ما كتبه حسن حداد

 
 
 
 
وقيدت ضد مجهول

1981

And Filed Against an Unknown Person

 
 
 
نشر هذا المقال في مجلة هنا البحرين في 12 يناير 1994
 
 
 

بطاقة الفيلم

 
 

محمود ياسين + عزت العلايلي + صفية العمري + محسن سرحان + أحمد راتب + نبيل بدر

اخراج: مدحت السباعي ـ تصوير: كمال عيد ـ تأليف: مدحت السباعي ـ  مناظر: فهيم حماد ـ مونتاج: عبد العزيز فخري ـ إنتاج: هابي فيلم

 
 
 

شاهد ألبوم صور كامل للفيلم

 
       

وقيدت ضد مجهول

مهرجان الصور
       
 
 
 
 
 
 
 
 

رؤية

 
 
 
 
 

(وقيدت ضد مجهول - 1981) هو الفيلم الروائي الأول لمخرجه مدحت السباعي، قام ببطولة الفيلم محمود ياسين، صفية العمري، عزت العلايلي، وآخرون. والفيلم يتحدث عن سرقة الهرم الأكبر (خوفو)، إحدى عجائب الدنيا السبع، وتدور أحداث الفيلم في البحث عن سارق الهرم، حتى تكتمل أطراف الجريمة، باعتبار أن لكل جريمة مجرم.

فكرة الفيلم خيالية، لكنه ذلك الخيال الذي يعبر عن الواقع ويرمز إليه. فقد يهيأ للمتفرج للوهلة الأولى بأنه أمام فيلم تافه، يقدم مشكلة خيالية لا تمت للواقع بصلة، فهل يعقل أن يسرق أحدهم الهرم الأكبر. إلا أن المتفرج الذي تبهره المبالغة، يعود فجأة للتفكير بأن سرقة الهرم ممكنة بطريقة أو بأخرى، فالسرقة المادية التي طرحت في الفيلم، كانت ستتم فعلاً بتلك المشاريع التي طرحت مع بداية عصر الانفتاح لبيع منطقة الهرم إلى شركات استثمارية أجنبية، وعرفت بقضية "هضبة الهرم".

عموماً.. بعد اختفاء الهرم، تتحول الاتهامات إلى الشاويش صابر (محمود ياسين) الذي كان مكلفاً بحراسة منطقة الأهرامات، هذه الشخصية الضعيفة القادمة من الريف، والتي تحاول تحقيق أهدافها من خلال العمل في الشرطة، إلا أن صابر لم يكن جديراً بالمهام التي يكلف بها، إضافة إلى سوء الحظ الذي يلاحقه، حيث تحدث عمليات سرقة أثناء تأديته لواجب الحراسة.

ورغم غرابة هذا الحادث الذي يقلب مصر كلها رأساً على عقب، فإن التحقيق الذي يديره الضابط (عزت العلايلي) يتجاوز حدود الحادث اللامعقول، وليكشف لامعقولية ما يحدث في مصر كلها. من هنا يظهر الفيلم سلبية رجال الأمن في البحث عن السارق، ومحاولة تلفيق التهمة لأي شخصي كان، حتى تكتمل أطراف القضية، وهذا هو بالضبط الخلل الذي تعانيه أجهزة الأنظمة العربية عموماً، وهو إلقاء العبء على جهة دون النظر إلى جوهر المأساة، فقط البحث عن متهم للتخلص من المشكلة. حتى إذا تعلق الأمر بذلك الفلاح البسيط الذي ارتبط بالأرض وعشقها، ليتهم في النهاية بسرقتها، فهل يعقل أن يسرقها، وهي التي تعني الانتماء الحقيقي بالنسبة له.

