أمين صالح

 
جديدكتب في السينماالأيامالوطنالقديم.. الجديدملفات خاصة
 

القديم.. الجديد

حوار مع أمين صالح

أجراه: ناجي جمعه

ونشر في جريدة أخبار الخليج

 

الكاتب والشاعر والسيناريست أمين صالح لــ«أخبار الخليج الثقافي»: 1-2

الرواية التي أميل إليها هي تلك التي تطرح نصاً مفتوحاً... وتخرج عن المألوف والتقليدي، توظف الطاقة الشعرية الكامنة في السرد

 

جريدة أخبار الخليج ـ السبت ٢٩ أبريل ٢٠٢٣

مع الروائي والكاتب السيناريست أمين صالح، تكون الحكاية أكبر من أن يضمها كتاب، كون رسائل أمين لا تقف عند حدود شواطيء البحار، بل تتعداها لتكسر كل موانع الحب، فهو الحب كله مجتمعاً في مفاصل أدبياته واشتغالاته الثقافية، معه نقرأ سيرة هذا الحب:

حاوره: ناجي جمعة

 

1-ما هو تعريف الرواية الأدبية من وجهة نظرك؟

ليس لدي تعريفاً خاصاً بالرواية، ولا أفهم سر الولع بالتعريفات التي لا اعتقد أنها ضرورية، نظراً لطبيعة التحولات التي تطرأ على المصطلحات مع مرور الوقت، ومع تعرّضها للشذب والتنقيح والإضافة والتغيير، وأحياناً للشك والنقض.

الكثيرون يرون أن الرواية هي الكتابة التي تبلورت وسادت وأرست تقاليدها وقواعدها في القرن التاسع عشر، والتي تشمل القص والسرد والحبكة والشخصيات المتنوعة والأحداث المتعددة. ويرون أن كل كتابة روائية ينبغي أن تسلك المسار ذاته، وتتّبع التقاليد والخاصيات ذاتها، على الرغم من تغيّر الظروف، وتباين المجتمعات، واختلاف البنى الاجتماعية والسياسية، وتنوّع المفاهيم، وتجدّد الأشكال الفنية وفق منظور حداثي، وما اعترى الرواية نفسها من تجديد وتحديث واستجواب لمختلف عناصرها من الشخوص إلى الأحداث إلى اللغة إلى التقنية إلى الحجم.

لم تعد الرواية خاضعة لاتجاه أحادي ووحيد، حتى لو هيمن طويلاً وما يزال سائداً، ولم تعد تسرد الحكايات الطويلة فقط، ولم تعد تلتزم بتقنية معينة ثابتة. الرواية التي أميل إليها هي تلك التي تطرح نصاً مفتوحاً ومنفتحاً على مختلف الأشكال والطرائق والعوالم، والتي تخرج عن المألوف والتقليدي، وتوظف الطاقة الشعرية الكامنة في السرد، وتعتمد في بنائها على منطق الحلم، ويكون للمخيلة الدور الأبرز، من دون إغفال البعد الواقعي الذي تتأسس عليه كل العوالم.

 

2- هل أنت مع تداخل الأجناس الأدبية في المنجز الروائي؟

يمكن للرواية أن تصل إلى طريق مسدود إذا انغلقت على نفسها، ولم تنفتح على الأشكال والأنواع الأدبية والفنية الأخرى.. ذلك لأنها سوف تضطر إلى تكرار نفسها، واجترار أشكالها وأساليبها وتقنياتها إلى حد الابتذال، حتى تفقد قيمتها ومبرّر وجودها واستمراريتها. لذلك، لكي تتجدّد الرواية وتنتعش وتتطور، وتكون حيّة دائماً، يتعيّن عليها أن تتفاعل مع الأشكال والأجناس الأخرى.. عليها أن تأخذ من المسرح والسينما والتشكيل، وأن تطلق سراح الطاقة الشعرية الكامنة في السرد.

