيث خرج بكاميراته إلى الأماكن الحقيقية للحوادث، فذهب إلى مستقر القطارات والمنزل الذي يطل بالفعل على شريط السكة الحديد بحي الشرابية، وصور كل ذلك من قريب بما يعطى صورة واقعية للحوادث. وجعل بطليه أحمد مظهر وعمر الشريف يرتديان الزى الخاص بعمال السكك الحديدية، وينخرطان في القيام بأعمالهم الفنية قبل انطلاق القطار، مع وضع ما يلزم من الشحوم والزيوت المختلفة على عجلات القطار وملابسهما وأجسامهما بما يعكس واقعية لا افتعال فيها

ـ «بداية ونهاية»، قدمه صلاح ابوسيف في عام 1960، وكان السبب في أن يشهد نجيب محفوظ لصلاح أبو سيف بأنه هو المخرج الوحيد والعبقري الذي استطاع أن يتفهم رؤاه وفكره الفلسفي والأدبي في رواياته التي أخرجها وجسدها سينمائياً، فكانت «بداية ونهاية» أعظم تلك الروايات على الإطلاق، إظهاراً لمكنونها، وما أراده نجيب محفوظ من خلالها. وقد فهم صلاح أبو سيف المقاصد الخفية لنجيب محفوظ، وتمثل كل ما رمى إليه، وفلسفة الرواية وإبداعها في الفيلم الذي يعد من أعظم الأعمال السينمائية المصرية. ولم يجد كمال كريم مدير التصوير صعوبة تذكر في حركة الكاميرا التي لم تتجول كثيراً، وانحصرت داخل الأماكن المغلقة في أغلب الأحيان حيث التركيز على مكان معيشة الأسرة في سكن يقع أسفل منزل بحي شعبي، حيث تدور الحوادث حول الأسرة التي مات عائلها، وتركها تصارع الفقر والحاجة، والأخ الأناني «عمر الشريف»، والأخ الثاني المضحي القانع «كمال حسين»، والخ الثالث البلطجي «فريد شوقي»، والأخت الدميمية نفيسة «سناء جميل» التي ضاع شرفها هباء ولخطخت اسم عائلتها في الوحل ثم انتحرت في النهاية ليلحقها الأخ الأناني في لحظة محاسبة للنفس.

ـ «الزوجة الثانية»، قدمه صلاح ابو سيف في عام 1967 ، ويعد واحدا من أيقونات السينما المصرية، وجاء مفعما بالواقعية مغموسا في طين الأرض التي تنتمي إليها شخصيات الفيلم. كما جاءت أدوار أبطاله الأفضل في تاريخهم السينمائي على الإطلاق، من سعاد حسني « فاطمة»، وشكري سرحان «ابو العلا»، صلاح منصور «العمدة عتمان»، وزوجته حفيظة «سناء جميل»، وعبدالمنعم ابراهيم «الغفير».. وغيرهم.

وتدور أحداث الفيلم في قرية من قرى الريف المصري في إطار درامي واقعي، حيث يسلط الفيلم الضوء على الاستبداد الواقع على الفلاحين البسطاء في القرىة من قِبل العمدة عتمان العمدة الثري المستبد. يقرر العمدة الزواج من فاطمة التي تخدم بمنزله بالرغم من إنها متزوجة. ولكن العمدة لا يفكر في شيء إلا في كيفية إنجاب الولد الذي سيورثه العمودية والذي فشلت زوجته حفيظة في إنجابه. يقوم العمدة بكل جبروت بتطليق فاطمة من زوجها أبو العلا بمساعدة شيخ القرية العطار مبروك الذي يحلل ويحرم وفقاً لأهواء العمدة. لا تجد فاطمة أمامها مفر وتصبح زوجة العمدة رغماً عن أنفها هي وزوجها، فتقرر استخدام حيلها الماكرة من أجل الخلاص من هذه الزيجة ليموت العمدة حزنا على ما فعلته فيه فاطمة في النهاية ويعود الحق لأصحابه.

كتب قصة الفيلم أحمد رشدي صالح، ووضع له السيناريو سعد الدين وهبة، وصلاح أبو سيف، ومحمد مصطفى سامي الذي كتب الحوار أيضا.

 

   
 
 
   

صور:

 

 

 

 

 

   
 
 
   

الفينالة..

في يناير 25, 2015

 

 

أبو سيف .. مدرسة سينمائية

 

على مدى تاريخ السينما، كان ولا يزال هناك مخرجون مؤثرون وممثلون وكتاب وفنيون صنعوا الفارق وبرزوا بأعمالهم، وجعلوا لهم قاعدة فنية وجماهيرية كبيرة جداً في فن صناعة الأفلام. والأسماء في هذا النطاق كثيرة جداً، وقد تختلف من شخص لآخر على حسب الميول والاتجاه والاهتمام بالسينما وطريقة تعامل المشاهد معها. إلا أن صلاح أبو سيف كان وسيظل أكثر مخرج اتفق عليه الجمهور والنقاد وعلى اختلاف اهتماماتهم باعتباره رائداً للواقعية وأكثر المخرجين ابتكاراً وتأثيراً في السينما.. حيث صنع وأسس أساليب وطرق مبتكرة ويعد مدرسة سينمائية بحد ذاته في فن صناعة الأفلام والاهتمام بالتفاصيل المتقنة والغوص والابتكار بأساليب بديعة يختلقها من نفسه لينتج عملا فنيا متكاملا وممتعا للمشاهد

ولمساته تلك أبرزته، وهي ما حاولت «سينماتوغراف» أن تنقلها لكل عشاق السينما، عبر هذا الملف الذي أردنا من خلاله الاحتفاء بذكرى مرور 100 عام على ميلاد صلاح أبو سيف، ونأمل أن نكون قد أوفيناه بعض حقه. «سينماتوغراف»

 

   
 
 
   

صور:

 

 

 

 

 

   
 
 
   
 
 
 
   
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك
  (2004 - 2014)