ولم يغفل الفيلم إظهار الصورة السلبية لحالته الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن المصري، فحضورها من خلال لقطات ساخرة كاختفاء الخبز وتدهور الحالة الاجتماعية، وسيطرة أصحاب الأموال نتيجة الانفتاح الاقتصادي. كما يشير الفيلم للحالة السياسية من خلال رجال الأمن، وإظهارهم منشغلين بالملذات والأهواء دون النظر لمعاناة المواطن والأمة. ويستعرض الفيلم كذلك، في لقطات سريعة وساخرة، الاتجاهات الشعبية والفكرية، وردود أفعالها من تأثير هذا الحدث. فرجل الدين يحبذ التخلص من الساقطات اللواتي يتخذن من الهرم مقراً لهن، وأصحاب الاتجاه اليساري يرون أن الأهرامات ما هي إلا تجسيد لذلك الظلم والاستبداد الذي مارسه فراعنة مصر على شعوبهم من أجل إشباع رغباتهم في بناء الأهرامات، فكم من الضحايا قدم هذا الشعب حتى تم بناء هذه الأهرامات. وكذلك أصحاب الملاهي الذين يرون في الرذيلة مصدراً لإنعاش الاقتصاد القومي. والمنتجون السينمائيون الدخلاء الذين لا يرون من السينما غير الوجه الجميل وقصة الحب الرومانسية.

كما أن الفيلم قد ألقى الضوء على أساليب التعذيب، وأخذ الاعترافات بالقوة، وافتعال الأحداث للقضاء على فئات معينة، والتخلص من المفكرين وإلقائهم في مستشفى المجانين، ففي مشهد المصح العقلي، الذي يوضع فيه الشاويش صابر، ينفجر الموقف كله، فكل الشخصيات المتهمة بالجنون هي تلك التي وقفت لتقول "لا" وترفض الأوضاع السلبية القائمة، من الموظف الصغير الذي كشف اختلاسات رئيسه إلى الطبيب النفسي في المصح، والذي فضل الانتماء إلى عالم المجانين عن البقاء في عالم العقلاء. ويعتبر هذا المشهد المحوري هو الخلاصة التي توصل إليها الفيلم.

إن العبث الذي بلغ في سرقة الهرم قمته، يصل إلى منتهاه في الخبر الأخير الذي يذيعه التلفزيون عن سرقة مياه النيل، حيث الإشارة إلى نتائج كامب ديفيد، وترك الحرية لإسرائيل في استغلال مياه النيل لتروي الصحراء المحتلة، بينما تجف الأرض المصرية وتتشقق من العطش.

إن المخرج مدحت السباعي (كتب السيناريو والحوار أيضاً) لم يتجاوز الحقيقة والواقع كثيراً، عندما اختار هذه الفكرة الخيالية ظاهراً، فقد نجح في معالجة موضوع مأساوي في صورة هزلية ساخرة وضاحكة، فالمتفرج لا يكف عن الضحك طوال الفيلم، ولكنه الضحك الساخر من هذا الواقع المعاش. فما سرقة الهرم إلا "نكتة" يعرفها المتفرج تماماً، ولكنه يسير مع المخرج إلى النهاية متتبعاً مصير هذه الشخصيات البسيطة في صعودها وهبوطها.

إن فيلم السباعي هذا، والذي سبق له أن تناول فكرته في مشروع تخرجه من معهد السينما، يثير عدداً من القضايا التي تؤرق الإنسان المصري في حياته اليومية، وذلك من خلال مواقف درامية ذكية وساخرة.

ورغم كل هذه الإيجابيات التي ذكرناها، إلا أننا لا يمكن أن نتناسى وجود عيوب وسلبيات كثير في الفيلم، وهي نفس السلبيات التي نشاهدها في الغالبية من الأفلام المصرية، حيث أن فيلم (وقيدت ضد مجهول) لا يختلف كثيراً عن الأفلام الأخرى، إلا أن فكرته المبتكرة والجريئة، هي التي أتاحت للمخرج تفجير عدد من القضايا الحيوية.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سينماتك © 2004