 

3- هل ترى أن الكتابة باللغة الشاعرية وإدخال بعض نصوص قصيدة النثر يساهم في تقوية النص السردي المنجز؟

أشرت إلى أن الطاقة الشعرية كامنة في أساس أو جوهر كل كتابة سردية، كما في جوهر كل لوحة تشكيلية وصورة سينمائية ومنحوتة ومقطوعة موسيقية. هي ليست دخيلة أو طارئة. ثمة من يدرك وجودها ويتعامل معها بوعي، ويحسن توظيفها، وكاتب آخر لا يشعر بضرورتها، مكتفياً باللغة التقريرية المباشرة، ومطمئناً لها.

 إذن الشعر لا يتطفّل على النص، ولا يقتحمه، بل هو موجود عضوياً بداخله. ومسألة استخدامه أو عدمه يعود إلى الكاتب، وإلى مدى حساسيته ووعيه ورؤيته. لكنني لا أفهم كيف يمكن للكاتب أن "يُدخل بعض نصوص قصيدة النثر في الرواية"، سيبدو الأمر أشبه بالكولاج، واعتقد أنها، في هذه الحالة،  ستكون مقحمة ومفتعلة.

 

4- يرى بعض المهتمين بالكتابة السردية أن الكاتب الروائي يجب أن يكون له منجز قصصي سابق قبل الشروع في كتابة الرواية؟ فهل تؤيد رأيهم؟

ليس هناك قاعدة أو قانون أو معيار، يتصل بهذا الموضوع. قد توجد افتراضات ومقترحات ونصائح، لكن لا شيء يقيني.  يمكن للمرء أن يبدأ بكتابة رواية من دون خوض تجربة الكتابة القصصية، طالما أن الموهبة متوفرة، مع امتلاك لتجربة حياتية وثقافية ثرية وعميقة.

عادةً، وبشكل عام، يبدأ الكاتب بكتابة القصة، أو ربما الخاطرة ثم القصة، وبعد أن يتمكّن من أدواته ويشحذ عناصره ومصادره، يباشر في كتابة الرواية. لكن هذا ليس شرطاً عاماً.

المعيار الحقيقي هو جودة العمل ومدى عمقه وجماله. عدا ذلك فهو أمر ثانوي، ولا أهمية له.

 

5- لأيهما تعطي الأولوية في المنجز السردي، البعد الثقافي أم البعد الأدبي، أثناء التأليف وما بعده؟

أخشى أنني لم استطع فهم هذا السؤال جيداً.

البعد الأدبي متضمن في البعد الثقافي، ولا يتميّز عنه أو يختلف عنه حتى نفاضل بينهما ونعطي الأولوية لأحدهما.

 

6- ما رأيك في طغيان الأيديولوجيا في الأعمال السردية؟

الأيديولوجيا، في معناها العام، بوصفها مجموعة نظامية من المفاهيم والأفكار والتصورات والعقائد والقيم، وبوصفها طرائق تفكير في شؤون الحياة والثقافة، هي مسألة تتصل بكل فرد، وتنعكس في أشكال الفن والأدب من خلال المضامين التي يطرحها العمل أو النص. لكل كاتب موقفه الخاص، ورؤيته الخاصة للواقع، والتي تنعكس بالضرورة في نصه.

لكن الإشكالية تكمن في ذاك الأيديولوجي الذي يشايع نظاماً أو معتقداً إلى حد التعصب، ومن ثم يحاول فرض رؤيته وأفكاره ومعتقداته على الآخرين عنوةً وقسراً. هذا ما أرادت "الواقعية الإشتراكية" – على سبيل المثال – أن تفعله في الوسط الأدبي، في الستينيات والسبعينيات. وهو مفهوم أو اتجاه عقيم يمجّد الطبقة العاملة  ويدافع عنها، ويدعو إلى إقامة مجتمع تذوب فيه الفوارق الطبقية، وفي المقابل، يسعى إلى كبح أي توجّه "شكلاني" لا يكرّس نفسه للثورة والإلتزام بتطلعات الجماهير. هذا الاتجاه أرادت الأحزاب الشيوعية فرضه بالقوة، في مجال الفن والأدب، لكنها لم تنجح في ذلك، لأنها ببساطة كانت تصادر حرية الفنان أو الأديب في إبداع ما يراه وما يحسّه وما يؤمن به.

إن إخضاع الأدب للأيديولوجيا، بالمعنى السلبي المضاد لحرية الكاتب، لا ينتج إلا خطاباً دعائياً فجّاً، يروّج لأفكارٍ وتوجهات سياسية، دونما اكتراث بالعناصر الفنية والخاصيات الجمالية.

ينبغي على النص أن يتخطى الأيديولوجي ليصل إلى فضاء إنساني كوني، أكثر حرية ومرونة.

 

7-ما سبب ميلك للرمزية واللغة الاستعارية الكثيفة في المنجز السردي؟

في بداياتنا كنا نتعامل مع الرموز بسذاجة وضحالة فكرية،  معتقدين أن بإمكاننا مراوغة السلطة السياسية وجهازها الرقابي باستخدام الوردة الحمراء – مثلاً – كرمز للثورة، والشمس كرمز للحرية، وهكذا. عندما نمت الحركة الأدبية ونضجت، خرجنا من تلك الدائرة المغلقة، لننطلق إلى فضاء أرحب وآفاق أوسع من التعبير.

إذا وجدتَ في نصوصي ابتعاداً عن التقريرية والمباشرة،  وتوكيداً على المجاز والرمز والصور البلاغية،  فذلك لأنني أحاول إثراء الصورة الأدبية، وتوسيع دلالتها، وتعميق أبعادها الفنية والجمالية، بغية تحريك ذهنية القارئ وتحفيزه على المشاركة الفعالة.

 

8- لوحظ إعطاؤك عنصر الوصف أهمية بارزة في تحويل الملفوظات المكتوبة لمشهد مرئي ومسموع في إبداعك السردي، فكيف تفسر ذلك؟

الوصف وسيلة من وسائل التعبير، وهي موظفة – في نصوصي - لغاية جمالية، وليس فقط لنقل معلومة أو لوصف ظاهر الأشياء بموضوعية.

الكاتب، من أجل إغناء الصورة الفنية، وضمان قدرتها على إحداث التفاعل والتأثير، من حقه أن  يلجأ إلى استخدام كل وسائل التعبير والبلاغة المتاحة.

 

9-يرى بعض النقاد أن أمين صالح لا يهتم بالحدث والحبكة الفنية بقدر اهتمامه بالزخرفة اللغوية في منجزه السردي، فإلام تعزو ذلك؟

أنا اعتني باللغة، وأشحذها وأصقلها وألهو معها وأتلاعب بها واستثمر طاقاتها، لأنها أداتي التي بها أعبّر عن ذاتي وعن واقعي، تماماً مثلما يفعل الموسيقي مع آلته، والرسام مع ألوانه، والممثل مع جسده. من دون فعل هذا، سوف تكون لغتي جافة، خاملة، مبتذلة، لا روح فيها، وحتماً سوف يعلوها الصدأ.

إنهم يسمّون ذلك زخرفةً، أنا أسمّيه بلاغة اللغة.. البلاغة التي هي، في جوهرها، احتفاء باللغة.

ومن يقول أنني لا أهتم بالحدث، لا يقرأ نصوصي جيداً، أو أنه يرى إلى الحدث باعتباره دراماتيكياً أو ميلودرامياً فقط، أي ضاجاً ومبالغاً فيه. عندما يلتقي رجل وامرأة في مقهى، ولا يدور بينهما حوار، ولا يحدث بينهما شيء، فهذا – في حد ذاته - حدث.. حدث مشحون بالتوتر والانفعالات الداخلية.

إن نصوصي مليئة بالأحداث، فكيف لا أهتم بها.

 

10-هل ترى أن الرواية البحرينية الحديثة امتداد للرواية البحرينية في الجيل القديم؟

لا يوجد هناك فارق زمني واسع بين الرواية في بداياتها، في البحرين، والرواية الراهنة، بحيث يسمح لنا بالحديث عن اختلافات وتماثلات وتمايزات وتأثيرات وخصائص مشتركة. المسافة زمنياً قصيرة، وعدد من الذين كانوا يكتبون آنذاك لا يزالون ينتجون في الوقت الحاضر.

إن ما هو مؤكد أن الرواية البحرينية، سابقاً وراهناً، هي امتداد للرواية العربية بشكل عام، مع تأثر جلي بالرواية الأجنبية، كما نلاحظها الآن مع جيل الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

 

11-كيف تنظر لمستقبل السرد في البحرين؟

لست رائياً ولا قارئاً للمستقبل لكي أتنبأ بما سيكون عليه السرد غداً. لكن من خلال اطّلاعي على عدد من الكتابات السردية عندنا، أستطيع القول أن لدينا مواهب حقيقية وجادة، وسيكون لها حضوراً لافتاً في ساحتنا الثقافية.

 

12- هل يحاول أمين صالح أن يشكّل مدرسة لها خصائصها الفنية في إنتاجه السردي؟

مدرسة؟! أنا؟! لا، على الإطلاق.

مازلت أتعلم. أنهل من هذا ومن ذاك. استعير من هذا ومن ذاك. وأجرّب أدواتي ووسائلي من دون أن أصل إلى مكان ما، واستقر في مكان ما. الرحلة لم تنته. بيني وبين المحطة التالية مسافة طويلة ومساحة شاسعة، وكل ما أرجوه أن تكون خطواتي ثابتة، لا رعشة فيها، وأن تكون جديرة بالطريق الذي سلكته.

 

الكاتب والشاعر والسيناريست أمين صالح لـ«أخبار الخليج» الثقافي: 2- 2

الرواية التي أميل إليها هي تلك التي تطرح نصا مفتوحا... وتخرج عن المألوف والتقليدي، وتوظف الطاقة الشعرية الكامنة في السرد

 

جريدة أخبار الخليج ـ السبت ٠٦ مايو ٢٠٢٣

ويظل الحوار مع الروائي والكاتب السيناريست أمين صالح في صلب حكايته مع الإبداع رسائل توزع ضمن خرائط البعد الثقافي، ففي الجزء الثاني من الحوار يظل بابه مشرعاً أمام محبيه:

 

13- من هم أبرز الروائيين العالميين والعرب الذين يقدّر أمين تجربتهم ويدعو للاحتذاء بهم للنهوض بالمنتج السردي المحلي؟

الأسماء، في الأدب العربي وفي الأدب الأجنبي، كثيرة. شخصياً، خلال مسيرتي منذ أن كنت غرّاً، تأثرت بما لا يُحصى من الكتّاب والفنانين والمفكرين. تعلّمت من كل اسم شيئاً مهماً، سواء في الفكر أو الأسلوب أو التقنية.

لكن لا ينبغي أن تحتذي حذو كاتب آخر بحيث تصير نسخة منه. من الطبيعي، ومن البديهي، ومن الضروري، أن تتأثر بكل ما تقرأ وتشاهد، لكن من المهم أيضاً أن تكون مستقلاً ومتميزاً في رؤيتك وطريقتك وطموحك.

 

14- هل ترى أن الجوائز الأدبية في مجال الرواية كالبوكر وكتارا قد ساهمت في نضج الرواية وساهمت في انتشارها؟

لا شيء يساهم في نضج الرواية إن جاء من الخارج ولم يأت من الداخل. أعني، إن لم يكن نابعاً من وعي الكاتب وموهبته ورؤيته وثقافته وتفاعله مع واقعه ومع الآخرين.

الجوائز الأدبية عبارة عن محفّزات ومكافآت ووسائل تشجيعية، تساهم في رواج وانتشار الروايات الفائزة لكنها لا تؤدي إلى إحداث تغيير أساسي في كينونة الرواية ومقوماتها وخاصياتها وبناها. الجوائز عوامل خارجية لا تؤثر في العملية الأدبية، ويمكن الاستغناء عنها في أي وقت، من دون أن تتأثر الحركة الأدبية.

 

15- هل تشجع على ترجمة السرديات العربية والمحلية إلى اللغات العالمية؟

بالطبع. الترجمة مهمة، بل ضرورية، لتوسيع مساحة التلقّي، والتفاعل مع اللغات والثقافات الأخرى. لولا الترجمة لما تطورت الحضارات، في مختلف أنحاء العالم، منذ آلاف السنين. عبر الترجمة يتم تلاقح الثقافات وتبادل التجارب والخبرات، والتفاعل الجدلي بين حضارة وأخرى.

لكن المكتبة العربية فقيرة، أو محدودة جداً، في مجال الترجمة. لذلك لا يصل الإبداع العربي، إلا في ما ندر، إلى مواقع أخرى متناثرة في أرجاء العالم. وهذه، في حد ذاتها، كارثة.

 

16- ما هي أبرز النصائح التي توجهها لكتّاب السرد الجدد؟

عادةً أتجنب تقديم النصائح لأنها توحي بانتحالي صفة المعلّم والأستاذ. عندما يعرض عليّ كاتب شاب نصه، طالباً مني إبداء الرأء في عمله (وهذا ما لا أحبه)، فإنني أحرص على الإشادة بإيجابياته، والإشارة إلى سلبياته، تاركاً أمر تدارك السلبيات للكاتب نفسه، فإن شاء أن يجري تعديلات أو لم يشأ، فذلك متروك له. وإذا أصرّ على طلب النصيحة، فإنني أنصحه  أن يخطئ كثيراً، أن يرتكب ما لا يُحصى من الأخطاء، لأن من أخطائه يتعلّم وينمو ويتطور.

 

17- كيف تفسر ندرة النصوص المسرحية الرصينة في الساحة الأدبية البحرينية؟

عندي احتمالات، وليس تأكيدات مطلقة. احتمال أن يكون السبب قلة عدد من يمارس كتابة النصوص المسرحية قياساً إلى الأشكال السردية الأخرى. أو ربما لعدم وجود جهات تشجع على كتابة النص المسرحي، كما كان الحال سابقاً مع إقامة إدارة الثقافة لمسابقات في التأليف المسرحي، ومع كل مسابقة نجد مشاركات عديدة متفاوتة المستوى. أو ربما لأن الفرق المسرحية لا تتعامل مع النصوص المحلية بجدية، بل أنها لا تكترث بها، فتسبب إحباطاً للكتّاب.

قد تكون هناك أسباب أخرى. لا أدري. لست ملمّاً بكل شيء.

 

18- هل تميل للفصحى أم العامية في إعداد السيناريو السينمائي والدرامي؟ ولماذا؟

هذا يعتمد على الموضوع. إن كان العمل قائماً على مادة تاريخية، فمن المستحسن تقديمها باللغة الفصحى. أما إذا كان العمل معاصراً، فيحتمل الفصحى أو العامية.

وشخصياً أميل إلى العامية التي تكون عادةً مفهومة بالنسبة للمشاهد العربي، إي قريبة إلى حدٍ ما من الفصحى. أشعر أن هذه اللغة (الثالثة، حسب تسمية البعض) سلسة وطيّعة، ويمكن توظيفها بشكل جيد للتعبير بإقناع عن الشخصيات.

من جانب آخر، ليس سهلاً على الممثل المحلي أن يؤدي بالفصحى بصدق ويُسْر، وبطلاقة.

 

19- ما هي أحب أعمالك إلى نفسك؟

-كأنك تسأل أباً، أي أطفالك هو الأحب إلى نفسك.

هذه إجابة تقليدية استعين بها وأنا مطمئن.

كل كتاب بمثابة تجربة منفردة لها ذكرياتها الحلوة والمرّة، لها مزاياها الحسنة وسلبياتها، لها قيمتها الخاصة، ولها دورها المهم في التقدّم والتطوّر والتحوّل. التقييم النقدي شأن آخر لا علاقة له بعاطفتي تجاه كتاب ما. قد ارتبط عاطفياً بنصٍ، ويكون مفضلاً لدي، لكنه لم يجد صدى طيباً على المستوى النقدي، أو قد يحدث العكس. هذه أمور نفسية وعاطفية ربما لا تجد لها نفسيراً عقلانياً.

النقطة الأخرى، قد تحب أو تفضّل نصاً معيّناً اليوم، ثم يتغيّر موقفك ورأيك غداً في النص ذاته، فلا تشعر بذلك الاقتراب الحميمي الذي انتابك بالأمس. المسألة لا تتصل بالمنطق والأحكام المطلقة.

 

20- كيف تنظر للأدب النسوي البحريني، سواء فيما تنتجه المرأة أو ما يكتب عنها؟

-"الأدب النسوي" مفهوم لا أستطيع أن أفهمه ولا أن أميل إلى استخدامه. في الإنتاج الفني والأدبي، ما يهم هو القيمة الإبداعية للعمل ومدى عمق رؤيته وأبعاده الجمالية، وليس جنس الكاتب. الذكورة أو الأنوثة ليست معياراً فنياً أو قياساً نقدياً. تبهرني أعمال فرجينيا وولف لأنها كتابات إبداعية بالدرجة الأولى وليس لأنها امرأة. لا أشعر بأن ثمة جدوى من التوكيد على هوية الكاتب، واجراء المقارنات في هذا الخصوص، والمفاضلة بين هذا وذاك. ما تنتجه المرأة لا يختلف عن ما ينتجه الرجل. المشاعر والأحاسيس والعواطف والعلاقات ونتاجات الذاكرة والمخيلة هي ذاتها، لا تتغيّر من ذكر إلى أنثى. إنها موجودة في الكائن البشري. واللغة والأساليب والطرائق والعناصر الجمالية هي ذاتها. والقارئ يتفاعل بالدرجة ذاتها دونما تحيّز أو تعصّب.

وإذا شئنا أن ننخرط في التقسيمات والتصنيفات، فسوف نتهور ونعلن عن الاختلاف بين كتابة المرأة المتزوجة وغير المتزوجة، وكتابة الرجل السعيد والآخر التعيس.. ولن ننتهي من هذه التصنيفات العبثية.

 

21- ما رأيك في تجربة الجواشن مع قاسم حداد، وهل يمكن أن تتكرر معه أو مع أديب آخر؟

سئلت أكثر من مرّة عن تجربتي في كتابة "الجواشن" مع الصديق الشاعر قاسم حداد.. في موقع ما، قلت:

"إنها إحدى التبلورات التي تشكـّل سياقاً منسجماً مع طموحي التعبيري الذي يذهب إلى مغامرة الكتابة، ولأن تجربتنا ترافقت عبر الزمن والمسافة الفنية والرؤية المتقاربة، فقد تحولت إلى كتابة نص مشترك مشحون بالمتعة والمكتشفات الخاصة".

في موقع آخر قلت:

"النص ثمرة رفقة أدبية طويلة، وصداقة حميمة، ورؤى مشتركة فنيا وفكريا. كانت التجربة انحيازاً لرغبة الاكتشاف بواسطة كتابة لا تخضع لأية سلطة".

وفي موقع آخر قلت:

"كان مهماً بالنسبة لكلينا أن يُقرأ نص الجواشن كما لو أن كاتباَ واحداً قد كتبه. بمعنى أن يأتي القارئ تاركاً خلفه أي إدراك مسبق لخاصية الكتابة عند كل واحد منا، كي لا يشغل نفسه بأمور هامشية لا تتصل بالنص ككيان قائم بذاته.. مثل عقد مقارنة بين الأسلوبين، أو البحث اللامجدي عن حضور كاتب هنا و آخر هناك. لذلك كان التجانس ضرورياً وشرطاً أوّلياً لكتابة عمل مشترك."

ثمة تأكيد هنا على الرفقة الحياتية والثقافية، وعلى التجانس الرؤيوي في ما يتصل بالفكر واللغة وفعل الكتابة، وعلى الطموح التعبيري الجمالي المشترك.. كشروط ضرورية لأية كتابة مشتركة.

هل نكرر التجربة؟

لا أنا ولا قاسم فكرنا في تكرار التجربة، إذ ما وجدنا المبرّر ولا الرغبة ولا الدافع.

مع كاتب آخر؟ لا اعتقد. لنفس السبب: لا مبرّر ولا رغبة ولا دافع.

 

22- هل ينبغي أن يكون للأديب مشروعاً ثقافياً يعمل على دسّه في منجزه الأدبي؟

ليس بالضرورة. المشروع الثقافي شأن خاص بالكاتب وليس شأناً عاماً. ومن الطبيعي أن يوظف الرواية، أو أي شكل فني آخر، ليطرح من خلال ذلك ما يشغله من مفاهيم وطرائق وأساليب.

لكن إذا كان التوظيف قسرياً (كما يوحي سؤالك، مع استخدام كلمة "دس") فذلك أمر غير مستحب، لأنه يشكّل عبئاً على النص، وسوف يبدو الافتعال جلياً.

 

23- هل ترى أن النقد الأدبي بصورته الحالية قادر على النهوض بالأدب، وكيف تفضل أن تكون القراءات الأدبية للمنتج الأدبي؟

لست أنا – ككاتب نصوص - من يحدّد طبيعة وكيفية القراءة الأدبية للنص بل الناقد نفسه هو من يحدّد ذلك. لا استطيع أن أفرض رغباتي وأمنياتي في هذا الشأن. ومثلما أرفض، ككاتب، أي قراءة نقدية تأتي من خارج النص وليس من داخله، كذلك من حق الناقد أن يرفض أي إملاء يأتي من آخر في كيفية قراءته للنص.

كل ناقد له منهجه الخاص ولغته الخاصة وتجربته الخاصة. لذلك تجد أن هناك قراءات وتأويلات متعددة للنص حسب منظور كل ناقد وكل قارئ. في نظري، الشرط الأساسي في العلاقة بين الناقد والمنتج الثقافي، هو ضرورة توفر عاطفة الحب. أن يحب الناقد النص حتى لو تعامل معه بقسوة وصرامة.. تماماً كما الأب. إذا جاء إلى النص حاملاً كماً من الكراهية له، فسوف لن يفيد أحداً، ولن يساهم في شيء مجدٍ، وسوف يبدّد وقته في ما لا ينفع.

الناقد المبدع يساهم في تحريك الأجواء الثقافية، وفي تفعيل العلاقة بين الكاتب والقارئ من جهة، والكاتب والمناخ الثقافي العام من جهة أخرى، وفي إضاءة النصوص وتركيز الانتباه على مكامن القوة ومكامن الضعف في النص. هذا يعني أن وجود الناقد المبدع ضروري ومهم. حضوره حضور للفعاليات الديناميكية التي تتصل بأطراف العمل الإبداعي (النص، الكاتب، القارئ). وغيابه غياب للحوار والتفاعل والعلاقة الجدلية. كما أن في غيابه تنتعش - وقد تهيمن – الكتابات الرديئة، السيئة، السطحية والاستهلاكية، والتي عادة تنتشر عندما يبتعد الصوت الناقد عن الساحة الثقافية، وتختفي المساءلة والحوار الجاد الصارم.

 

24- ما الذي تمثله لك القصة القصيرة، وكيف ترى مستقبل القصة القصيرة جدا؟

بدأت كاتباً للقصة القصيرة، بالتالي فإن العلاقة بيننا لا تزال قوية وحميمة، حتى وإن اتجهت نحو مسارات أخرى. في رواياتي، تجد قصصاً قصيرة مبثوثة هنا وهناك. كذلك في الأفلام القصيرة القائمة أساساً على قصص قصيرة.

أما عندما تسأل عن "مستقبل" القصة، أو مستقبل أي شيء آخر، فإننا تلقائياً ندخل في نطاق التخمين والافتراض والاحتمال. هنا لا شيء مؤكد، لا شيء يقيني. وأي أجابة تدخل في باب التمني أو الرجاء أو التوقّع. لذا يؤسفني أن أخبرك بأنني لا استطيع أن أرى المستقبل بوضوح.

سينماتك في ـ  13 مايو 2023

 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004